← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

* الشرح: الجرح هنا: يحتمل أن يكون بالفتح، وهو مصدرُ جرحَ، ويحتمل أن يكون بالضم، وهو اسم المكانِ المجروح، ولم أَرَ مَنْ تعرَّض لضبطه في الحديث. وجزعَ: -بكسر الزاي- لا غير، وحز: رويناه بالحاء المهملة، ومعناه: قطَعَها، أو بعضَها. وَرَقَأَ: -بفتح الراء والقاف والهمز (١) -: ارتفعَ، وانقطعَ. ق: وفي الحديث إشكالان أصوليان (٢): أحدهما: قوله تعالى: "بادرني بنفسه"، وهي مسألة تتعلَّق بالآجال، وأجلُ كلِّ شيء وقتُه، يقال: بلغَ أَجَلَه؛ أي: تم أَمَدُه (٣)، وجاء حينُه، وليس كلُّ وقتٍ أجلًا، ولا يموت أحدٌ بأي سبب كان إلا بأَجَلِه، وقد علم اللَّه -تعالى- أنه يموتُ بالسبب المذكور، وما عَلِمَه، فلا يتغيرُ، فعلى هذا يبقى قوله: "عبدي بادَرَني بنفسه" محتاجًا إلى

стр. 2837

التأويل؛ فإنه قد (١) يوهم أن الأجلَ كان متأخرًا عن ذلك الوقتِ، فقدم (٢) عليه. قلت: يحتمل أن يكون التأويل فيه: بادَرَني بنفسه من حيثُ التسببُ في ذلك، والقصدُ له، لا أنه كان أجلُه (٣) متأخِّرًا لو لم يفعل، لكنْ لما كان على صورة المستعجِلِ لأجلِه بتسببِه في ذلك، صحَّ أن يصدُقَ عليه (٤) من حيثُ الصورةُ اسمُ المبادِرِ بذلك، واللَّه أعلم. قال: والثاني: قولُه: "فحرَّمْتُ عليه الجنةَ"، فيتعلق به من يَرى بوعيدَ الأبد، وهو مؤولٌ عند غيرهم على تحريم الجنة بحالةٍ مخصوصة؛ كالتخصيص بزمنٍ؛ كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، أو يحملونه على فعلِ ذلك مستحِلًّا، فيكفر به، ويكون مخلَّدًا بكفرِه، لا بقتلِه نفسَه. قلت: والملجِىءُ إلى التأويل في ذلك: أن مذهبَ أهلَ السنَّة والحق: أن أحدًا لا يكفُر من (٥) أهل القبلة بذنبٍ، وأن من فعلَ جميعَ المنهياتِ شرعًا، ومات على التوحيدِ والإقرار بالرسالة، فهو في الجنة

стр. 2838

باجماع العلماء؛ إما بعفوِ اللَّه -تعالى- عنه، فلا يعذِّبه على معاصيه، وإما أن يعذِّبه عليها، ثم يُدخله بعد ذلك (١) الجنةَ. والحديثُ أصلٌ كبيرُ في تعظيم قتلِ النفس، سواء كانت نفس الإنسان، أو نفس (٢) غيره؛ لأن نفسه ليست ملكَه -أيضًا- فيتصرَّفُ فيها على حسبِ ما يراه (٣). فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة: ٢٥]، فهذا صريح في كونه يملك نفسه؟ قلت: ليست الآية على ظاهرها، بل لا بدَّ من تقدير مضافٍ محذوفٍ، والتقديرُ: لا أملك إلا أمرَ نفسي، أو: إلا طاعةَ نفسي، وأخي، وذلك أنه لما قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، غضب موسى ﵊، فقال ذلك، كأنه يقول: لم يُطِعْني منهم إلا نفسي، وأخي، وإذا كان كذلك؛ علمتَ أنه لا دلالةَ في الآية على ملك الإنسان نفسَه. وقد سمعتُ بعضَ شيوخنا ﵏ يقول: أجمعوا على أن الإنسان لو تعمَّدَ قطعَ أنملة من أنامله فما دونهَا، لا لمعنى شرعي، لكان عاصيًا بذلك.

стр. 2839

قال: وكذلك لو رمى فَلْسًا من ماله في البحر، أو بحيث لا ينتفع به أحدٌ، لكان عاصيًا بذلك إجماعًا، هذا أو نحوه. فلا ملكَ (١) على الحقيقة إلا للَّه تعالى، وإنما للناس المنافعُ المعيشيةُ؛ من نفسٍ، أو مالٍ، أو غير ذلك، لا غيرُ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2840

كِتْابُ الْحُدُودِ

стр. 2841

كِتْابُ الحدود الحديث الأول ٣٤١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ ناَسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ (١) عُرَيْنةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ (٢)، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ (٣)، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ، جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقُطِعَتْ (٤) أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وُسُمِرَتْ (٥) أَعْيُنُهُمْ، وَتُرِكُوا في الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ (٦) فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَة: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ،

стр. 2842

وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أَخْرَجَهُ الجَمَاعَةُ (١).

