← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

ليستجرَّ (١) بذلك الجواب، ليعرف الحكم، فيعمل (٢) بمقتضاه. الثالث: قوله: "فأنزل اللَّه -تعالى- هؤلاء (٣) الآياتِ" يقتضي أن سؤالَه سببُ نزولها، وقد صحح ابنُ عطيةَ أن سببَ نزولها هلالُ بنُ أميةَ، فقال (٤): إنه الصحيحُ المشهور (٥)، وأبى ذلك الطبريُّ وغيرُه، وهذا الحديث يدلُّ لهم، كما تقدَّم. وقد أُجيب عنه: بأن قولَه لعويمر: "قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفي صَاحِبَتِكَ قُرْآنًا"، معناه: ما نزلَ في هلالِ؛ لأن ذلك حكم عامٌّ لجميع المسلمين. قال ع، وتبعه (٦) ح (٧): ويحتمل أن تكون الآية نزلتْ فيهما، فلعلَّهما سألا في (٨) وقتين متقاربين، فنزلت الآيةُ فيهما، وسبقَ هلالٌ باللعان، واللَّه أعلم. قلت: وكلُّ هذا محتمَل، واللَّه أعلم.

стр. 2697

قالوا: وكانت قصةُ (١) اللعان في سنة تسعٍ من الهجرة (٢)، وتلاوتُه ﵊ الآياتِ؛ ليُعرف حكمُها، ويُعمل بها. الرابع: قوله: "ووعَظَه وذَكَّرَه": قال الجوهري: الوَعْظ: النُّصْحُ، والتذكيرُ بالعواقبِ، تقول: وَعَظْتُهُ وَعْظًا وعِظَةً، فاتَّعَظَ؛ أي (٣): قَبِلَ المواعِظَ (٤) (٥). قلت: فعلى هذا التفسير يكون قولُه: "وذَكَّرَه" من باب: أقوى وأقفر؛ إذ التذكيرُ مدلولُ الوعظِ؛ كما أن الإقفارَ من مدلولُ الإقواء، واللَّه أعلم، فيكون الوعظُ سُنَّةً للمتلاعِنَيْنِ، وكذلك تخويفُهما من وَبال اليمين الكاذبةِ، وأن (٦) الصبرَ على عذابِ الدنيا وهو الحدُّ، أهونُ من عذاب الآخرة. ع: وذهب الشافعيُّ إلى أن الإمام يَعِظُ كلَّ واحدٍ بعدَ تمام الرابعةِ، وقبلَ الخامسة، وقال الطبري فيه: إنه يجبُ للإمام (٧) أن يعظَ

стр. 2698

كُلَّ مَنْ يحلِّفه (١). قلت: وفيه نظر. الخامس: قوله: "فبدأ بالرجل": (٢) -مهموز-؛ لأنه بمعنى: شَرَعَ، بخلاف ما إذا كان بمعنى: ظهرَ، فإنه لا يُهمز. وابتداؤُه بالزوج؛ لابتداء اللَّه -تعالى- به في الآية، ولأنه الذي يدرأ (٣) حَدَّ القذف عن نفسه، وأَيمانُه كالشهودِ على دعواه، ويثبت عليها هي الحد ما لم تلتعنْ، ولا خلاف في ذلك. ولكن اختلف العلماء في زياداتٍ وبيانات في هذه اليمين بحسب دعوى الزوج؛ من رؤية، أو مجردِ قذفٍ، أو نفي حملٍ، اختلافًا لا يؤول إلى تنافُر؛ وإنما هو (٤) حكم بالتمام والكمال، والأمر المتقارب مما هو معروف. وفي مذهبنا مشهورٌ. وفي مذهب غيرنا: هل يقول: أشهدُ باللَّه، أو يعلمُ اللَّه؟ وهل يزيدُ بعد قوله: أشهد باللَّه الذي لا إله إلا هو، أم لا؟ وهل يزيد في (٥) دعوى الرؤية بعدَ قوله: إني لمن الصادقين: لرأيتُها تزني كالمِرْوَدِ في المكحلة؛ كما يقول الشهود، أو يقتصرُ على

стр. 2699

قوله: رأيتُها (١) تزني فقط؟ وهل قوله: إني لمن الصادقين، لازمٌ، أم يكفيه الحلفُ على نصِّ دعواه، الذي فيه تصديقه؟ وكذلك هل يقتصر في الحمل على قوله: لزنَتْ (٢)، أو يزيدُ (٣): وما هذا الحملُ مني؟ وهل يزيد: لقد استبرأت، أم لا؟ ويكون يمين (٤) المرأة على تكذيبه بحسب هذا. وكلُّ هذا مختلَف فيه في مذهبنا. وهل يجزىء المرأةَ اللعنةُ من الغضب، أم لا؟ وهل يقوم قولُه: ما كذبتُ عليها في الخامسة، مقامَ قوله: إني لمن الصادقين؟ وهي أيضًا في الخامسة، أم لا يجزىء (٥) إلا ما نصَّ اللَّه تعالى عليه (٦)؟ وذهب الشافعيُّ، ونحوُه مذهبُ الليثِ، والثوريِّ، وأبي حنيفة:

