← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

قلت: هذا على تفسير المؤلَّفة قلوبُهم: بأنهم كفارٌ يُتَأَلفون على الإسلام، لا (١) على قول من يقول: حديثو عهد بإسلام (٢)؛ ليتمكن الإسلامُ في (٣) قلوبهم، أو مسلمونَ لهم أتباعٌ ليستألفوهم، على ما مرَّ في كتاب: الزكاة. أو لكونِ (٤) أولياءِ القتيلِ محاويجَ ممن تُباح لهم الصدقةُ، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2802

الحديث الرابع ٣٣٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَارِيةً وُجِدَ رَأْسُهَا مَرْضُوضًا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ، حتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ (١) رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ (٢).

стр. 2803

٣٣٥ - وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ بها (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). * * * * الشرح: قيل: فيه: دليلٌ على اعتبار الإشارة في الأحكام الشرعية، وقيامِها مقامَ النطق.

стр. 2804

قلت: وفي هذا عندي نظر؛ لأن إشارتها لم يترتَّبْ (١) عليها في الحقيقة حكمٌ شرعي؛ إذ لولا اعترافُه، لم يجز قتلُه بإشارتها، غايةُ ذلك: أنه نُزِّلَت (٢) إشارتُها منزلةَ الدعوى بالنطق، وهذا قريب. وفيه: قتلُ الرجل بالمرأة، وهو إجماع مَنْ يُعتد به. وفيه: أن حكم القتل بالمثقَّلِ حكمُه بالمحدَّد في ثبوت القصاص؛ خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا قصاصَ إلا بمحدَّدٍ (٣) من حديد، أو حجرٍ، أو خشبٍ، أو كان معروفًا بقتل الناس؛ كالمنجنيق (٤)، أو بالإلقاء (٥) في النار. واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد؛ كالدبوس، هكذا نقله عنه ح (٦). والأول مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وجماهيرِ العلماء ﵏. ق: وعذرُ الحنفية عن هذا الحديث ضعيفٌ، وهو أنهم قالوا: هو بطريق السياسة، وادعى صاحبُ "المطوَّل" أن ذلك اليهوديَّ كان ساعيًا في الأرض بالفساد، وكان من عادته قتلُ الصغار بذلك الطريق.

стр. 2805

قال: أو نقول (١): يحتمل أن يكون جرحها برضخ، وبه نقول، يعني: على إحدى (٢) الروايتين عن أبي حنيفة، والأصحُّ عندَهم أنه يجب (٣). قلت: والحديثُ حجة عليه، ودليلٌ للجمهور (٤)، لا سيما وقد قال الراوي: فأقاده رسولُ اللَّه ﷺ ، و (٥) قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿افَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وهذا نصٌّ في المماثلة مطلقًا. وفيه: دليلٌ على المساواة في كيفية القتل، وفي الحديث الآخر: "المَرْءُ مَقْتُولٌ بِمَا قَتَلَ بِهِ" الحديث؛ لأنه ﵊ رَضَّ رأسَهُ كما (٦) رَضَّ رأسَها، وهو مذهبُ مالك، والشافعيِّ، إلا أن يختار الوليُّ العُدولَ إلى السيف، فله ذلك. وقال أبو حنيفة: لا قَوَدَ إلا بالسيف.

стр. 2806

واختُلف في التحريق بالنار لمن فعلَ ذلكَ بأحدٍ، فقال مالكٌ، والشافعيُّ: إن طرحه في النار حتى مات، فُعل به كما فَعل. وقال ابن الماجشون وغيرُه: لا يُحرق بالنار، ويُقتل بغير ذلك، لقوله ﵊: "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا" (١). واختلفوا إذا لم يمتْ من ضربِهِ بالعصا، أو بحجرِ في القَوَدِ، فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وغيرهما [بتكرير ذلك عليه حتى يموت]، إلا أنه عن مالكٍ رواية: أنه إن كان في ضرب العصا تعذيبٌ، فيُقتل (٢) بالسيف، وكذلك قال عبدُ الملك في الرَّجْم بالحجارة. ع: وأصلُ المذهب: القَوَدُ بما قتل، وقال الشافعي: نحوَه في (٣) المحبوس في البيت أيامًا دونَ طعام حتى ماتَ: يُفعل بقاتله مثلُ ذلك، فإن لم يمتْ في تلك المدة، قُتل. وكذلك مَنْ قطعَ يَدَي رجلٍ ورجليه، وألقاه في مَهْواة، فماتَ: يُفعل بقاتله مثلُه، فإن لم يمت، قُتل بالسيف.

