← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

بينهما عبيد بن أبي مريم. روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١). * الشرح: اختلف الناس (٢) في قبول شهادة المرضعة وحدَها، فأجازه بعضُهم؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. ق: ولا بدَّ فيه مع ذلك -أيضًا- إذا (٣) أجريناه على ظاهره من قَبول شهادةِ الأَمَة، ومنهم من أبى ذلك، وحملَ الحديثَ على الورع دونَ التحريم (٤). قلت (٥): وهو (٦) ظاهرُ مذهبنا.

стр. 2767

قال في "الكتاب": وإذا (١) قالت امرأةٌ عدلةٌ: أرضعتُ فلانًا (٢) وزوجتَه (٣)، لم أقضِ بفراقهما، ولو عرف ذلك من قولها قبل النكاح لأمرتُه بالتنزه عنها، إن كان يوثَق بقولها. وقال بعد ذلك: وإن خطب رجلٌ امرأة، فقالت له امرأةٌ: قد أرضعتُكما، لم ينبغِ نكاحُها (٤)، (٥) فإن فعلَ، لم يفرِّقِ القاضي بينهما (٦). وإلى هذا التنزه يشير قولُه ﵊: "كيفَ وقد قيلَ؟ "، و (٧) لا شكَّ أن الورعَ هاهنا (٨) متأكد (٩) جدًا. وانظر: ما وجهُ إعراضه ﵊ عن السائل، وإحواجه إلى السؤال مرة ثانية، وما الحكمةُ في ذلك، وهو ﵊ الإمامُ الأعظم، ومنه تُتلقى الأحكامُ والشرائع، وإليه يُلجأ عند المعضلات والنوازل ﷺ ؟

стр. 2768

الحديث الرابع ٣٣٠ - عَنِ البَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي: مِنْ مَكَّةَ-، فَاتَّبَعَتْهُم (١) ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ! فتنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةُ عَمِّكِ، فَاحْتَمَلهَا (٢)، فَاخْتَصَمَ فِيْهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ (٣)، فَقَالَ عَلِيٌّ: أناَ أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وخَالتهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ"، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ (٤) مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ"، وَلِجَعْفَرٍ (٥): "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي"، وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أنتَ أَخُونا وَمَوْلَانَا" (٦).

стр. 2769

* الشرح: الحديثُ أصلٌ في الحضانة، وهي (١) عندنا في النساء للأم (٢)، ثم أُمِّها، ثم جدةِ الأمِّ لأمِّها، ثم الخالةِ، ثم الجدةِ للأبِ، ثم جدةِ (٣) الأبِ (٤) لأبيه (٥)، ثم الأختِ، ثم العمةِ، ثم بنتِ الأخت، وفي إلحاق

стр. 2770

خالةِ الخالةِ بالخالة قولان. وأما في الذكور: فللأب (١)، ثم الأخُ، ثم الجدُّ، ثم ابنُ الأخ، ثم العمُّ، ثم ابنُ العمِّ، ثم المولى الأعلى و (٢) الأسفلُ، على المشهور فيهما (٣). فيترك الغلامُ (٤) في الحضانة حتى يحتلم، والجاريةُ حتى تبلغ النكاحَ، فإذا بلغَتْه، نُظر (٥)؛ فإن كانت الأم في حوزٍ ومنعةٍ وتحصين (٦)، فهي أحقُّ بها منه (٧) حتى تنكحَ، وإن بلغت أربعين سنة، وإن لم تكن الأُم كما وصفْنا، أو كانت غيرَ مرضية في نفسِها، أو نكحت، ودخل بها (٨) زوجها، فللأب أخذها منها، وكذلك للأولياء (٩) أو الوصي (١٠) أخذ الولد (١١) بذلك، واللَّه أعلم (١٢).

стр. 2771

وفي الحضانة فروعٌ موضعها كتب الفقه. وقوله ﵊: "الخالةُ بمنزلةِ الأُمِّ" السياقُ يقتضي أنها بمنزلة الأم (١) في الحضانة، فلا ينبغي أن يكون (٢) لأهل التنزيل في ذلك متعلقٌ في تنزيلها منزلةَ الأمِّ (٣) في الميراث فإن السياق طريق (٤) إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة (٥) من قواعد أصول الفقه وما قاله لعلي وجعفر وزيد، جاء على عادته (٦) من كريم أخلاقه، وعذوبة ألفاظه، وحسن تأليفه ﷺ ، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. فإن قلت: أما ما قاله لعلي وزيد، فقد ظهرت مناسبته؛ (٧) إذ كان فيه جبرٌ (٨) لهما، وتطييب لقلوبهما؛ حيث حُرِما مقصودَهما من أخذ الصبية، وأما جعفر، فما مناسبة القول له وقد حصل له مقصوده (٩) من أخذ الصبية.

