← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

* الشرح: يقال: صَداقٌ، وصِداق -بفتح الصاد وكسرها-، وهو مَهْرُ المرأة، وكذلك الصَّدُقَة -بضم الدال-، ومنه قوله تعالى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والصُّدْقَة مثلُه -بالضم وتسكين الدال-، وقد أَصْدَقْتُ المرأةَ، إذا سَمَّيْتُ لها صَداقًا (١). وقوله: "وجعلَ عتقَها صداقَها": هذا مما عَدَّهُ العلماءُ من خصائصه ﷺ ؛ لأن له ﵊ خصائصَ في النكاح وغيرِه لم يَشْرَكْه فيها أحدٌ. أمّا النكاح، فمنها: هذا. ومنها -أيضًا-: جوازُ تزويجه من غير وليٍّ ولا صداقٍ، وأنه ينعقدُ نكاحه بلفظِ الهبة. ومنها: أنه ينعقد نكاحُه في حال الإحرام. ومنها: الزيادةُ على أربعِ نسوة، وأنه يحرم عليه نكاحُ الكتابية، والأَمَة، وإمساكُ مَنْ كرهتْ نكاحَه. ومنها: إذا وقع بصرُه على امرأة، ورغب فيها، وجب على زوجها أن يطلقها لينكحَها.

стр. 2592

وأمّا قصةُ زيدِ بنِ حارثةَ، فللمفسرين (١) فيها اختلافٌ وتطويل. ومنها: أنه لا يجب عليه القَسْمُ بين زوجاته. ومنها: تحريمُ نسائه بعد موته؛ لأنهنَّ أمهاتُ المؤمنين. وقد (٢) اختُلِفَ في بقاء نكاحه عليهن وانقطاعه. ثم على (٣) القولُ بانقطاعه في وجوب العِدَّة ونفيِها خلاف منشؤه النظرُ إلى كونهن زوجاتٍ توفي عنهنَّ زوجهنَّ، وهي عبادة (٤)، أو (٥) النظرُ إلى أنها مدةُ تربص لا ينتظر بها (٦) الإباحة. واختُلف -أيضًا- في مطلقته ﵊، هل تبقى حرمته عليها، فلا تُنكح؟ ثم له ﵊ خصائص في غير النكاح صنَّف فيها الناسُ كتبًا ﷺ . إذا ثبتَ هذا، فلتعلمْ: أن الناس اختلفوا في هذا، أعني: مَنْ أعتقَ أمته على أن يتزوجها، وجعلَ عتقَها صداقَها، فأجاز ذلك جماعةٌ، لظاهر

стр. 2593

الحديث، منهم: الثوريُّ، وإسحاقُ، وأحمدُ (١)، والأوزاعيُّ، وأبو يوسفَ، ويُروى عن ابن المسيبِ، والحسنِ، والنخعيِّ، والزهريِّ. ومنع ذلك جماعةٌ، منهم: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسن، وزُفَرُ، ورأوا ذلك من خصائصه ﵊؛ كما قدمنا، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل، إلا أنه يتأنس (٢) في ذلك بكثرة خصائصه ﵊ في النكاح، لاسيما وقد قال اللَّه -تعالى- في الموهوبة: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فلا يقاس غيره عليه فيما خُصّ به، وأيضًا (٣): فإن قوله: "وجعلَ عتقَها صداقَها" إنما هو من قول أنس (٤)، لم يُسنده، فلعله (٥) تأويل منه؛ إذ لم يُسَمّ لها صداقٌ، واللَّه أعلم. وقال الشافعي: إذا أعتقَها على ذلك، كانت (٦) بالخيار، فإن امتنعت، كان له عليها قيمتُها إذا لم ترضَ بالعتق مجانًا (٧).

стр. 2594

قال الإمامُ: والاعتبارُ عند بعض أصحابنا يمنعُ من ذلك أيضًا؛ لأنه إن قُدِّرَ أنها عقدت على نفسها النكاحَ قبلَ عتقها، فذلك لا يصحّ؛ إذ لا ملكَ لها في نفسِها حينئذ، ولا يصحُّ -أيضًا- عقدُ الإنسان نكاحَه من أمته، وإن قُدِّرَ أنها عقدته بعدَ عتقِها، فلم يقع منها بعد ذلك رضا تطالبْ به، وإن كان يقدَّر (١) قبلَ (٢) عتقها بشرط أن تعتق (٣)، فقد عقدت الشيء قبل وجوبه، والتزامُها في هذا (٤)، وجوبُ (٥) الشيء قبل أن يجبَ لها، لا يلزمُها (٦) على الطريقة المعروفة عندنا. وأما حجةُ الشافعي ﵀، فإنه يقول: إنه أعتقَ بعِوَضٍ، فإذا بطل العوضُ في الشرع، رجع في سلعته، أو في قيمتها إن لم يمكن الرجوع فيها، وهذه (٧) [لا] يمكن الرجوعُ فيها، وإن تزوجته (٨) بالقيمة الواجبة له عليها، صح ذلك عنده (٩).

