стр. 2661
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 17350
رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام
تاج الدين الفاكهاني
Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2662
* الشرح:
سُبَيْعَة: بضم السين وفتح الموحدة.
وقوله: "في (١) بني عامرِ بنِ لؤيٍّ": أي (٢) نسبهُ فيهم.
ومعنى (تَنْشَب): تمكثْ.
ومعنى (تعلَّت من نِفاسِها)؛ أي: طَهُرَتْ منه.
وأبو السَّنابِل: -بفتح السين و (٣) بالموحدة- وبَعْكَك: -بالموحدة بعدها عين مهملة- بوزن (٤) جَعْفَر، واسمه عمرٌو، وقيل: حبَّة -بالحاء المهملة والموحدة المشددة-، وقيل: بعد الحاء نون، بنُ الحجاجِ بنِ الحارثِ بنِ السباق بنِ عبد الدار (٥)، هكذا نسبه ابنُ (٦) الكلبي، وابنُ عبدِ البرِ.
وقيل في نسبه غيرُ هذا (٧).
стр. 2663
وقد اختلف الناس في عِدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجُها.
والمشهورُ عندنا، وعند الجمهور: انقضاءُ عدتها بوضع الحملِ، وإن وضعت قبلَ أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ، بل بلحظةٍ بعدَ موته وقبلَ غسلِه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فعمَّ تعالى، فلم يفرق بين عدةِ وفاةٍ ولا طلاقٍ.
وقال عليٌّ، وابنُ عباس ﵄، وهو قول سحنون: عليها أَقْصَى الأَجَلين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآيةَ، فإذا انقضت، فلا بدَّ من طلب الوضع لأجل الآية الأخرى، وأنه لا يصح نكاحُ الحامل، فأخذ بموجب الآيتين جميعًا.
وقال ابن مسعود (٢): آيةُ النساء القُصرى (٣) نزلت (٤) آخِرًا بعدَ سورة الطلاق، وفيها البراءةُ بوضع (٥) الحمل، فأشار (٦) إلى أنها تقضي (٧) على آية البقرة، وهذا ترجيحٌ للمذهب المشهور. (٨) (٩)
стр. 2664
ع (١): وقد (٢) روي عن ابن عباس الرجوعُ عن قوله: أَقْصى الأَجَلين (٣).
فإن قلت: الآيتان كلُّ واحدة منهما عامَّةٌ من وجه، خاصةٌ من وجه، فآيةُ البقرة عامةٌ في كل متوفًّى عنها، حاملًا كانت أو حائلًا، والأخرى عامةٌ في كل حاملٍ، متوفًّى عنها كانت، أو غير متوفًّى عنها، وإذا تعارض العمومان، تعينَ الاحتياطُ، فلا تنقضي العدةُ السالفة إلا بيقين، وهو أقصى الأجلين؛ إذ لا ترجيح لأحد العمومين على الآخر.
قلت: سلَّمنا التعارض؛ لكن يترجح قولُ الجمهور من أوجه:
الأول: ما قاله ابن مسعود ﵁.
الثاني: حديثُ سبيعة هذا، وهو نصٌّ عين المسألة.
الثالث: ظهورُ المعنى (٤)، وهو العلمُ ببراءة الرحم من الحمل، وهو المطلوب.
وقولها: "فأفتاني رسول اللَّه ﷺ بأني (٥) حَلَلْتُ حينَ وضعتُ حملي": تصريحٌ بانقضاء العدة بنفس الوضع، وقد نُقل عن الشعبي، والنخعي، وحمادٍ: أن جواز نكاحها متوقفٌ على الطهر من دم النفاس؛
стр. 2665
تعلقًا بقوله: "فلما تعلَّتْ من نِفاسِها"؛ أي: طهرت، ورُدَّ هذا بقولها: "فأفتاني رسولُ اللَّه ﷺ بأني قد حللتُ حين وضعتُ حَمْلي" (١)، وأن قوله: "فلما تعلَّتْ من نفاسها"؛ إنما هو إخبارٌ عن وقتِ سؤالها، ولا حجةَ فيه، وإنما الحجةُ في قوله ﵊: إنها حلت حين وضعتْ، ولم يُعَلِّل بالطهر من النفاس.
ع: وظاهرُ قوله ﵊: "حللتِ حينَ وضعتِ"، ولم يفصل ولدًا كاملًا (٢)، أو سقطًا، أو غيْرَه حجةٌ للكافة من أن ذلك يبرئها كيف كان، من غير مراعاةِ إتمامِ (٣) خِلْقَةٍ، بل بكلِّ (٤) مُضغة وعَلَقة مما يُعلم أنه سقطٌ؛ خلافًا لأحدِ قولَي الشافعي: إن عدتها لا تنقضي إلا (٥) بوضع (٦) ولدٍ كامل (٧).
