← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يصير ملًا إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلاً إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخا إلى ثمانين سنة، ثم يصير بعد ذلك همًا فانيا كبيرا (١). وقد تقدم الفرق بين (نحو)، و (مثل) في حديث حمران (٢) بما يغني عن الإعادة. يريد: نحوي في السن، لا غير، والله أعلم. الرابع: الإداوة: هي (٣) المطهرة، والجمع الأداوى، مثل المطايا، قال الراجز: إذا الأداوى ماؤها تصبصبا قال الجوهري: وكان قياسه: أدائي، مثل رسالة ورسائل، فتجنبوه وفعلوا به ما فعلوا بالمطايا والخطايا، فجعلوا فعائل فعالى، وأبدلوا هنا الواو؛ لتدل على أنه قد كانت في الواحدة واو ظاهرة، فقالوا (٤): أداوى، فهذه (٥) الواو بدل من الألف الزائدة في إداوة، والألف التي في آخر الأداوى بدل من الواو التي في إداوة، وألزموا الواو هنا كما ألزموا الياء في مطايا (٦).

стр. 282

الخامس: قوله: «فيستنجي بالماء»: دليل على أن استعمال الماء أفضل من الاقتصار على الأحجار، وإن كان الأكمل الجمع بينهما، أعني: الماء والأحجار. وقد كره سعيد بن المسيب استعمال الماء، فإنه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إنما ذلك وضوء النساء (١). ق: والسنة دلّت على الاستنجاء بالماء في هذا الحديث وغيره، وهي (٢) أولى من الاتباع)، ولعل سعيدا (٣) ﵀ فهم من أحد غلوًا في هذا الباب؛ بحيث يمنع الاستجمار بالحجارة، فقصد في مقابلته أن يذكر هذا اللفظ لإزالة ذلك الغلو، وبالغ بإيراده إياه على هذه الصيغة، وقد ذهب بعض الفقهاء من أصحاب مالك إلى أن الاستجمار بالحجارة إنما هو عند عدم الماء قلت: هو ابن حبيب. _قال: وإذا ذهب إليه بعض الفقهاء، فلا يبعد أن يقع لغيرهم ممن في زمن سعيد ﵀، وإنما استحب الاستنجاء بالماء؛ لإزالة العين والأثر معا، فهو أبلغ في النظافة، والله أعلم (٤).

стр. 283

الحديث الخامس ١٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (١).

стр. 284

* التعريف: أبو قتادة: الحارث بن ربعي بن بلدمة- بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الدال (١) -، ويقال: بلدمة- بضم الباء الموحدة (٢) والدال-، ويقال: بالذال المعجمة. فارس رسول الله ﷺ ، شهد أحدا، والخندق، وما بعد ذلك من المشاهد. وقيل: اسمه عمرو بن ربعي، وهو مشهور بكنيته، غلبت عليه. مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: بالكوفة، سنة ثمان وثلاثين، والأصح الأول، وصلى عليه علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 285

وذكر ابن عبد البر: أن عَلِيًّا ﵇ كبر عليه سبعا. وذكره الحافظ ابن قانع في «الوفيات» له، وابن طاهر المقدسي الحافظ في «رجال الصحيحين». روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وسبعون حديثًا، اتفقا منها على أحد عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثمانية أحاديث. روى عنه: ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن سليم الزرقي، وعبد الله بن معبد الزماني (١) -بالزاي المعجمة المكسورة والميم المشددة-، وعطاء بن يسار. روى له الجماعة (٢).

стр. 286

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هذا من الآداب النبوية الجامعة. وفي حديث عائشة ﵂: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى (١) لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه، وما كان من أذى (٢). وروينا في «الحلية الكبرى» لأبي نعيم الحافظ: أن عثمان بن عفان ﵁ قال: ما تغنيت ولا تمنيت -يعني: كذبت -، وما مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها (٣) رسول الله ﷺ (٤). وهذا من التقوى والأدب، الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده المتقين. وروي (٥) عن علي ﵁: أنه قال: يميني لوجهي، وشمالي لحاجتي. وقد امتخط ابنه الحسن بيمينه عند معاوية فأنكر عليه (٦)، فقال له: بشمالك.