стр. 2595

والحديثُ يحتمل احتمالًا جيدًا استحبابَ عتقِ الأمةِ وتزويجها، بل يقطع بذلك؛ لحديث الثلاثة الذين يؤتَوْنَ أجرَهم مرتين، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2596

الحديث الثاني ٣٠٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (١) السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ جَاءَتْهُ امْرأةٌ، فَقَالَتْ: إِنيِّ وَهَبْتُ نفسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُل: يَا رَسُولَ اللَّه! زَوِّجْنيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ (٢): "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ "، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِزَارُكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا، جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا"، قَالَ: مَا أَجِدُ (٣)، فَالَ: "فَالْتَمِسْ (٤) (٥) وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَالْتَمَسَ، فَلَمْ يجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "زَوَّجْتكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (٦).

стр. 2597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2598

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قولها: "وهبتُكَ نفسي": لابد من تقدير مضاف محذوفٍ؛ أي: أمرَ نفسي، أو شأنَ نفسي، ونحو ذلك. فيه: دليل على عَرْض المرأةِ نفسَها على أهل الدين والصلاح، وسكوتُه ﵊ تقرير لجواز هذه الهبة المختصّ بها ﵊؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ كما تقدم، ولذلك قال له الرجل: "زوّجنيها إن لم يكنْ لكَ بها حاجةٌ"، ولم يقل: هَبْنيها؛ لما علم من اختصاصه ﵊ بذلك، وقد نقل عن (١) الشافعي ﵁: أنه قال: في الحديث دليل على أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب إلا بالقبول؛ لأن الموهوبةَ كانت جائزةً للنبي ﷺ ، وقد وهبتْ هذه له نفسَها، فلم تصر زوجةً له بذلك (٢). قلت: الذي (٣) يظهر لي: أنه لا دليل في ذلك على اشتراط لفظ القبول؛ لأنا نقول: الهبةُ تصح بأحد أمرين: إما لفظ (٤) القبول، أو

стр. 2599

ما دلّ عليه من قرينة الحال؛ كالمعاطاة في البيع، وكلاهما (١) مفقود في الحديث، بل فهم منه ﵊ ضدّ القبول، على ما سيأتي، فلذلك لم تَصِرْ له زوجةً (٢) بلفظ الهبة، واللَّه أعلم. وقد اختلف قولُ مالك في الواهبة نفسَها باسم النكاح على غير صداق إذا فات بالدخول، هل (٣) يُفسخ أم لا؟ ع: ولا يختلف أنه يُفسخ قبل، على المعروف دون الشاذ: أنه كنكاح التفويض. وقال ابن حبيب: إن عُني بالهبة غيرُ النكاح، ولم يُعْنَ بها هبة الصداق، فسخ قبلُ، وثبت بعد الدخول، ولها صداقُ المثل، وإن أراد به نكاحَها بغير صداق، فإن أصدَقَها ربعَ دينار فأكثرَ، لزم. ع: ووهمه (٤) بعضُ شيوخنا فيما قال، وذلك أن الواهبة نفسها بغير معنى النكاح سفاح يثبت فيه الحدُّ، وإنما الخلافُ فيما أُريد به النكاح. قلت: وهذا الصوابُ إن شاء اللَّه تعالى. قيل: وفي الحديث: دليل على جواز الخِطبة على الخِطبة ما لم يتراكَنا.

стр. 2600

وقال الباجي: فيه: جوازُ ذلك إذا كان باستئذان الناكح؛ إذ هو حقُّه (١) (٢). وهو -واللَّه أعلم- بَيِّنٌ عند التأمل؛ إذ لم يتقدم من النبي ﷺ فيها خطبةٌ حتى يقال: خِطبة على خِطبةٍ، وليس في ذلك إلا مجردُ عرضِ المرأة نفسَها خاصّة، واللَّه أعلم، فليعلمْ ذلك. الثاني: قوله: "فقامَتْ طويلًا": يجوز أن يكون (طويلًا) نعتًا لمصدر محذوف؛ أي: قامت (٣) قيامًا طويلًا، أو لظرفٍ محذوف؛ أي: زمانًا طويلًا، وفيه رواية أخرى: "قيامًا (٤) طويلًا" (٥) ملفوظًا (٦) به (٧). فيه: حُسنُ أخلاق النبي ﷺ ، وأدابُه؛ إذ سكت عن جوابها إذْ لم يردْها، فلم يُخجلها (٨) بأن يقول: لا حاجةَ لي فيك، ونحو ذلك. وفيه -أيضًا-: من حُسن أدبها؛ إذْ لم تلحَّ عليه إذْ سكت عنها في الجواب، وتركه ونظره ﷺ .