стр. 2843

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: عُكْل: بضم المهملة وسكون الكاف بعدها لام، وعُرَيْنَة: بضم المهملة وفتح الراء المهملة (١) وسكون المثناة (٢) تحت بعدها (٣) نون. وقال بعضهم: ناسٌ من بني سليم، وناسٌ من بَجيلةَ (٤) وبني عُرينة (٥). الثاني: قوله: "اجْتَوَوُا المدينةَ": جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى:

стр. 2844

اسْتَوْخَمُوها؛ أي: لم تُوافِقْهم؛ كما قال: وسقمَتْ أجسامُهم، وهو مأخوذ من الجَوَى، وهو داءٌ في الجَوْف، وهذا مِصْداق قوله ﵊: "إِنَّ المَدِينَةَ لَتَنْفِي (١) خَبَثَهَا" الحديث (٢) (٣)، فلو كانوا من أهلها، لم يستوخموها، ولكن ليسوا من أهل المقام فيها، فنفَتْهم؛ إذ كانوا من خَبَثها. واللِّقاح: جمع لِقْحَة -بكسر اللام وإسكان القاف-، وهي الناقة ذاتُ الدر (٤). الثالث: قوله: "وأمرَهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها" دليلٌ على طهارة بولِ ما يؤكَلُ لحمُه؛ كما هو مذهبنا، واحتجَّ من يرى نجاستَها بجواز التداوي بالمحرَّمات للضرورة، إلا الخمرَ. وجوابنا عن ذلك: أنها لو كانت نجسة محرمةَ الشرب، لما جاز التداوي بها؛ لأن اللَّه -تعالى- لم يجعل شفاءَ هذه الأمة فيما حَرَّمَ عليها؛ كما في الحديث (٥).

стр. 2845

الرابع: قوله: "وسَمَرَ أعينهم": يروى: بالراء، وباللام (١): سَمَلَ (٢)، ومعنى سَمَرَها: كَحَلَها بمساميرَ محميةٍ بالنار، ومعنى سَمَلَها: فَقَأَها بشوكٍ أو غيرِه. قال أبو ذؤيب: فَالعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَهَا (٣) ... سُمِلَتْ بِشَوكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمَعُ (٤) ع: وقيل: هما بمعنى واحد، والراء تبدل من اللام. والحرة: أرض ذات حجارة سود. الخامس: مذهبُنا: أن الإمام (٥) مخيرٌ في حدِّ المحارِب ما لم يقتلْ، فإن قتلَ، فعلى المشهور: لا بدَّ من قتله. ومذهبُ الشافعي: أنه (٦) على الترتيب:

стр. 2846

إن قتلَ ولم يأخذْ مالًا، قُتل. وإن أخذَ المالَ وقد قَتَلَ، قُتل وصُلب. وان أخذ المال، ولم يقتُل، قُطع، والحبسُ والنفيُ فيمن يبلغ جرمُه إلى أن يستحق ذلك. واستدل أصحابه: بأن تأثيره في الضرر يختلف، فلا تكون عقوبةُ الأَجرامِ المختلفةِ متساويةً. قال: واختلف الناس وأصحابُنا في المحارَبَة في المصرِ، هل حكمُها حكمُ المحاربة في غير المصر، أو لا؟ فالمشهور عندنا، وبه قال الشافعي: أنهما سِيِّان. وفَرَّقَ بينهما بعضُ أصحابنا، وهو مذهب أبي حنيفة. ع: و (١) ذهب أبو مصعب من أصحابنا: إلى التخيير (٢) فيه، وإن قتلَ، وهو قولُ (٣) أبي حنيفة. وحكى الماورديُّ (٤) عن مالك: أنه يَقتلُ ذا الرأي والتدبير (٥)، ويقطعُ ذا البطش والقوة، ويعزِّرُ مَنْ عداه. قال: فجعلها مرتبةً على صفاتهم، لا على أفعالهم.