стр. 287

ولا (١) مفهوم لقوله ﵊: «وهو يبول»؛ إذ المعنى على (٢) النهي مطلقًا، في حال البول وغيره، بل قد وردت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمنى غير مقيدة ببول ولا غيره (٣)؛ تنزيها لليمين، وتكريما لها عن الشمال. ق: وقد يسبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص، فيختص (٤) النهي بهذه الحالة. وفيه بحث؛ لأن هذا الذي يتجه في باب الأمر والإثبات. قالوا: لو جعلنا الحكم للمطلق في صورة الإطلاق مثلاً، كان فيه إخلال باللفظ الدال على المقيد، وقد تناوله لفظ الأمر، وذلك غير جائز. وأما في باب النهي، فإذا جعلنا الحكم للمقيد، أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق، مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، هذه كلها بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث، وهو أن ينظر في الروايتين، أعني: رواية الإطلاق، والتقييد، هل هما حديثان، أو حديث مخرجه واحد؟ فإن كانا حديثين، فالأمر على ما ذكرناه في حكم الإطلاق والتقييد.

стр. 288

وإن كان حديثًا واحدا مخرجه واحد، اختلف (١) [عليه] الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد؛ لأنها تكون زيادة من عدل في حديث واحد، فتقبل، وكذلك (٢) -أيضا - يكون بعد النظر في دلالة المفهوم، وما لايعمل به، وبعد أن ينظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم، انتهى (٣). قلت: وهذا كلام حسن، وتفصيل جيد كما ترى. الثاني: جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، على أن النهي على الكراهة دون التحريم، وإن كان ظاهر الحديث التحريم، وكذلك (٤) حمله أهل الظاهر على التحريم (٥)، فقالوا: لا يجوز مس الذكر باليمين إلا من ضرورة، والعجب منهم أنهم أجازوا مس المرأة فرجها بيمينها وشمالها، وأجازوا لها مس ذكر زوجها بيمينها وشمالها، وأجازوا مس الخاتن ذكر الصغير للختان باليمين، وكذا الطبيب، وحرموا مس الإنسان ذكره (٦). الثالث: قوله ﵊: «ولا يتمسح من (٧) الخلاء

стр. 289

بيمينه»، معنى التمسح هنا: الاستنجاء، فيدخل فيه القبل والدبر، وقد تقدم أن الخلاء ممدود، وهو الغائط. وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵀ في كيفية التمسح في القبل إذا كان الحجر صغيرا، لا بد من إمساكه بإحدى اليدين، فمنهم من قال: يمسك الحجر باليمنى، وتكون الحركة باليسرى واليمنى قارة، ومنهم من قال: يأخذ الذكر باليمنى (١)، والحجر باليسرى، ويحرك اليسرى، والأول أشبه بظاهر الحديث (٢)، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا صريحا. الرابع: قوله ﵊: «ولا يتنفس في الإناء»: النهي - أيضا - على الكراهة -كما تقدم-، وذلك حمل لأمته ﷺ على مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب؛ لأنه إذا تنفس في الإناء، ربما انفصل من ريقه شيء، فيعافه الغير، ويستقذره، هذا مع ما في ذلك من الضرر (٣)، فهو مكروه نزاهة وطبا، ولا يختص ذلك بالشراب، بل بالطعام (٤)، والكتاب كذلك، أعني: أنه يكره النفخ فيهما كالشراب، أما الشراب: فكما تقدم، وأما الطعام والكتاب فللاحترام والتنزيه. والتنفس في معنى النفخ، يدل على ذلك حديث مالك ﵁: أن