стр. 2700

أنه يقول: أشهد باللَّه إني لمن الصادقين فيما رميتُها به من الزنا، وُيشير إليها، وإن كان نفيَ حملٍ، زاد: وما هذا الحملُ مني. وقال زفرُ مثلَ هذا، إلا أنه قال: يخاطبها وتخاطبُه، بقوله (١): فيما رميتُكِ به، وتقول هي: فيما رميتَني به. ع: واختُلف عندنا إذا ابتدأت المرأةُ باللعان، ثم لاعنَ الزوجُ، هل يجزئها؟ وهو قول أبي حنيفة، أم (٢) تعيدُ اللعان (٣)؟ قلت: والمشهورُ عندنا أنه لا يُعيد (٤) عليها بعدَ لعانِ الزوج. وقال أشهب: يُعاد، واستحبه ابنُ الكاتب. وقال الشافعيُّ وطائفة: لا يصحُّ لعانُها ابتداءً. السادس: قوله: "ثم فرق بينهما": ظاهره يدلُّ لأبي حنيفةَ القائلِ: إنه (٥) لا تقعُ الفرقةُ بين المتلاعنين حتى يقضيَ القاضي بالفراق (٦)، وهذه (٧) إشارةٌ للحكم عنده، وعندَنا: لا يفتقرُ إلى حاكم؛ لقوله ﷺ في طريق أخرى: "أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"،

стр. 2701

ولقوله: ففارقها عند النبي ﷺ ، فقال-﵊: "ذَلِكُمُ (١) الفِرَاقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ" (٢)، ولم يعتبر قضيةَ القاضي. السابع: قوله ﵊: "اللَّهُ يعلمُ أَنَّ أَحدَكما كَاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ": فيه: تغليبُ المذكَّرِ على المؤنث. وفيه: أخذُ الأحكام على الظاهر، وعرضُ التوبة على المذنبين، وقد أُخذ (٣) منه أن الزوجَ لو رجعَ، فأكذبَ نفسَه، كان توبةٌ، ويجوز أن يكون النبيُّ ﷺ أرشدَ إلى التوبة فيما بينهما وبين اللَّه تعالى. تنبيه: قال ع، وتبعه ح: وفيه: ردٌّ على مَنْ ذهبَ من النحاةِ إلى أن (أحدًا) لا تستعمل (٤) إلا في النفي، (٥) في قوله ﵊: "أَنَّ أحدَكما كاذبٌ"، قال: فكذلك قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] (٦). قلت: هذا من أغرب وأعجب ما يُسمع عن ع رحمه اللَّه تعالى، مع براعته

стр. 2702

وحذقه، فإن الذي قاله النحاة رحمهم اللَّه تعالى: أن (١) (أَحَدٌ) التي للعموم، لا تُستعمل (٢) إلا في النفي، بهذا القيدِ الذي لابدَّ منه إجماعًا منهم، نحو قولنا: ما في الدار مِنْ أحدٍ، وما جاءني مِنْ أحدٍ، ونحوِ ذلك، أما إذا كانت (أحدٌ) بمعنى: واحد، فلا خلافَ بينهم -أيضًا- في جواز استعمالها في الإيجاب نحو (٣) قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، و (٤) ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]، وغير ذلك مما كان بمعنى واحد، وكما هي في الحديث، ألا ترى أن المعنى: اللَّه يعلمُ أن واحدًا منكما كاذبٌ؟ وع (٥): أطلقَ، ولم يُقَيِّدْ -كما تقدَّم-، وكأنه لم يتبينْ مرادَ النحويين في ذلك، وقد جمع الشاعر بين (أحد) التي للعموم، والأخرى، فقال (٦): لَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لا يَعْرِفُ القَمَرَا فاستعملَ الأولى لعمومها في النفي، والثانيةَ التي هي بمعنى واحدٍ في الإيجاب، فليتنبه لذلك، وقد سبق تقريرُنا لهذا المعنى في

стр. 2703

أول الكتاب عندَ قوله ﵇: "لا يَقْبَلُ (١) اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ"، الحديث (٢)، وباللَّه التوفيقُ والعصمة. الثامن: قوله ﵊: "إن كنت صادقًا" إلى آخر الحديث، دليلٌ على استقرارِ المَهْرِ بالدخول، وثبوتِ الصداقِ للملاعَنَة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2704

الحديث الثاني ٣١٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا رَمَى امْرَأَتَهُ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فتَلَاعَنَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَضَىَ بِالوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ (١).