стр. 2807

ع: وفي هذا الحديث -أيضًا (١) -: حجةٌ على وجوب القصاص على القاتل (٢) بكلِّ ما يقتل (٣) بمثله، كساقي السمِّ، والخانِقِ (٤)، ورامي الرَّجُل من الجبل، وفي البئر، أو الضاربِ بالخشبةِ والعَصا، أو تغريقِه في الماء، وعلى هذا جمهورُ العلماء. واختُلف إذا قتل بما لم تجرِ العادةُ بالقتلِ به (٥)، قاصدًا لقتلِه؛ كالعصا، و (٦) اللَّطمة، والسوطِ، والبُنْدُقَة (٧)، والقضيبِ. فعند (٨) مالك: القودُ في هذا كله، وعندَ غيره: يشبه العمدَ، لا قودَ فيه، وإنما فيه الديةُ مغلظة. ومالك لا يقول بشبه العمد في هذا (٩)؛ إنما هو عمد، أو خطأ. وبقول مالكٍ قال الليثُ.

стр. 2808

قال أشهبُ: ولم يختلف علماءُ الحجاز في هذا (١). قال أبو عُمر: ولم يوافق مالكًا -يعني: من فقهاء الأمصار- عليه (٢)، إلا الليثُ، وقد قال بقولهما جماعةٌ من السلف من الصحابة والتابعين، وذهب جمهورُ فقهاء الأمصار إلى (٣) أن هذا كله شبهُ العمد، وإنما فيه الديةُ مغلظةً، وهو قول سفيانَ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، وقد ذُكر عن مالك، وقاله ابنُ وهب من أصحابنا، ورُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقوله: "على أَوْضاح": هي جمعُ وَضَحٍ -بفتح الواو والضاد المعجمة (٤) -، وهي حليٌّ من حجارة، قاله الإمام. وقال غيره: هي قطعُ فضة، والمراد: حلي فضة، وقد جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2809

الحديث الخامس ٣٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ، قتلَتْ هُذَيْلٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّه قد (١) حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ كان (٢) قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لأِحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نهَارٍ، وَإِنَّها سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَجَرُهَا (٣)، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اكتُبُوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اكْتُبُوا لأِبِي شَاهٍ"، ثُمَّ قَامَ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا الإِذْخِرَ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ" (٤).

стр. 2810

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: كان فتحُ مكة -شرفها اللَّه تعالى- في سنة ثمان من الهجرة، في شهر رمضان الشريف. الثاني: الفيل: -بالفاء والمثناة تحت-، هذه هي (١) الرواية

стр. 2811

الصحيحة، وشذ بعضهم فرواها (١): القتل، والأول هو الصواب، ومعنى حبسَ الفيلَ: حبسَ أهلَه عن القتال في الحرم. الثالث: قوله ﵊: "وسلَّط عليها رسولَه والمؤمنين" دليل لمن رأى أن فتح مكة كان (٢) عَنْوَةً لمجيء التسليط في مقابلة الحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس عن (٣) القتال، وقد تقدَّم ما يتعلق بالقتال في مكة. الرابع: ما ذُكر من التحريم دليلٌ على عِظَم حرمةِ مكةَ، زادها اللَّه شرفًا. وقد تقدم معنى العضد، وهو: القطعُ، في كتاب: الحج. وتقدم -أيضًا- تفسير الاختلاء فيه، وهو الحزُّ (٤) والقطع أيضًا. وتقدم -أيضًا- معنى: "لا يلتقط لقطتها أو ساقطتها" في: اللقطة. وأما قوله ﵊: "إلا لمنشد"، فقال الجوهري: يقال: نَشَدَهُ (٥): إذا شهره (٦) وسمَّع به (٧)، ونَشَدْتُ الضَّالَّة أَنْشُدُها نِشْدَةً