стр. 2772

قلت: مناسبته من وجهين: أحدهما: أنه لو لم يقل له ﵊ ما قال ربما تألم، لفَوْت مدحته (١) ﵊ كما مدحهما، ولاختار ذلك على أخذ الصبية، وأنه لجدير بذلك، وكيف لا؟ (٢) وهو ﵊ تترك في محبته الآباء والأمهات (٣) والبنون والبنات، فكان يكون من هذا الوجه قد فاته المقصودُ الأعظم، والأمرُ الأهمُّ. والوجه الثاني: أن الصبيةَ لم يُحكم بها في الحقيقة لجعفرٍ، ولكن استحقتها (٤) الخالةُ؛ لكونها بمنزلة الأم؛ كما تقدم، فهو -أيضًا- غيرُ محكوم له بصفته؛ كهما (٥)، فناسب ذلك جبره (٦) بما قال (٧) ﵊، فاعرفْه، واللَّهُ الموفق (٨). * * *

стр. 2773

كِتْابُ الْقَصَاص

стр. 2774

كِتْابُ القصاص الحديث الأول ٣٣١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (١): "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؛ إِلَّا بِإحدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (٢).

стр. 2775

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: "لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم" كنايةٌ عن قتله، وقوله: "دمُ امرىء" فيه (١) حذفُ مضاف، أي: إجراءُ دَمِه (٢)، والدمُ (٣) أصلُه: دَمَيٌ؛ مثلُ: يَدٍ (٤)، أصلُه: يَدَيٌ، وهما مما أُميتت لامُهما (٥) بالحذف، حتى في التثنية، فقالوا: يدان، ودمان، فلم يردوا المحذوف (٦)، وقد جاء (٧) ردُّ المحذوف، شاذًا، قال الشاعر:

стр. 2776

فلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا ... جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ اليَقينِ (١) وقال آخر: (٢) يَدَيَانِ بَيْضَاوَانِ عِنْدَ مُحَلِّم ... قَدْ يَمْنَعَانِكَ أَنْ تُضَامَ وتُضْهَدَا (٣) (٤) فرُدَّ المحذوفُ (٥)، وهو شاذٌّ لا يُقاس عليه، وقد تقدم أنه يقال: امرؤ، ومَرْءٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقوله ﵊: "يشهدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه" كالتفسير لقوله: مسلم، وكذا "المفارقُ للجماعةِ"، هو -أيضًا (٦) - كالتفسير لقوله: "التاركُ لدينه"، والجماعةُ: جماعةُ المسلمين، وفِراقُهم بالرّدَّة (٧).

стр. 2777

الثاني: فيه: أنه يُطلق على الرجل: ثَيِّبٌ؛ كالمرأة، وكذا هو في اللغة. قال الجوهري: الذَّكَرُ والأنثى فيه سواء. قال ابنُ السِّكِّيت: وذلك إذا كانت المرأة دُخِلَ بها، أو كان الرجل قد دخلَ بامرأته، تقول منه: ثُيِّبت (١) المرأةُ (٢). قلت: وإذا فسر الثيبُ بمن دخلَ بزوجته، فما حقيقة الدخول؟ هل هو (٣) الوطءُ ليس إلا، أو يتنزل منزلة التجريد والتقبيل بالمضاجعة (٤)، وغير ذلك من أنواع التلذذ، أو مجرد الخلوة؟ فيه نظر. وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فقال ابنُ عباس، وطاوسٌ، وغيرهما: الدخولُ في هذا الموضع: الجماعُ، فإن طَلَّقَ قبل البناء، وقبلَ الوطء، فإن ابنتها له حلالٌ. قال ابن عطية: وقال جمهورٌ من (٥) العلماء؛ منهم: مالك، وعطاء بن أبي رباح، وغيرُهم: إن التجريد، والتقبيل، والمضاجعة،