стр. 2705

* الشرح: الولدُ الملاعَنُ فيه، اتُّفق على أنه يُلْحَق بأُمه، وأنه ينقطعُ نسبُه من جهة أبيه ما لم يكذِّبْ نفسَه، ويُنسب إلى قوم أُمه ومَواليها إن كانت مولاةً، وترثُ منه ما فرضَ اللَّه لها، وكذلك هو أيضًا. وقال ابنُ مسعود: إنها عَصَبَةٌ، فترثُ الجميع. قالوا: ولا خلافَ في هذا، ولا في (١) توارثه مع أصحاب الموارثات من جهة أمه؛ كجدته، وإخوته، فإنهم يتوارثون كأنهم إخوةٌ لأم. واختُلف في تَوْءَميها (٢)، والمعروفُ عندنا: أنهما شقيقان، وفُرِّقَ بينهما وبين توءَمي (٣) الزانية بإمكان الاستلحاق واستحالته في الزانية. وكذلك اختلف أصحابُنا في توءَمي (٤) المغتصبة، والمتحملة (٥) بأمان، والمسبِيَّة، هل هما شقيقانِ، أم لا؟ والذي صوَّبه ابنُ يونس من أصحابنا أن توءَمي (٦) المغتَصَبةِ والزانيةِ

стр. 2706

يتوارثان بأنهما إخوةٌ لأم، قال: لأن المغتصِبَ والزانيَ لو استلحَقَهما، لم يلحقا به، هذا مذهبنا. والصحيحُ عند الشافعية في توءَمي (١) الملَاعِنة: التوارثُ من جهة الأم خاصةً، ووافقونا في الزانية، واللَّه أعلم. مسألة: ما فَضَلَ عن ميراثِ ولدِ الملاعنة المعتقة، فلموالي أُمه، وأما العربيةُ، فلجماعة المسلمين، هذا قولُ مالك، والزهريِّ، والشافعيِّ، وأبي ثورٍ (٢). وقالت طائفة: يرثه ورثةُ أمه، و (٣) قاله الحكم، وحماد. وقال آخرون (٤): عصبةُ أمه، ورُوي عن علي، وابنِ مسعود، وعطاءٍ، وابنِ عمرَ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، وقد تقدم قولُ ابنِ مسعود (٥): أَنَّ أُمه عصبتهُ، وقال أبو حنيفة: يُرَدُّ ما فضلَ على ورثته إن كانوا ذوي (٦) أرحام، واللَّه أعلم (٧).

стр. 2707

وقوله: "وفَرَّقَ بينَ المتلاعِنين"، قد تقدم الكلامُ على ذلك قريبًا، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 2708

الحديث الثالث ٣١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُل مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ لَكَ إبلٌ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُها؟ "، قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: "فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: "فَأَنَّى أتَاهَا ذَلِكَ؟ "، قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نزَعَه عِرْقٌ، قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نزَعَهُ عِرْقٌ" (١).

стр. 2709

* الشرح: فيه: حسنُ تأنِّي المستفتي، وتنبيهُه (١)، وعدمُ تصريحه. وفيه: حجةٌ للقول بالقياس على ما قيل (٢)؛ لتشبيهه ﵊ ولدَ هذا الرجل المخالفَ للونه بولد الإبل المخالفِ لألوانها، والعلةُ الجامعةُ هي نزعُ العرق، والعرقُ هنا: الأصلُ من النسب، شُبِّه بعرقِ (٣) الثمرة، يقال: فلانٌ مُعْرِق في الحَسَب، وفي اللُّؤْمِ والكَرَم. ومعنى نزع: جَذَبَ، هذا أصلُه، وكأنه في الحديث بمعنى: أشبهَه، وأظهرَ لونَه، يقال: منه نزَعَ الولدُ لأبيه، ونزَعَ إليه، ونزَعَهُ أبوه (٤).