стр. 2812

ونِشْدانًا (١)؛ أي: طلبتُها، وأَنْشَدْتُها، أي: عَرَّفْتُها (٢). فعلى هذا يكون معناه: لا تُلتقط ساقطتُها إلا لمن يريد أن يُعَرِّفها، ليجمعَها على ربها، واللَّه أعلم. الخامس: قوله ﵊: "ومن قُتل له قتيلٌ، فهو بخير النظرين": اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد؛ القودُ، أو الديةُ، على قولين: أحدهما: أن الموجبَ هو القصاص عَيْنًا، وهو المشهور من مذهبنا (٣). والثاني: أن الواجب أحدُ الأمرين: إما القصاص، وإما (٤) الدية، والقولان للشافعي أيضًا (٥) (٦).

стр. 2813

قال أصحابنا: فإن قلنا: الواجبُ أحدُهما لا بعينه، وهي رواية أشهب، فلو عفا الوليُّ عنهما، صح، وإن عفا عن الدية، فله القصاص، ولو قال: اخترتُ الديةَ، سقط القودُ، ولو [قال]: اخترتُ القودَ، لم يسقط اختيار الدية، بل له الرجوعُ إليه. وإن قلنا (١): الواجبُ القودُ فقط -على رواية ابن القاسم، وهو المشهور، كما تقدم-، فإن عفا عن مال بيت (٢) المال إن وافقه الجاني، ولو مات قبل الاقباض، ثبت المالُ، وإن عفا مطلقًا، سقط القصاصُ والدية (٣). السادس: قوله ﵊: "اكتبوا لأبي شاهٍ": الذي أراد أبو شاهٍ كَتْبَه خطبتُه ﵊ (٤) -، ففيه: جوازُ كتبِ غير القرآن، وإن كان قد (٥) جاء النهي عن كتبِ غير القرآن، وفي ظني أن بعضهم تأوله على كتب الحديثِ مع القرآن؛ خشيةَ التباسه بالقرآن، وجاء مصرَّحًا في بعض الأحاديث، وأظنه في "سنن أبي داود": يا رسول اللَّه! أكتبُ (٦) عنك ما تقول في الرضا، والغضب؟

стр. 2814

قال: "اكْتُبْ مَا أَقُولُ في الرِّضَا وَالغَضَبِ؛ فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا"، أو كما قالَ ﷺ (١). وقد استقر الأمرُ بين الناس على الكتابة لتقييدِ العلم بها (٢)، وهذا الحديث يدلُّ على ذلك، وإن كان الصدرُ الأولُ اختلفوا في ذلك. وقوله ﵊: "إِلَّا الإذْخِرَ": قد تقدم الكلامُ عليه في الحج، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2815

الحديث السادس ٣٣٧ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ المَرْأَةِ، فَقَالَ المُغِيرَةُ (١): شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ: لَتأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَشَهِدَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (٢).

стр. 2816

إِمْلَاصُ المَرْأَةِ: أَنْ تُلْقِيَ جَنِينَهَا مَيْتًا (١). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: فيه: استشارةُ الإمامِ (٢) مَنْ دونَه في حكمٍ غيرِ معلومٍ له؛ إذ العلم الخاصُّ قد يَخْفى على الأكابر، ويعلمه مَنْ دونهم. ق: وقول عمرَ ﵁: "لتأتينَّ بمن يشهدُ معكَ" تعلق (٣) به مَنْ يرى اعتبارَ العددِ في الرواية، وليس هو بمذهب (٤) صحيح؛ فإنه قد ثبت قبولُ خبر الواحد، وذلك قاطع بعدم اعتبار العدد، وأما طلبُ العدد في حديث جزئي، فلا يدلُّ على اعتباره كليًا (٥)؛ لجواز أن يحال ذلك على مانع خاصٍّ بتلك الصورةِ، أو (٦) قيامِ سبب يقتضي التثبتَ، وزيادةَ الاستظهار، لا سيما إذا قامت قرينة على عدمِ علمِ عمرَ ﵁ بهذا الحكم (٧)، وكذلك حديثُه مع أبي موسى في الاستئذان، ولعل