стр. 2601

الثالث: إنما سأل الرجلُ (١) النبيَّ ﷺ تزويجها (٢) بعد أن قالتْ ما قالت؛ لما ظهر له من زهده ﵊ فيها؛ بقرينة الحالِ الدالَّةِ (٣) على ذلك، وهذا يؤيد (٤) ما تقدم من كون الحديث ليس فيه دليلٌ على اشتراط لفظِ القبولِ في (٥) الهبة؛ إذ لم يكن فيه ما يقوم مقامَ لفظِ القبول من القرائن الدالة عليه، على ما تقرر آنفًا. الرابع: قوله ﵊: "هل معكَ شيءٌ تُصدقها" دليلٌ على وجوب الصداق، وتسميتِه في النكاح، ولا خلاف في ذلك من حيث الجملة، وإن كان قد اختُلف في أقلِّه على ما سيأتي. الخامس: قوله ﵊: "إزارُك هذا إن أَعطيتها" إلى آخره: هو بضم الراء، مرفوعٌ على الابتداء، والجملةُ الشرطيةُ بعدَه (٦) خبرُه (٧)، والمفعولُ الثاني لـ (أعطى) محذوف، تقديره: أعطيتَها إياه، ولا خلافَ في جواز حذف أحدِ مفعولي (٨) أَعْطى، أو

стр. 2602

حذفِهما (١) جميعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥]، فحذف مفعولي (٢) أعطى، وقال -تعالى- في حذف (٣) أحد المفعولين: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]؛ أي: الشفاعةَ والمقامَ المحمودَ ونحوَ ذلك، ولا يجوز نصبُ (إزارك) على هذه الرواية، ويكون مفعولًا ثانيا لأعطى (٤)؛ لحيلولة حرف الشرط بينهما. وأما رواية: "إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ"، فظاهرة. والإزار: يذكَّر ويؤنَّث، ويقال: إِزَارَةٌ (٥)، وجمع القلة فيه آزِرَةٌ، والكثير (٦): أُزُر وأُزْرٌ؛ كحمار، وأَحْمِرَةٍ، وحُمُر، وحُمْر، والمِئْزَر: الإزار؛ كمِقْرَم وقِرام، يقال: أَزَّرْتُه، وتأزَّرَ (٧) تأزيرًا، وائتزرَ إِزْرَةً (٨) حسنةً -بكسر الهمزة-، وهي الهيئة؛ كالجِلْسَة والرِّكْبَة (٩) (١٠).

стр. 2603

وقوله ﵊: "جلستَ ولا إزارَ لك": فيه: نظرُ الإمام في حالِ رعيته بالمصلحة، وإرشادُهم إلى المصالح، وهديُهم لما فيه الرفقُ بهم. ع: وفيه: دليلٌ على أن إصداق المال يُخرجه عن ملك مالكِه، فمن أصدقَ جاريةً، حرمت عليه. قال: وفيه: أن الأثمان المبيعات لا تصحُّ إلا بصحة تسليمِها وإمكانِه، فمتى (١) لم يكن كذلك، وامتنع، لم ينعقدْ فيه بيعٌ، وسواء كان امتناعُ ذلك حسيًا؛ كالطير في الهواء، والحوت في الماء، أو شرعيًا؛ كالمرهون (٢)، ونحو ذلك، ومثلُ هذا لو زال (٣) إزارُه انكشفَ (٤) (٥). السادس: قوله ﵊ "التمسْ شيئًا"، وقول السائل: لا أجد؛ دليلٌ على أنه لابد أن يكون الصداق مما له بالٌ، ويُسمَّى (٦) مالًا، دون ما ينطلق عليه اسمُ شيء؛ إذ النواةُ، والخَزَفَةُ

стр. 2604

المكسورةُ، وشبهُ ذلك يقعُ عليه (١) اسمُ شيء، وهو مما لا يتعذَّرُ وجودُه، وهم مجمِعون على أن (٢) مثلَه لا يكون صداقًا، ولا يصحُّ به النكاح، قاله ع (٣) (٤). السابع: قوله ﵊: "التمسْ (٥) ولو خاتمًا من حديد": يروى بالنصب، وهو الأكثرُ على أن يكون خبرَ (كان) المحذوفة؛ أي: ولو كان الملتمَسُ خاتمًا من حديد، ويروى: بالرفع على تقدير: ولو حضرَ خاتم من حديد، و (لو) هنا هي التقليلية (٦)، وقد وهم فيها بعضُ المتأخرين ممن تكلم على الحديث وهمًا شنيعًا. والخاتمُ فيه أربعُ لغات: فتحُ التاء، وكسرُها، وخاتامٌ، وخَيْتامٌ، والجمعُ الخواتيم. وأما خاتمةُ الشيء، فآخرُه ومنتهى أمرِه، ومحمد ﷺ خَاتَمُ النبيين -بالفتح-: خَتَمَهم، فهو كالخاتَم والطابع لهم، وبالكسر: بمعنى أنه خَتْمُهم؛ أي: آخرُهم، وقد قرىء بهما في (٧) قوله تعالى:

стр. 2605

﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١). فيه: دليلٌ على جواز اتخاذِ خواتيمِ الحديد. ع (٢): وقد اختلف السلف والعلماء في ذلك، فأجازه بعضُهم؛ إذ لم يثبت النهيُ فيه، ومنعه آخرون، وقالوا (٣): (٤) كان هذا قبلَ النهي، وقولِ النبي ﷺ فيه: "حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ". قالوا: ومطالبتُه ﵊ بذلك في الحال تدلُّ (٥) أن من حكمه تعجيلَه، أو (٦) تعجيلَ ما يصحُّ أن يكون صداقًا، ولو ساغَ تأخيرُ جميعِه، لسأله: هل يرجو (٧) أن يكسبَ (٨) شيئًا، أو يجد؟ فيزوجه على ذمته (٩). وهو مذهبنا؛ أعني: استحبابَ تعجيلِ الجميع، أو ربع دينار قبل الدخول، وإنما استُحِبَّ أن يكون ما تقدَّمَ (١٠) أقلَّ ما يُستباح به الفرجُ

стр. 2606

عندنا؛ لأنه لو اقتصرَ في المهر على ذلك، لجاز. وقد خرَّج العقيليُّ عن ابن عباس: أنه ﵊ قال: "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَا يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا" (١). قال ابن شهاب: وذلك مما عمل به المسلمون، ورأوه حسنًا. قال الأبهري: ولأن المهر نِحْلَةُ (٢) البُضْع، فاستحبَّ أن يقدم ما يحلُّ به البضعُ، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. قال العُزَيرِي: هبةً (٣)؛ يعني: أن المهر هبة من اللَّه -تعالى- للنساء، وفريضة عليكم، ويقال: نحلة: ديانة (٤)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]، فقدَّم الصداق قبلَ البناءِ بأهله، ولهذا استحبَّ تقديم (٥) جميعِ الصداق (٦)، أو ما يُستحلُّ به الفرجُ، واللَّه أعلم. فإن لم يفعل، جاز. وقد تعلق (٧) بهذا الحديث مَنْ أجازَ النكاح بأقلَّ من ربع

стр. 2607

دينار، وهم الأكثرون (١)؛ لأنه خرج مخرج التقليل (٢)، وقاسهُ مالكٌ ﵀ على القطع في السرقة، فلم يجز النكاحَ بأقلَّ من ربع دينار. ع: وهو مما انفرد به مالكٌ؛ التفاتًا إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فدلَّ (٣) أن المراد: مالَهُ بالٌ من المال، وأقلُّه ما استُبيح به العضوُ (٤) في السرقة، وهو ربعُ دينار. وخالف في ذلك ابنُ وهب من أصحابنا، وأجازَ النكاحَ بكلِّ ما تراضَيا عليه، وإن كان دونَ درهمٍ؛ كما يقوله الأكثرون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقلُّه عشرةُ دراهم. وقال ابن شبرمة: أقلُّه خمسةُ دراهمَ؛ قياسًا -أيضًا- على القطع في السرقة عندهما. وكره النخعي أن يتزوج بأقلَّ من أربعين درهمًا، وقال مرة: عشرة. وقد اختلفت أجوبةُ أصحابِنا عن ظاهر هذا الحديث، فقال بعضُهم: قولُه ﵊: "ولو خاتمًا من حديد" على

стр. 2608

طريق المبالغة، لا التحديد؛ لقوله أولًا: "ما أجدُ شيئًا"، وأن المراد بقوله: "التمسْ شيئًا": أكثرُ من قيمةِ خاتم (١) الحديد؛ إذ قد نفى الرجلُ أن يجد شيئًا، و (٢) لا ما هو أقلُّ من خاتم الحديد، وهذا (٣) عندي ضعيف، لا ينتظمُ منه دليل. وقال آخر (٤): لعله إنما طلب (٥) منه ما يقدمه، لا أن (٦) يكون جميعُ الصداق خاتمَ حديد، قال: وهذا يضعفه أن مذهب مالك استحبابُ (٧) تقديم ربع دينار لا أقلَّ (٨). وقال (٩) بعضُ المتأخرين: إن قيل: إن خاتم الحديد يحتمل أن يكون قيمته أقلَّ من ربع دينار، قيل: وقد يحتمل أن تكون قيمتُه ربعَ دينار، فليس احتمالُك أولى من احتمالنا، على أن الحديث عندنا مخصوص بذلك الرجلِ بعينه؛ كما أن طعام الكفارة مخصوصٌ بالرجل الذي أطعمه النبي ﷺ (١٠) له ولعياله بعينه (١١).