стр. 2710

وفيه: ضربُ الأمثالِ والأشباهِ تقريبًا للأفهام (١)، وعرضُ الغامضِ المشكلِ على الظاهر البَيِّنِ. ع (٢): وفي هذا الحديث: أن التعريضَ اللطيف إذا لم يُقصد به المشاتمة (٣)، وكان لمعنًى وضرورة، أو شكوى، أو استفتاء، فلا حدَّ فيه، وقد استدلَّ به من لا يرى الحدَّ في التعريض والكناية، وهو مذهب الشافعي. قلت: وفي الاستدلال به نظر؛ لما ذُكر من أنه جاء على طريق الاستفتاء، والضرورةُ داعية إلى ذكره ذلك، وسؤالِه عنه، وهو بخلاف ما جاء على طريق المشاتمة والتشفِّي، واللَّه أعلم. وأبعدُ من هذا استدلالُ (٤) الخطابي به (٥) على نفي الحدِّ عَمَّنْ قال: ليس الولدُ مني؛ إذ ليس فيه شيءٌ من ذلك، وإنما فيه إنكارهُ اللونَ دونَ الولد، ونفيه له (٦). والأَوْرَقُ من الإبل: الذي فيه بياضٌ وسواد، وهو أطيبُ (٧) الإبل

стр. 2711

لحمًا، وليس بمحمودٍ عند العرب في عملِه (١) وسيره (٢)، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة: ورقاء، وللذئبة: ورقاء. وقال أبو زيد: هو الذي يضربُ لونُه إلى خضرة (٣). والمعروفُ الأول، وجمعه وُرْقٌ؛ مثل: أَحْمَر، وحُمْر، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2712

الحديث الرابع ٣٢٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ في غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا ابْنُ (١) أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فَرِاشِ أَبي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ (٢).

стр. 2713

* الشرح: قال أبو سليمانَ الخطابيُّ ﵀: إن أهل الجاهلية كانوا يَقْتنون الولائدَ، ويضربون عليها الضرائبَ، فيكتسبْنَ بالفجور، وكان من سيرتهم إلحاقُ النسب (١) بالزناة إذا ادَّعَوا الولدَ؛ كهو في النكاح، فكانتْ لزمعةَ أمةٌ كان يُلم (٢) بها، وكانت له عليها ضريبةٌ، فظهر بها حملٌ كان يُظن أنه من عتبةَ بنِ أبي وقاص، فهلكَ عتبةُ كافرًا لم يسلِمْ،

стр. 2714

فعهدَ إلى سعدٍ أخيه أنه يستلحق الحمل (١) الذي بأَمَة زمعةَ، وكان لزمعةَ ابنٌ يقال له: عَبْدٌ، فخاصمَ سعدٌ عبدَ بنَ زمعةَ في الغلام الذي ولدتْه الأمةُ، فقال: سعدٌ: هو ابنُ أخي، على ما كان عليه الأمرُ في الجاهلية، فقال (٢) عبدُ بنُ زمعة: بل هو أخي، ولد على فراش أبي، على ما استقر عليه الحكمُ في الإسلام، فقضى رسولُ اللَّه ﷺ لعبدِ بنِ زمعة، وأبطل دعواه في الجاهلية (٣). إذا ثبت هذا، فلتعلم أن هذا الحديث أصلٌ في أمرين: أحدهما: إلحاقُ الولد بصاحب الفراش، وإن طرأ عليه وطء محرَّمٌ. والثاني: ما يقولُه أصحابنا: إن الحكم يبقى بين (٤) حكمين، وذلك أن يكون الفرعُ الواحد (٥) يتجاذبه مشابهة (٦) أصولٌ متعددة (٧)، فيعطَى أحكامًا مختلفةً بحسب تلك المتشابهات (٨)، ولا يُمحض (٩) الحكمُ لأحد الأصول.

стр. 2715

وبيان ذلك: أن الفراشَ مقتضٍ لإلحاقه بزمعةَ، والشبهُ (١) البَيِّنُ يقتضي إلحاقَه بعُتبة، فأُعطي النسب بمقتضى الفراش، فاُلحق (٢) بزمعة، وروعي أمرُ الشبه بأمرِ سودةَ بالاحتجابِ منه، هذا من حيث المنقول. وأما من حيث المعقول: فإنه إذا تعارضت شائبتان (٣) في محل واحد، فلا بد له من حكم؛ إذ لا تخلو واقعة عن حكم؛ بدليل سيرة (٤) السلف ﵃؛ فإنهم لم يعفوا (٥) عن حكم في واقعة بناءً على أنه لا حكمَ فيها، واعتبارُ إحدى الشائبتين (٦) دون الأخرى تَحَكُّم، وإعمالُهما معًا مطلقًا في جميع الأحوال متناقضٌ، فلا مخلصَ إلا ما ذكرناه. وهذا النوع (٧) من التصرُّف يكثُر وجوده في مذهب مالك ﵀، فكثيرًا ما يحكم في حالتي المسألة الواحدة بحكمين متناقضين؛ لتعارض الشوائبِ فيها، فرتب على كل شائبة مقتضاها؛ ككونه جعلَ الوضوءَ كالعبادة (٨) الواحدة، فأفسدَها بالتفريق المتفاحِش (٩) عَمْدًا (١٠)،