ق: وهذا ضعيف -يعني: الاستدلالَ بعدم الاستفصال-؛ لأن الغالب هو الحملُ التامُّ المتخلِّقُ، ووضعُ المضغةِ والعلقةِ نادرٌ، وحملُ الجواب على الغالب ظاهرٌ، وإنما يقوي هذه القاعدة حيث
стр. 2666
لا يترجَّح بعضُ الاحتمالات على بعض، وتختلف (١) الحكم باختلافها (٢).
قلت: وهو كما قال رحمه اللَّه تعالى، وكأن المعتمد في ذلك عندَ العلماء (٣): ظهورُ المعنى (٤)، وهو أن وضعَ شيء مما ذُكر دليلٌ واضحٌ على براءة الرحم، واللَّه أعلم.
ع: وقولُ أبي السنابل لها ما قالَ، قيل (٥): إنما قال ذلك لتتربَّصَ لقوله حتى يأتي أولياؤها، إذ كانوا غُيَّبًا، فيتزوجها هو؛ إذ (٦) كان له فيها غرض، وكان رجلًا كبيرًا، فمالت إلى نكاح غيره، كما جاء في حديث مالك.
ويحتمل أنه حملَ الآيةَ على العموم لكل متوفًّى عنها، كما حملَها غيرُه، حاملًا كانت أو غيرَ حامل -كما تقدم-، ولعل الغائبَ من أوليائها على التنزيل الأول ممن ترجعُ (٧) إلى رأيه، ولا تخالفُه (٨)؛
стр. 2667
стр. 2668
الحديث الثاني
٣١٤ - عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ ذِرَاعَيْهَا (١)، وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا؛ لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (٢).
стр. 2669
الحَمِيمُ القَرَابَةُ.
* * *
* التعريف:
زَيْنَبُ بِنْتُ (١) أَبِي سَلَمَةَ: واسمُه: عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الأَسَدِ (٢) بنِ هلالِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ مخزومٍ، القرشيةُ، المخزوميةُ.
وأُمُّها: أُمُّ سلمةَ زوجُ النبي ﷺ .
ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها بَرَّةَ، فسماها (٣) النبيُّ ﷺ زينبَ؛ كما تقدَّم، وهي ابنةُ أخي النبيِّ ﷺ من الرضاع؛ لأن أبا سلمةَ
стр. 2670
رضعَ مع النبي ﷺ من ثُوَيْبَةَ مولاةِ أبي لهب -كما تقدم أيضًا (١) -، فهي رَبيبتهُ، وابنةُ أخيه من الرضاع.
(٢) روى لها البخاري حديثًا، ومسلم آخر.
و (٣) روى عنها: القاسمُ بنُ محمدٍ، وعروةُ بنُ الزبير، وأبو سلمةَ ابنُ عبدِ الرحمن، وعبيدُ اللَّه (٤) بنُ عبدِ اللَّه، والشعبيُّ.
روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي.
توفيت في إمارة طارقٍ على المدينة، وشهدها ابنُ عمر.
يقال (٥): دخل النبيُّ ﷺ بأمها، فوُضع له طهورٌ، فوثبت إليه زينبُ بنتُ أم سلمة (٦)، فنضحَ في وجهها نضحةً من ماء، فما يعلم امرأةٌ كان في وجهها من الجمال ما كان بها (٧)، ولقد كان ذلك يُعرف في وجهها حين عجزت، ﵂ (٨).
стр. 2671
* الشرح:
فيه: دليل على وجوب الإحداد على المتوفَّى عنها زوجُها، ولا خلافَ فيه على الجملة، وإن كان قد اختُلف في تفصيله، على ما هو مشهورٌ في كتب الفقه.
والإحدادُ في اللغة: هو (١) المنعُ، يقال: أَحَدَّتِ المرأةُ تُحِدُّ -رباعيًا-، وحَدَّتْ تَحُدُّ (٢) -بضم الحاء وكسرها، ثلاثيًا-، فهي مُحِدٌّ، وحادٌّ، قالوا (٣): ولا يقال (٤): حادَّة (٥).
وأما في الشرع: فهو الامتناع من الزينة، والحلي كلِّه، والطيبِ، ولبس المصَبَّغات، ما عدا الأسودَ والأزرقَ ونحوَهما، والكحلِ، والحناءِ، والامتشاطِ بما يختمر في الرأس إلا لضرورة (٦).
