← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وظاهرُ قوله ﵊: "ولو بشاةٍ" يعني (١): أن التوسعةَ فيها لمن قَدَرَ مستحبةٌ، وأن الشاةَ لأهلِ الجِدَةِ والقدرةِ (٢) أقلُّ ما يكونُ، وليس على طريق التحديد، بل على طريق الحض والإرشاد، ولا خلاف أنه لا حدَّ لها ولا توقيت. وقد ذكر مسلم في وليمة صفية الوليمةَ بغيرِ اللحم (٣)، وفي وليمةِ زينبَ: أَشْبَعَنا خُبزًا ولحمًا (٤)، وكلٌّ جائز، وبقدر حال الرجل وما يجد. واختلف السلفُ (٥) في كثرة (٦) تكرارها أكثرَ من يومين بإجازته (٧) وكراهته. واستحبَّ أصحابنا لأهل السعة كونهَا (٨) أسبوعًا.

стр. 2627

قال (١) بعضهم: وذلك إذا دعا في كلِّ حال من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم. وكرهوا (٢) فيها المباهاةَ والسمعةَ (٣). وقد تقدم شروطُ وجوب الإجابة إلى الوليمة، وهو أن يدعي معينًا، ولا منكرَ هناك، ولا أراذلَ (٤)، ولا زحامَ، ولا إغلاقَ بابٍ دونه على ما تقرر، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2628

كِتْابُ الطَّلَاق

стр. 2629

كِتْابُ الطلاق الحديث الأول ٣١١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، فتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا (١) حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فتَطْهُر (٢)، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ " (٣).

стр. 2630

وَفي لَفْظٍ: "حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتي طَلَّقَهَا فِيهَا" (١). وَفي لَفْظٍ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ (٢) كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الطلاقُ في اللغة هو (٤): الإرسالُ والتسريح، ومنه قوله

стр. 2631

تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والإطلاقُ ضدُّ التقييد (١)، قال الجوهري: طَلَقَتِ المرأةُ -بفتح اللام- تَطْلُقُ، فهي طالِقٌ، وطالِقَةٌ. قلت: وعلى إثبات التاء قولُ الشاعر: أَجارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ وقد تقدم. قال الأخفش: لا يقال: طَلُقَتْ، بالضم (٢). وفي "مطالع الأنوار": الفتحُ والضم، وأما من الولادة، فطُلِقت -بضم الطاء (٣) وكسر اللام- لا غيرُ. الثاني: لا خلافَ في تحريم طلاقِ الحائضِ الحائلِ المدخولِ بها بغيرِ رضاها، واختُلف في علة المنع، فقيل: لتطويل العدة؛ إذ بقيةُ الحيض لا يحتسب به. وقيل: هو غير معلل، وعليهما يتخرج طلاقُ الحاملِ، وغيرِ الممسوسة والمختَلعة في حال الحيض، وظاهرُ الحديث: عدمُ التعليل من حيث إنه ﵊ لم يستفصلْ عن هذه المطلقة في الحيض، هل هي حائل، أو حامل، أو ممسوسة، أو

стр. 2632

مختلعة، أو (١) غير ذلك؟ وتركُ الاستفصالِ في مثل هذا يتنزل منزلةَ العُموم في المقال عند (٢) جمعٍ من أرباب الأصول. واختَلف -أيضًا- قولُ مالك في جواز طلاق الحاكم على المؤْلي للضرورة، فعنه في ذلك روايتان. وعلى كل حال، فإن وقع الطلاق، لزم، وشذ بعضُ الظاهرية، فقال: لا يقعُ طلاقه، لأنه غيرُ مأذون له فيه، فأشبهَ طلاقَ الأجنبية. ودليلُ الجمهور: أمرُه ﵊ بمراجعتها، والرجعةُ فرعُ ثبوت (٣) الطلاق عقلًا وشرعًا، لا يقال: إن المراد هنا (٤) بالرجعة: الرجعةُ (٥) اللغوية، وهي الردُّ إلى حالتها الأولى، لا أنه (٦) بحيث يكون عليه طلقة، لأنا نقول: ذلك باطل من وجهين: أحدهما: أَنَّ حملَ لفظِ الشارع على الحقيقة الشرعية مقدَّم على حمله على الحقيقة اللغوية؛ كما هو متقررٌ (٧) في الأصول. والثاني: أن ابنَ عمرَ ﵄ صرَّحَ في روايات مسلم وغيرِه: بأنه حسبها عليه طلقةً.