стр. 2716

وجعلَه كعبادات، فلم يفسده (١) بالتفريق سهوًا، وإن طال؛ ومثلُ (٢) ذلك: جعلُه المسبوقَ بانيًا في (٣) الأفعال؛ إذ لا تأثير للإمامة فيها، قاضيًا في الأقوالِ؛ لتأثير الإمامة فيها، ومن ذلك جعلُه، الأكلَ سهوًا في الصوم يوجب القضاءَ إن (٤) كان واجبًا، ولا يوجبه (٥) إن كان تطوُّعًا، وجعلُه -أيضًا- كالعمد في وجوب قضاء الصوم المقدور (٦)، وكالمريض في أنه لا يقطع التتابع، ومن ذلك جعلُه المديانَ فقيرًا، فلم يوجب عليه زكاةَ النقدين، وغنيًا، فأوجبَ عليه زكاةَ الماشيةِ والحرثِ، ونظائرُ ذلك كثيرة في مذهبنا، فيعتقد الغمرُ الجاهلُ (٧)، أو العالمُ الذي لم يبلغ مبلغَ الاستقلال بالنظر في الشرع، ولم يُحط بمقصود (٨) صاحب الشريعة: أن ذلك تناقض، وأن مذهبَ مالك لا يجري على قياس، وليس كما قال: ولكن كما قيل: وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

стр. 2717

هذا معنى كلامُ صاحب "البيان والتقريب" وأكثرُ لفظه. وقوله ﵊: "احْتَجِبي (١) منه يا سَوْدَةُ" هل هو على الإيجاب، أو الاستحباب؟ الصحيحُ: أنه على الاستحباب دونَ الإيجاب، وبذلك قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وغيرُهم، وبه أجابوا عن قول أصحاب الرأي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد: أن من فَجَرَ بامرأة، حُرمت على أولاده، وأن ذلك أحدُ قولي (٢) مالك، مستدلين بهذا الحديث، فقالوا: لما رأى الشبهَ بعتبةَ، علم ﵊ أنه من مائه، فأجراه في التحريم مجرى النسب، وأمرَها بالاحتجاب منه، ولما كان مالكٌ، والشافعيُّ، وغيرُهم لا يرون تحريمها، تأولوا قولَه لسودةَ: "احتجبي منه" على معنى الاستحباب والاستظهار بالتنزُّه عن الشبه (٣)، هكذا نقله الخطابي في "شرح السنن"، قال: وقد كان جائزًا أن لا يراها لو كان أخاها ثابتَ النسب، ولأزواج النبيِّ ﷺ في هذا الباب ما ليس لغيرهنَّ (٤) من النساء، قال اللَّه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] الآيةَ، وقد يُستدل بالشبه في بعض الأمور لنوع من الاعتبار، ثم لا يقع الحكمُ

стр. 2718

به، ألا ترى أن النبيَّ ﷺ قال في قصة المتلاعنة (١): "إِنْ جَاءَت (٢) بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَمَا أَرَاهُ إِلَّا كَذَبَ عَلَيْهَا (٣)، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا (٤)، فَمَا أَرَاهُ إِلَّا صَدَقَ عَلَيْها"، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ المكروهِ، ثم لم يحكم به، وإنما يُحكم بالشبه (٥) في موضعٍ لا يوجد فيه (٦) أقوى منه؛ كالحكم بالقافَةِ، وأبطل معنى الشَّبَه (٧) في المتلاعنة (٨) إلى وجود الفراش أقوى منه، وهذا كما يحكم في (٩) الحادثة بالقياس إذا لم يكن فيها نصّ، فإذا وجد فيها ظاهر، ترك له القياس، واللَّه أعلم (١٠). وفيه: أن فراشَ الأمةِ كالحرة، وهو مذهبنا؛ أعني: أنها تكون فراشًا بالوطء، فمتى (١١) اعترفَ سيدُها بوطئها، أو أتتْ بولدٍ، فاعترف

стр. 2719

به السيدُ، أو ثبتت (١) عليه بينةٌ (٢) إن أنكر، لحق به، وأما الحرةُ، فبالعقد وإمكان الوطء، ولحق الولد في مدة يلحق الولد في مثلها. ع: وشذَّ أبو حنيفة، فشرط العقدَ خاصةً، وقال: لو (٣) طلق عقبَ العقد من غير إمكان وطء، وجاءت بولد لستة أشهر من حينئذ (٤)، لَحِقَ به (٥). وفيه (٦): أن للورثة أن يُقروا بوارث. ومعنى: "هو لك"؛ أي: أخٌ لك. وقوله ﵊: "الولدُ للفراش"؛ أي: لصاحب الفراش. وقوله (٧): "وللعاهرِ الحجرُ"، العاهر: الزاني. قال الخطابي: يحسب أكثرُ الناس أن معنى الحجر ها (٨) هنا الرجمُ بالحجارة، وليس الأمرُ كذلك؛ لأنه ليس كلُّ زانٍ يُرجم، إنما