стр. 290

أبا سعيد الخدري ﵁ دخل على مروان بن الحكم، فقال له مروان: أسمعت أن رسول الله ﷺ نهى عن النفخ في الشراب؟ فقال أبو سعيد: نعم، فقال رجل: يا رسول الله! إني لا أروى من نفس واحد، فقال له رسول الله ﷺ : «فَأَبِن القدح عن فيك، ثم تنفس»، قال: إني أرى القذى فيه، قال: «فأهرقه» (١). قال بعض من شرح هذا الحديث: قوله: «نهى عن النفخ في الشراب»، المعنى: ما ذكرناه في التنفس، وهو خشية أن يقع من ريقه شيء، وقول الرجل: يا رسول الله! إني لا أروى من نفس واحد، يقتضي أن التنفس (٢) في الإناء في معنى النفخ يتقذره الناظر (٣)، كما ذكرناه. قلت: ومن آداب الشرب: أن يمص الماء مصا، ولا يعبه، كما في الحديث. وظاهر حديث مالك المذكور آنفًا جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه ﷺ لم ينكر على الرجل القائل: إني لا أروى من نفس واحد، بل أقره عليه، فاقتضى ذلك إباحته، وإن كان الأولى التنفس ثلاثًا؛ أعني:

стр. 291

أن يبِين الإناء عن فيه ثلاث مرات، ويتنفس في كل مرة، فإنه أهنأ وأمرأ؛ كما في الحديث (١). فائدة: التنفس يستعمل حقيقة ومجازا: فالحقيقة؛ كقولنا: تنفس الرجل، وتنفس الصعداء. قال الجوهري: وكل ذي رئة متنفس، ودواب الماء لا رئات لها. والمجاز؛ كقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]؛ أي: تَبَلَّجَ، وكذا: تنفست (٢) القوس: إذا تصدعت، وتنفس النهار، إذا زاد، وكذلك الموج: إذا نضح الماء، والله أعلم (٣). * * *

стр. 292

الحديث السادس ١٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ , فَقَالَ: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ , وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ , وَأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً , فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ , فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا» (١).

стр. 293

* التعريف: عبد الله بن عباس: هو أبو العباس بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ أخي أبيه، حبر الأمة، وبحر العلم، أبو الخلفاء، وترجمان القرآن، ولد وبنو هاشم في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقد ناهز الاحتلام، وقيل: ابن عشر سنين، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، قاله (١) أحمد بن حنبل. قيل (٢): وهو الأصح (٣)، والذي عليه أهل التواريخ هو الأول. وروى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عنه، في حجة الوداع:

стр. 294

أنه قال: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام (١)، وهو يشهد لذلك. وروي عنه: أنه قال: قُبض رسول الله ﷺ وأنا ختن، ولم يثبت. وقيل: إنهم كانوا يختتنون بالبلوغ. وروي عن النبي ﷺ من وجوه (٢) أنه قال: «اللهم فَقِّههُّ في الدين، وعلمه التأويل» (٣). وروي عنه أنه قال (٤): «اللهم عّلمه الحكمة، وتأويل القرآن» (٥). وروي عنه أنه قال: «اللهم بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين» (٦).

стр. 295

وأنه قال: «اللهم زده علِمًا وفقها» (١). وهي أحاديث صحاح كلها. وروى مجاهد عنه: أنه قال: رأيت جبريل ﵇ مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ مرتين (٢). وكان عمر يقول: ابن عباس فتى (٣) الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول (٤). وكان يحبه ويدخله مع كبار الصحابة، ويستشيره، ويعده للمعضلات. وروى مسروق، عن ابن مسعود، قال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا، ما عاشره منا أحد (٥). وقال طاوس: أدركت نحو خمس مئة من أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا خالفوا ابن عباس، لم يزل يقررهم حتى يرجعوا إلى ما قال (٦).

стр. 296

وعن مسروق، قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أحكم الناس، وإذا تكلم، قلت: أفصح الناس، وإذا حدث، قلت: أعلم الناس (١). وقال محمد بن القاسم: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلاً قط، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه (٢). وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس (٣). وقال يزيد بن الأصم: خرج ابن عباس حاجا مع معاوية، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب لمن يطلب العلم (٤). وقال شقيق: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فقلت: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو رآه الروم وفارس والترك، لأسلمت (٥). وكان ابن عباس قد عمي في آخر عمره. وروي أنه رأى رجلاً مع النبي ﷺ ، فلم يعرفه، فسأل النبي ﷺ

