← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

قال الجوهري: الذَّلَق -بالتحريك-: القلقُ (١)، وقد ذُلِقَ -بالكسر-، وأذلقتُه أنا (٢). وقال غيرُه: أصابَتْه بحدِّها، وذلقُ كلِّ شيء طرفُه. وقيل: آلمَتْهُ، وأوجعته (٣)، وهذا تفسيرُ المعنى لا اللفظِ. وقوله: "هرب" دليل على عدم الحفر له. ع: وقد اختلف الناس في المقرِّ بالزنا إذا رجعَ عن إقراره لغير (٤) عذر، هل يُقبل منه، أم لا؟ فعندنا فيه قولان. وقد (٥) تعلق من لم يقبل رجوعَه بهذا الحديث، وقال: قد هرب هذا، وقتلوه بعدَ هروبه، ولم يأمرهم ﵊ بديته. وقد وقع في غير كتاب "مسلم": فلما وجدَ مسَّ (٦) الحجارة، صرخَ: يا قوم! رُدُّوني إلى النبي ﷺ ؛ فإن قومي هم قتلوني، وغروني من نفسي، وأخبروني أن النبي ﷺ غيرُ قاتلي، فلم نَنْزِعْ عنه حتى قتلناه،

стр. 2872

فلما رجعنا إلى النبيِّ ﷺ ، قال: "فَهَلَّا (١) تَرَكْتُمُ الرَّجُلَ، وَجِئْتُمُوني بِهِ؟ " لِيَسْتَثْبِتَ (٢). وعند أبي داود: "أَلَا تَرَكْتُمُوهُ حَتَّى أَنْظُر في شَأْنِهِ؟ " (٣)، وعنده: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ" (٤)، فقد صرح في بعض هذه الطرق: أنه لا يُترك الحدُّ، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2873

الحديث الخامس ٣٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّه قَالَ: إنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنيًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَجدُونَ فِي التَّورَاةِ في شَأنِ الرَّجْمِ (١)؟ "، فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عبدُ اللَّه بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْم. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ، فَنَشَرُوهَا (٢)، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْم، فَقَرَأ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَه (٣) عبد اللَّه بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَرُجِمَا، فَرأيتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَة يَقِيهَا الحِجَارَةَ (٤).

стр. 2874

قَالَ المُصَنِّفُ (١): (٢) الَّذِي وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْم (٣):

стр. 2875

عبدُ اللَّه بْنُ صُورِيَا. * * * * الشرح: فيه: جوازُ كلامِ بعضِ حاضري مجلس الحكم في أثناء كلامِ الحاكم، وإن لم يستدع منه الكلام، إذا ترتب على كلامه فائدةٌ شرعية يُفْحِمُ بها من كذب فيما يدَّعيه؛ لقول عبد اللَّه بن سلام ﵁: "كذبتُمُ إن فيها آيةَ (١) الرجمِ". وقد تقدم ذكرُ الخلافِ في اعتبار الإسلام في الإحصان، وأنَّ مذهبنا اشتراطُه. وتعلَّق من لم يشترطْ بهذا الحديث، وهو محمولٌ عند مالك على أن هذا المرجومَ لم يكن له ذمة؛ فهو مباحُ الدم، وأما رجمُه المرأةَ، فلعلَّه كان قبل النهي عن قتل النساء (٢). ع: وقيل: لأنهم هم تحاكموا إلى النبي ﷺ ، فطلبوا ذلك منه، وعندنا: أنهم إذا أتوا هكذا: أن الحاكم مخيرٌ؛ إن شاء حكم بينهم، وإن شاء لم يحكم، فإن حكم، حكمَ بحكم الإسلام، وذلك برأي المحكوم عليه منهما (٣)، ورأي أساقفتهم ورهبانهم، وهو دليل قوله:

стр. 2876

"جاءتِ اليهودُ"، وفي غير مسلم: أَنَّ أَحْبَارهم أَمَروهم بذلك، ويتخيرُ الحاكم في الحكم بينهم (١). قال الشافعي، وجماعة من السلف: وحجتُهم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم بكل حال. وقاله (٢) جماعة من السلف. ثم اختلف أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة: هل يحكم بين المتحاكمين منهم لمجيء (٣) أحدهما، أو حتى يجيئا معًا، أو حتى يعلمها بما يحكم به، ويرضيان به؟ (٤) وسؤالُ النبي ﷺ لهم عما في التوراة، قيل: هو محتمل أنه قد أُعلم به بالوحي (٥)، وأنه مما لم يُغيروه منها، ولهذا لم يَخْفَ عليه حين كتموه، أو يكون علمَ ذلك مِمَّنْ وثقه مِمَّنْ أسلمَ من علمائهم،