стр. 2720

يُرجم المحصَنُ، وإنما معنى الحجر هاهنا (١): الحرمانُ والخَيْبَة، كقولك إذا خيبتَ الرجلَ (٢) وآيسته من الشيء: مالكَ غيرُ التراب، وما في يدك غيرُ الحجر، ونحو ذلك من الكلام، وقد رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إِذَا جَاءَكَ صَاحِبُ الكَلْبِ يَطْلُبُ، فَامْلأْ كَفَّهُ تُرَابًا" (٣)، يريد: أن الكلبَ لا ثمنَ له، فضرب المثل بالتراب الذي ليس له قيمةٌ (٤). وقوله ﵊: "يا عبدُ بنَ زمعة" يجوز في (عَبد) ضمُّ الدال، وهو الأصل، وفتحُها (٥) إتباعًا لنونِ (ابن)، وإسكانُ ميم (٦) (زمعة) أكثرُ من الفتح. * * *

стр. 2721

الحديث الخامس ٣٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ (١) مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَلَم تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا" (٢) نَظَرَ آنِفًا إِلَى زيدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ (٣) لَمِنْ بَعْضٍ؟! " (٤).

стр. 2722

وَفي لَفْظٍ: "كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا" (١). * * * * الشرح: السُّرورُ: خِلافُ الحزن، وأما قولُ الشاعر: نَسُرُّهُمُ إِنْ هُمُ أَقْبَلُوْا ... وَإِنْ أَدْبَرُوا فَهُمُ مَنْ نَسُبُّ فليس من هذا المعنى، بل معناه: نطعنهم في سُرَّاتهم، يقال: سَرَّهُ: إذا طعَنه في سُرَّته، وقولُه: فهم [مَنْ] نَسُبُّ؛ أي: نطعنهم في سَبَّاتهم؛ جمع سَبَّة، وهي الإستُ (٢). والأسارير: جمع أسرار، وأَسْرار جمعُ سِرَر؛ مثل: عنب،

стр. 2723

وهي الخطوط التي في الوجه والجبهة، ويقال فيها أيضًا (١): الأَسِرّة، والغُضون، وأما التي في الراحة، فواحدها سِرَّة، والجمعُ (٢) سِرَر؛ مثل: سْدَرَة وسِدَر، ويقال -أيضًا- فيه (٣): الأَسِرَّة على غير قياس، ويقال أيضًا: أَسْرار، وسُرَر، فأسرار على القياس، وسُرَر على غير قياس (٤)؛ كالأسرة. وقال الجوهري: السَّرَرُ واحدُ أَسرار الكَفِّ والجبهة، وهي: خطوطهما (٥)، وأنشد قول (٦) الأعشى: فانْظُرْ إِلَى كَفٍّ وَأَسْرَارِها ... هَلْ أَنْتَ إِنْ أَوْعَدْتَني ضائِرِي (٧) قال الإمامُ في صفته ﵊: ورونقُ (٨) الجلال يَطَّرِدُ في أسارير جبينه ﷺ (٩).

стр. 2724

ومُجَزِّز: -بضم الميم (١) وفتح (٢) الجيم وكسر الزاي المعجمة المشددة بعدها زاي ثانية (٣) -، ونقل ع في الزاي: الفتحَ أيضًا (٤)، ومُحْرِز -بحاء مهملة ساكنة وراء مكسورة- (٥)، وهو من بني مدلج، وكانت (٦) القِيافَة فيهم، وفي بني أسد، يعترف (٧) العربُ لهم بذلك. قال الزبير بن بكار: قيل له: مجزز؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا، حلقَ لحيتَه. وقال غيره: جَزَّ (٨) ناصيتَه. ومعنى آنفًا: قبل، وقيل: أول وقت نحن فيه قريب (٩)، وقد قرىء (١٠) (أَنِفًا) على فَعِل؛ مثل كَتِف.