стр. 2609

قال: ومما يدل على أنه مخصوص بهذا الرجل قولُه ﷺ : "زَوَّجْتُكها بما معكَ من القرآن"، فهذه القصة لهذا الرجل (١) دونَ غيره؛ لأن مخالفنا (٢) في هذه المسألة؛ وهو الشافعي (٣)، في جملة (٤) أهل العلم لا يجوِّزون (٥) أن تتزوجَ (٦) المرأةُ بالرجل (٧) على ما معه من القرآن، والشافعيُّ يقول: يجوز أن يتزوجها على أن يعلِّمها، ويقول: معنى الحديث هذا، وليس ذلك في الحديث. قلت: أما قوله: يحتمل أن تكون قيمتُه ربعَ دينار، فاحتمالٌ مرجوحٌ جدًا، يخالفه العُرفُ والاستقراء (٨)، وأما حملُه الحديثَ على أنه زوّجه المرأةَ لحفظه شيئًا من القرآن إكرامًا للقرآن، لا لأنه يعلِّمها، وتكون (٩) أجرةُ التعليم صداقًا لها؛ كما يقوله (١٠) الشافعي،

стр. 2610

وإنكاره (١) ذاك، فخطأ من وجهين: أحدهما: أنه قد ورد عن مالك هذا التفسيرُ (٢) بعينه، وقد ذكره مسلمٌ مفسِّرًا: "اذْهَبْ فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ" (٣) [و] في رواية عطاء، فعلَّمها عشرين آية، وفي رواية: "مَا تَحْفَظُ مِنْ القُرْآنِ؟ "، فقال: سورةَ البقرةِ والتي تليها، فقال: (٤) "قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً، وَهِيَ امْرَأتُكَ" (٥). والثاني: أنا لو سلَّمنا أنه كما يقول، لكان النكاحُ خاليًا عن الصداق قَطْعًا، فيكون (٦) كالموهوبة، وهذا شيءٌ لا يحلُّ إلا للنبيِّ ﷺ ، وإن كان الطحاويُّ قد نحا هذا المنحى، فقال: لما كانت الموهوبةُ للنبي ﷺ جائزةً في النكاح، كان (٧) له هو أن يهبها أيضًا في النكاح،

стр. 2611

قال: ويصحح (١) ذلك أن النبي ﷺ قد مَلَّكَها له، ولم يُشاوِرْها. قلت: ولقائلٍ أن يقول: إن النبيَّ ﷺ له التصرفُ المطلقُ الشرعيُّ، فهو (٢) إنما مَلَّكها له (٣) بلا مَشورة؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسِهم؛ كما قال تعالى، وقد أشارَ إلى نحو (٤) هذا الداوديُّ (٥) من أصحابنا. وفي (٦) الحديث: إشارة إلى الحضِّ على تعليم القرآن، وعِظَمِ شأنِ حامليه، لا سيما العاملين به، جعلنا اللَّه منهم، آمين. وفيه: دليلٌ على جواز (٧) النكاح بالإجارة، وعندنا (٨) في ذلك ثلاثة أقوال (٩): المنعُ لمالك، والكراهةُ لابن القاسم في "كتاب (١٠) محمد"، والإجازة لأصبغ، فإن وقع، مضى في قول الأكثر؛ وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.

стр. 2612

قال الإمام: ومنعه أبو حنيفة في الحُرِّ، وأجازَه في العبد، إلا أن تكون الإجارةُ تعليم القرآن، وهذا الذي استثناه بالمنع هو الذي وقع في هذا الحديث إجازتُه، ولكنه طردُ أصلِه في أن القرآن لا يؤخذ عليه أجرٌ (١). ولم يُذكر هنا في الحديث اشتراطُ معرفةِ الزوجِ بفهمِ (٢) المرأة وسرعةِ قبولها لما تتعلَّمُه (٣)، وهذا محملُه على أن أفهام النساء متقاربة، ومبلغها معروف، أو (٤) في حكم المعروف. وقد أخذ بعضهم من هذا الحديث: أن (٥) مَنْ خطب إلى رجل، فقال له: زَوِّجْني، فقال له الآخر: زَوَّجتك: أن النكاحَ لازمٌ، وإن لم يقل الآخر: قبلتُ (٦) (٧). وقد ترجم البخاري بمعنى هذا على هذا الحديث، واللَّه أعلم.