стр. 2633

إذا ثبت هذا: فالمطلِّقُ في الحيض (١) مأمورٌ بالرجعة؛ لقوله ﵊: "ليراجِعْها"، وهل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ مذهبنا: أنه على الوجوب، وهو الأصل، في صيغة الأمر. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجماعة: هو على الاستحباب. الثالث (٢): اختُلف في علة أمرِه ﵊ له بتأخير الطلاق إلى طهرٍ آخرَ بعدَ هذا الطهرِ الذي يلي حيضةَ الطلاق: فقيل: إن الطهر الذي يلي الحيضَ والحيضةَ التي قبلَه الموقَعَ فيها الطلاقُ كالقَرْء الواحد، فلو طلق فيه، لصار كموقعِ طلقتين في قَرْءٍ واحد، وليس ذلك طريق السُّنَّة. وقيل: إنه ﵊ عاقبه بذلك؛ تغليظًا لفعله المحرَّم. ع: وهذا معترض، لأن (٣) ابنَ عمر ﵁ لم [يكن] يعلمِ الحكمَ، وإنما يُغَلَّظ على المتعمِّد (٤) (٥).

стр. 2634

قلت: وهذا غيرُ لازم؛ لأنه ﵊ تَغَيَّظَ فيه؛ كما في الحديث، ولم يعذره (١) بعدم عرفانِ الحكم؛ إما لأن الأمر من (٢) الظهور بحيث لا يكاد يخفى، فكانت (٣) الحال تقتضي التثبتَ، أو مشاورتَهُ ﵊ في ذلك، واستفتاءه فيها، فلم يفعل، واللَّه أعلم. وقيل (٤): لئلا تصيرَ الرجعةُ لغرض الطلاق، فوجب أن يُمسكها زمانًا يحلُّ له فيه طلاقُها، وإنما أمسكها لتظهر فائدةُ الرجعة، وبهذا أجاب الشافعية أيضًا. وقيل: إنه نهى عن طلاقها؛ في الطهر ليطول مقامُه معها، فلعله يجامعها، فيذهب (٥) ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، واللَّه أعلم. واختلف (٦) المذهب عندنا إذا لم يرتجعها حتى جاء (٧) الطهر الذي أُبيح له الطلاق فيه، هل يُجبر على الرجعة فيه، لأنه حقٌّ عليه، فلا يزولُ بزوال (٨) وقته؟ أم (٩) لا يجبر؛ لأنه قادرٌ على الطلاق في

стр. 2635

الحال، فلا معنى للارتجاع؟ الرابع: قوله ﵊: "وإنْ شاءَ، طَلَّقَ قبلَ أن يمسَّ"؛ أي: قبل أن يطأ، ففيه: كراهةُ الطلاق في الطهر الذي مسَّ فيه، وهو مذهبنا. وقالت الشافعية بتحريم الطلاق فيه، وهو الأظهرُ عندي؛ لأنه ﵊ شرطَ في الإذن في الطلاق والحالةُ هذه عدمَ المسيس، والمتعلق بالشرط معدومٌ عند عدمه. ونقل (١) ع عن ابن حازم والمغيرة: أن المطلَّقَةَ في طهر مُسَّت فيه لا تعتدُّ (٢) به، وتستأنفُ (٣) ثلاثةَ أطهار. الخامس: قوله ﵊: "فتلك العدَّةُ كما أمرَ اللَّه ": كأنَّ (أَمَرَ) هنا بمعنى: أَذِنَ وأَبَاحَ؛ إذ الطلاقُ غيرُ مأمورٍ به، بل قد جاء: "أَبْغَضُ المُبَاحِ إِلَىِ اللَّه الطَّلَاقُ" (٤)، وتحريرُ المعنى فيه: فتلك العدةُ التي أمر اللَّه أن لا تُتعدَّى ولا تُتجاوَزَ، واللَّه أعلم.

стр. 2636

وقد اختلف العلماء في صفة طلاق السنَّة، فصفتُها (١) عندنا: أن تطلَّقَ (٢) التي عادتُها أن تحيضَ واحدةً في حالِ طهرِها في طهرٍ لم يمسَّها فيه. وأن لا يكون ذلك الطهرُ تاليًا لحيضٍ طلق فيه. وأن تُترك (٣) لا يُتبعها طلاقًا. ومتى انخرمَ بعضُ هذه الشروط الستة، خرجَ الطلاقُ عن السنَّة. فقولنا: التي عادتها أن تحيض، تحرزٌ من الصغيرة أو اليائسة؟ فإن طلاقهما لا يوصف بأنه للسنة، ولا للبدعة. وقولنا: واحدةً، تحرزٌ مما زاد عليها. وقولنا: في حالِ طهرِها، تحرزٌ من الحائض والنفساء. وقولنا: في طهر لم يمسَّها فيه، تحرزٌ من طهرٍ مسَّ فيه؛ لما تقدم من كراهية ذلك عندنا، وتحريمِه عند الشافعي (٤). وقولنا: وأن لا يكون ذلك الطهر تاليًا لحيضٍ طَلَّقَ (٥) فيه، تحرزٌ مما إذا طَلَّقَ في الحيض، ثم أُجبر على الرجعة؛ فإنه مأمور بإمساكها