стр. 2847

السادس: ع: اختلف الناس في معنى هذا الحديث، وفعلِ النبيِّ ﷺ بهؤلاء ما فعلَ. فقال بعض السلف: كان هذا (١) قبلَ نزول الحدود، ونهي النبيِّ ﷺ عن المُثْلَة، فهو (٢) منسوخٌ، [وقيل: هو محكم غير منسوخ]، وفيهم نزلت آية المحاربين، وإنما فعل النبيُّ ﷺ بهم ما فعلَ قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثلَ ذلك، وروى ذلك مسلمٌ في بعض حديثه، وابنُ إسحاق، وموسى بنُ عقبة، وأهلُ السير، والترمذيُّ، ففي هذا حجةٌ لمالك في أنه يُقتص من القاتل بمثلِ ما فعلَ بالمقتول. وقيل: بل ذلك حكمٌ من النبيِّ ﷺ فيهم زائدًا على حَدِّ الحرابة؛ لعظم جرمهم؛ لارتدادهم (٣)، ومحاربتهم، وقتلهم الرعاةَ، وتمثيلهم بهم، وأن النهيَ عن المثلةِ نهيُ ندبٍ لا تحريمٍ. السابع: قوله: "يَستسقون فلا يُسْقون": ليس في الحديث ما يدل على أنه ﵊ أمرَهم بمنع سَقْيِهم، ولا أنه علمَ بذلك، أعني: أنهم استَسْقَوا، فما سُقوا. ع: وقد أجمع المسلمون على أن مَنْ وجبَ عليه القتلُ، فاستسقى، لا يُمنع الماء قصدًا، فيجتمع عليه عذابان.

стр. 2848

وقيل: إنما لم يُسْقَوا؛ معاقبةً لجنايتهم، وكفرِهم سقيَ النبيِّ ﷺ ألبانَ تلكَ الإبل، فعاقبهم اللَّه تعالى بذلك، فلم يُسْقَوا. وقيل: بل عاقبهم اللَّه بذلك؛ لإعطاشِهم آلَ بيتِ النبيِّ ﷺ بأخذِ لِقاحِهم، ودعاءِ النبي ﷺ عليهم في حديث رواه ابن وهب: أنه قال: "عَطَّشَ اللَّهُ مَنْ عَطَّشَ آلَ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ" (١)، فكان تركُ الناس سقيَهم إجابةً لدعائه ﵊، وتنفيذًا لعقوبتهم، وهذان الوجهان حسنان لا يبقى معها اعتراض ولا إشكال. قلت: وأما قوله في الحديث الآخر: "إنها إبلُ الصَّدَقة"، فالجمع بينهما: أن لقاحَ النبيِّ ﷺ كانت ترعى مع إبلِ الصدقة، فاستاقوا الجميعَ، ويدلُّ عليه قولُه في الحديث الآخر: وَساقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ (٢). * * *

стр. 2849

الحديث الثاني ٣٤٢ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄: أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْشُدُكَ اللَّهَ، إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الخَصْمُ الآخَرُ -وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (١) -: نَعَمْ! فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُلْ"، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنىَ بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْم، فَأَخْبَرُونِي: أَنَّ عَلَى ابْنِي (٢) جَلْدَ مِئةٍ، وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، (٣) وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَم- إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ،

стр. 2850

فَارْجُمْهَا"، قال: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرُجِمَتْ (١).

стр. 2851

العسيف: الأجير (١). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: معنى أَنْشُدُكَ (٢): أسألُك (٣) رافعًا نشَيدتي (٤)، أي: صوتي، وهو بفتح الهمزة وضم الشين. وقوله: "بكتاب اللَّه"؛ أي (٥) ما تضمَّنَه كتابُ اللَّه، أو يريد: بحكم اللَّه، وهو أَوْلى هنا من أن يُحمل على القرآن؛ لأن القصة (٦) مذكورٌ فيها التغريبُ، وليس ذكرُ التغريب في القرآن.

стр. 2852

فيه: استحبابُ صبرِ القاضي على جُفاة الخصوم، وقولِ بعضهم: احكمْ بيننا بالحق، ونحو ذلك. الثاني: قوله: "فقال الخصم الآخَرُ -وهو أفقهُ منه-": قال العلماء: يجوز أن يكون أراد أنه بالأصالة أكثرُ فقهًا منه في هذه القضية؛ لوصفه إياها على وجهها، ويحتمل أنه لأدبه واستئذانه في الكلام، وحذرِهِ من الوقوع في النهي، في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]؛ بخلاف خطاب الأول في قوله: أنشدُكَ اللَّه. . . إلى آخره (١). الثالث: قوله ﵊: "قلْ": قال الخطابي: فيه: دليل على أن الإمام إذا اجتمع الخصمان بين يديه أن يبيحَ الكلامَ لمن شاء منهما (٢). والعَسيف: الأجير، وجمعه عُسفاء؛ كأَجير وأُجَراء، وفَقيه وفُقهاء. وقوله ﵊: "لأقضينَّ بينكما بكتابِ اللَّه": قال الإمام: يحتمل أن يكون المراد: قضية اللَّه، والكتاب يكون بمعنى القضاء، ومن الناس من قال: إن الرجم مشارٌ إليه في كتاب اللَّه بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، وذى الرجم. قلت: لأن التغريب ليس مذكورًا فيه، كما تقدم (٣).