стр. 2613

وقال المهلب: بساطُ الكلام أغنى عن ذلك، وكذلك في كلِّ راغب في النكاح، وإلا، فيسأل الزوج هل رضيَ بالصداق، أم لا (١)؟ قال الإمام: وفي الحديث: دلالة على انعقاد النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج؛ خلافًا للشافعيِّ والمغيرة؛ لأنه ذكر هنا تمليكها، وفي البخاري: "قَدْ مُلِّكْتَهَا"، وفي بعض طرقه: "قَدْ أَمْكَنَّاكَهَا (٢) "، وعند أبي داود: "مَا تَحْفَظُ مِنَ القُرْآنِ؟ "، قال: سورةَ البقرة والتي تليها، قال: "قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً، وَهِيَ امْرَأتك" (٣). ع (٤): روايتُنا في مسلم: "مُلِّكْتَهَا" -بضم الميم وكسر اللام- عن غير واحد، وروينا الحرف عن الخشني: "مَلَّكْتُكَهَا (٥) "؛ كما ذكره البخاريُّ، وذكر في الرواية الأخرى (٦): "زَوَّجْتُكَهَا"، وقد قال أبو الحسن الدارقطنيُّ: إن رواية مَنْ رواه (٧): "مُلِّكْتَهَا" وهمٌ، ورواية (٨)

стр. 2614

من قال: "زَوَّجْتُكَهَا" (١) الصواب، وهم أكثرُ حفظًا (٢) (٣). ق: وقال بعضُ المتأخرين: ويحتمل صحة اللفظين، ويكون أحرى (٤) لفظ التزويج أولًا، فملكها (٥)، قال له: اذهبْ فقد ملكتها بالتزويج السابق. واستبعده (٦) ق من وجوه: من جملتها أنه قال: لخصمه أن يعكس (٧) الأمر، ويقول: كان انعقادُ النكاح بلفظ التمليك، وقوله ﵊: "زَوَّجْتُكَهَا" إخبارٌ عمَّا مضى بمعناه، فإن (٨) ذلك التمليك هو تمليكُ نكاح. ثم قال: وإنما الصواب في مثل هذا أن ينظر إلى الترجيح، واللَّه أعلم (٩). قلت: وهو كما قال الشيخ ﵀، ولا خيرَ في التعسُّفِ، وتحميلِ

стр. 2615

اللفظِ غيرَ ما يحتمل ظاهرُه (١) (٢). وقد اختُلف في اسم هذه المرأة الواهبةِ نفسَها: فقيل: إنها أم شريك، واسمها: غُزِّيَّة (٣)، أو غُزَيْلَة -بغين مضمومة معجمة (٤) وزاي فيهما-، وقيل غير هذا (٥)، واللَّه الموفق (٦). * * *

стр. 2616

الحديث الثالث ٣١٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ رأى عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ (١): "مَا (٢) أَصْدَقْتَهَا؟ "، قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: "فَبَارَكَ (٣) اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" (٤).

стр. 2617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2618

* الشرح: الرَّدْعُ: -بفتح الراء وإسكان الدال وبالعين المهملات-، يقال: به رَدْعٌ من زعفرانٍ، أو دمٍ؛ أي: لَطْخٌ وأثَرٌ (١)، ورَدَعْتُهُ بالشيء، فارتَدَعَ؛ أي: لَطَّخْتُهُ فَتَلَطَّخَ؛ قاله الجوهري (٢). والمراد هنا: ما تعلق به من طيبِ العروسِ وعَبيرِها (٣)، ولطخَ بجلدِه وثوبه (٤) من ذلك. ع: هذا أولى (٥) ما قيل فيه، وقد جاء في حديث آخر: "وَبِهِ (٦) رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَان" (٧)، فلا يكون هذا داخلًا في النهي عن تَزَعْفُر الرجال؛ لأن ذلك ما قصدوه، وتشبهوا فيه بالنساء. وقيل: ذلك رخصةٌ (٨) للعروس، وقد جاء في ذلك أثرٌ ذكره أبو عبيد (٩): أنهم كانوا يرخِّصون في ذلك للشابِّ أيام عرسه (١٠) (١١).

стр. 2619

وقيل: لعلَّ النبيَّ ﷺ لم ينكره؛ لأنه كان يسيرًا. قلت: ويؤيده (١) تفسيرُه بالأثر. وقيل: كان مَنْ ينكح أولَ الإسلام يلبس ثوبًا مصبوغًا بصفرة علامةً للسرور. ع (٢): وهذا غيرُ معروف، على أن بعضهم جعله (٣) أولى ما قيل في هذا. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك في ثيابه. ومذهبُ (٤) مالكٍ وأصحابه: جوازُ لباسِ الثيابِ المزعفَرَة للرجال، وحكاه مالكٌ عن علماء المدينة؛ وهو مذهبُ ابنِ عمرَ، وغيرِه من المسلمين، وحجَّتُهم: قولُ ابنِ عباس (٥): إِنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يصبغ بالصُّفْرَة (٦)، وحكى ابنُ شعبان عن أصحابنا كراهةَ ذلك في اللِّحْيَة (٧).