стр. 2778

وجميعَ أنواع التلذذ يحرِّمُ (١) الابنةَ؛ كما يحرمها الوطءُ (٢). فظاهرُ ما قاله مالك -هنا- وموافقوه: أن لا يُشترط الوطء -أيضًا- في الإحصان؛ كما لم يُشترط في تحريم عقد النكاحِ، بل يكفي التلذذُ -كما تقدم-، ولكن المنقولَ عندنا: أنه لا يكون محصَنًا إلا بمغيبِ الحشفة، أو مثلِها من مقطوعها (٣)، وهو أحدُ الشروطِ الستةِ المعروفةِ في المحصَن. الثالث: أكثرُ نسخِ مسلم: (الزان) -بغير ياء بعد النون-، وهي لغة صحيحة، قد قُرىء بها في السبع في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، وغيرِه، والأشهرُ في اللغة في مثل هذا إثباتُ الياء في الوقف (٤)، فإن لم يكن فيه ألف ولام، فالأشهرُ الأكثرُ الحذفُ في الرفع والخفض؛ نحو: هذا قاضٍ، ومررتُ بقاضٍ، عكس الأول، فأما في النصبِ، فليس إلا إثباتَ الياء، نحو رأيتُ القاضيَ، وأجبتُ الداعيَ، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]؛ لأنها بالحركة صارت بمنزلة الصحيح، وإن كان مجردًا من الألف واللام -أعني: المنصوبَ-، فالوقف عليه بالألف، تقول (٥): رأيتُ قاضيا،

стр. 2779

وأجبت داعيا، لا سبيلَ إلى حذف الياء؛ لحركتها (١)، والوقف على الألف المبدولة (٢) من التنوين. وقد أطلق بعضُ المتأخرين ممن تكلم على هذا الحديث إطلاقًا يحتاج (٣) إلى تفصيل، وليس من شأنه. الرابع: قوله ﵊: "والنَّفْسُ بالنَّفْسِ"، النفسُ تُذَكَّر وتُؤَنَّث، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩]، فأولُ الآية يدل على التأنيثِ، وآخرُها يدل على التَذكيرِ. وقد تعلق أبو حنيفةَ وأصحابُه بهذا العموم، فقالوا: يُقتل المسلم بالذميِّ، والحرُّ بالعبد، والجمهورُ على خلافه، وأنه عمومٌ أُريد به الخصوصُ في المتماثِلين، وهذا مذهبُ مالك، والليث، والشافعيِّ، وأحمدَ، وقد وافقنا الحنفية على تخصيص هذا العموم (٤)، وأخرجوا منه صورًا: منها: إذا قتل السيدُ عبدَه، فإنه لا يُقتل به عندهم، وإن كان متعمِّدًا؛ كما يقول مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ.

стр. 2780

ومنها: إذا قتل الأبُ ابنَه، فقال (١) أبو حنيفة: لا يُقتل به، وكذلك (٢) يقول الشافعي، وأحمد، وفي الحديث؛ "لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ (٣) بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ" (٤) اعترضتِ الحنفيةُ بأن معناه: ولا ذو عهد في عهده: كافر حربي فالذي لا يقتل به المسلم هو الحربي، تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه (٥). وأجيب (٦) عن ذلك بوجوه: الأول: لا نسلِّمُ كونَ (٧) الواو هنا عاطفةً، بل استئنافيةً، فلا يلزم الاشتراكُ. الثاني: سلَّمناه، لكن العطفَ يقتضي التشريكَ (٨) في الأصل دونَ توابعه، وقد قالت النحاة: إذا قلت: مررتُ بزيدٍ قائمًا، وعمرٍو، لا يلزمُ منه أن يكون: مررتُ بعمرٍو قائمًا -أيضًا-، بل الاشتراك في أصل المرور، لا غيرُ (٩)، وكذلك جميعُ التوابع من المتعلِّقات وغيرها،

стр. 2781

فيقتضي العطف هاهنا أنه لا يُقتل، أما تعيينُ من يقتل (١) الآخر، فلا؛ لأن الذي يقتل به من توابع الحكم. الثالث: لا نسلِّم أن قوله ﵊: "ولا ذو (٢) عهدٍ في عهده" معناه بحربي، بل معناه التنبيهُ على السببية؛ فإن (في) تكون للسببية؛ كما (٣) تقدم، فيصير معنى الكلام: ولا يُقتل ذو عهدٍ بسببِ المعاهدة (٤)، فيفيدنا ذلك: أن المعاهدةَ سببٌ (٥) يوجب العصمةَ، وليس المراد: أنه يُقتصُّ منه، ولا غيرُ ذلك. الرابع: أن معناه: نفيُ الوهم عمَّن يعتقد أن عقدَ المعاهدة كعقد الذمة يدوم، فنبه ﵊ على أن أثر ذلك العهدِ إنما هو في ذلك الزمن خاصةً، لا يتعدَّاه، وتكون (في) على (٦) هذه الطريقة للظرفية (٧)، وهو الغالبُ فيها. الوجه الخامس من الكلام على الحديث: قال العلماء: قوله ﵊: "المفارقُ للجماعةِ" يتناول كلَّ مرتدٍّ عن