стр. 2877

ويحتمل أن يكون سألهم عن ذلك استخبارًا عما (١) عندهم، ثم يستعلِمُ صحتَه من قبل اللَّه -تعالى-، ويكون حكمُه بما في التوراة؛ إما لأنهم رَضُوا بذلك، وصَرفوا حكمَهم (٢) إليه، أو لأن شرعَ مَنْ قبلنا لازمٌ لنا ما لم يُنسخ، على أحد القولين لأهل الأصول. وقد قيل: إن هذا كان خصوصًا للنبي (٣) ﷺ ؛ إذ لا نصل نحن إلى معرفة ما أُنزل عليهم (٤)، وللإجماع أن أحدًا لم يعمل به بعده، ولقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، واللَّه أعلم (٥). وقوله: "فرأيتُ الرجل يَجْنَأُ على المرأة": هذه هي الروايةُ الصحيحة: بفتح المثناة تحت وسكون الجيم بعدها نون مفتوحة بعدها همزة-؛ أي: يميل. ق: وفي كلام بعضهم ما يُشعر بأن (٦) اللفظ بالحاء المهملة،

стр. 2878

يقال: حَنَا يَحْنُو حُنُوًّا: إذا أَكَبَّ على الشيء (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2879

الحديث السادس ٣٤٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ" (١).

стр. 2880

* الكلام على الحديث: قد استسلفناه في حديث عِمْرانَ بنِ حُصين ﵁، فليراجَع هناك إن شاء اللَّه تعالى. * * *

стр. 2881

باب حد السرقة الحديث الأول ٣٤٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيَمَتُهُ -وَفِي لَفْظٍ: ثَمَنُهُ- ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ (١).

стр. 2882

الحديث الثاني ٣٤٨ - عَنْ (١) عَائِشَةَ ﵂: أنَهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقْطَعُ اليَدُ فِي رِبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (٢).

стр. 2883

* الشرح: الأصلُ في القطع: قولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ع: صان اللَّه -تعالى- الأموالَ بحدِّ القطعِ في أول حدود ما لَهُ بال من المال، ولم يجعل ذلك في غير السرقة: في الخلسة، والاغتصاب، والانتهاب؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى السرقة، ولأنه (١) يمكن استرجاعُ هذا النوع بالاستعداء إلى ولاة الأمور (٢)، ويسهُل (٣) إقامةُ البينة عليه، فعظُم أمرُها، واشتدت عقوبتُها، ليكون أبلغَ في الزجر عنها، ولم يجعل -تعالى- ديةَ الجناية على العضو المقطوع فيها بقدر ما يُقطع فيه، حمايةً للعضو -أيضًا-، وصيانةً له، فعظَّم ديتَه، ليعظم التحفظُ من ذلك. ولا خلاف في قطع السارق على الجملة بين العلماء، وإن

стр. 2884

اختلفوا في تفصيله، هذا معنى كلامه، وأكثرُ لفظه (١). إذا (٢) ثبت هذا، فالكلام في هذا الباب يتعلق بأوصافٍ تكون في السارق، والشيءِ المسروق، والموضعِ المسروقِ منه، وصفةِ (٣) السرقة. فأما ما يُراعى في السارق، فهو (٤): أخذُ المال سرًا؛ فالبلوغُ، والعقلُ، وكونُه غيرَ ملكٍ للمسروقِ منه، فإن كان ملكًا له، لم يقطع (٥)؛ كالعبد سرقَ (٦) مالَ سيده. وأما المسروق، فهو: كل ما تمتدُّ (٧) الأطماعُ إليه، ويصلح عادةً وشرعًا للانتفاع به، فإن منعه (٨) منه الشرع، فلا ينفع (٩)، تعلُّقُ الطماعية به، ولا يتصور (١٠) الانتفاعِ به عادة؛ كالخمر، والخنزير، وشبههما، ثم هو مالٌ، وغير مال.

стр. 2885

فغير المال: الحرُّ الصغير، وفيه القطعُ إذا سُرق من حرزِ مثلِه عادةً، وذلك رُوي عن عمر ﵁، وعن عبد الملك بن مروان، وبه قال الفقهاء السبعة، والقاسمُ بنُ محمد، والشعبيُّ، والزهريُّ، وربيعةُ، وخالف في ذلك ابنُ الماجشون من أصحابنا، ودليلُ الجماعة: عمومُ الآية، وما روى بعضُهم من (١) أنه ﵊ ذُكر عنده رجلٌ يسرق الصبيان، فأمر بقطعه، وهذا -إن صح (٢) -، فلا عِطْرَ بعدَ عروس. وأما المال: فشرطُه (٣): أن يكون نصابًا، مملوكًا لغيرِ السارق ملكًا تامًا، محترمًا، و (٤) محرزًا، لا شبهة فيه، فهذه ستة شروط. الشرط الأول: النصاب: وقد اختلف الناس في قدره على ثمانية أقوال، لا أعلم لها تاسعًا: من درهم إلى خمسةٍ على الترتيب. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يُقطع في أقلَّ من عشرة دراهم، أو ما قيمتُه عشرةُ دراهم من ذهبٍ أو غيرِه، واختلف عنه في الدينار إذا لم (٥) يبلغ عشرةَ دراهم؛ هل يعتبر بنفسه، أو صرفه (٦)؟