стр. 297

عنه، فقال: «أرأيته؟»، قال: نعم، قال: «ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك»، وفي ذلك يقول: إِنْ يَأْخُذِ اللَّه مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا ... فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ... وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ (١) وعن ميمون بن مهران، قال: شهدت جنازة ابن عباس، فلما وضع ليصلى عليه، جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه، ثم دخل، فالتمس، فلم يوجد، فلما سوي عليه، سمعنا من يسمع صوته ولا يرى شخصه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] (٢). روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث، وست مئة وستون حديثًا، اتفقا منها على خمسة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين حديثًا، ومسلم بتسعة وأربعين. روى عنه: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل عامرو بن واثلة، وثعلبة بن الحكم، وأبو أمامة ابن سهل بن حنيف، وأخوه كثير بن العباس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وكريب، وعكرمة، وشعبة، ونافذ

стр. 298

أبو معبد مواليه، وطاوس، وكيسان، وابن (١) علي بن عبد الله بن عباس، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبد الله بن عوف الزهري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخلق سواهم. مات بالطائف سنة ثمان وستين، في أيام ابن الزبير، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة سبعين، والأول أكثر، وأشهر، وكان سنه يوم مات إحدى وسبعين سنة، وقيل: اثنتان وسبعون، وقيل: أربع وسبعون، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة (٢). روى له الجماعة ﵃ (٣).

стр. 299

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: «إنهما»: من الضمير الذي يفسره سياق الكلام؛ إذ ليس في اللفظ ما يعود عليه الضمير، فهو من باب قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وأشباه ذلك، و (أن) يجوز أن تكون مبتدأة، ويجوز أن تكون جوابا لقسم محذوف، أي: والله إنهما ليعذبان. الثاني: فيه نص صريح على إثبات عذاب القبر - أجارنا الله منه (١) - كما هو مذهب أهل السنة، وقد اشتهرت الأخبار بذلك. ق (٢): وفي إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية تخصه دون سائر المعاصي، مع العذاب بسبب (٣) غيره - أيضا -، وإن أراد الله ذلك في [حق] بعض عباده، وعلى هذا جاء الحديث: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (٤)، وكذا (٥) جاء - أيضا -: أن بعض من ذُكر عنه (٦) أنه ضمه القبر أو ضغطه، فسئل أهله، فذكروا أنه كان منه (٧)

стр. 300

تقصير في الطهور (١). الثالث: قوله ﵊: «وما يعذبان في كبير» هكذا هو في مسلم، وجاء في رواية البخاري: «وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول»، الحديث، ذكره في كتاب: الأدب، في باب: النميمة من الكبائر، وفي كتاب: الوضوء من البخاري - أيضا -: «وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير»، فثبت هاتين الزيادتين الصحيحتين أنه كبير، فذكر العلماء في ذلك ثلاث تأويلات: أحدها: «وما يعذبان في كبير» في زعمهما. الثاني (٢): «في كبير» تركه. والثالث: ما قاله ع؛ أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر (٣). ح: فعلى هذا يكون المراد بهذا: الزجر والتحذير لغيرهما؛ أي: لا يتوهم أحد أن التهذيب لا يكون إلا في الكبائر الموبقات، فإنه يكون في غيرهما (٤)، والله أعلم. وسبب كونهما كبيرين: أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة، والسعي بالفساد

стр. 301

من أقبح القبائح، لا سيما مع قوله ﷺ «كان يمشي بالنميمة» بلفظ (كان) التي هي للحال المستمرة غالبا، والله أعلم (١). تنبيه: (في) من قوله ﷺ : «في كبير» للسبب؛ أي: وما يعذبان بسبب أمر كبير، وقد أنكر أن تكون «في» للسبب جماعة من الأدباء، والصحيح ثبوته؛ لهذا الحديث، ولقوله ﷺ : «في النفس المؤمنة مئة من الإبل» (٢)؛ فإن النفس ليست ظرفًا للإبل، وكذلك قوله ﵊ في حديث الإسراء: «فرأيت في النار امرأة حميرية عجل بروحها إلى النار؛ لأنها حبست هرة (٣) حتى ماتت جوعا وعطشا، فدخلت النار فيها» (٤)، معناه: بسببها؛ لأنها ليست في الهرة، وكذلك قولهم: أحب في الله، وأبغض في الله؛ أي: أحب بسبب طاعة الله، وأبغض بسبب معصية الله. الرابع: (أما) حرف تفصيل، نائب عن حرف الشرط وفعله،