стр. 2637

إلى الطهر من الحيضة الثانية؛ كما في الحديث. وقولنا: أن تُترك، فلا يُتبعها طلاقًا، تحرزٌ من أن يطلقها واحدة، ثم يُردفها (١) بأخرى، أو اثنتين، فكُره له عندنا أن يفرق عليها ثلاثَ طلقات (٢) في ثلاثة أطهار، وأجاز ذلك أبو حنيفة في أحد قوليه، وقاله ابن مسعود. واختلف فيه قولُ أشهبَ؛ فقال مثلَه مرة، وأجاز -أيضًا- ارتجاعَها، ثم يطلق، ثم يرتجع (٣)، ثم يطلق، فيتم الثلاث، والمذهبُ (٤) كراهةُ ذلك. وقال الشافعي، وأحمدُ، وأبو ثور: ليس في عَدَدِ الطلاق سنةٌ ولا بدعة، وإنما ذلك في الوقت. ع: وما جاء في حديث ابن عمر يدلُّ على أن ما عدا (٥) ما وصف فيه طلاقُ بدعة؛ لكن أجمعَ أئمةُ الفتوى على لزومه إذا وقعَ؛ إلا (٦) مَنْ لا يُعتد به من الخوارج والروافض، وحكي عن ابن عُليَّة، واللَّه أعلم (٧).

стр. 2638

الحديث الثاني ٣١٢ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَها البَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، وَفي رِوَايةٍ: طَلَّقَهَا ثلاثًا (١)، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْه (٢)، فَقَالَ: وَاللَّهِ! مَالَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَه (٣)، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَة" (٤). وَفي لَفْظٍ: "وَلَا سُكْنَى" (٥)، فَأمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكَ

стр. 2639

امْرَأةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ، فَآذِنِيني"، فَلَمَّا حَلَلْتُ (١)، ذَكَرْتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسولُ اللَّه ﷺ : "أَمَّا أبَو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوك لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَكَرِهَتْهُ، ثُمَّ قَالَ: "انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ"، فَنَكَحَتْهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطَتْ بِهِ (٢).

стр. 2640

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: أبو عَمْرِو بنُ حفصٍ هذا قيل: اسمُه كنيتُه، وقيل: اسمُه عبدُ الحميد. ع: وهو الأشهرُ في اسمه (١). وقيل: اسمه أحمدُ، وقال بعضهم: أبو حفصِ بنُ عمر، وقيل: أبو حفصِ بنُ المغيرة، ومن قال: أبو عمرو بن حفص أكثرُ، قاله ق (٢). الثاني: قولها: "طلقها ثلاثًا": قال العلماء: هذا هو الصحيح المشهورُ الذي رواه الحُفَّاظ، واتفق على روايته الثقاتُ -على اختلاف ألفاظهم- في أنه طلقها ثلاثًا، أو البتةَ، أو آخرَ ثلاثِ تطليقات، أو طلقها ولم يذكر هذا ولا غيره. وجاء في آخر "صحيح مسلم" في حديث الجساسة ما يفهم منه أنه ماتَ عنها، وليست (٣) هذه الروايةُ على ظاهرها، بل هي وهمٌ، أو مؤولةٌ (٤).