стр. 2853

وقيل: إن الرجم كان مما يُقرأ في القرآن، ثم نسُخ، وهو قوله: "الشيخُ والشيخةُ إذا زنيَا، فارجُموهما البَتَّة" (١). ع: قيل في معنى قوله ﵊: "لأقضينَّ بينكما بكتاب اللَّه": في نقضِ حكمِكما الباطلِ الفاسدِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ويحتمل أن يريد: مما قُرِّرَ في كتاب اللَّه -تعالى- من قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] (٢). وقوله: "فسألتُ أهلَ العلم"، ولم (٣) ينكر عليه: فيه: دليل على جواز الاستفتاء لمن كان مع النبي ﷺ في مِصْرٍ واحد، وإن كان يجوز (٤) على غير النبي ﷺ من الخطأ والحيف ما لا يجوز عليه ﷺ . قال الإمام (٥): وهذا كالاقتصار على الظن مع القدرة على اليقين، وقد يتعلق به من أهل الأصول مَنْ يُجيز استفتاءَ الفقيه، وإن كان هناك من هو (٦) أفقهُ منه. قلت: وإنه لمتعلِّقٌ لا بأسَ به، ويؤيده -أيضًا-: أن الصحابة ﵃

стр. 2854

كانوا يستفتي بعضُهم بعضًا، ولا يتوقفون على فُتيا الأعلم، واللَّه أعلم. وقد قال بعضهم: لِمَ لَمْ يحدَّه (١) للمرأة، وقد قال: فزنى بامرأته؟ وهذا لأنها اعترفَتْ، فرجمها (٢). الرابع: قوله ﵊: "الوليدةُ والغنمُ رَدٌّ عليكَ"؛ أي: مردودةٌ (٣) عليك، فالمصدرُ هنا بمعنى المفعول؛ كقولهم: ثوبٌ نَسْجُ اليمنِ، أي (٤): منسوجُ اليمنِ، وهذا خلقُ اللَّه؛ أي: مخلوقُه، ومعناه: يجبُ رَدُّها عليك. قال الخطابي: فيه: أن كلَّ صلحٍ خالفَ السنَّةَ باطلٌ مردودٌ. وفيه: أن ما قبض في صلح الباطل، وخطأ السنَّة لا يدخلُ في ملك قابِضه. وفيه: أن الحدودَ لا يُصالح فيها، ولا يُمْضى الصلحُ. ع: ولا خلافَ عندنا في ذلك فيما يتعلق بحق اللَّه محضًا؛ نحو: الحرابة، والزنا، والسرقة، بلغَ السلطانَ، أم لا؛ لأنه أكلُ مالٍ بالباطل

стр. 2855

في إبطالِ حَدٍّ إِن بلغَ السلطانَ، أو أكلُ مالٍ على أن لا يبلغ، وهو (١) حرامٌ ورشوةٌ (٢). واختُلف عندنا في الصلح على ما (٣) تعلَّق بحقِّ العباد في الأعراض بعدَ رفعِه؛ كحدِّ القذف (٤)، ففيه قولان، وإن كان يُكره بكل حال؛ لأنه أكلُ مالٍ في ثمن عرضِه، ولا خلاف أنه يجوزُ قبلَ رفعه. ولم يُخْتَلَفْ في جوازِ ما كانَ منه في حقِّ الأبدان؛ من القصاص في الجراح والنفس: أن الصلحَ فيه جائزٌ لا يرد عما اتفق عليه (٥). وقوله ﵊: "وعلى ابنك جلدُ مئة، وتغريبُ عام": هو محمولٌ على أن الابن لم يكن مُحْصَنًا، وعلى أنه (٦) أقرَّ، وإلَّا (٧)، فإقرارُ (٨) الأب لا يُقبل عليه، هذا إذا قلنا: إن (٩) هذا حكمٌ منه ﵊، وإن قلنا: إنه أفتى، فيكون معناه: فإن كان