وقوله ﷺ : "إلا على زوج": عمومٌ يدخل فيه كلُّ زوجةٍ مدخولٍ
стр. 2672
بها، وغيرِ مدخولٍ بها، صغيرةً كانت، أو كبيرة، حرة، أو أمة (١)، مسلمة، أو كتابية.
وأما (٢) قوله ﷺ : "تؤمن (٣) باللَّه واليوم الآخر"، فهو من باب الإلهاب الذي معناه الحثُّ على الامتثال، وهو من وادي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، تقول (٤) العرب: أطعني إن كنتَ ابني، وقد تقدم (٥) نحوُ هذا فيما تقدم، فعلى هذا لا يكون فيه متعلقٌ لمن خَصَّ الإحدادَ بالمؤمنة، وهو غيرُ المشهور (٦) عندنا، وبه قال أبو حنيفة، والكوفيون، وبقولنا المشهور قال الشافعي.
ع: وأجمعوا أنه لا إحدادَ على أَمَةٍ، ولا أُمِّ ولدٍ إذا تُوفي عنهن ساداتهنَّ.
قال أبو حنيفة: ولا صغيرة، والعلماءُ كافةً على خلافه في الصغيرة، ولا خلافَ أن المطلقة واحدةً لا إحدادَ عليها.
واختُلف في الإحداد على المطلقة ثلاثًا؛ فمذهب مالك، والشافعي، وربيعة، وعطاء، وابن المنذر: لا إحدادَ عليها؛ لقوله -عليه الصلاة
стр. 2673
والسلام-: "إِلَّا على ميتٍ"، فخصَّ الإحدادَ بالميت بعدَ تحريمه على غيره.
ومذهبُ أبي (١) حنيفة، والكوفيين (٢)، وأبي ثور، والحكم، وأبي عبيد: أن المطلقة ثلاثًا؛ كالمتوفَّى عنها في وجوب الإحداد (٣).
ع: وشذ الحسنُ وحدَه، فذهب إلى إبطال الإحدادِ جملةً عن المطلقة والمتوفى عنها.
قال العلماء: وإنما اختص الإحداد بالمتوفى عنها دون المطلقة (٤) احتياطًا لحفظ نسب الميت، ومحاماةً له؛ إذ لا يحامي عن نسبه (٥)، ولا يزجر عن زوجته، بخلاف الحيِّ.
قالوا: وهي الحكمة في زيادة أمدِ عدة (٦) المتوفَّى عنها على عدة المطلَّقة؛ استظهارًا له بأتم (٧) البراءات وأوضحِها، وهو الأمدُ الذي يظهر فيه تيقُّنُ الحملِ إن (٨) كان بحركة الجنين؛ وذلك في الزيادة على
стр. 2674
أربعة أشهر؛ كما مرَّ.
قال بعض السلف: ضُمت العشرةُ إلى أربعة الأشهر (١)؛ لأن فيها تُنفخ (٢) الروح، قالوا (٣): ولهذا خُصَّتْ عدةُ الوفاة بما يستوي فيه معرفةُ الحمل من أمدِ الزمان، ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء؛ كما في الطلاق، كلُّ ذلك حفظٌ للميت، ومحاماة له، وذبٌّ (٤) عنه (٥).
قلت: ولمعترضٍ أن يعترض هذا التعليل بصغارِ الزوجات، لا سيما المراضعِ منهنَّ؛ إذ لا يتأتى فيهن (٦) ما يتأتى (٧) من بلغ حدَّ الوطء والحمل.
ولم يأتِ إحدادٌ في السراري وأُمهات الأولاد، ولا عِدَّةٌ، بل حيضةٌ واحدة، بل (٨) هي في الحقيقة استبراءٌ مع تأتي ذلك فيهن (٩)، والميت محتاجٌ (١٠) إلى الذبِّ عن نسبه مطلقًا، أعني: في (١١) الزوجاتِ
стр. 2675
وغيرِهن من السراري وأمهاتِ الأولاد.
وكأن ع يحسس (١) لبعض هذا (٢) الإشكال، فحاول الجوابَ عنه محاولةً ليست عندي بالقوية (٣)، فقال: ولما كانت الصغار من الزوجات، ومن لم يبلغْ (٤) حدَّ الوطء والحمل، شاذًا (٥) في الزوجات، شملهن الحكمُ، وعَمَّتْهن (٦) الحوطة؛ حماية للذريعة، واتقاء للشبهة (٧).