стр. 2817

الذي أَوجب ذلك استبعادُ عدمِ العلمِ به، وهو في باب الاستئذانِ أقوى، وقد صرح ﵁ بأنه أرادَ أن يستثبتَ، انتهى (١). الثاني: الروايةُ الصحيحة التي عليها الجماهير: "بغُرَّةٍ" -بالتنوين-، وما بعده بدلٌ منه. ح: ومما يؤيده ويوضِّحه: روايةُ البخاري في "صحيحه" في كتاب: الديات، في باب: دية جنين المرأة: عن المغيرة بن شعبة، قال: "قضى النبيُّ ﷺ بالغُرَّةِ عَبْدٍ أو أَمَةٍ" (٢). وذكر صاحبُ "مطالع الأنوار" الوجهين: التنوين، والإضافة، قال: والأولُ أوجهُ وأقيسُ. قلت: وجهُ القياس: أن الإضافة تكون من باب إضافة الشيء إلى نفسِه، وهي قليلة. قال الجوهري (٣): و (٤) (أو) هنا للتنويع، لا للشكِّ، وأصلُ

стр. 2818

الغُرَّة: بياضٌ في الوجه، ولهذا قال ابن عبد البر (١): لا يكون العبدُ الذي يُقضى به إلا أبيضَ؛ لذكْرِه الغرةَ، قال: ولولا أن النبيَّ ﷺ أراد بالغرة معنًى زائدًا على شخص العبد والأمة، لما ذكرها (٢). قلت: وقال مالك: الحمرانُ من الرقيق أحبُّ إليَّ من السودان (٣). ع: فإن قلت: الحمرانُ بذلك البلد أخذ (٤) من السودان، إلا أن يغلُوَ (٥) الحمرانُ، فمن أوسطِ السودانِ. ح: واتفق العلماء على أن ديةَ الجنين هي (٦) الغرة. ذكرًا كانَ أو أنثى (٧).

стр. 2819

ثم قال ع: وقيلَ الغرةُ: تُطْلَق على الذكر والأنثى. قال الجوهري: وكأنه (١) عبر عن الجسم كلِّه بالغرة (٢). وهذا كقوله: "عتق رقبة"، وظاهر هذا يرد ما قاله ابنُ عبد البر من اشتراط البياض، فتأمله. وقيل: أرادَ بالغرة: الخيارَ، والوسطُ من الأعلى يجزىء، وليس الوسط من جملة (٣) العبيد. قال: ومقتضى مذهبنا: أنه مخيرٌ بين إعطاء غرة، أو عُشْرِ دية الأم. الثالث (٤): إن كانوا أهلَ ذهب، فخمسون دينارًا، أو أهلَ وَرِق، فست مئة درهمٍ، أو خمسُ فرائض من الإبل. وقيل: لا يعطى من الإبل، وعلى هذا في قيمة الغرة جمهور العلماء. وخالف الثوري، وأبو حنيفة، فقالا: قيمة (٥) الغرة خمس مئة درهم؛ لأن ديتها عندهم من الدراهم خمسُ مئة درهم. وحجةُ الجماعة في ذلك: قضاءُ الصحابة (٦) بما قالوه.

стр. 2820

وشذ بعض السلف، منهم: طاوسٌ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، فقالوا: غرة عبدٍ، أو وليدة، أو فرس. وقال بعضُهم: أو بغل، ورفعوا في ذلك حديثًا (١). وقال داود وأصحابه: كل ما (٢) وقع عليه اسمُ غُرَّةٍ يجزىء (٣). وقال الشافعي: أقلُّ سِنِّ الغُرَّةِ سبعُ سنين، وأما في طرف الكبر، فقيل: إنه (٤) لا يؤخذ الغلام بعدَ خمسَ عشرةَ سنةً، ولا الجاريةُ بعدَ عشرين سنة. وجعل بعضُهم الحدَّ عشرين سنة. والأظهرُ: أنهما يؤخذان، وإن جاوزا الستين (٥)، ما لم يضعفا، ويخرجا عن سن (٦) الاستقلال بالهرم، لأن من أتى بما دل الحديث