стр. 302

وبيان ذلك أن يقول القائل: زيد عالم، كريم شجاع - مثلاً (١) -، فيعدد أوصافًا لا يعلم السامع إلا بعضها، فيقول حينئذ: أما زيد، فعالم، أي: وفي الباقي نظر، ففصل (٢) ب (أما) ما أجمله الأول، هذا معنى التفصيل. وأما كونه نائبا عن حرف الشرط وفعله، فإن معنى قولنا: أما زيد فعالم: مهما يكن (٣) من شيء، فزيد عالم، فناب أما مناب حرف الشرط، وهو (مهما)، والمجزوم (٤) وهو (يكن) وما تضمنه من الفاعل، فلذلك ظهر بعده الجواب، ولم يظهر الشرط؛ لقيامه مقامه، وأجيب بالفاء كما يجاب الشرط (٥)، وجوابه هنا (٦) الفاء في قوله ﷺ : «فكان يمشي بالنميمة». ولتعلم أن (أما) المفتوحة الهمزة تستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: ما تقدم. والثاني: أن تكون بمعنى كان، فترفع الاسم، وتنصب الخبر، ومنه قول الشاعر: [البسيط]

стр. 303

أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ ... فَإِنَّ قَوْمِيَ لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ (١) أي: لئن كنت ذا نفر، ف (أنت) اسمها، و (ذا) خبرها؛ لقيامها مقام كان. الخامس: قوله ﵊: «لا يستتر من البول» فيه ثلاث روايات: «لا يستتر من البول» -بتاءين-، و «يستنزه» -بالزاي والهاء-، و «يستبرئ» -بالباء الموحدة، [و] بالهمز بعد الراء، وهذه الثلاثة في البخاري وغيره، ومعناها (٢): لا يتجنبه، ولا يتحرز منه. ق: وهذه اللفظة -أعني: (يستتر) -اختلف فيها الرواة على وجوه، وهذه اللفظة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تحمل على حقيقتها؛ من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة. والثاني: -وهو الأقرب-: أن تحمل على المجاز، ويكون المراد بالاستتار: التنزه عن البول، والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، وإما بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به؛ كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازا، ووجه العلاقة بينهما: أن المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وإنما (٣) رجحنا

стр. 304

المجاز- وإن كان الأصل الحقيقة -لوجهين (١): أحدهما: أنه لو كان المراد العذاب على مجرد كشف العورة، كان ذلك سببا مستقلاً أجنبيا عن البول؛ فإنه حيث حصل الكشف للعورة، حصل العذاب المرتب عليه، وإن لم يكن ثمّ بول، فيبقى تأثير البول بالنسبة إلى عذاب القبر بخصوصه مطرحا عن الاعتبار، والحديث (٢) يدل على أن للبول (٣) بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضا: فإن لفظه (من) لما أضيفت إلى البول، وهي لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء (٤) الغاية مجازا، يقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب (٥) العذاب إلى البول، بمعنى: أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة، زال هذا المعنى. والوجه الثاني: أن بعض الروايات في هذه اللفظة تشعر بأن المراد: التنزه من البول، وهي رواية وكيع: (لا يتوقى)، وفي رواية بعضهم: (لا يستنزه)، فتحمل هذه اللفظة على تلك؛ ليتفق معنى (٦) الروايتين (٧).

стр. 305

قلت: فتكون أربع روايات، وتزاد إلى الثلاثة المتقدمة: (لا يتوقى)، على ما ذُكر. السادس: النميمة: فعيلة من نمّ الحديث، ينمه، وينمه: إذا قته، أي: نقله عن المتكلم به إلى غيره (١)، وهي حرام بإجماع إذا قُصد بها الإفساد بين المسلمين، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها، قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وروينا في «صحيحي» البخاري ومسلم، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة نمام» (٢)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة. قال الغزالي رحمه الله تعالى: النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه،؛كقوله: فلان يقول فيك كذا، وليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول، أو الكناية، أو الرمز، أو بالمكاتبة أو الرمز (٣) الإيماء (٤)، أو نحوها،