стр. 2856

ابنُك زنى، وهو بكرٌ، فعليه جلدُ مئة، وتغريبُ عام (١). الخامس: قوله ﵊: "واغدُ يا أُنَيْسُ إلى امرأةِ هذا، فإن اعترفتْ، فارجُمْها"، أُنيسٌ هذا صحابيٌّ مشهور، وهو أُنَيْسُ ابنُ الضحاكِ الأسلميُّ، معدود في الشاميين. وقال ابنُ عبدِ البر: هو أُنيسُ بنُ مَرْثَدٍ. ح: والأولُ هو الصحيحُ، المشهورُ، وأنه أَسْلَمِيٌّ، والمرأةُ أسلميةٌ (٢). فيه: استنابةُ الإمام غيرَه في هذا وشبهِه، وهو أصلٌ في اتخاذ القضاة والحكام، وأصلٌ في وجوبِ الإعذار، وفي جوازه بواحدٍ، وفي ذلك عندنا قولان. ع: وقد يمكن أن يكون (٣) النبي ﷺ ثبت عنده اعترافُها بشهادةِ هذين الرجلين (١)، فكان توجيهُ أُنيس إعذارًا (٤) لها. وقد احتجَّ به قومٌ في جواز حكم الحاكم في الحدود وغيرِها بما أقرَّ به الخصمُ عندَه (٥)، وهو (٦) أحدُ قولَي الشافعي ﵁ في إقامة الحدِّ

стр. 2857

بذلك، وهو قولُ أبي ثورِ في الحدِّ بذلك (١)، والجمهورُ على خلافه، وإنما اختلفوا في غيرِ الحدود، وعندَنا في هذا قولان. وفيه (٢): أن النبيَّ ﷺ لم يحضرِ الرجمَ، وهو الإمامُ، وفي ذلك خلافٌ، ولا ذُكر الحفرُ للمرجومة. وفيه: رجمُ الثيبِ دونَ جلدِه، وجلدُ البكرِ ونفيُه. وفيه من الفقه: سؤالُ الإمامِ -إذا قَذَفَ عِندهُ قَاذِفٌ- المقذوفَ، فإن اعترف، حُدَّ ودرىء عن القاذفِ الحدُّ، وإن أنكر، وأرادَ سترًا، أُسقط الحدُّ عنهما، وإلَّا سُئلَ القاذفُ البينةَ، وإلا حُدَّ (٣) للقذف؛ كما وجَّه النبيُّ ﷺ أُنيسًا للمرأة. فأما لو شهدَ عندَ الإمام: أن فلانًا قذفَ فلانًا، فلا يحدُّه الإمامُ حتى يطلبه المقذوفُ عند أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، والأوزاعيِّ. وقال مالكٌ: يرسل إليه، فإن أراد سترًا، تركه، وإلَّا، حَدَّهُ. ع: وقد اختلف قولُ مالك في عفوه (٤)، وإن لم يرد سترًا. وفيه: قبولُ خبر الواحد.

стр. 2858

وفيه الاكتفاءُ بمجردِ الإقرار دونَ مراعاةِ عذرٍ (١). وفيه: مراعاةُ الإحصان في الرجم (٢)، وقد صحت في هذه المرأة، وأنها متزوجة. ع: ولعل حالَ الدخول كان معروفًا، أو طول الإقامة مع الزوج، أو وجود الولد، فاستُغني عن ذكره في الحديث. قلت: وقد أجمعوا على مراعاة الإحصان للمرجوم، واختلفوا في صفته؛ فللإحصان عندنا شروطٌ ستة، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والتزويجُ الصحيح، والوطءُ المباحُ فيه (٣)، ولم يراعِ مالكٌ هذه الصفاتِ (٤) في الزوجة الموطوءة كيفَ كانت؛ أَمَةً، أو كافرةً، أو مجنونةً، أو صغيرةً، ولكن إن زنت هي، روعي فيها الصفاتُ المذكورة كالرجل، إلا إذا كان زوجُها غيرَ بالغٍ، فلا يُحْصِنُها؛ بخلاف الصبيةِ مع الرجل. ع: واختلف أصحابنا في الوطء المكروه، والممنوع في النكاح الصحيح، هل يحصن، أم لا؟

стр. 2859

ولم يشترط بعضُهم العقلَ جملةً في (١) واحدٍ منهما، وبعضُهم اشترطَه في الرجل دونَ المرأة، فإن كان عاقلًا، كان إحصانًا لهما، وإن كانت مجنونة، وإن كان مجنونًا، لم يكن بينهما إحصانٌ، وإن كانت عاقلة. ولم يراع أبو حنيفةَ الوطءَ المحظورَ، مع موافقته لنا في شروط الإحصان، وراعاه الشافعيُّ؛ ولم يجعل به إحصانًا. ولم يشترطْ هو ولا أحمد (٢) في الإحصان الإسلامَ في نكاح الزوجين. واختلف أصحاب الشافعي في الحرية، والبلوغ، فمنهم مَنْ جعل النكاحَ دون ذلك إحصانًا، ومنهم من لم يجعله، ومنهم من فَرَّقَ، فجعل البلوغَ شرطًا دون الحرية، ومنهم من عَكَس. ولم يشترط أبو يوسفَ، وابنُ أبي ليلى في الإحصان، ولا في (٣) الزنا الإسلامَ، ولم يراع الأوزاعي في الإحصان الحريةَ، إذا كانت الزوجة حرةً، ولم يراع الوطءَ الممنوع. وقال الليث، والثوري نحوَ قولِ مالك، إلا أن الليثَ لا يُراعي الوطءَ الممنوع، واللَّه أعلم (٤).