وهذا كما ترى، فليتأمل ما قدمناه، واللَّه الموفق.
* * *
стр. 2676
الحديث الثالث
٣١٥ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ (١) عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" (٢).
стр. 2677
العَصْبُ: ثِيابٌ مِنَ اليَمَنِ، فِيها بَيَاضٌ وَسَوَادٌ.
* * *
* التعريف:
أُمُّ عَطِيَّةَ: اسمُها نُسَيْبَةُ -بضم النون وفتح السين المهملة وإسكان المثناة تحت وبعدها الموحدة (١) وهاء (٢) تأنيث- بنتُ كعبٍ الأنصاريةُ.
روي لها عن رسول اللَّه ﷺ أربعون حديثًا، اتفقا (٣) على ستة، وللبخاري حديث واحد (٤)، ولمسلم آخر.
стр. 2678
روى عنها محمدُ بنُ سيرين، وأختُه حفصةُ.
روى لها الجماعةُ (١).
* الشرح:
ظاهرُ الحديث: تحريمُ المصبَّغات مطلقًا، إلا العصبَ، والذي أجازه منه مالكٌ ﵀ الغليظُ، كأنه حملَ الحديث على ذلك لما كان المرادُ تجنبَ الزينة، وقد يكون الرقيقُ منه زينةً.
وأجازه الزهريُّ مطلقًا، وكرهه الشافعيُّ مطلقًا، وحرَّمه أصحابُه مطلقًا (٢)، على الأصحِّ عندهم فيما نقله ح في "شرح مسلم" (٣)، وهذه مصادمة صريحةٌ للحديث، مع أن الشافعي يقول: إذا صح الحديثُ، فهو مذهبي، أو نحو هذا (٤)، فليت شعري ما الذي دعاهم إلى تحريم ما هو مباحٌ بالنص الصريح الصحيح؟! وما وجهُ كراهةِ الشافعيِّ ﵁
стр. 2679
لذلك مع ذلك؟ ولو كرهه ﷺ ، ما أباحه قطعًا (١).
وقد أرخصَ في السواد: مالكٌ، والشافعي؛ وهو قولُ عروةَ، وكرهه الزهريُّ، وقد تقدم (٢) شيء من هذا.
ع: وذهب الشافعيُّ إلى أن كل صبغٍ (٣) (٤) كان زينةً، فلا تلبسه (٥) الحادُّ، غليظًا كان أو رقيقًا، ونحوه للقاضي (٦) عبدِ الوهاب، قال: كلُّ ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن، فتُمنع (٧) منه الحادُّ، قال: ومنع بعضُ متأخري شيوخنا من جيد البياضِ التي يُتزين به، ويُتجمل، وكذلك الرفيعُ من السواد (٨).
وقوله ﵊ (٩) -: "ولا تكتحل" دليلٌ على منع الاكتحال.
وقد اختُلف في ذلك، والمشهور (١٠) عندنا: المنعُ منه، إلا لضرورة،
стр. 2680
تكتحل ليلًا، وتمسحه نهارًا، والشاذ: ولا (١) للضرورة (٢).
ووجهُ المشهور: ما جاء في حديث أم سلمة، وهو في "الموطأ": "اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ (٣)، وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ" (٤).
ع: وقد أجاز الكحلَ للحادِّ، إذا خافتْ على عينها: سالمُ بنُ عبدِ اللَّه، وسليمانُ بنُ يسار، وقال (٥) مالكٌ في "المختصر": إذا لم يكن فيه طيبٌ.
وقال غيره: إن كان فيه طيبٌ إثمدٌ أو غيرُه.
قال ابن المنذر: والأسودُ وغيرُه.
وقال الكوفيون، والنخعي، وعطاء، والشافعي: وتكتحل ليلًا، وتمسحه نهارًا.
قال الشافعيُّ: وكلُّ كحلٍ فيه زينةٌ فلا تكتحل به الحادُّ، إثمد أو غيره، ولا بأسَ بغيره عند الضرورة؛ كالفارسيِّ (٦)؛ إذ (٧) ليس بزينة،
стр. 2681
بل لا يزيد العينَ إلا قبحًا، إلا عندَ الاضطرار؛ كما تقدم.
وقد حكى الباجيُّ نحوَه عن مالك، كان فيه طيبٌ أو لم يكن (١)، كان فيه سوادٌ أو خضرةٌ، قال: [و] إن اضطُرَّتْ (٢) إلى ذلك (٣).
وقوله ﵊: "و (٤) لا تمس طيبًا" إلى آخره.