стр. 2821

عليه ومسماه، فقد أتى بما وجب، فلزم (١) قبولُه، إلا أن يدل دليلٌ على خلافه (٢). قلت: وليس في لفظ (٣) الحديث تعرُّض للسن قطعًا، وهذا كلُّه من تصرفات الفقهاء ﵃. وهذا كله في جنين الحرة. وأما غيرُها، فإن كانت أمَّ ولد، فكالحرةِ عندنا، وإن كانت أم أمة (٤)، ففي جنينها من غير السيدِ عُشْرُ قيمةِ أُمه؛ كان أبوه حرًا، أو عبدًا؛ إذ ليس في لفظ الحديث عمومٌ يدخل تحته جنينُ الأمة، فإنه وإن كان في لفظ الاستشارة ما يُعطي العمومَ، وهو قوله: "في إملاصِ المرأةِ"؛ لكن لفظَ الراوي يقتضي كونَها في واقعةٍ مخصوصة، فعلى هذا ينبغي أن يؤخذ حكمُ جنينِ الأمةِ من محل آخر (٥). وقال ابن وهب: فيه ما نقصَها من قيمتها. والأولُ قولُ مالك. قال ابنُ القاسم في "العتبية": قيمتُه على الرجاء والخوف.

стр. 2822

وقال في "المدونة" في جنين الذمية -يريد (١): إذا لم يستهلَّ صارخًا- عشرُ ديةِ أمه، أو نصفُ عشرِ ديةِ أبيه، وهما سواء (٢)، والذكرُ والأنثى في ذلك سواء (٣). قال العلماء: هانما كان ذلك؛ لأنه قد يخفى، فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشرعُ يما يقطع النزاع. قلت: وسواء كان خلقُه كاملَ الأعضاء، أو ناقصَها، أو كان مضغةً تَصَوَّرَ فيها خلقُ آدمي. قال مالك: وذلك بغير قَسامة، وهي في مال الجاني، ولا تحملها العاقلة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والكوفيون (٤): على العاقلة. وبقول مالك، قال البصريون. واختُلف (٥) هل على الجاني كفارةٌ أم لا؟ فاستحسن مالكٌ الكفارةَ في الجنين، والعبدُ، والذميُّ، إذا قُتلا، ففيهما الكفارة، وفي جنينهما الكفارة (٦).

стр. 2823

وقال أشهب: وهي في العبد المؤمن أوجبُ. وروى أشهبُ عن مالك: لا كفارة فيه. قال أشهب: وأوجبها الشافعيُّ وآخرون. وبقول مالك قال أبو حنيفة. والكفارةُ: عتقُ رقبة؛ كما قال اللَّه تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء: ٩٢]. الرابع (١): الغُرَّةُ موروثةٌ على فرائض اللَّه تعالى، على المشهور عندنا، وبذلك قال الشافعي، والجمهور. وقال ربيعةُ: هي للأم خاصَّة؛ لأنه كعضوٍ من أعضائها، تنفرد بديته، فيشاركها الأب. قلت: وظاهرُ هذا تساوي الأَبَوين فيها نصفَيْن (٢) بالسويَّة، وأظن أن ابنَ (٣) يونس من أصحابنا صرَّح بذلك، فقال: نصفانِ بينهما؛ أعني (٤): على هذا القول. ونقل عن (٥) ابن هرمز: أنها للأبوين خاصة: الثلث، والثلثان، فإن لم يكن إلا أحدُهما، فجميعها له.

стр. 2824

وقال بهذا مالكٌ مرةً. وهذا كله إذا خرج الجنين ميتًا، فإن خرج حيًا، ثم مات، فالواجبُ فيه ديةُ الكبير، فإن كان ذكرًا، فمئةُ بعير، وإن كان أنثى، فخمسون. ح: وهذا مجمَعٌ عليه، وسواءٌ فيه العمدُ والخطأ (١). قلت: واختُلف إذا خرج الجنين بعدَ موتِ أمه، والمشهورُ عندنا (٢)، وعليه الجمهور: أنه لا غُرَّة فيه. وفي المسألة فروعٌ كثيرة موضعُها كتبُ الفقه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2825

الحديث السابع ٣٣٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِييهَا: غُرَّة عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَها وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ ولَا أَكَل (١)، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ؛! فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّما هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ"؛ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ (٢).