стр. 2641

قلت: والجمعُ بين هذه الروايات المختلفاتِ الألفاظِ: أن تكون قد تقدم له فيها تطليقتان؛ بأن (١) أتم الثالثةَ، فمن (٢) روى: آخرَ ثلاث تطليقات، أو طلقها ولم يذكر عددًا ولا غيره، فظاهرٌ، ومن قال: ثلاثًا، أراد: تمامَ ثلاثٍ (٣)، ومن روى: البتةَ، عبر بها عن الثلاث؛ إذ كانت في معناها؛ كما هو مذهبنا، ومذهبُ العامة، فعلى هذا، لا (٤) متمسَّكَ لمن استدلَّ بهذا الحديث على جواز طلاق (٥) الثلاث دفعةً وَاحدة (٦). الثالث: فيه: دليلٌ على جواز طلاقِ الغائب، وجوازِ الوكالةِ في أداء الحقوق، ولا خلاف في ذلك. والوكيلُ: يرفع، على أنه المرسِل، وينصب، على أنه المرسَل، وهو القائل: مالكِ علينا (٧) من شيء؛ إذ المطلِّقُ غائبٌ، ولما كان قائماَّ مَقام الموكِّل في ذلك، صحَّ له أن يقول: مالكِ علينا (٨) من

стр. 2642

شيء، وكأنه هو (١) -أيضًا- مدَّعًى عليه، وهذا (٢) معروفٌ من لسان العرب، مشهورٌ. وفيه: جوازُ استفتاءِ المرأة، وسماع المفتي كلامَها، وكذلك في التحاكم عند الإمام. الرابع: قوله ﵊: "ليسَ لكِ علينا (٣) نفقةٌ"، وفي لفظٍ: "ولا سُكنى": ظاهرُه: إسقاطُها، أو إسقاطُهما. وقد اختُلف في المطلقةِ البائنِ الحائلِ، هل لها السكنى والنفقة، أم لا؟ فذكر مسلمٌ عن عمرَ ﵁، وهو قول أبي حنيفة، إثباتَهما. وقال آخرون: بإسقاطِهما، وهو قولُ ابنِ عباس، وأحمدَ. وقال مالك، والشافعي: لها السكنى دونَ النفقةِ. فحجةُ من أثبتَهما (٤): قولُه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآيةَ، وأما النفقة، فلأنها محبوسة عليه، وهذا عنده يوجب لها النفقة. وحجةُ مَنْ أسقطَهما (٥): قولُه ﵊ في

стр. 2643

الحديث: "لا نفقةَ لكِ عليه، ولا سكنى". وحجةُ مالكٍ، والشافعيِّ في إثبات السكنى خاصةً: ما تقدَّمَ من قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآيةَ، وهذا خبرُ واحد، فقد لا يخص به العمومُ، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآيةَ، ودليلُ خطابِ هذه الآية يقتضي عدمَ النفقة عند عدمِ الحملِ مع التصريح في الحديث بإسقاط النفقة. قال الإمام: ولا يدخل التأويل في هذا كما دخل في السكنى، فأكَدَ هذا الخبرُ دليلَ خطابِ القرآن، فصار مالكٌ ﵀ إليه. قلت: يريد: ومن وافقَه. وأما ما اعتَّل به ابنُ المسيب ﵁ من قوله: تلكَ امرأةٌ فَتَنَت الناسَ، إنها كانت (١) لَسِنَةً، فوضعت على يدي (٢) ابن أم مكتوم (٣)، وقوله -أيضًا-: تلكَ امرأةٌ استطالَتْ على أحمائها بلسانِها (٤)، فأمرَها ﵊ أن تنتقلَ، وما قاله الإمامُ من احتمال أن يكون ذلك من أنها خافَتْ من ذلك المنزل؛ بدليل ما رواه من قوله: أخافُ

стр. 2644

أن يُقتحمَ عليَّ (١) (٢)، فسياقُ الحديث يأباه، فإنه يقتضي: أن سببَ اختلافِها مع الوكيل، وأن (٣) الوكيل قال: لا نفقةَ لها، واقتضى ذلك أن سألتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، فأجابها ﵊ بما أجاب، وذلك (٤) يقتضي أن التعليل سببهُ (٥) ما جرى من الاختلاف في وجوب النفقة، لا سببٌ آخَرُ. والإجماعُ على وجوب النفقة للرجعية (٦)، والخلافُ في وجوب السكنى والنفقة للمبتوتةِ (٧) الحائل كما تقدم، وأما الحاملُ، فلها السكنى والنفقة، واللَّه أعلم. الخامس: قوله: "فأمرها أن تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَريك (٨) " إلى قوله: "تضعينَ ثيابَكِ": أم شريك هذه قرشيةٌ، وقيل: أنصارية، واسمها غُزَيَّةُ، وقيل: غُزَيْلَةُ -بغين معجمة مضمومة ثم زاي- فيهما،