فيه: تحريمُ الطيب على الحادِّ إلا ما استُثني من النُّبْذَة، وهي بضم النون بعدها الموحدة ساكنة وبالذال المعجمة: القطعةُ، والشيء (٥) اليسيرُ، وأدخل فيه الهاء؛ لأنه بمعنى القطعة، وظاهرُه (٦): البخورُ بها (٧).
وقال الداودي: معناه: أن تسحق القسطَ، وتلقيه في الماء آخرَ غسلها (٨)، ليذهب برائحة الحيض؛ كما قال ﵊ للمستحاضة: "خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً (٩)، فَتَتَبَّعِي بِهَا أثَرَ الدَّمِ" (١٠).
стр. 2682
стр. 2683
الحديث الرابع
٣١٦ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يا رسول اللَّه! (١) إِنَّ ابْنَتي توفّي عنها زوجُها، وقد (٢) اشْتكَتْ عَيْنُهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّما هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ (٣)، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ".
فَقَالَتْ زينَبُ (٤): كَانَتِ المَرْأةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا (٥) سَنَةٌ (٦)، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ: حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا
стр. 2684
تَفْتَضُّ بِشَيءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُمَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ (١).
الحِفْشُ: البَيْتُ الصَّغِيرُ، وتَفْتَضُّ: تَدْلُكُ بِهِ جَسَدَهَا.
* * *
стр. 2685
* الشرح:
فيه: ما تقدَّمَ من جواز استفتاء المرأة، وسماع المفتي كلامَها.
و (عينُها): -بالرفع- على أن العين (١) المشتكية، و-بالنصب- على أن المرأة هي المشتكيةُ، ورُجِّح هذا، وإن كان قد وقعَ في بعض الروايات: "عيناها" (٢).
و (٣) (أفتكحُلُها) -بضم الحاء-، وهو مما جاء مضمومًا، وإن كانت عينه حرفَ حَلْقِ.
وقوله ﵊ لا يقتضي تحريمَ الكحلِ لها، وإطلاقُه يعمُّ حالَ الضرورةِ وغيرَها.
فإن قلت: ما وجهُ الجمع بين هذا الحديثِ، والحديثِ السالف الذي قال فيه ﵊: "اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ (٤)، وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ" (٥)؟
قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن النهيَ (٦) عنه بالليل لمن اضطرَّ إليه ليس على
стр. 2686
الإيجاب؛ لكن على الندب لتركه، والكراهةِ لفعلِهِ، قاله (١) ع (٢) (٣).
وفيه عندي نظر.
(٤) والثاني: أنه مؤول في حديث أم سلمة بأنه (٥) لم يتحقق الخوفُ على عينها (٦).
وقوله ﵊: "إنما هي أربعةُ أشهر وعشرٌ" إلى آخر الحديث، معناه: قد خفف اللَّه عنكنَّ الاعتدادَ بأنْ جعلَه أربعةَ أشهر وعشرًا، بعد أن كانت (٧) سنةً، فلا تستكثرْنَ (٨) ذلك، ولا تستعظِمْنَ (٩) منعَ الكحل فيه.
قال العلماء: وفيه: نسخُ الحولِ في عدة الوفاة، ولا خلافَ في سقوطِ حكمِه (١٠) (١١).
стр. 2687
وأما رميُها بالبعرة على رأس الحول، فقيل: معناه: الإشارةُ إلى رمي العِدَّةِ خلفَ ظهرها، وانفصالِها منها كما رمتْ بهذه البعرة وانفصلَتْ منها (١).
وقيل: بل هو إشارة إلى أن الذي (٢) فعلَتْه (٣) من دخولها الحفش، ولبسِها شرَّ ثيابها، وانقطاعِها عن ملذوذاتها (٤)، وحزنها واعتدادِها (٥) سنةَ صغيرٌ هينٌ بالنسبة إلى حقِّ الزوج، وما يجب عليها من مراعاته، كما يهون (٦) الرمي بالبعرة (٧).
قلت: وهذا الثاني هو اللائقُ (٨) بالنسبة إلى مراعاة حقِّ الزوج، ألا ترى قولَه ﵊: "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأحَدٍ" الحديث (٩).
стр. 2688
والحِفْش: -بكسر الحاء المهملة وإسكان الفاء وبالشين المعجمة-: بيتٌ صغيرٌ حقيرٌ قريبُ السَّمْك، وقيل: هو الخُصُّ، وقيل: الحِفْشُ مثلُ القُفَّة من الخوص، تجمعُ فيه المرأةُ غَزْلَها وأسبابها (١)، قاله ع (٢).