стр. 306

وسواء كان المنقول من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيبا، أو غيره، فحقيقة النميمة: إفشاء السر، وهتك الستر (١) عما يكره كشفه. قال: وينبغي للإنسان أن يسكت (٢) عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلا ما (٣) في حكايته فائدة لمسلم، أو دفع معصية، وإذا رآه يخفي مال نفسه، فذكره، فهو نميمة. قال: فكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه (٤) ستة أمور: الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق، وهو مردود الخبر. الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح فعله. الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغض في الله تعالى واجب. الرابع: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء؛ لقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]. الخامس: ألا يحمله ما حكي له (٥) على التجسس، والبحث

стр. 307

عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]. السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى (١) النمام عنه، فلا يحكي نميمته، انتهى (٢). وقد حكي أن رجلاً ذكر لعمر بن عبد العزيز- ﵁ رجلاً بشيء، فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا، فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وإن كنت صادقًا، فأنت من أهل هذه الآية ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وإن شئت، عفونا عنك، قال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه (٣) أبدا (٤). وحكى ح: أن إنسانا رفع إلى الصاحب ابن عباد رقعة يحضه فيها على أخذ مال يتيم، وكان مالاً كثيرا (٥)، فكتب على ظهرها: النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعي لعنه الله (٦). السابع: وأما وضعه (٧) الجريدتين على القبرين، فقال العلماء:

стр. 308

هو محمول على أنه ﷺ سأل الشفاعة لهما، فأجيبت شفاعته ﷺ للتخفيف عنهما إلى أن ييبسا. وقد ذكر مسلم -رحمه الله تعالى- في آخر الكتاب في الحديث الطويل، حديث جابر في صاحبي (١) القبرين: «فأجيبت شفاعتي أن يرفه (٢) عنهما ما دام الغصنان (٣) رطبين» (٤). وقيل: يحتمل أنه ﷺ كان يدعو لهما تلك المدة. وقيل لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب كثيرين، أو (٥) الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قالوا: معناه (٦): وإن من شيء حي، ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع. وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه. ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح حقيقة، أم فيه دلالة على الصانع،

стр. 309

فيكون مسبحا منزها بصورة حاله؟ والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به، وجب المصير إليه، والله أعلم. واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر؛ لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد، فبتلاوة (١) القرآن أولى، والله أعلم. وقد ذكر البخاري في «صحيحه»: أن بريدة بن الحصيب الصحابي- ﵁ -أوصى (٢) بأن يجعل في قبره جريدتان (٣)، ففيه: أنه- ﵁ تبرك بفعل مثل فعل النبي ﷺ . وقد أنكر الخطابي ما يفعله (٤) الناس على القبور من الأخواص (٥) ونحوها، متعلقين بهذا الحديث، وقال: لا أصل له، ولا وجه له (٦).

стр. 310

وقال القرطبي في «تذكرته»: قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: ويستفاد من هذا- يشير إلى وضع الجريدتين- غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور، وإذا خّفف عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة (١) الرجل المؤمن القرآن (٢)؟! والعجب من الخطابي ﵀ في قوله: لا أصل له، ولا وجه له، مع هذا الحديث المتفق عليه، والله سبحانه أعلم. * * *

стр. 311

باب السواك الحديث الأول ١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضَوءٍ (١)» (٢).

стр. 312

قال أهل اللغة: السواك: - بكسر السين -، وهو يطلق على الفعل، وعلى العود الذي نتسوك به، وهو مذكر، وقيل: يذكر (١) ويؤنث، والأول هو الصحيح، يقال: ساك فاه، يسوكه سوكًا، فإن قلت: استاك، لم تذكر الفم، وجمع السواك: سُوُك - بضمتين - ككتاب، وكُتُب. ح: وذكر صاحب «المحكم» (٢): أنه يجوز - أيضا - سؤك بالهمز (٣). قلت: وهو القياس في كل واو مضمومة ضمة لازمة، نحو وقتت، وأقتت، وسماع في المفتوحة اتفاقًا، قالوا: ولم يجئ من ذلك إلا كلمتان: أحد في وحد، وإناة في وناة، وهي المرأة البطيئة القيام، وهل ذلك في المكسورة (٤) قياس أو سماع؟ خلاف. ثم قال (٥): ثم قيل: إن السواك مأخوذ من ساك: إذا دلك، وقيل من: جاءت الإبل تساوك، أي: تتمايل هزالاً.