стр. 2645

قيل: إنها التي وهبتْ نفسَها للنبيِّ ﷺ ، وقيل غيرها، وقد تقدم ذلك قريبًا في حديث الواهبةِ نفسَها. ح: ومعنى الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يزورون أُمَّ شريك، ويُكثرون الترداد إليها؛ لصلاحِها، فرأى النبيُّ ﷺ أن على فاطمةَ من الاعتداد عندَها حرجًا؛ من حيث إنه يلزمها التحفظُ من نظرهم إليها، ونظرِها إليهم، وانكشافِ (١) شيء منها، وفي (٢) التحفظ من هذا مع كثرةِ دخولهم وتردُّدِهم مشقةٌ ظاهرة، فأمرَها ﵊ بالاعتداد عند ابنِ أم مكتوم؛ لأنه لا ينظرُها، ولا يتردد إلى (٣) بيته مَنْ يتردد إلى بيت أم شريك (٤). قلت: واختُلف (٥) في اسم ابنِ أم مكتوم، فقيل: عمرو، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: غيره. قال بعضهم: فيه (٦): جواز نظر المرأة إلى الرجل، وكونه معها إذا لم تنفرد به، وأن ما ينكشف (٧) من الرجال للنساء (٨) في تصرُّفهم

стр. 2646

لا حرجَ فيه غير العورات؛ بخلاف النساء معهم. قال ع، وتبعه ح ما معناه تضعيفُ هذا القول، وأن الصحيح الذي عليه جمهورُ العلماء أنه يحرمُ على المرأة النظرُ إلى الأجنبي، كما يحرم نظرُه إليها؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وأن (١) الفتنة مشتركة. ح: ويدل عليه من السنة حديثُ نبهانَ مولى أم سلمة عن أم سلمةَ (٢): أنها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ ، فدخل ابنُ أم مكتوم، فقال النبيُّ ﷺ : "احْتَجِبَا مِنْهُ"، فقالتا: إنه أعمى لا ينظر (٣)، فقال النبي ﷺ (٤): "أفعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ (٥)؟! "، هذا الحديث (٦) حسن، رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما. قال (٧) الترمذي: هو حديث حسن (٨). ولا يُلتفت إلى قدحِ مَنْ قدحَ فيه بغير حجَّة معتمدة.

стр. 2647

وأما حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ مع ابن (١) أم مكتوم، فليس فيه إذنٌ لها في النظرِ إليهِ، بل فيه: أنها تأمن عندَه من نظر غيره (٢)، وهي مأمورة بغض بصرها، فيمكنها الاحترازُ عن النظر بلا مشقة؛ بخلاف مكثها في بيت أم شريك (٣). ع (٤): وأما حديثُ نبهانَ، فيخص بزيادة حرمة أزواج النبي ﷺ ، وأنهن كما غُلِّظَ الحجابُ على الرجل فيهن، غُلِّظ عليهن في حقّ الرجال -أيضًا-؛ لعظم حرمتهن، وإلى هذا أشار أبو داود، وغيرُه من العلماء (٥). قلت: وهذا الكلام يقتضي أنه لا دليلَ في حديث نبهان؛ لوجود خصوصيةٍ (٦) في أزواجه ﵊ مفقودةٍ في غيرهن، فلا ينتظم ما استدلَّ به ح على هذا. السادس: قوله ﵊: "فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني": هو بمد الهمزة؛ أي: فأعلميني.

стр. 2648

قيل: فيه: جوازُ التعريض في العِدَّة، واستبعده ع (١)؛ إذ ليس في قوله: "آذنيني"، أو "لا تَسبقيني بنفسِك" على الرواية الأخرى، غيرُ أمرها بالتربُّص، ولم يسمِّ لها زوجًا. قال: وإنما يكون التعريض من الزوج، أو ممن يتوسَّطُ له بعد تعيينه ومعرفته، وأما في مجهول، فلا يصحُّ فيه التعريض؛ إذ لا تصحُّ مواعدتُه. قال: لكن في الحديث ما يدل على منع التعريض، والخِطبة، والمواعدة في العِدَّة؛ إذ لم يذكر لها ﵊ مرادَهُ، ولا واعدَها عليه، ولا خطبَها لأسامةَ (٢). وقولها: "خَطَباني"، ولم ينكر ذلك ﵊، دليل (٣) جواز الخِطْبة على الخِطْبة، إذا لم يتراكَنا. وقوله ﵊: "أَمَّا أبو جَهْمٍ، فلا يضعُ عصاه عن عاتقه": فيه تأويلان: أصحُّهما: أنه كثيرُ الضربِ للنساء (٤)؛ كما جاء مصرَّحًا به في الرواية الأخرى: "ضَرَّابٌ لِلنِّساءِ" (٥) هكذا.