стр. 2826

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: اختُلف في اسمَيْ هاتين المرأتين، فقيل: إحداهما: مليكة، والأخرى: غطيف، ويقال: أم غطيف. وقيل: إحداهما: أم عفيف، والأخرى: أم مكلف. وقيل: إحداهما، مليكة، والأخرى: أم عفيف وكانتا ضرتين (١). الثاني: قوله (٢): "فقتلَتْها (٣) وما في بطنها": ليس فيه ما يدلُّ على انفصاله، وإنما يؤخذ ذلك من الرواية الأخرى: "فماتَتْ، وألقتْ جَنينَها"، وفي أخرى: "فأسقطَتْ غُلامًا قد نبتَ شعرُه ميتًا، وماتتِ

стр. 2827

المرأةُ" (١)، وقد تقدم أن (٢) الحديثَ يفسِّرُ بعضُه بعضًا. الثالث: قوله: "وَقَضَى بِدِيَةِ المَرأَةِ علَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَها وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ (٣) ": أجرى ﵊ هذا القتلَ إجراءَ غيرِ العمد. الرابع: حَمَل: بفتح الحاء والميم المهملتين. وقوله: "فمثلُ ذلك يُطَلُّ": روي (٤) بالباء الموحدة، وبالياء المثناة تحت المضمومة. ع: وروي (٥) عن مالك في "الموطأ" بالوجهين (٦). قلت: فهو على الأول: من البطلان، وعلى الثاني: من قولهم: طُلَّ دمُه؛ أي: هُدِرَ. وقوله ﵊: "إنما هو (٧) من إخوانِ الكهان".

стр. 2828

قال الإمام: إنما ذمه ﵊؛ لأن هذا السجع في مقابلةِ حكمِ اللَّه تعالى، فهو كالمستبعد له (١)، ولا شك أن كلَّ ما عُورضت به (٢) النبوةُ مذمومٌ، إذا (٣) كان القصدُ به ردَّ الحكم، وإلا، فقد سجع النبي ﷺ في مواضع (٤). ع: وقيل بل أنكر عليه (٥) تكلف الأسجاع على طريق الكهان، وحوشية الأعراب، وليس بسجع فصحاء العرب ومقاطعها، وكلامُ النبيِّ ﷺ من هذا النوع (٦). قلت: وانظر قوله: "من أجل سجعه الذي سجع"، هل هو من كلامه ﷺ ، أو من كلام الراوي؟ فإنه عندي يحتمل الوجهين (٧)، واللَّه أعلم. قال الجوهري: السَّجْعُ (٨): الكلامُ المُقَفَّى، والجمعُ أَسْجاعٌ،

стр. 2829

وأَساجيعٌ، وقد سَجَعَ (١) الرجُلُ سَجْعًا، وسَجَّعَ (٢) تَسْجيعًا، وكلامٌ مُسَجَّعٌ (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2830

الحديث الثامن ٣٣٩ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟! لَا دِيَةَ لَكَ" (١).

стр. 2831

* الشرح: اختُلف في المعضوض إذا نزعَ يدَه من فم العاضِّ، فانتشر (١) بعضُ أسنانه: فالمشهورُ عندنا: أنه ضامنٌ. وقال بعضُ أصحابنا: لا ضمانَ عليه. وبالتضمين (٢) قالَ الشافعيُّ ﵀ فيما نقلَ عنه الإمامُ. قال الإمام: وبعض (٣) المحققين من شيوخنا: إنما (٤) ضمَّنَه مَنْ ضَمَّنه من أصحابنا؛ لأنه يمكنهُ النزعُ بالرفق حتى لا تنقلعَ أسنانُ العاضِّ، فإذا زادَ على ذلك، صار متعديًا في الزيادة، فضمنَ، وحملوا الحديث (٥) على مَنْ لم يمكنه النزعُ إلا بذلك النزعِ الذي أَدَّى إلى سقوط الأسنان. وقال بعضهم: لعلَّ أسنانه كانت متحركة عقبَ (٦) النزع. وهذا التأويل بعيدٌ من ظاهر الحديث. وكذلك اختلفوا في الجَمَل إذا صالَ على رجل، فدفعه عن نفسه، فقتلَه، هل يضمنُ، أم لا؟