стр. 2782

الإسلامِ، وكلَّ خارج عن الجماعة ببدعةٍ، أو بَغْيٍ، أو غيرِهما، وكذلك (١) الخوارجُ، واللَّه أعلم. ح: وهذا عامٌّ يُخَصُّ منه (٢) الصائلُ ونحوُه (٣)، فيباح (٤) قتلُه في الدفع، وقد يُجاب عن هذا: بأنه (٥) داخلٌ في المفارق للجماعة، أو يكون المراد: لا يحل تعمُّدُ قتلِه قصدًا، إلا هؤلاء الثلاثة (٦). ق: واختلف الفقهاء في المرأة، هل تقتل بالردة، أم لا؟ ومذهب أبي حنيفة (٧): لا تقتل. ومذهب غيره، تقتل وقد يؤخذ (٨). قوله: "المفارقُ للجماعة" يعني: المخالفَ لأهل الإجماع، فيكون متمسَّكًا لمن يقول: مخالفُ الإجماع (٩) كافرٌ، وقد نُسِب (١٠) ذلك إلى بعض الناس، وليس بالهين، وقد قدمنا الطريقَ في

стр. 2783

التكفير، فالمسائلُ الإجماعية تارةً يصحبها التواترُ بالنقل عن صاحب الشرع؛ كوجوب الصلاة -مثلًا-، وتارة لا يصحبها التواتُر. فالقسم الأول: يكفرُ جاحِدُه؛ لمخالفته (١) التواترَ، لا لمخالفة (٢) الإجماع. والقسم الثاني: لا يكفرُ به. وقد وقع في هذا المكان مَنْ يدعي الحذقَ في المعقولات، ويميل إلى الفلسفة، فظنَّ (٣) أن المخالفَ في حدوث (٤) العالم من قَبيل مخالفةِ الإجماع، وأخذَ من قولِ مَنْ قال: إنه لا يكفرُ مخالفُ الإجماع: أن لا يكفر هذا المخالف في هذه (٥) المسألة، وهذا كلام ساقط بمرَّةٍ (٦)، إما عن عَمًى في (٧) البصيرة، أو تَعامٍ؛ لأن حدوثَ العالم من قَبيل ما اجتمعَ فيه الإجماعُ، والتواترُ بالنقل عن صاحب الشريعة (٨)، فيكفر المخالفُ بسبب مخالفتِه النقلَ المتواتَر، لا بسببِ

стр. 2784

مخالفةِ الإجماع (١). قلت: وهذه (٢) قاعدةٌ نفيسةٌ جليلةٌ في هذا المعنى، فلتُعْطَ من الحفظِ حَقَّها، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 2785

الحديث الثاني ٣٣٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ" (١).

стр. 2786

* الشرح: فيه: تغليظُ أمرِ الدماء، وعظيم (١) مفسدتها؛ فإن البداءةَ بها مشعرةٌ بذلك؛ إذ (٢) إنما يُبدأُ بالأهمِّ فالأهم، أي (٣) المهمَّ المقدَّم؛ فإن الذنوب تعظُم بعِظَم (٤) مفسدتها، وأيُّ مفسدةٍ بعدَ الكفرِ باللَّه -تعالى- أعظمُ من هدمِ هذه البنيةِ الإنسانيةِ التي خلقَها اللَّه -تعالى- في أحسنِ تقويم، وأسجدَ لها ملائكَتَه، وخلقَ الحادثاتِ كلَّها من أجلِها؟! فإن قلت: قد (٥) جاء في حديث السنن: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ صَلَاتُهُ" (٦) فما طريقُ الجمع بين الحديثين؟ قلت: قد جُمعَ بينهُما: بأنْ يكون حديثُ الصلاة محمولًا على ما بينَ العبد وربِّه ، وحديثُ الدماء فيما بينَ العبادِ (٧)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2787

الحديث الثالث ٣٣٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى خَيْبَرَ -وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ-، فتفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتكَلَّمُ، فَقَالَ: "كَبِّرْ كَبِّرْ"، وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ، فتكَلَّمَا، فَقَالَ: "أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ -أَوْ: صَاحِبَكُمْ؟ -"، قَالُوا (١): و (٢) كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نشهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فتبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ؟ "، فَقَالُوا: كَيْفَ (٣) نَأْخُذُ (٤) بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ (٥).

стр. 2788

وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيْدٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ"، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْ، كَيْفَ نَحْلِفُ (١)؛ قَالَ: "فتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَوْمٌ كُفَّارٌ (٢). وَفِي حَدِيثِ سعيد (٣) بْنِ عُبَيْدٍ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِئَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ (٤).