стр. 2649

والثاني: أنه كثيرُ الأسفار، ولعل قائلَ هذا الثاني لم تبلُغْه الروايةُ الأخرى (١). والعاتِقُ: ما بين العُنق والمَنْكِب. وفيه: دليلٌ على جواز استعمال المبالغة، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة؛ فإن أباجهم لا بدَّ أن يضع (٢) عصاه حالةَ نومه وأكلِه، وكذلك معاويةُ لا بدَّ أن يكون (٣) له ثوبٌ يلبسه -مثلًا-؛ لكن اعتبر حالُ الغلبة، وأُهدر حالُ النادر واليسير، وهذا المجاز فيما قيل في أبي جهم أظهرُ منه فيما قيل في معاوية؛ لأن لنا أن نقول: إن لفظةَ (المال) انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى ما له قدرٌ من المملوكات، أو ذلك مجازٌ شائع يتنزل منزلةَ النقل، فلا يتناول الشيءَ اليسير جدًا؛ بخلاف ما قيل في أبي الجهم (٤)، قاله ق (٥). وهو الظاهر عندي، واللَّه أعلم. وفيه: دليلٌ على جواز ذكر الإنسان بما فيه عندَ المشاورة وطلبِ النصيحة، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرَّمَة، بل من النصيحة

стр. 2650

الواجبة، وقد قال العلماء: إن الغيبة تُباح (١) في ستة مواضع، وقد تقدم ذكرُها أولَ الكتاب في حديث: "إِنهمَا لَيُعَذَّبَانِ" الحديث (٢). تنبيه: اعلمْ أن أبا الجَهْم (٣) هذا (٤): بفتح الجيم؛ مُكَبَّر، وهو المذكورُ في حديث الأَنْبجانية، وهو غير أبي الجُهيم (٥) المذكورِ في حديث التيمم، وفي المرورِ بين يَدَيِ المصلي، فإن ذلك بضم الجيم، مصغر، وهو ابنُ حذيفة، القرشيُّ، العدويُّ؛ أعني: المكبرَ. ع (٦): ذكره الناسُ كلهم، ولم ينسبوه في الرواية، إلا يحيى بنُ يحيى الأندلسيُّ أحدُ رواةِ "الموطأ"، فقال: أبو جَهْم بنُ هشام، [وهو غلط، لا يعرف في الصحابة أبو جهم بن هشام] ولم يوافق يحيى (٧) على ذلك أحدٌ من رواة "الموطأ"، ولا غيرهم (٨). وقوله ﵊: "وأَمَّا معاويةُ، فصُعلوكٌ لا مالَ له":

стр. 2651

فيه: ما تقدم من مجاز المبالغة. والصُّعْلُوكُ -بضم الصاد-: الفقير. قال الجوهري: وصعاليكُ العرب: ذُؤبابها (١)، والتَّصَعْلُكُ: الفقر، قال الشاعر: [الطويل] غنينا (٢) زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى (٣) ويقال: تصَعْلَكَتِ (٤) الإبلُ: إذا طرحَتْ أوبارَها (٥). وقوله ﵊: "انكحي أسامة": فيه: جوازُ أمرِ المستشارِ بغير ما استُشير فيه إذا رأى ذلك نظرًا ومصلحةً. وفيه: جوازُ نكاح غيرِ الكُفُؤِ في النسب؛ لأن فاطمةَ هذه قرشيةٌ، وأسامةُ بنُ زيد مولى، والكفاءةُ عندنا حقٌّ لها وللأولياء (٦)، فإن تركوها، جاز، إلا الإسلام، فيُفسخ نكاحُ الكافرِ المسلمةَ، ولو (٧) أسلمَ بعدَ العقد (٨)، ويؤدَّبُ، إلا أن يُعذر بجهل، والنظر في

стр. 2652

الدين، والحرية، والنسب، والقدر، والحال (١)، والمال، واختُلف في الجميع (٢) إلا الإسلام. وفي "المدونة": المسلمون بعضُهم لبعضٍ أكفاء، وفُرِّقَ بين عربيةٍ ومولًى، فاستعظمَ ذلك مالك ﵀، وتلا قولَه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] إلى قوله تعالى: ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] والعبدُ كذلك. وقيل: إلا العبد. وقال ابنُ بشير: لا خلافَ منصوصٌ أن للزوجة ولمن قامَ لها فَسْخَ نكاحِ الفاسق، وأما الفاسقُ بالاعتقادِ، فقال مالك: لا يتزوج إلا (٣) القدريَّة، ولا يزوَّجوا. وعن ابن القاسم، فيمن دعتْ إلى زوج، وأبى وليُّها: إذا كان كُفُؤًا لها في القدر، والحال، والمال، زوَّجَها السلطان. قال عبد الملك: وعلى هذا اجتمع (٤) أصحابُ مالك، لا خلاف (٥) بينهم في ذلك؛ هذا مذهبنا (٦).