والتفسير الأول أليقُ بمعنى الحديث، ويليه الثاني، وأما الثالث، فبعيدٌ عن معنى الحديث جدًّا، واللَّه أعلم.
وقولها: فتفْتَضُّ: هو بالفاء والضاد المعجمة.
قال ابنُ قتيبة: سألتُ الحجازيين عن معنى الافتضاض، فذكروا: أن المعتدَّةَ كانت لا تغتسل، ولا تمسُّ ماءً ولا تقلِّم ظُفرًا، ثم تخرجُ بعد الحول بأقبحِ منظرٍ، ثم تفتضُّ، أي: تكسر ما هي عليه من العِدَّةِ بطائر، تمسحُ قُبُلَها به، وتنبذه، فلا يكاد يعيش ما تفتضُّ به.
وقال مالك: تمسحُ به جلدَها كالنشرة.
وقال ابن وهب: تمسحُ بيدها (٣) عليه، أو على ظهره.
وقيل: معناه: تمسح به، ثم تفتضُّ، أي: تغتسل بالماء العذب، والافتضاض: الاغتسالُ بالماء العذب للإنقاء (٤)، وإزالة الوسخ حتى تصير كالفِضَّة.
стр. 2689
قال الأخفش: تفتضُّ (١) تتنظَّفُ وتنتقي (٢)، مأخوذ من الفِضَّة؛ تشبيهًا (٣) بنقائها وبياضها.
وقيل: تفتضُّ: تُفارق ما كانت عليه (٤).
ع: وذكر الهروىُّ: أن الأزهريَّ قال: رواه (٥) الشافعي: (فتَقْبِصُ) -بالقاف والموحدة والصاد المهملة-، مأخوذ من القَبْصِ، وهو الأخذُ بأطراف الأصابع (٦).
قلت: وهو غريب، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2690
كِتْابُ اللعَانِ
стр. 2691
كِتْابُ اللعان
الحديث الأول
٣١٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ فُلَانَ بنَ فُلَانٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأتهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ، تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيم، وإنْ سَكَتَ، سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَلَمْ يُجبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ (١) ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى- هَؤُلَاءَ (٢) الآيَاتِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْونُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَتْ (٣): لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
стр. 2692
الصَّادِقِينَ، وَالخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ، وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثَلَاثًا (١) " (٢).
وَفي لَفْظٍ: "لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا". قَالَ: يَا رَسُولِ اللَّهِ! مَالِي. قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا" (٣).
стр. 2693
* مقدمة في حقيقة اللعان ومعناه:
اللِّعانُ، والمُلَاعَنَةُ، والتَّلَاعُنُ، والالْتِعَانُ: أصلُه (١): اللَّعْنَةُ، وهي (٢) الإبعادُ والطردُ، وسُمي هذا لعانًا؛ لما يعقب من اللعنةِ والغضبِ على الكاذب من الزوجين، يقال: لاعَنَ امرأَتَهُ مُلَاعَنَةً ولِعانًا، وقد تَلَاعَنَا، والْتَعَنَا، بمعنى واحد، ولاعَنَ الحاكمُ بينهما، فتلَاعَنَا (٣).
وهو في الشرع: يمينُ الزوجِ على زوجته بِزِنى، أو نفيِ نسب، ويمينُ الزوجةِ على تكذيبه، وليس شهادةً (٤)؛ خلافًا لمن قال ذلك من الشافعية، فيصحُّ مع الرقِّ والفسقِ.
قال العلماء: ولا يتعدَّدُ يمينٌ إلا في اللعان، والقَسامة، ولا يكون اليمينُ في جانب المدَّعِي إلا فيهما.
وشرطُ الملاعِنِ: أن يكون زوجًا، مسلِمًا، مكلَّفًا، فيلاعن الحرُّ الحرةَ، والأمةَ، والكتابيةَ، وكذلك العبدُ في هذه الثلاث، والنكاحُ
стр. 2694
الفاسدُ بالنسبة إلى المتلاعنينِ كالصحيح (١).
قالوا: والحكمةُ في شرعيته: حفظُ الأنسابِ، ونفيُ المعرَّةِ عن الأزواج.
وقد أُجمع على صحته في الجملة.