стр. 2789

* التعريف: سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، واسمُ أبي حثمةَ -بالمثلثة الساكنة-: عبدُ اللَّه، وقيل: عامرُ بن ساعدةَ بنِ عامرِ بنِ عديِّ بنِ جُشَم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بنِ مَجْدَعَةَ -بالجيم الساكنة والدال المهملة- بنِ حارثةَ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ. يكنى: أبا يحيى، ويُقَالُ: أبو محمد، الأنصاريُّ، المدنيُّ (١). مات النبيُّ ﷺ وهو ابن ثماني سنين، وقد حفظ عنه. رُوي له عن رسول اللَّه ﷺ خمسة وعشرون حديثًا، اتفقا على ثلاثة أحاديث.

стр. 2790

روى عنه: بشير (١) بنُ يسار، وصالح بنُ خواتِ بنِ جُبير، وغيرُهم. روى له: الجماعة. توفي في أول ولاية معاوية (٢). * ثم (٣) الكلام على الحديث من وجوه: الأول: حُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة: -بتشديد الياء فيهما، وبتخفيفها- لغتان مشهورتان، أشهرهما (٤): التشديدُ (٥). والقَسامة: -بفتح القاف-، وهي التي يحلف بها المدَّعي للدمِ،

стр. 2791

وقيل: إنها في اللغة اسمٌ للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدمِ (١). الثاني: ع: حديث القسامةِ أصلٌ من أصول الشرع، وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، وركنٌ من أركانِ مصالحِ العبادِ، وبه أخذَ (٢) الأئمةُ كافةً، والسَّلَفُ من الصحابةِ والتابعينَ، وعلماء الأمة (٣)، وفقهاء الأمصار؛ من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به. وروي التوقفُ (٤) عن الأخذ به عن طائفة فلم يَرَوا القسامةَ، ولا أثبتوا (٥) لها في الشرع حكمًا؛ وهو مذهب الحكم بن عُتَيبة، ومسلمِ بنِ خالد، وأبي قِلابةَ، وسالمِ بنِ عبدِ اللَّه، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وقَتادةَ، وابنِ عُلَيَّة (٦)، والمكيين، وإليه ينحو البخاريُّ، ورُوي عن عمرَ بنِ عبد العزيز مثلُه، وروي عنه -أيضًا-: الحكمُ (٧) بها. واختلف قولُ مالك في جواز القسامة في قتل الخطأ. ثم اختلف القائلون بها في العمد؛ هل يجب بها القتلُ والقصاصُ، أو الديةُ فقط؟

стр. 2792

فمذهبُ معظمِ الحجازيين: إيجابُ القَوَدِ والقتل (١) بها إذا كَمُلَتْ شروطُها وموجِباتُها؛ وهو قولُ الزهريِّ، وربيعةَ، وأبي الزنادِ، ومالكٍ وأصحابِه، والليثِ، والأوزاعيِّ، وأبي ثورٍ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وداودَ، والشافعيِّ في أحد قوليه، ورُوي ذلك عن ابن الزبير، وعمرَ بنِ عبد العزيز ﵃ (٢). إذا (٣) ثبت هذا، فللحكم بالقَسامَةِ عندنا شروط: أحدهما: أن يُدَّعَى الدمُ على مَنْ لا يُعرفُ قاتلُه ببينةٍ، ولا إقرارِ مَنْ يُدَّعى عليه. والثاني: أن يكون المقتولُ حرًا مسلمًا. والثالث: أن يكون في قتل، لا في جرحٍ. والرابع: أن يتفق الأولياء على ثبوت القتل في العَمْد، فإن اختلفوا، فلا قسامة، فأما في الخطأ إذا ادعاه بعضُهم، ولم يَدَّعِه (٤) الباقون، فقال مالك: إن المدعين يُقسمون، ويأخذون حقوقَهم من الدية. والخامس: أن يكون ولاةُ الدمِ في العمد اثنينِ فصاعدًا، فإن كان واحدًا، لم يُقْسِم، إلا أن يعين من عصبته من يحلفُ معه (٥)، وإن لم