стр. 2725

فيه: دليلٌ على ثبوت أمرِ القافة، وصحةِ الحكم بقولهم من حيث الجملة، وإن كان قد اختُلف في ذلك. فنفاه أبو حنيفة مطلقًا، وأثبته الشافعي مطلقًا، وأثبته مالك في الإماء، ونفاه في الحرائر، في المشهور عنه. ع: وقد روى الأبهريُّ عن الرازيِّ (١)، عن ابن وهب، عن مالكٍ: أنه أثبته في الحرائر والإماء جميعًا. فدليلُ المثبتين هذا الحديثُ؛ لأنه ﵊ قد سُرَّ بقولِ مجززٍ. قالوا: ولم يكن النبي ﷺ لِيُسَرَّ بأمر لا يُعتبر شرعًا؛ لأنه باطل، ولا يُقِرُّ ﵊ على باطل، فضلًا عن أن يُسَرَّ به، وما تقدم أيضًا في حديث زمعةَ؛ من أنه ﵊ رأى شبهًا بينًا بعتبةَ، فأمر سودةَ بالاحتجاب منه، ولأن الفراش إنما قُضي به من جهة الظاهر، ولا يُقطع فيه بأن الولد لصاحب الفراش، فإذا فقدنا الفراشَ المؤديَ (٢) لغلبة الظن تطليبًا للظن (٣) من وجه آخر؛ وهو الشبه. قال الإمام: واحتجَّ مَنْ نفاه بأنه ﷺ (٤) لاعَنَ في قصة (٥) العجلانيِّ،

стр. 2726

ولم يؤخِّرْ حتى تضعَ، ويرى الشبهَ. وقد ذكر -أيضًا (١) - في قصة (٢) المتلاعنين: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا، فَهُوَ لِفُلَانٍ"، ثم لم ينقض حكمَه لما جاءت به على الصفة المكروهة، ولا حَدَّها، فدلَّ ذلك على أن الشبه غيرُ معتبر، وانفصل عن هذا؛ بأن هاهنا فراشًا يرجع إليه، وهو مقدم (٣) على الشبه، فلم ينقض الحكم المبني عليه بظهور (٤) ما يخالفه بما ينحطُّ عن درجته؛ كما لم ينقض الحكم بالنص إذا ظهر فيما بعد أن القياس يخالفه. وحجةُ التفرقة: أن الحرائر لهنَّ فراشٌ ثابت يُرجع إليه، ويُعول في إثبات النسب عليه، فلم يلتفت إلى تطلُّب معنى آخرَ سواه (٥) أخفضَ منه رتبةً، والأمة لا فراشَ لها، فافتقر فيها إلى مراعاة الشبه (٦). وإذا قلنا بثبوت القِيافة، فهل يكفي في ذلك واحدٌ، أو لا بدَّ من اثنين كالشهادة؟ وهو قول مالك، والشافعي، والأولُ قولُ ابن القاسم.

стр. 2727

ع (١): ولا خلافَ بين القائلين بذلك فيما قالوه، إنه إنما يكون ذلك فيما أشكلَ من (٢) الفراشَيْن الثابتين؛ كالمشتري والبائع يطآنِ الأمةَ في طُهر واحد قبلَ الاستبراء من الأول، فتحمِلُ، فتأتي بولد لأكثرَ من ستةِ أشهرٍ من وطء الثاني، وأقلَّ من أقصى أمدِ الحملِ من وطء الأول، وإن كان هذا الوطء الآخر ممنوعًا منه صاحبُه، فله شبهةُ الملك، وصحةُ عقده، ولهذا فرق مالكٌ في مشهور قوله بين النكاحِ والملكِ في هذا؛ إذ لا يصحُّ عقدُ النكاح في العدة؛ بخلاف عقد الشراء (٣) في الاستبراء، ولم يعذره بالجهل والغفلة لوجوب البحث والتقصي، وتفريطه في ذلك، فرجح العقدَ الصحيحَ والوطءَ الصحيحَ دون غيره، ورأى في القول الآخر: أن الجهلَ بحكم النكاح في العدَّة، أو النسيان، عذرٌ، والعقد على ذلك شبهةٌ توجب للفراش (٤) حكمًا؛ كما لو لم يكن فراش متقدِّم، مع فساد العقد، وتحريمِ الوطءِ في لحوق الولد؛ لشبهة العقد. واختلفوا إذا ألحقته القافةُ بمدَّعِيَيْهِ (٥) معًا، هل يكون ابنًا لهما؟ وهو قول سحنون، وأبي ثور.

стр. 2728

وقيل: يُترك حتى يكبر، فيوالي مَنْ شاء منهما، وهو قولُ عمرَ ابنِ الخطاب، وقاله مالكٌ، والشافعي. وقال عبدُ الملك بنُ الماجشون، ومحمدُ بنُ مسلمةَ: يلحق بأكثرهما له شَبَهًا. قال ابنُ مسلمةَ: إلا إن علم الأول، فيلحق به. وكذلك اختلف الآبون (١) من القول بالقافة في حكم ما أشكلَ، وتُنوزع (٢) فيه: فقال أبو حنيفة: يُلحق الولدُ بالرجلين إذا تنازعا فيه، وكذلك بامرأتين. وقال (٣) أبو يوسف: يلحق برجلين (٤)، ولا يلحق بامرأتين. وقال محمدُ بنُ الحسن: نحوه، يلحق بالآباء (٥)، وإن كثروا، ولا يلحق إلا بأم واحدة. وقال سحنون: يُقرع بينهم، وقاله (٦) الشافعي في القديم، واللَّه أعلم (٧).