стр. 2832

وبنفي التضمين قلنا نحن، والشافعيُّ. وبإثباته قال أبو حنيفة. والحجةُ لنفي التضمين: أنه مأمورٌ بالدفع عن نفسه، ومن فعلَ ما أُمر به، لم يكن متعدِّيًا ومَنْ ليسَ بمتعدٍّ، فلا يضمن في مثل هذا، وقياسًا على ما لو قتلَ عبدًا في مدافعته إياه عن نفسه. ومن (١) أثبتَ الضمانَ رأى أنه أحيا نفسه بإتلاف مالِ غيره، فأشبهَ منِ اضطُرَّ لطعام غيره، فأكل منه خوفَ الموت، فإنه يضمن. والفرق بين السؤالين: أن الآكلَ (٢) لطعام غيره ابتدأ ذلك من قِبَلِ نفسه، ولا جناية من ربِّ الطعام، ولا من الطعام عليه؛ فلهذا لم يضمن، يعني (٣): في مسألة الصائل. وأيضًا: فإن الطعام ينوبُ غيرُه منابَه في إحياء نفسِه، فكأن الضرورة (٤) فيه لم تتحقق، فصار كمن أكل اختيارًا، ولا مندوحةَ له في الجَمَل، ولا تنفعه (٥) مدافعةُ غيره، ولا تنجيه، فتحققت الضرورةُ، فهذان فرقان (٦) بينهما.

стр. 2833

ومن هذا المعنى سؤالٌ ثالث، وهو: لو (١) رمى إنسانٌ أحدًا ينظر إليه في بيته، فأصاب عينَه، فاختلف أصحابنا -أيضًا- في ذلك، فالأكثرُ منهم: على إثبات الضمان، والأقلُّ: على نفيه. وبالأول قال أبو حنيفة. وبالثاني: قال الشافعي. فأما نفيُ الضمان؛ فلقوله ﷺ : "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ" (٢). وأما إثباتُ الضمان؛ فلأنه لو نظر إنسانٌ إلى عورة إنسانٍ آخرَ بغير إذنه، لم يستبح بذلك فَقْءَ عينه، فالنظرُ إلى الإنسانِ في بيته أولى أن لا يُستباح به ذلك. ومحملُ الحديث عندهم على أنه رماه لينبهه على أنه نظرَ إليه، أو ليدفعَه عن ذلك غيرَ قاصد لفقء، فانفقأت عينه خطأ، فالجناح منتفٍ، وهذا الذي نفي في الحديث، والدِّيةُ لا ذِكْرَ لها (٣). فائدة: جملةُ الأسنان: اثنانِ وثلاثون: أربعٌ ثنايا، وأربعٌ

стр. 2834

رَبَاعِيَات، وأربعةُ أنيابِ، وأربعةُ ضواحكَ، وأربعةُ نواجذ، وفي كل شق بعد الأرحاء ضرسٌ من النواجذ، وهو الذي يسمى: ضرس الحلم؛ أي: العقل، فذلك (١) عشرون ضرسًا. واثنتا عشرة رحًا، وهي التي يقول (٢) لها العامة: المطاحين (٣)، في كل شق ثلاثةُ أَرْحاءِ، فذلك اثنان وثلاثون ضرسًا (٤)، وأظنُّ هذا قد (٥) تقدم، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2835

الحديث التاسع ٣٤٠ - عَنْ الحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ البَصْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ فِي هَذَا المَسْجدِ، وَمَا نسَينَا مِنْهُ حَديثًا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ (١): "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَحَذَ (٢) سِكِّينًا، فَحَزَّ (٣) بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ : عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ (٤)، فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ" (٥).