стр. 2793

تكن له ولاية (١)؛ كالابن، يستعينُ بعمومته، فأما في الخطأ، فيقسم الواحدُ. والسادس: أن يكون الأولياءُ في العمد رجالًا عُقلاءَ (٢) بالغِينَ، فإن لم يكن إلا نساءٌ، فلا قسامةَ، وأما في الخطأ، فأولياءُ الدم هم الورثةُ، رجالًا كانوا أو نساءً. والسابع: أن يكون مع الأولياء لَوْثٌ يقوِّي دعواهم، واللوثُ أشياء: منها: الشاهدُ الواحدُ العدلُ على رؤية القتل، وفي شهادةِ من لا تُعلم عدالتُه، والعدلِ يرى المقتولَ يتشحَّطُ في دمه، والمتَّهَمُ عندَه أو قربَه عليهِ آثارُ الدم، خِلافٌ. ومنها: أن يقول المقتولُ: دمي عند فلان. وفي كون ذلك لوثًا في الخطأ: روايتان عن مالك. وفي شهادة النساء والعبيد خلاف (٣). ومنها: أن يشهد عدلان بالجرح، فيعيش بعدَه أيامًا، ثم يموت قبل أن يُفيق منه. ومنها: أن تَقْتَتِلَ طائفتان، فيوجد بينهما قتيلٌ، فهذا لوثٌ عند مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ (٤)، وإسحاقَ.

стр. 2794

وعن مالك رواية: أنه لا قسامةَ، بل فيه ديةٌ على الطائفة الأخرى، إن كان من إحدى (١) الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين ديتُه (٢) (٣). الثالث من الكلام على الحديث: قوله: فذهبَ عبدُ الرحمن يتكلم، فقال ﵊: "كَبِّرْ كَبِّرْ": معنى هذا: أن المقتولَ هو عبدُ اللَّه، وله أخ اسمُه عبدُ الرحمن، ولهما ابنا عَمٍّ، وهما: مُحيصة وحُويصة، وهما أكبر سنًا من عبدِ الرحمن، فلما أراد عبدُ الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قال له النبيُّ ﷺ : "كَبِّرْ كَبِّرْ"؛ أي: ليتكلمْ أكبرُ منك (٤)، وإن كان (٥) حقيقة الدعوى إنما هي (٦) لأخيه عبد الرحمن، لا حقَّ فيها لابْنَي عمه، ولكن أمرَ ﵊ أن يتكلم الأكبرُ، وهو حُويصة؛ ليعربَ عن (٧) صورة الواقعة كيف جرتْ، لا سماع الدعوى منه، فإذا أُريد (٨) سماعُ الدعوى، تكلم صاحبُها؛ وهو عبدُ الرحمن.

стр. 2795

ويحتمل أن يكون عبدُ الرحمن حين أُمر بالسكوت، وَكَّلَ حُويصة ومُحيصة في الدعوى، وفي هذا فضيلةُ السنِّ عند التساوي في الفضائل، وقد اعتبر العلماء ذلك في الإمامة، وفي عقدِ النكاح، وغيرِ ذلك، على طريق الندب دونَ الوجوب (١). الرابع: قوله ﵊: "أَتَحلفون، وتَستحقون دمَ (٢) قاتِلِكم -أو: صاحبكم-؟ "، دليلٌ على ما تقدَّم؛ من أنه إذا كان وليُّ الدمِ واحدًا، استعان بعَصَبَته في الأيمان، فيحلفون معه، وإن لم تكن (٣) لهم ولايةٌ، لعرضِه ﵊ الأيمانَ على الثلاثة: عبدِ الرحمن، وابني عمِّه حويصةَ ومحيصةَ، والولايةُ لعبد الرحمن أخي المقتولِ، لا غيرُ، هذا مذهبنا، وخالفَ في ذلك الشافعيُّ. وأما قوله ﵊: "تستحقون (٤) قاتلِكم أو صاحبِكم"، فمعناه: يَثْبُتُ حقُّكم على مَنْ حلفتم عليه. وهل ذلك الحقُّ قصاصٌ، أم ديةٌ؟ فيه الخلاف السابقُ بين العلماء (٥).

стр. 2796

والاستدلالُ بالرواية التي فيها: "فيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ" أقوى من الاستدلال بقوله ﷺ "وتستحقون دم قاتلكم"؛ لأن قولنا: يدفع برُمَّته مستعملٌ في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجبَ الديةُ، لبعُدَ استعمالُ هذا اللفظ فيها، وهو في استعماله في تسليمِ القاتل أظهرُ. والرُّمَّةُ: -بضم الراء-: قطعة من الحبل بالِيَةٌ، والجمعُ: رُمَمٌ، ورِمَامٌ. قال الجوهري: وأصلُه: أن رجلًا دفع إلى رجل بعيرًا بحبلٍ في عنقه، فقيل ذلك لكلِّ مَنْ دفع شيئًا بجملته، وأما الرِّمَّةُ -بالكسر-، فهي العظام البالية، والجمع (١): رِمَمٌ، ورِمَامٌ (٢)، واللَّه أعلم. والاستدلال بقوله ﵊: "وتستحقون دمَ صاحبِكم" أظهرُ (٣) من الاستدلال بقوله: "فتستحقون قاتلَكم، أو صاحبَكم"؛ لأن هذا اللفظ الأخيرَ لا بدَّ فيه من إضمار، فيحتمل أن يضمر: ديةَ صاحبَكم احتمالًا ظاهرًا، وأما بعدَ التصريح بالدمِ، فلا، وربما أشار بعض المخالفين لهذا المذهب أن يكون "دمَ صاحبِكم": هو القتيل، لا القاتل، ويرده قوله ﵊: "دمَ صاحبِكم، أو قاتلِكم" (٤).