стр. 2860

الحديث الثالث ٣٤٣ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبه بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، وَزيدِ بن خَالِدٍ الجُهَنِيِّ: قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ (١) عَنِ الأَمَةِ إِذَا زنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: "إِنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضفِيرٍ". قَالَ ابْنُ شِهَاب: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ؟ وَالضفِيرُ: الحَبْلُ (٢).

стр. 2861

* الشرح: فيه: دليلٌ على جواز إقامة السيدِ الحدَّ على رَقيقِه، وهو مذهبُنا، ومذهبُ الشافعيِّ، وأحمدَ، وجماهيرِ العلماء؛ خلافًا لأهل الرأي. ع: واختُلف في إقامة الحدِّ عليه في القَطْع، مع اتفاقَ هؤلاء أن حدودَ الجلد كلَّها كحدود الزنا يقيمُه السيد. فقال (١) الشافعي: يقطعُ السيدُ يدَ عبده. وقال بعض أصحابنا: إذا قامت على السرقة بينةٌ. ومنع ذلك مالكٌ وغيره في القطع، والقتل، وقصاص الأعضاء؛ مخافةَ أن يُمَثِّلَ بعبده (٢)، ويدَّعيَ أنه أقامَ عليه الحدَّ، فلا يعتقُ عليه، وأن ذلك للإمام (٣). وإذا قلنا بإقامة السيدِ الحدَّ -أعني: في الجلد-، فذلك عندنا بالبينة، أو الإقرار، أو ظهور الحمل، وفي علمِه خلاف، وذلك إذا لم

стр. 2862

يكن، لها (١) زوج أجنبي، فلا يكون للسيد حدُّها، وله ذلكَ إن كانت لا زوجَ لها. قال أصحابنا: وكذلك إن كان زوجُها عبدًا له، فله حدُّها أيضًا. ولا فرق عندنا في وجوب إقامة الحدِّ من (٢) أن تكون محصنةً، أو غيرَ محصنة. وعن ابن عباس: اشتراطُ الإحصان، وإذا وُجد، فنصفُ الحدِّ، وهو خمسون؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، الآيةَ (٣). ومذهبُ الجمهور أصحُّ (٤)؛ لأن هذا الحديث نصٌّ في إيجاب الحدِّ على من لم يحصنْ، فإذا تبينَ بحديث آخرَ أنه الحدُّ، أو أُخذ من السياق، فهو مقدَّم على مفهوم الآية، واللَّه أعلم. فيه: ترك (٥) مخالطةُ الفسَّاقِ وأهلِ المعاصي، وفراقُهم على طريق (٦) الندبِ، لا الوجوبِ؛ خلافًا للظاهرية. فإن قلت: كيف ينبغي له بيعُها، لغيره ويرضى لغيره ما لا يرضى لنفسه؟

стр. 2863

قلت: قيل (١) معناه: لعلَّها تَسْتَعِفُّ عندَ ذلك المشتري؛ بأن يُعِفَّها بنفسه، أو يصونها بهيبته (٢)، أو يزوجها لغيره، أو يحسن إليها، و (٣) يوسع عليها، وغير ذلك (٤). ع (٥): وفيه: جوازُ التغابُن، وبيعُ الخطير بالثمن اليسير، ولا خلافَ في هذا مع العلم به، وإنما الخلافُ إذا كانَ عن (٦) جهالةٍ من المغبون، وعندنا في ذلك (٧) قولان: المضيُّ كيف كان، والالتفاتُ إلى الخروج عن عادة الناس في التغابن إلى ما يكْثُر ويَسْمُجُ، وحدُّه عند (٨) قائلِ هذا بالزيادة على ثُلثِ الثمن، و (٩) النقص منه. وليس في الحديث عندي (١٠) ما يُستدل به على المسألة، وإنما هذا على طريق الإغياء في بيعها بما (١١) أمكنَ، ولا تُحبس ليرصدَ (١٢)