стр. 2886

وقيل: لا قطع في أقلَّ من أربعين درهمًا، و (١) أربعةِ دنانير، روي ذلك عن النخعي. وقيل: يقطع فيما قلَّ أو كثر، وهو مروي عن الحسن، وهو وجه في مذهب الشافعي، وهو مذهبُ الخوارجِ، وأهلِ الظاهر؛ وهؤلاء أخذوا بعموم الآية، ولم يخصصوه بالأحاديث الصحيحة المفسِّرة للآية (٢). ومذهبنا من هذه الأقوال (٣): أنْ لا قطعَ في أقلَّ من ربعِ دينارٍ ذهبًا، أو ثلاثةِ دراهمَ، أو ما قيمته (٤) ذلك، كانت أكثرَ من ربع دينار أو أقلَّ، ولم يراع هل تكون ثلاثةُ الدراهم (٥) صرفَ ربع دينار، أو لا؛ وإلى هذا ذهب أحمدُ، وإسحاقُ. ووافقَنا الشافعيُّ في كون النصاب ربعَ دينار، إلا أنه يقوم ما عدا الذهب بالذهب. ومالك قد (٦) يرى أن الفضة أصلٌ في التقويم كالذهب، وعليه يدل هذا الحديث؛ فإن المسروق لما كان غيرَ الذهب والفضة؛ وهو

стр. 2887

المِجَنُّ، قُوِّمَ بالفضة دونَ الذهب، دلَّ على أنها أصلٌ في التقويم (١)، وإلَّا، كان الرجوعُ إلى الذهب الذي هو الأصلُ أَوْلى وأوجبَ عند مَنْ يرى التقويمَ به (٢). ع (٣): والحنفيةُ في مثل هذا الحديث، وفيمن روى في حديث عائشة القطعَ في ربع دينار فصاعدًا يقولون، أو مَنْ قال منهم في التأويل ما معناه: إن التقويم أمرٌ تخميني، فيجوز أن تكون (٤) قيمتُه عندَ عائشة ربعَ دينار، أو ثلاثةَ دراهم، وتكون عند غيرها أكثرَ. وقد ضعَّف غيرُهم هذا التأويل، وشنَّعه عليهم بما معناه: أن عائشة ﵂ لم تكن لتخبر بما يدلُّ على مقدار ما يُقطع فيه إلا عن تحقيق؛ لعظم أمر القطع (٥). الشرط الثاني: أن يكون مملوكًا لغير السارق، فلو سرق ملكَ نفسِه من المرتهن، أو المستأجر، فلا قطعَ عليه، وكذا لو طرأ الملكُ بإرث قبلَ الخروج به من الحرز (٦)، فلا قطعَ عليه، ومن (٧) شرطه أن

стр. 2888

يكون ملكًا للمسروق منه، فلذلك يقطع السارق من السارق، ومن المودع، والوكيل (١)، والمرتهن، والمستعير. الشرط الثالث: أن يكون محترمًا؛ فلا قطعَ على سارقِ الخمر، والخنزير، والطنبور، والملاهي؛ من المز مار، والعود، وشبهه من آلات اللهو، إلا أن يكون في قيمته (٢) ما يبقى منها بعد المنفعة الفاسدة ربعُ دينار فصاعدًا. وكذلك عندنا في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها، ويُؤمر بكسرها، فإنما يُقَوَّم ما فيها من ذهب أو فضة دونَ صنعة، وكذلك الصليبُ من ذهب أو فضة، والزيتُ النجسُ إن كانت قيمته على نجاسته نصابًا، قُطع فيه. وأما جلدُ الميتة فلا قطع فيه قبل الدباغ، وفيه بعد الدباغ خلافٌ، والمشهور عندنا: إن كانت قيمة الصنعة نصابًا، قطع. وفي الكلب المأذون -أيضًا- خلافٌ، وكذا الأضحية بعد الذبح؛ بخلاف لحمها ممن يتصدق به عليه، فإنه يقطع بلا خلاف (٣) عندنا. ولو سرقَ سَبُعا يُذَكَّى لجلدِه (٤)، ويُنتفع به على ما تقدَّم، قُطع