стр. 2797

ولتعلمْ (١): أنه إنما يجوز لهم الحلفُ إذا علموا أو ظنوا ذلك، وإنما عرضَ عليهم النبيُّ ﷺ اليمينَ إن وُجد فيهم ذلك الشرط، وليس المرادُ الإذنَ لهم في الحلف من غير علمٍ، ولا ظنٍّ، والتقدير: أتعلمون ذلك، أو تظنونه، فتحلفون؟ ولذلك قالوا: "كيف نحلفُ ولم نشهدْ". الخامس: قوله ﷺ : "فتبرِئُكم يهودُ بأيمان خمسين"؛ أي: تُبري إليكم من دعواكم بخمسين يمينًا، وقيل: معناه: يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حلفوا، انتهت الخصومةُ، ولم يثبتْ عليهم شيء، فخلصتم أنتم من اليمين. وفيه: دليلٌ لصحة يمينِ الكافرِ والفاسق، وأن الحكمَ بين المسلم والذميِّ؛ كالحكمِ بين المسلمين. ويهود: لا ينصرفُ؛ للتأنيث والعلمية؛ إذ المراد به: القبيلة، أو الطائفة (٢)، ومنه قول الشاعر: فَرَّتْ يَهُودُ وَأَسْلَمَتْ جِيَرانَهَا ... صَمِّي لِمَا فَعَلَتْ يَهُودُ صَمَامِ (٣)

стр. 2798

وقوله: "فعقله النبيُّ ﷺ من عندِه"؛ أي: أعطى ديتَه من عنده. وفي الرواية الأخرى: "فَوَدأْهُ من قِبَلِهِ" (١)، - بتخفيف الدال-؛ أي: أعطى ديته أيضًا. وقوله ﵊: "فيُقسم خمسون منكُم على رجلٍ منهم": فيه: أن القَسامة لا تكون إلا على واحد؛ كما هو المشهور من مذهبنا، وهو قول أحمد. وقال أشهبُ وغيرُه: يقسمون على ما شاؤوا، ولا يقتلون إلا واحدًا. وقال الشافعي: إن (٢) ادعوا على جماعة، حلفوا عليهم، وثبتت الدية، على الصحيح، وعلى قول: يجبُ القصاصُ عليهم، وإن حلفوا على واحد، استحقوا عليه وحدَه. وفيه: أن الأيمان لا تكون (٣) أقلَّ من خمسين، وأنها لا يحلفها واحد (٤)، وإنما يحلفها خمسون من أولياء المقتول، كلُّ واحد يمينٌ، فإن كانوا دونَ هذا العدد، أو نَكَلَ بعضُهم، ولم يكن ممن يجوز

стр. 2799

عفوُه (١)، أو صرفُ اليمينِ إلى غيره، رُدَّتِ الأيمانُ عليهم، حتى يُتِمُّوا خمسين يمينًا (٢)، ويجزىء في ذلك رجلان، ولا يجزىء في قتل العمد أقلُّ من رجلين، هذا مشهور مذهب مالك ﵀. وعنه: إن كان الأولياء أكثرَ من خمسين، حلفوا كلُّهم (٣) يمينًا يمينًا، ولا يحلف في ذلك إلا الرجال البالغون من أوليائه، ومَنْ يستعينون به من عَصَبَته، على ما تقدم (٤). السادس: قوله: "فكرهَ رسولُ اللَّه ﷺ أن يُبطل دمَه، فوداهُ بمئةٍ من إبلِ الصدقةِ": قيل: ذلك لأنه ﵊ لما لم يحلِفوا، ولم يُحَلِّفوا، و (٥) تَنَزَّهوا عن اليمين لمَّا لم يحضروه، ولم يَرَوْا إلزامَها الخيبريين (٦)، حذرًا من مجاهرتهم للَّه -تعالى- بالحِنْثِ، وأنه يكون سببًا لاغتيال المسلمين إذا علموا أنهم يحلفون لا غير، ولم يتوجَّه لهم حكمٌ، أرضاهم النبيُّ ﷺ بأَنْ ودى (٧) مِنْ عندهِ، أو من بيت المال.