стр. 2620

وكره الشافعيُّ، وأبو حنيفة ذلك في الثيابِ، واللِّحْيَةِ. وَ"مَهْيَمْ": كلمةٌ يُستفهم (١) بها، ومعناها (٢): ماجاء بك؟ وما شأنك؟ وقيل: إنها لغة يمانية. وقال بعضهم: يشبه أن تكون مُرَكبة (٣). قلت: وهو بعيد، إذ لا يكاد يوجد اسمٌ مركبٌ على أربعة أحرف. فيه: دليلٌ على استحباب سؤالِ الكبير عن حالِ أصحابه، إذا رأى تغيرَ حالٍ كانوا عليها، عن سبب ذلك. وقوله: ﵊: "ما أَصْدَقْتَها؟ " دليلٌ على أن الصداقَ مقرَّرٌ في أصل الشرع؛ إذ لم يقل ﵊: هل أصدقتها؟ وإنما سأل بـ (ما) (٤) عن جنس الصداق (٥)، والسؤال بـ (ما) بعدَ السؤال بـ (هل) (٦)؛ كما أن السؤال بـ (أم) بعد السؤال بـ (أو) على ما تقرر عند علماء العربية من لغة العرب في ذلك.

стр. 2621

وقوله: "وزنَ نواة" (١): النواة: خمسةُ دراهم، والأُوقية: أربعون درهمًا (٢)، والنَّشُّ: عشرون درهمًا (٣). قال الخطابي، النواةُ اسمٌ معروفٌ لقدرٍ معروفٍ، فسرُها بخمسةِ دراهمَ من ذهب (٤). ع (٥): وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: النواةُ ثلاثةُ دراهم وثلثٌ. وقيل: المراد بها هنا: نوى التمر (٦)؛ أي: وزنها من ذهب، والأولُ أظهرُ وأصحُّ (٧). قلت: ويقويه أن نوى التمر تختلف (٨)، فلا ينضبط به العَقْدُ. ع: وقال بعضُ أصحاب مالك: النواةُ ربعُ دينار، وظاهرُ كلام أبي عُبيد (٩): أنه دفع خمسةَ دراهمَ، قال: ولم يكن ثَمَّ ذهبٌ، إنما هي

стр. 2622

خمسةُ دراهمَ تسمَّى: نواةً؛ كما تسمى الأربعون درهمًا (١): أوقيةً (٢). قلت: هذا نصُّ كلام أبي عبيد، لا ظاهره. ع (٣): وقد روي في حديث عبد الرحمن: "وزنَ نواةٍ من ذهب، ثلاثةُ دراهمَ وربعٌ"، وأراد أن يحتج هذا بأنه أقلُّ الصداق، وهذا لا يصحُّ له؛ لأنه قال: "من ذهب"، وذلك (٤) أكثر من دينارين، وهذا ما لم يقله (٥) أحدٌ، وإنما هي غفلةٌ من قائله، بل هي حجة على مَنْ يقول: إنه لا يكون أقلَّ من عشرةِ دراهمَ. وقد وهَّم الداودي روايةَ من روى: "وزنَ نواةٍ" (٦)، وإن الصحيحَ عندَه: "نواة"، ولا وهم فيه على كل تفسير؛ لأنه إن كانت نواةَ تمرٍ (٧) كما قال، وكان عندهم للنواة (٨) مثقالٌ معلوم، فكلٌّ (٩) يصح أن يقال فيه: وزن كذا (١٠).

стр. 2623

وقوله ﵊: "فباركَ اللَّهُ لكَ" هو فاعَلَ؛ من البركةِ وزيادةِ الخير. قال الجوهري: يقال: بارك اللَّه لكَ، وفيكَ، وعليكَ، وبارَكَكَ (١). فيه: استحبابُ الدعاء للمتزوج، وأن يقال له: باركَ اللَّه لك، ونحوه. وقوله ﵊: "أَوْلِمْ ولو بشاةٍ"؛ أي: اصنعِ الوليمةَ، والوليمةُ طعامُ النكاح، على ما ذكره صاحب "العين". وقال الخطابي: هو طعام الإملاك. وقال غيره: الوليمةُ طعامُ العرسِ، والإملاكِ خاصةً (٢). وقيل: كلُّ دعوة على إملاك، أو نفاسٍ، أو خِتانٍ، أو حادثِ سرور، دُعي إليها الناسُ، فاسمُ الوليمة يقع عليها. قيل (٣): وهي مشتقةٌ من الوَلْمِ، وهو الجَمْعُ؛ لأن الزوجين يجتمعان؛ قاله الأزهري، وغيره. وقال ابن الأعرابي: أصلها (٤): تمامُ الشيء واجتماعُه، والفعلُ