стр. 2653

قال ابنُ هبيرة: واختلفوا في فقد الكفاءة، هل تؤثر (١) في إبطال النكاح؟ فقال أبو حنيفة: فقدُ الكفاءة يوجب للأولياء حقَّ الاعتراض. وقال مالك: لا يُبطل النكاحَ فقدُها. وعن الشافعي قولان: الجديد منهما: أنه لا يُبطل النكاحَ عدمُها. والقديم: أن فقدَها يُبطل (٢). وعن أحمد روايتان: أظهرهما: أنه يَبْطُل النكاحُ بفقدها. والأخرى: لا يبطل بفقدها، ويقف على إجازة الأولياء وإعراضهم (٣). قال: واختلفوا إذا زوَّجها بعضُ الأولياء بغير كفؤ (٤) برضاها. فقال مالك، والشافعي، وأحمد -في الرواية التي يقول فيها: فقدُ الكفاءة لا يُبطل النكاح-: لبقيةِ الأولياء الاعتراضُ. وقال أبو حنيفة: يسقط حقُّهم، واللَّه أعلم (٥).

стр. 2654

ق: وكراهتُها له إما لكونه مولًى، أو لسواده ﵁ (١). واغْتبَطَتْ (٢): هو بفتح التاء والباء؛ ليبين (٣) أنه ليس مبنيًا للمفعول؛ فإن الغبطة -على ما قاله أهل اللغة (٤) -: أن يتمنى مثلَ حال المغبوط من غير أن يريدَ زوالَها عنه، وليسَ بحسد، تقول منه: غَبَطْتُه بما نال، أَغْبِطُه غَبْطا، وغِبْطَةً، فاغتبطَ هو؛ كقولك (٥): منعتُه فامتنعَ، وحبستُه فاحتبسَ، قال الشاعر: [البسيط] وَبَيْنَمَا المَرْءُ في الأَحْيَاءِ مُغْتبِطٌ ... إذْا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ أي: هو مغتبط. قال الجوهري: أنشدنيه أبو سعيد: بكسر الباء؛ أي (٦): مغبوط، قال: والاسم الغِبْطَة، وهو حُسن الحال، ومنه قولهم: اللهمَّ غَبْطًا لا هَبْطًا؛ أي: نسألك الغبطةَ، ونعوذُ بك من أن نهبطَ عن حالنا (٧).

стр. 2655

فقولها: "واغتبطَتْ"؛ أي: غبطني غيري على ما نلتُ مع أسامة ﵁ من خير، وحسنِ حال، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2656

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام تاج الدين الفاكهاني أبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي المولود بالإسكندرية سنة ٦٥٤ هـ المتوفى بها سنة ٧٣١ هـ - رحمه الله تعالى - يطبع لأول مرة كاملا محققا على ثلاث نسخ خطية [المجلد الخامس] تحقيق ودراسة نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين

стр. 2657

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2658

رِيَاضُ الأَفْهَامِ فِي شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ

стр. 2659

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٧ - ١٣ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالِب سوريا - دمِشق ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بِيروت ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) www.daralnawader.com

стр. 2660

باب العدة الحديث الأول (١) ٣١٣ - عَنْ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهِيَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ (٢) عَنْهَا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تنشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا (٣) بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ؛ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ النكِّاحَ؟! وَاللهِ: مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ (٤)، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حَتَّى (٥) أَمْسَيْتُ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَسَألْتُهُ

стр. 2661

عَنْ ذَلِكَ، فَأفْتَانِي بِأنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَني بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وإنْ كَانَتْ (١) فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُها زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُر (٢). * * *

стр. 2662

* الشرح: سُبَيْعَة: بضم السين وفتح الموحدة. وقوله: "في (١) بني عامرِ بنِ لؤيٍّ": أي (٢) نسبهُ فيهم. ومعنى (تَنْشَب): تمكثْ. ومعنى (تعلَّت من نِفاسِها)؛ أي: طَهُرَتْ منه. وأبو السَّنابِل: -بفتح السين و (٣) بالموحدة- وبَعْكَك: -بالموحدة بعدها عين مهملة- بوزن (٤) جَعْفَر، واسمه عمرٌو، وقيل: حبَّة -بالحاء المهملة والموحدة المشددة-، وقيل: بعد الحاء نون، بنُ الحجاجِ بنِ الحارثِ بنِ السباق بنِ عبد الدار (٥)، هكذا نسبه ابنُ (٦) الكلبي، وابنُ عبدِ البرِ. وقيل في نسبه غيرُ هذا (٧).