стр. 2800

وقيل: بل فعل ذلك النبيُّ ﷺ لما يخشى أن يبقى (١) في نفوس الأنصار على أهل خيبر، وهم ذمة؛ مما تبقى عاديتُه، فرأى من المصلحة قطعَ ذلك، وحسمَ الطلب بما أعطاهم. وأما هذه الرواية الأخيرة: "فَوَدَاهُ مِنْ إِبلِ الصَّدَقَةِ"، فقيل: هو (٢) غلط؛ إذ ليس هذا (٣) مصرف الصدقات، والأصحُّ والأكثرُ قولُ مَنْ قال: "مِنْ قِبَلِهِ"، أو "مِنْ عِنْدِهِ"، إمَّا (٤) من ماله، أو من مال الفيء. وقيل: يجمع بينهما: أن يكون تَسَلَّفَ ذلك من إبل الصدقة، حتى يودِّيَها لمستحقيها (٥) من الفيء. ع: فإذا قلنا على التأويل الآخر: إنه للمصلحة، فقد يجوز تصريفُها في مثل هذا عند (٦) بعض العلماء في المصالح العامة. وقيل -أيضًا-: إنه قد يكون فيما فعلَ من ذلك استئلافٌ لليهود؛ رجاءَ (٧) إسلامهم، وإعطاؤه عنهم قد يكون من سهم المؤلَّفَة قلوبُهم.

стр. 2801

قلت: هذا على تفسير المؤلَّفة قلوبُهم: بأنهم كفارٌ يُتَأَلفون على الإسلام، لا (١) على قول من يقول: حديثو عهد بإسلام (٢)؛ ليتمكن الإسلامُ في (٣) قلوبهم، أو مسلمونَ لهم أتباعٌ ليستألفوهم، على ما مرَّ في كتاب: الزكاة. أو لكونِ (٤) أولياءِ القتيلِ محاويجَ ممن تُباح لهم الصدقةُ، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2802

الحديث الرابع ٣٣٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَارِيةً وُجِدَ رَأْسُهَا مَرْضُوضًا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ، حتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ (١) رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ (٢).

стр. 2803

٣٣٥ - وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ بها (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). * * * * الشرح: قيل: فيه: دليلٌ على اعتبار الإشارة في الأحكام الشرعية، وقيامِها مقامَ النطق.

стр. 2804

قلت: وفي هذا عندي نظر؛ لأن إشارتها لم يترتَّبْ (١) عليها في الحقيقة حكمٌ شرعي؛ إذ لولا اعترافُه، لم يجز قتلُه بإشارتها، غايةُ ذلك: أنه نُزِّلَت (٢) إشارتُها منزلةَ الدعوى بالنطق، وهذا قريب. وفيه: قتلُ الرجل بالمرأة، وهو إجماع مَنْ يُعتد به. وفيه: أن حكم القتل بالمثقَّلِ حكمُه بالمحدَّد في ثبوت القصاص؛ خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا قصاصَ إلا بمحدَّدٍ (٣) من حديد، أو حجرٍ، أو خشبٍ، أو كان معروفًا بقتل الناس؛ كالمنجنيق (٤)، أو بالإلقاء (٥) في النار. واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد؛ كالدبوس، هكذا نقله عنه ح (٦). والأول مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وجماهيرِ العلماء ﵏. ق: وعذرُ الحنفية عن هذا الحديث ضعيفٌ، وهو أنهم قالوا: هو بطريق السياسة، وادعى صاحبُ "المطوَّل" أن ذلك اليهوديَّ كان ساعيًا في الأرض بالفساد، وكان من عادته قتلُ الصغار بذلك الطريق.

стр. 2805

قال: أو نقول (١): يحتمل أن يكون جرحها برضخ، وبه نقول، يعني: على إحدى (٢) الروايتين عن أبي حنيفة، والأصحُّ عندَهم أنه يجب (٣). قلت: والحديثُ حجة عليه، ودليلٌ للجمهور (٤)، لا سيما وقد قال الراوي: فأقاده رسولُ اللَّه ﷺ ، و (٥) قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿افَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وهذا نصٌّ في المماثلة مطلقًا. وفيه: دليلٌ على المساواة في كيفية القتل، وفي الحديث الآخر: "المَرْءُ مَقْتُولٌ بِمَا قَتَلَ بِهِ" الحديث؛ لأنه ﵊ رَضَّ رأسَهُ كما (٦) رَضَّ رأسَها، وهو مذهبُ مالك، والشافعيِّ، إلا أن يختار الوليُّ العُدولَ إلى السيف، فله ذلك. وقال أبو حنيفة: لا قَوَدَ إلا بالسيف.
следующие страницы →