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: "أَنَّ فلانَ بنَ فلانٍ":
اعلم: أن فلانَ وفلانةَ كناياتٌ (٢) عن الأعلام، وهما مما لا يُثنى، ولا يُجمع، وإذا وقع (ابن) بين فلان وفلان (٣)؛ كقوله (٤): هذا فلانُ بنُ فلان، عوملا معاملة العَلَمين في حذف تنوينِ الأول، وحذفِ ألف الوصل من (ابن)، كما تقول: هذا زيدُ بنُ عمرو سواء، ومما يجري مجرى الأعلام -أيضًا- في هذا (٥): قولهم: طامرُ بنُ طامر لمن يُجهل نسبُه، ولا يُعلم أبوه، ويقال ذلك أيضًا: لمن لا قرابةَ بينَك وبينه، ومعناه بعيدُ بنُ بعيد، قال الشاعر:
أَزَعَمْتُمُ أَنِّي سَأَتْرُكُ أَرْضَكُمْ ... خَلْفِي وَأَذْهَبُ طَامِرًا عَنْ طَامِرِ
стр. 2695
ويجري هذا المجرى -أيضًا- أسماءُ الأعلام الموضوعةُ لما لا يعقل؛ كقولك: هذا أبو (١) مهدي بنُ حفصة، وأبو مهدي: الديك، وحفصةُ: الدجاجة، وهذا سمسمُ بنُ ثعالة، وسمسمٌ، وثعالةُ: من أسماء الثعلب (٢)، وكقولهم: للخبزِ: جابرُ بنُ حَبَّةَ، سُمي جابرًا؛ لأنه يجبر الجائعَ، وهو متَّخذ من حَبِّ الطعام، قال الشاعر:
أَبُو مَالِكٍ يَعْتَادُنَا في الظَّهَائِرِ ... يَجِيءُ فَيُلْقِيَ رَحْلَهُ عِنْدَ جَابِرِ
وأبو مالك كنية للجوع (٣)، واللَّه أعلم.
وانظر لم قال الراوي: أن (٤) فلانَ بنَ فلان، فكنَّى عنه، ولم يُعَينه (٥)، وهو عُوَيمِرُ بنُ أبيضَ العجلانيُّ، الأنصاريُّ، المشهورُ بصاحب اللِّعان.
الثاني: قوله: "أرأيتَ لو أَنَّ أحدنا": ظاهره:
أنه سؤالٌ عما لم (٦) يقع، ويحتمل أن يكون قد وقع، فعلى الأول: ينطبق قوله: "إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتُليتُ به"، وعلى الثاني: وهو أن يكونَ الأمرُ قد وقعَ قبلَ السؤال؛ لكن لما تأخَّر جوابه، بينَ ضرورَته
стр. 2696
ليستجرَّ (١) بذلك الجواب، ليعرف الحكم، فيعمل (٢) بمقتضاه.
الثالث: قوله: "فأنزل اللَّه -تعالى- هؤلاء (٣) الآياتِ" يقتضي أن سؤالَه سببُ نزولها، وقد صحح ابنُ عطيةَ أن سببَ نزولها هلالُ بنُ أميةَ، فقال (٤): إنه الصحيحُ المشهور (٥)، وأبى ذلك الطبريُّ وغيرُه، وهذا الحديث يدلُّ لهم، كما تقدَّم.
وقد أُجيب عنه: بأن قولَه لعويمر: "قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفي صَاحِبَتِكَ قُرْآنًا"، معناه: ما نزلَ في هلالِ؛ لأن ذلك حكم عامٌّ لجميع المسلمين.
قال ع، وتبعه (٦) ح (٧): ويحتمل أن تكون الآية نزلتْ فيهما، فلعلَّهما سألا في (٨) وقتين متقاربين، فنزلت الآيةُ فيهما، وسبقَ هلالٌ باللعان، واللَّه أعلم.
قلت: وكلُّ هذا محتمَل، واللَّه أعلم.
стр. 2697
قالوا: وكانت قصةُ (١) اللعان في سنة تسعٍ من الهجرة (٢)، وتلاوتُه ﵊ الآياتِ؛ ليُعرف حكمُها، ويُعمل بها.
الرابع: قوله: "ووعَظَه وذَكَّرَه":
قال الجوهري: الوَعْظ: النُّصْحُ، والتذكيرُ بالعواقبِ، تقول: وَعَظْتُهُ وَعْظًا وعِظَةً، فاتَّعَظَ؛ أي (٣): قَبِلَ المواعِظَ (٤) (٥).