стр. 2624

منها أَوْلَمَ، [قال]: ويقال للقيد (١): وَلْمٌ (٢). قلت: وقد تقدم أولَ الكتاب أن الضيافات ثمانٍ: الوليمةُ، والخُرْسُ وهو طعام الولادة، والعَذيرَةُ للخِتان، والوَكِيرَةُ للبناء، والنّقيعَةُ لقدومِ المسافر، والعَقيقَةُ يومَ سابعِ المولود، والوَضِيمَةُ الطعامُ عندَ المصيبة، والمأْدُبَة -بفتح الدال وضمها- الطعامُ المتخذ ضيافةً بلا (٣) سبب. وقد اختلف في حكم الوليمة: فعندنا: أنها مستحبةٌ (٤)، خلافًا لداود، وأحدِ قولَي الشافعي في إيجابها؛ أخذًا بهذا، حمله (٥) على الوجوب، ولقوله ﵊: "وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّه"؛ لأنه إنما أطلق (٦) ذلك عليه في ترك الإجابة، وهي لو كانت واجبة، ما دلَّ ذلك على وجوب الوليمة؛ كما أن الابتداء بالسلام ليس بواجبٌ، والرد واجب، فكذلك (٧) غيرُ بعيد أن تكون (٨) الدعوةُ غيرَ واجبة، والإجابةُ واجبةً.

стр. 2625

وقال بعضُ البغداديين من أصحابنا: لا يمنع أن يطلق على من أخلَّ بالمندوب تسميته عاصيًا؛ لأن المعصية مخالفةُ الأمر (١)، والمندوب مأمورٌ به (٢). قلت: وهذا بعيدٌ من وجهين: أحدهما: أنه خلافُ عرفِ حملةِ الشريعة، وغير (٣) مصطلحهم واستعمالهم. والثاني: أن المندوب قد اختلف فيه أهلُ الأصول؛ هل هو مأمورٌ به، أو (٤) لا؟ واللَّه أعلم. وهل مشروعيتُها قبل الدخول، أو بعده؟ ظاهرُ (٥) قولِ مالكٍ: استحبابُها بعدَ الدخول، وهو قولُ غيره. وحكى ابنُ حبيب استحبابَها عند العقد، وعندَ البناء. ع: واستحبَّها بعضُ شيوخنا قبلَ البناء؛ ليكون الدخولُ بها، وحكمتُها (٦): اشتهارُ النكاح؛ ليخالفَ حالَ السفاح.

стр. 2626

وظاهرُ قوله ﵊: "ولو بشاةٍ" يعني (١): أن التوسعةَ فيها لمن قَدَرَ مستحبةٌ، وأن الشاةَ لأهلِ الجِدَةِ والقدرةِ (٢) أقلُّ ما يكونُ، وليس على طريق التحديد، بل على طريق الحض والإرشاد، ولا خلاف أنه لا حدَّ لها ولا توقيت. وقد ذكر مسلم في وليمة صفية الوليمةَ بغيرِ اللحم (٣)، وفي وليمةِ زينبَ: أَشْبَعَنا خُبزًا ولحمًا (٤)، وكلٌّ جائز، وبقدر حال الرجل وما يجد. واختلف السلفُ (٥) في كثرة (٦) تكرارها أكثرَ من يومين بإجازته (٧) وكراهته. واستحبَّ أصحابنا لأهل السعة كونهَا (٨) أسبوعًا.

стр. 2627

قال (١) بعضهم: وذلك إذا دعا في كلِّ حال من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم. وكرهوا (٢) فيها المباهاةَ والسمعةَ (٣). وقد تقدم شروطُ وجوب الإجابة إلى الوليمة، وهو أن يدعي معينًا، ولا منكرَ هناك، ولا أراذلَ (٤)، ولا زحامَ، ولا إغلاقَ بابٍ دونه على ما تقرر، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2628

كِتْابُ الطَّلَاق

стр. 2629

كِتْابُ الطلاق الحديث الأول ٣١١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، فتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا (١) حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فتَطْهُر (٢)، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ " (٣).

стр. 2630

وَفي لَفْظٍ: "حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتي طَلَّقَهَا فِيهَا" (١). وَفي لَفْظٍ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ (٢) كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الطلاقُ في اللغة هو (٤): الإرسالُ والتسريح، ومنه قوله
следующие страницы →