стр. 2864

بها ما يرضى من الثمن (١). قلت: لكنه يجبُ على البائع عندنا، وعند الشافعيِّ إعلامُ المشتري بعيبها الذي بيعت بسببه. تنبيه: ولتعلمْ: أن مَنْ (٢) فيه بقيةٌ (٣) من كتابةٍ، أو تدبير، أو أُمية ولدٍ (٤)، أو مَنْ بعضُه حُر، فحدُّهم حدُّ العبيدِ في جميع الحدود، غُلِّبَ عليهم الرقُّ عندنا؛ كما في الميراث (٥)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2865

الحديث الرابع ٣٤٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنه قَالَ: أتَى رَجُل (١) مِنَ المُسْلِمِينَ (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَاداهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، فتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِه؛ فَقَالَ لَهْ: يَا رسُولَ اللَّهِ إِنَّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ (٣)، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَاداتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أبِكَ جُنُونٌ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ". قالَ ابنُ شهابٍ: فَأخبرَنَي أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ، هَرَبَ، فَأَدْركْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ (٤).

стр. 2866

الرَّجُلُ هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ. وَ (١) رَوَى قِصَّتَهُ: جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ (٢)، وَعَبْدُ اللَّهَ بْنُ عبَّاسٍ (٣)، وَأَبُو

стр. 2867

سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ (١)، وَبُرَيْدَةُ بْنُ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيُّ (٢). * * * * الشرح: فيه: جوازُ الحكم في المسجد، وجلوسُ الحاكم فيه. قال مالك: وذلك من الأمر القديم، وكأنه -واللَّه أعلم- يشير إلى هذا و (٣) نحوه. وقد أخذت الحنفيةُ من هذا الحديث: اشتراطَ أربعِ مرَّات في الإقرار بالزنا (٤) لوجوب إقامة الحد، ورأوا أن (٥) النبيَّ ﷺ إنما أَخَّر الحدَّ لتمام أربع مرات؛ لكونه لم يجب الحدُّ قبل ذلك. قالوا (٦): لو وجب الحد (٧) بالإقرار مرة، لما أَخَّر الرسولُ ﷺ الواجبَ.

стр. 2868

وفي قول الراوي: فلمَّا (١) شهدَ على نفسه أربعَ شَهاداتٍ (٢)، دعاهُ رسولُ اللَّه ﷺ . . . إلى آخره، إشعار بأن الشهادة أربعًا هي العلةُ في الحكم. ومذهبُ مالك، والشافعي، وموافقيهما: إيجابُ الحدِّ بالإقرار مرةً واحدة؛ كالحقوق كلِّها، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك؛ استثباتًا واحتياطًا للحدود؛ إذ ذلك بابُها، لا لما قاله الحنفية؛ إذ الحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهات؛ بخلاف غيرها. ق: وفي الحديث: دليل على سؤال الحاكم في الواقعة عما يحتاج إليه في الحكم، وذلك من الواجبات؛ لسؤاله ﵊ عن الجنون؛ ليتبين العقل، وعن الإحصان؛ ليثبت (٣) الرجم، ولم يكن بدٌّ من ذلك؛ فإن الحدَّ مترد؛ بين الجلد والرجم (٤)، ولا يمكن الإقدامُ على أحدهما إلَّا بعد تبيُّنِ (٥) سببِه. ق: وقوله ﵊: "أبك جنونٌ؟ "، يمكن أن يُسأل (٦) عنه، فيقال: إقرار المجنون غيرُ (٧) معتبر، فلو كان

стр. 2869

مجنونًا (١)، لم يفد قوله: إنه ليس بي (٢) جنونٌ، فما وجهُ الحكمة في سؤاله عن ذلك، بل سؤالُ غيرِه ممن يعرفه هو المؤثرُ؟ قال: وجوابه: أنه قد ورد أنه سألَ غيرَه عن ذلك، وعلى تقدير أن لا يكون وقعَ سؤالُ غيره، فيمكن أن يكون سؤالُه ليتبينَ بمخاطبته ومراجعته تثبتَه (٣) وعقلَهُ، فيبني (٤) الأمر عليه، لا على مجرد إقراره بعدم الجنون (٥). قلت: ويحتمل عندي وجها آخر؛ وهو أن يكون ذلك جاء (٦) على طريق الإغلاظ عليه (٧)، والزجر له؛ لإعلانه بالإقرار على نفسه بالزنا، وأن التوبة فيما بينه وبين اللَّه -تعالى- كانت في حقه أولى من إقراره وشهادته على نفسه بالزنا (٨) في الملأ. ويؤيده (٩) ويوضحُه: قوله ﵊: "مَنِ ابْتُلِي