قلت: فعلى هذا التفسير يكون قولُه: "وذَكَّرَه" من باب: أقوى وأقفر؛ إذ التذكيرُ مدلولُ الوعظِ؛ كما أن الإقفارَ من مدلولُ الإقواء، واللَّه أعلم، فيكون الوعظُ سُنَّةً للمتلاعِنَيْنِ، وكذلك تخويفُهما من وَبال اليمين الكاذبةِ، وأن (٦) الصبرَ على عذابِ الدنيا وهو الحدُّ، أهونُ من عذاب الآخرة.
ع: وذهب الشافعيُّ إلى أن الإمام يَعِظُ كلَّ واحدٍ بعدَ تمام الرابعةِ، وقبلَ الخامسة، وقال الطبري فيه: إنه يجبُ للإمام (٧) أن يعظَ
стр. 2698
كُلَّ مَنْ يحلِّفه (١).
قلت: وفيه نظر.
الخامس: قوله: "فبدأ بالرجل": (٢) -مهموز-؛ لأنه بمعنى: شَرَعَ، بخلاف ما إذا كان بمعنى: ظهرَ، فإنه لا يُهمز.
وابتداؤُه بالزوج؛ لابتداء اللَّه -تعالى- به في الآية، ولأنه الذي يدرأ (٣) حَدَّ القذف عن نفسه، وأَيمانُه كالشهودِ على دعواه، ويثبت عليها هي الحد ما لم تلتعنْ، ولا خلاف في ذلك.
ولكن اختلف العلماء في زياداتٍ وبيانات في هذه اليمين بحسب دعوى الزوج؛ من رؤية، أو مجردِ قذفٍ، أو نفي حملٍ، اختلافًا لا يؤول إلى تنافُر؛ وإنما هو (٤) حكم بالتمام والكمال، والأمر المتقارب مما هو معروف. وفي مذهبنا مشهورٌ.
وفي مذهب غيرنا: هل يقول: أشهدُ باللَّه، أو يعلمُ اللَّه؟
وهل يزيدُ بعد قوله: أشهد باللَّه الذي لا إله إلا هو، أم لا؟
وهل يزيد في (٥) دعوى الرؤية بعدَ قوله: إني لمن الصادقين: لرأيتُها تزني كالمِرْوَدِ في المكحلة؛ كما يقول الشهود، أو يقتصرُ على
стр. 2699
قوله: رأيتُها (١) تزني فقط؟
وهل قوله: إني لمن الصادقين، لازمٌ، أم يكفيه الحلفُ على نصِّ دعواه، الذي فيه تصديقه؟
وكذلك هل يقتصر في الحمل على قوله: لزنَتْ (٢)، أو يزيدُ (٣): وما هذا الحملُ مني؟
وهل يزيد: لقد استبرأت، أم لا؟
ويكون يمين (٤) المرأة على تكذيبه بحسب هذا.
وكلُّ هذا مختلَف فيه في مذهبنا.
وهل يجزىء المرأةَ اللعنةُ من الغضب، أم لا؟
وهل يقوم قولُه: ما كذبتُ عليها في الخامسة، مقامَ قوله: إني لمن الصادقين؟ وهي أيضًا في الخامسة، أم لا يجزىء (٥) إلا ما نصَّ اللَّه تعالى عليه (٦)؟
وذهب الشافعيُّ، ونحوُه مذهبُ الليثِ، والثوريِّ، وأبي حنيفة:
стр. 2700
أنه يقول: أشهد باللَّه إني لمن الصادقين فيما رميتُها به من الزنا، وُيشير إليها، وإن كان نفيَ حملٍ، زاد: وما هذا الحملُ مني.
وقال زفرُ مثلَ هذا، إلا أنه قال: يخاطبها وتخاطبُه، بقوله (١): فيما رميتُكِ به، وتقول هي: فيما رميتَني به.
ع: واختُلف عندنا إذا ابتدأت المرأةُ باللعان، ثم لاعنَ الزوجُ، هل يجزئها؟ وهو قول أبي حنيفة، أم (٢) تعيدُ اللعان (٣)؟
قلت: والمشهورُ عندنا أنه لا يُعيد (٤) عليها بعدَ لعانِ الزوج.
وقال أشهب: يُعاد، واستحبه ابنُ الكاتب.
وقال الشافعيُّ وطائفة: لا يصحُّ لعانُها ابتداءً.
السادس: قوله: "ثم فرق بينهما": ظاهره يدلُّ لأبي حنيفةَ القائلِ: إنه (٥) لا تقعُ الفرقةُ بين المتلاعنين حتى يقضيَ القاضي بالفراق (٦)، وهذه (٧) إشارةٌ للحكم عنده، وعندَنا: لا يفتقرُ إلى حاكم؛ لقوله ﷺ في طريق أخرى: "أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"،