стр. 2663

وقد اختلف الناس في عِدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجُها. والمشهورُ عندنا، وعند الجمهور: انقضاءُ عدتها بوضع الحملِ، وإن وضعت قبلَ أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ، بل بلحظةٍ بعدَ موته وقبلَ غسلِه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فعمَّ تعالى، فلم يفرق بين عدةِ وفاةٍ ولا طلاقٍ. وقال عليٌّ، وابنُ عباس ﵄، وهو قول سحنون: عليها أَقْصَى الأَجَلين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآيةَ، فإذا انقضت، فلا بدَّ من طلب الوضع لأجل الآية الأخرى، وأنه لا يصح نكاحُ الحامل، فأخذ بموجب الآيتين جميعًا. وقال ابن مسعود (٢): آيةُ النساء القُصرى (٣) نزلت (٤) آخِرًا بعدَ سورة الطلاق، وفيها البراءةُ بوضع (٥) الحمل، فأشار (٦) إلى أنها تقضي (٧) على آية البقرة، وهذا ترجيحٌ للمذهب المشهور. (٨) (٩)

стр. 2664

ع (١): وقد (٢) روي عن ابن عباس الرجوعُ عن قوله: أَقْصى الأَجَلين (٣). فإن قلت: الآيتان كلُّ واحدة منهما عامَّةٌ من وجه، خاصةٌ من وجه، فآيةُ البقرة عامةٌ في كل متوفًّى عنها، حاملًا كانت أو حائلًا، والأخرى عامةٌ في كل حاملٍ، متوفًّى عنها كانت، أو غير متوفًّى عنها، وإذا تعارض العمومان، تعينَ الاحتياطُ، فلا تنقضي العدةُ السالفة إلا بيقين، وهو أقصى الأجلين؛ إذ لا ترجيح لأحد العمومين على الآخر. قلت: سلَّمنا التعارض؛ لكن يترجح قولُ الجمهور من أوجه: الأول: ما قاله ابن مسعود ﵁. الثاني: حديثُ سبيعة هذا، وهو نصٌّ عين المسألة. الثالث: ظهورُ المعنى (٤)، وهو العلمُ ببراءة الرحم من الحمل، وهو المطلوب. وقولها: "فأفتاني رسول اللَّه ﷺ بأني (٥) حَلَلْتُ حينَ وضعتُ حملي": تصريحٌ بانقضاء العدة بنفس الوضع، وقد نُقل عن الشعبي، والنخعي، وحمادٍ: أن جواز نكاحها متوقفٌ على الطهر من دم النفاس؛

стр. 2665

تعلقًا بقوله: "فلما تعلَّتْ من نِفاسِها"؛ أي: طهرت، ورُدَّ هذا بقولها: "فأفتاني رسولُ اللَّه ﷺ بأني قد حللتُ حين وضعتُ حَمْلي" (١)، وأن قوله: "فلما تعلَّتْ من نفاسها"؛ إنما هو إخبارٌ عن وقتِ سؤالها، ولا حجةَ فيه، وإنما الحجةُ في قوله ﵊: إنها حلت حين وضعتْ، ولم يُعَلِّل بالطهر من النفاس. ع: وظاهرُ قوله ﵊: "حللتِ حينَ وضعتِ"، ولم يفصل ولدًا كاملًا (٢)، أو سقطًا، أو غيْرَه حجةٌ للكافة من أن ذلك يبرئها كيف كان، من غير مراعاةِ إتمامِ (٣) خِلْقَةٍ، بل بكلِّ (٤) مُضغة وعَلَقة مما يُعلم أنه سقطٌ؛ خلافًا لأحدِ قولَي الشافعي: إن عدتها لا تنقضي إلا (٥) بوضع (٦) ولدٍ كامل (٧). ق: وهذا ضعيف -يعني: الاستدلالَ بعدم الاستفصال-؛ لأن الغالب هو الحملُ التامُّ المتخلِّقُ، ووضعُ المضغةِ والعلقةِ نادرٌ، وحملُ الجواب على الغالب ظاهرٌ، وإنما يقوي هذه القاعدة حيث
следующие страницы →