стр. 2870

بِشَيْءٍ مِنْ هَذ القَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ" (١)، وفي الحديث الآخر: "هَلَّا سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ؟! " (٢)، وغير ذلك مما في هذا المعنى. أو أنه كان الأمثلُ في حقه أن يسال النبيَّ ﷺ على جهة الاسترشاد (٣) والاستفتاء من غير تعيين، فيقول مثلًا: يا رسول اللَّه! ما تقولُ في رجل زنى وهو محصَنٌ؟ أن يقرَّ فيقامَ عليه الحدُّ، أو أن يتوبَ فيما بينَه وبين اللَّه ؟ فيمتثل ما يأمره به ﵊ في ذلك، فحيث أقدمَ على الإقرار معلِنًا من غير سؤالٍ عنِ الحكم الشرعي أشبهَ فعلُه فعلَ مَنْ لا عقلَ له، فحسُنَ منه ﵊ قولُه له (٤): "أَبِكَ جنونٌ"، واللَّه أعلم. وقوله: "فلما أَذْلقته الحجارةُ": هو بالذال المعجمة والقاف؛ أي: أقلقته (٥).

стр. 2871

قال الجوهري: الذَّلَق -بالتحريك-: القلقُ (١)، وقد ذُلِقَ -بالكسر-، وأذلقتُه أنا (٢). وقال غيرُه: أصابَتْه بحدِّها، وذلقُ كلِّ شيء طرفُه. وقيل: آلمَتْهُ، وأوجعته (٣)، وهذا تفسيرُ المعنى لا اللفظِ. وقوله: "هرب" دليل على عدم الحفر له. ع: وقد اختلف الناس في المقرِّ بالزنا إذا رجعَ عن إقراره لغير (٤) عذر، هل يُقبل منه، أم لا؟ فعندنا فيه قولان. وقد (٥) تعلق من لم يقبل رجوعَه بهذا الحديث، وقال: قد هرب هذا، وقتلوه بعدَ هروبه، ولم يأمرهم ﵊ بديته. وقد وقع في غير كتاب "مسلم": فلما وجدَ مسَّ (٦) الحجارة، صرخَ: يا قوم! رُدُّوني إلى النبي ﷺ ؛ فإن قومي هم قتلوني، وغروني من نفسي، وأخبروني أن النبي ﷺ غيرُ قاتلي، فلم نَنْزِعْ عنه حتى قتلناه،

стр. 2872

فلما رجعنا إلى النبيِّ ﷺ ، قال: "فَهَلَّا (١) تَرَكْتُمُ الرَّجُلَ، وَجِئْتُمُوني بِهِ؟ " لِيَسْتَثْبِتَ (٢). وعند أبي داود: "أَلَا تَرَكْتُمُوهُ حَتَّى أَنْظُر في شَأْنِهِ؟ " (٣)، وعنده: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ" (٤)، فقد صرح في بعض هذه الطرق: أنه لا يُترك الحدُّ، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2873

الحديث الخامس ٣٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّه قَالَ: إنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنيًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَجدُونَ فِي التَّورَاةِ في شَأنِ الرَّجْمِ (١)؟ "، فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عبدُ اللَّه بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْم. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ، فَنَشَرُوهَا (٢)، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْم، فَقَرَأ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَه (٣) عبد اللَّه بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَرُجِمَا، فَرأيتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَة يَقِيهَا الحِجَارَةَ (٤).

стр. 2874

قَالَ المُصَنِّفُ (١): (٢) الَّذِي وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْم (٣):

стр. 2875

عبدُ اللَّه بْنُ صُورِيَا. * * * * الشرح: فيه: جوازُ كلامِ بعضِ حاضري مجلس الحكم في أثناء كلامِ الحاكم، وإن لم يستدع منه الكلام، إذا ترتب على كلامه فائدةٌ شرعية يُفْحِمُ بها من كذب فيما يدَّعيه؛ لقول عبد اللَّه بن سلام ﵁: "كذبتُمُ إن فيها آيةَ (١) الرجمِ". وقد تقدم ذكرُ الخلافِ في اعتبار الإسلام في الإحصان، وأنَّ مذهبنا اشتراطُه. وتعلَّق من لم يشترطْ بهذا الحديث، وهو محمولٌ عند مالك على أن هذا المرجومَ لم يكن له ذمة؛ فهو مباحُ الدم، وأما رجمُه المرأةَ، فلعلَّه كان قبل النهي عن قتل النساء (٢). ع: وقيل: لأنهم هم تحاكموا إلى النبي ﷺ ، فطلبوا ذلك منه، وعندنا: أنهم إذا أتوا هكذا: أن الحاكم مخيرٌ؛ إن شاء حكم بينهم، وإن شاء لم يحكم، فإن حكم، حكمَ بحكم الإسلام، وذلك برأي المحكوم عليه منهما (٣)، ورأي أساقفتهم ورهبانهم، وهو دليل قوله:
следующие страницы →