стр. 313

وهو في اصطلاح العلماء: استعمال عود ونحوه في الأسنان (١)؛ لتذهب الصفرة وغيرها عنها، انتهى (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: السواك مطلوب في الشرع على سبيل الندب، وليس بواجب بإجماع (٣) من يعتد به في الإجماع، وقد (٤) حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني من الشافعية، عن داود الظاهري: أنه أوجبه للصلاة، وحكاه - أيضا - الماوردي عنه، وقال: هو عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته. وحكي - أيضا - وجوبه عن إسحاق بن راهويه، والإبطال بتركه عمدا. ح: وقد أنكر بعض أصحابنا المتأخرين على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا (٥): مذهبه أنه سنة؛ كالجماعة، قال: ولو صح إيجابه عن داود، لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون. قال: وأما إسحاق، فلم يصح هذا المحكي عنه، والله أعلم (٦).

стр. 314

قلت: وهو عندنا من فضائل الوضوء، ووقته قبل الوضوء، ولا يكره الاستياك عندنا في وقت من الأوقات لصائم ولا لغيره، بل يستاك الصائم عندنا أول النهار، ووسطه، وآخره. وقالت الشافعية: يكره الاستياك للصائم بعد الزوال خوف إزالة رائحة الخلوف المستحبة، وسيأتي الكلام (١) في شيء من هذا بعد. قالوا: ويتأكد استحبابه في خمسة أوقات: [الأول]: عند الصلاة، سواء كان متطهر بها بماء، أو تراب، أو غير متطهر؛ كمن لم يجد ماء ولا ترابا. الثاني: عند الوضوء. الثالث: عند قراءة القرآن. الرابع: عند الاستيقاظ من النوم. الخامس: عند تغير الفم، وتغيره يكون بأشياء، منها: ترك الأكل والشرب، ومنها: ما له رائحة كريهة، ومنها: طول السكوت، ومنها: كثرة الكلام (٢). وأما سر (٣) مشروعيته: فقيل: إن العبد إذا قام إلى الصلاة يقرأ القرآن، لا يزال الملك يدنو منه حتى يستقبله إعجابا منه بالقرآن،

стр. 315

فيضع فاه على فيه، فلا تخرج آية إلا في جوف ملك، فأُمر بالسواك لتطيب (١) الفم للملائكة الذين معك، حافظيك، والملك الذي يستقبلك ويضع فاه على فيك، وقد قال (٢) ﵊: «من أكل من هاتين الشجرتين - يعني: الثوم والكراث- فلا يقرب مسجدنا»، قيل: يا رسول الله! فإذا (٣) كان أحدنا خاليا؟ فقال ﵊: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه (٤) ابن آدم» (٥). هذا كلام الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى في بعض كتبه. وقال ابن عباس ﵁: في السواك عشر خصال: يذهب الحفر، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويطيب الفم، وينقي البلغم، وتفرح له الملائكة، ويرضي الرب- ﵎، ويوافق السنة، ويزيد في حسنات الصلاة، ويصح الجسم (٦). وزاد الحكيم الترمذي: ويزيد الحافظ حفظًا، وينبت الشعر، ويصفي اللون.

стр. 316

وأحسن ما يستاك به: الأراك رطبا أو يابسا، إلا الصائم، فإنه يكره له أن يستاك (١) بالأخضر الذي يجد له طعما، وأما الجوزة المحمرة، فحرام للصائم، فإن لم يجد الأراك؛ فبشيء خشن، ويجزئ) (٢) عندنا الأصبع (٣). وللشافعية فيه خلاف، قالوا: إن كانت لينة، لم يحصل بها السواك، وإن كانت خشنة، فثلاثة أوجه: المشهور: لا تجزئ. والثاني: تجزئ. والثالث: تجزئ إن لم يجد غيرها (٤). ويستحب أن يكون السواك متوسطًا بين الليونة واليبوسة، وينبغي أن يستاك عرضا؛ فإن الشيطان يستاك طولاً، إلا في اللسان، فإنه يستاك فيه (٥) طولاً. وينبغي أن يبدأ بالسواك من الجانب الأيمن (٦) من فيه. قال الترمذي الحكيم ﵁: وتجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك

стр. 317

تحته، والبنصر والوسطى والسبابة فوق السواك، والإبهام أسفل السواك تحته (١)، ولا تقبض القبضة على السواك، فإن ذلك يورث البواسير. ح: ويستحب أن يمر (٢) السواك على أطراف أسنانه، وكراسي أضراسه (٣)، وسقف حلقه إمرارا لطيفًا (٤). قال الترمذي الحكيم: وابلع ريقك من أول ما تستاك به (٥)؛ فإنه ينفع من الجذام، والبرص، وكل داء سوى الموت، ولا تبلع بعده شيئًا؛ فإنه يورث الوسوسة، يرويه علاثة. ولا تمص السواك مصا (٦)؛ فإن ذلك يورث العمى. قال: ولا تضع (٧) السواك إذا وضعته عرضا، وانصبه نصبا؛ فإنه (٨) يروى عن سعيد بن جبير، قال: من وضع سواكه بالأرض، فجن من ذلك، فلا يلومن إلا نفسه. قال: ويروى عن كعب: أنه قال: من أحب أن يحبه الله، فليكثر

стр. 318

من السواك والتخلل؛ فالصلاة بهما مئة (١) صلاة. قال: ويروي خالد (٢) عن أبيه، قال: السواك شطر الوضوء، والوضوء شطر الصلاة، والصلاة شطر الإيمان. قلت: وهذه آداب حسنة ينبغي تعاهدها في السواك؛ فإن ذلك لا يجلب إلا خيرا، والله أعلم. الثاني: قوله ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك). اعلم أن كلمة (لولا) تستعمل في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف تخصيص، بمعنى هلا، فلا يليها إلا الأفعال؛ نحو: لولا صليت، لولا (٣) تصدقت، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: ١٥]، و (٤) ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، وأشباه ذلك من الآي وغيرها. والثاني: أن يكون حرفًا يدل على امتناع الشيء لوجود غيره، كما هي في هذا الحديث، إذ المعنى: امتنع أمري بالسواك لوجود المشقة الحاصلة، فهذه لا يليها إلا الأسماء، عكس التي قبلها، تقول: لولا زيد، لأكرمتك؛ أي: امتنع إكرامي إياك لوجود زيد.

стр. 319

ومعنى قوله ﵊: «لأمرتهم بالسواك»: لأمرتهم أمر إيجاب وإلزام، وإلا، فمعلوم أنا مأمورون (١) به على طريق الندب، كما تقدم، وهو مذهب أكثر الفقهاء، وجماعات (٢) من المتكلمين، وقد أخذ بعض الأصوليين من هذا أن الأمر يقتضي الوجوب، وهو الصحيح، ما لم تقترن به قرينة تصرفه عن ذلك، ووجه الاستدلال منه: أن الممتنع (٣) لأجل المشقة إنما هو الوجوب دون الاستحباب- كما تقدم-، فاقتضى ذلك أن يكون الأمر للوجوب، والله أعلم (٤). الثالث: هذا الحديث بظاهره يقتضي عموم استحباب الاستياك عند كل صلاة، فيدخل في ذلك الظهر والعصر، للصائم وغيره، وقد تقدم ذكر كراهية الشافعية الاستياك للصائم بعد الزوال، وهو ضعيف. ق: ومن يخالف في تخصيص عموم هذا الحديث، يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به هذا العموم، وفيه بحث (٥). الرابع: في ظاهر الحديث دليل لمن يرى (٦) أن النبي ﷺ له أن يحكم

стр. 320

بالاجتهاد؛ لكونه ﵊ جعل المشقة سببا لعدم أمره، ولو كان الحكم موقوفًا على النص، لكان (١) سبب انتفاء أمره ﷺ عدم ورود النص به، لا (٢) وجود المشقة (٣). وقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال: ثالثها: كان له ﷺ أن يجتهد في الحروف والآراء دون الأحكام. ورابعها: الوقف. والمسألة مبسوطة في كتب الأصول، والله أعلم. * * *
следующие страницы →