стр. 2729

قلت: وسببُ سرور النبيِّ ﷺ بذلك: هو (١) أن العرب كانت تقدَحُ في نسب أسامةَ حِبِّ رسولِ اللَّه ﷺ ، وكان ذلك يسوْءُه منهم (٢)؛ لكونه أسودَ شديدَ السواد، وكان زيدٌ (٣) أبوه أبيضَ من القطن، فلما قضى هذا القائفُ بإلحاق هذا النسب، مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية تُصغي إلى قول القافة (٤)، سُرَّ بذلك النبيُّ ﷺ (٥)؛ لكونه كافًّا لهم (٦) عن الطعن فيه (٧). ق: ولم يذكر في هذه الرواية تغطيةُ أسامةَ وزيدٍ رؤوسَهما، وظهورُ أقدامهما (٨)، وهي زيادة مفيدة جدًا؛ لما فيها (٩) من الدلالة على صدق القيافة. قال: وكان يُقال: إن من علوم العرب ثلاثًا: السيافة، والعيافة، والقيافة.

стр. 2730

فأما السِّيافَةُ: فهي شَمُّ (١) ترابِ الأرض ليعلم الاستقامة على الطريق، والخروج منها، قال المعري: أَوْدَى فَلَيْتَ الحَادِثَاتِ كَفَافي ... مَالُ المُسِيفِ وَعَنْبَرُ المُسْتَافِ والمستافُ: هو هذا (٢) القاصُّ. وأما العِيافة: فهي زجرُ الطير، والطيرةُ، والتفاؤلُ بها، وما قاربَ ذلك. وأما السانِحُ والبارِحُ ففي الوحش (٣). قلت: يريد: أن العرب كانت تتطير بالبارح، وتتفاءل بالسانح، يقال: بَرَحَ (٤) الظبيُ -بفتح الراء (٥) - بروحًا: إِذا ولَّاكَ (٦) مَياسرَهُ يمرُّ من ميامِنِكَ إِلى مياسرك، [والعرب تتطير بالبارح] وتتفاءل بالسانح. قال الجوهري: لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف (٧). قال: وفي الحديث: "العِيَافَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الجِبْتِ" (٨)، والطرق:

стр. 2731

هو الرميُ بالحَصَى. وأما القِيافة: فهي ما نحنُ فيه، وهي اعتبارُ الأشباه لإلحاق الأنساب (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2732

الحديث السادس ٣٢٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: ذُكِرَ العَزْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُم؟ "، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؛ "فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا" (١).

стр. 2733

* الشرح: العَزْل: معروف، وهو أن يُجامع، فإذا قاربَ الإنزالَ نزعَ، وأنزلَ خارجَ الفَرْج، وهو جائز عندنا بلا كراهة، وفيه كراهةٌ عند الشافعي، وكرهه ابنُ عمر ﵁؛ لكن شرطه عندنا وعندهم رضا الزوجةِ الحرةِ بذلك؛ لأن لها حقًا في تمام لذتها، وحقها في الولد، أو (١) رضا السيدِ إن كانت الزوجة (٢) أَمَةً؛ لأن له -أيضًا- حقًا في الولد. ودليلُنا على عدم الكراهة: أنه إذا جاز تركُ الوطء، وهو أصلُ الإنزال، فَلأَنْ يجوزُ تركُ الإنزال أَوْلى، وقد رَجَّحَ هذا بعضُ أصحاب الشافعي، وأيضًا ما سيأتي من (٣) حديث جابر ﵁، وأما العزلُ عن الأمة بملك اليمين (٤)، فجائزٌ بغير رضاها: إذ لَا حَقَّ لها في وطء، ولا استيلاد (٥)، واللَّه أعلم (٦).

стр. 2734

الحديث السابع ٣٢٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه (١) ﵄، قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ، وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ (٢) كَانَ شَيْءٌ يُنْهَى، لنهَانَا عَنْهُ القُرْآنُ (٣). * * *

стр. 2735

هذا -أيضًا- كما تقدم، فدل على عدم الكراهة في العزل. ق (١): واستدل جابرٌ ﵁ بتقرير اللَّه ، وهو استدلال غريب، وكان يحتمل (٢) أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول ﷺ ؛ لكنه مشروطٌ بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي (٣) الاستدلال بتقرير اللَّه (٤). * * *
следующие страницы →