стр. 2836

* الشرح: الجرح هنا: يحتمل أن يكون بالفتح، وهو مصدرُ جرحَ، ويحتمل أن يكون بالضم، وهو اسم المكانِ المجروح، ولم أَرَ مَنْ تعرَّض لضبطه في الحديث. وجزعَ: -بكسر الزاي- لا غير، وحز: رويناه بالحاء المهملة، ومعناه: قطَعَها، أو بعضَها. وَرَقَأَ: -بفتح الراء والقاف والهمز (١) -: ارتفعَ، وانقطعَ. ق: وفي الحديث إشكالان أصوليان (٢): أحدهما: قوله تعالى: "بادرني بنفسه"، وهي مسألة تتعلَّق بالآجال، وأجلُ كلِّ شيء وقتُه، يقال: بلغَ أَجَلَه؛ أي: تم أَمَدُه (٣)، وجاء حينُه، وليس كلُّ وقتٍ أجلًا، ولا يموت أحدٌ بأي سبب كان إلا بأَجَلِه، وقد علم اللَّه -تعالى- أنه يموتُ بالسبب المذكور، وما عَلِمَه، فلا يتغيرُ، فعلى هذا يبقى قوله: "عبدي بادَرَني بنفسه" محتاجًا إلى

стр. 2837

التأويل؛ فإنه قد (١) يوهم أن الأجلَ كان متأخرًا عن ذلك الوقتِ، فقدم (٢) عليه. قلت: يحتمل أن يكون التأويل فيه: بادَرَني بنفسه من حيثُ التسببُ في ذلك، والقصدُ له، لا أنه كان أجلُه (٣) متأخِّرًا لو لم يفعل، لكنْ لما كان على صورة المستعجِلِ لأجلِه بتسببِه في ذلك، صحَّ أن يصدُقَ عليه (٤) من حيثُ الصورةُ اسمُ المبادِرِ بذلك، واللَّه أعلم. قال: والثاني: قولُه: "فحرَّمْتُ عليه الجنةَ"، فيتعلق به من يَرى بوعيدَ الأبد، وهو مؤولٌ عند غيرهم على تحريم الجنة بحالةٍ مخصوصة؛ كالتخصيص بزمنٍ؛ كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، أو يحملونه على فعلِ ذلك مستحِلًّا، فيكفر به، ويكون مخلَّدًا بكفرِه، لا بقتلِه نفسَه. قلت: والملجِىءُ إلى التأويل في ذلك: أن مذهبَ أهلَ السنَّة والحق: أن أحدًا لا يكفُر من (٥) أهل القبلة بذنبٍ، وأن من فعلَ جميعَ المنهياتِ شرعًا، ومات على التوحيدِ والإقرار بالرسالة، فهو في الجنة

стр. 2838

باجماع العلماء؛ إما بعفوِ اللَّه -تعالى- عنه، فلا يعذِّبه على معاصيه، وإما أن يعذِّبه عليها، ثم يُدخله بعد ذلك (١) الجنةَ. والحديثُ أصلٌ كبيرُ في تعظيم قتلِ النفس، سواء كانت نفس الإنسان، أو نفس (٢) غيره؛ لأن نفسه ليست ملكَه -أيضًا- فيتصرَّفُ فيها على حسبِ ما يراه (٣). فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة: ٢٥]، فهذا صريح في كونه يملك نفسه؟ قلت: ليست الآية على ظاهرها، بل لا بدَّ من تقدير مضافٍ محذوفٍ، والتقديرُ: لا أملك إلا أمرَ نفسي، أو: إلا طاعةَ نفسي، وأخي، وذلك أنه لما قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، غضب موسى ﵊، فقال ذلك، كأنه يقول: لم يُطِعْني منهم إلا نفسي، وأخي، وإذا كان كذلك؛ علمتَ أنه لا دلالةَ في الآية على ملك الإنسان نفسَه. وقد سمعتُ بعضَ شيوخنا ﵏ يقول: أجمعوا على أن الإنسان لو تعمَّدَ قطعَ أنملة من أنامله فما دونهَا، لا لمعنى شرعي، لكان عاصيًا بذلك.

стр. 2839

قال: وكذلك لو رمى فَلْسًا من ماله في البحر، أو بحيث لا ينتفع به أحدٌ، لكان عاصيًا بذلك إجماعًا، هذا أو نحوه. فلا ملكَ (١) على الحقيقة إلا للَّه تعالى، وإنما للناس المنافعُ المعيشيةُ؛ من نفسٍ، أو مالٍ، أو غير ذلك، لا غيرُ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2840

كِتْابُ الْحُدُودِ
следующие страницы →