стр. 2889

فيه، إلا أن الخلاف واقعٌ (١) في المعتبر في نصاب القطع؛ هل هو (٢) قيمةُ جلده ذَكِيًا، أو قيمةُ عينه (٣) حيًا؛ على قولين بين ابن القاسم، وأشهب. الشرط الرابع: أن يكون الملك تامًا قويًا؛ فلو كان للسارق فيه أدنى جزء، ويدُه جائلةٌ فيه مع شريكه، فلا قطعَ، فإنْ سرقَ مما حُجب عنه نصابًا زائدًا على ملكه منه، قُطع. وأما بيتُ المال، وأَهداءُ المسلمين (٤)، والمغانم بعد حيازتها؛ فيُقطع سارقُها، وإن لم يزد ما أخذ على النصاب، على المشهور عندنا. ولا يُقطع الأبوان في سرقتهما من مال ابنهما، ويُقطع هو في سرقة مالهما، والجدُّ كالأبِ، على المشهور، ولا يُقطع من سرقَ من جوعٍ أصابَهُ. الشرط الخامس: أن يكون المال خارجًا عن شُبهة الاستحقاق في حقِّ السارق، فلا قطعَ على مَنْ سرقَ من غريمه المماطِل. واختُلف في الزوجين إذا كانا في بيت واحد، وليست الدور مشتركة، وحكمُ الضيفِ حكمُ الزوجين؛ للإذن.

стр. 2890

الشرط السادس: أن يكون مُحْرَزًا، ومعناه: أن يكون في مكان هو حرزُ مثلِه عادةً وعرفًا، وذلك يختلف باختلاف عادات الناس في إحراز أموالهم، وهو في الحقيقة: كلُّ ما لا يُعَدُّ صاحبُ مال (١) في العادة مضيِّعًا لماله (٢) بوضعِه فيه. وجملةُ القول فيه: أن كلَّ شيء له مكانٌ معروف به، فمكانُه حرزه. وكل شيء معه حافظُه، فحافظُه حرزُه، فمن ذلك: أن الدور (٣) والمنازل والحوانيت حرزٌ لما فيها. والقبرُ حرزٌ للكفن إذا سُدَّ وأُدرج الميتُ في أكفانه. ولو مات في البحر، فكفن، وطرح في البحر، لقُطع مَنْ أخذَ كفنَه، سواء شُدَّ (٤) في خشبة، أو (٥) لا، وهكذا المطاميرُ في الجبال والصحاري، هي حرز لما فيها، فيُقطع مَنْ سرق منها نصابًا، وسواءٌ كان عليها حائط، أو لم يكن. ولا قطع في ثمرٍ (٦) معلَّقٍ إلا إذا آواه الجرين، فذلك حرزه،

стр. 2891

ولا في حرسة جبل، وهي الشاةُ وما في معناها من الماشية تُسرق من الرعي، بخلاف ما إذا أُويت في المَراح. والصبي ليس بحرز (١) لما (٢) يكون معه أو عليه من ثياب أو حليٍّ، إلا أن يكون معه مَنْ يحفظه. وفروعُ هذا الباب كثيرة جدًا، وموضعُها كتبُ الفقه المطوَّلة، وإنما ذكرنا منها ما سنح. وأما صفة السرقة: فأن يخرج المسروقُ من الحرز مساويًا لنصابٍ، فإن أتلفه في الحرز، ثم أخرجه، فلا قطع عليه. قال القاضي عبد الوهاب: ولا يُراعَى أن يخرجه بمباشرة، أو معاونة، وذلك بأن يأخذه بيده، ويخرج به بنفسه، وكذلك إن رماه إلى خارجه (٣)، أو أخرجه بيده إلى خارج الحرز، فأخذه غيرُه، أو أخرجه على ظهر دابته، أو كانوا جماعة، فرفعوه على رأس أحدهم أو ظهره، فخرج به (٤)، وبَقُوا هُمْ في الحرز، أو خرجوا معه، ففي كل ذلك القطعُ. ولا قطع على مختلسٍ، أو مستلبٍ، ولا مكابرٍ، ولا غاصبٍ، ولا مستعيرٍ جحدَ (٥).

стр. 2892

قلت: قوله: ففي كل ذلك القطعُ؛ هو على ظاهره، إلا في مسألة: ما إذا كانوا جماعة، فإنهم إنما يُقطعون كلُّهم، إذا كان في حصة كل واحد منهم (١) ربعُ دينار فصاعدًا، على أحد الأقوال الثلاثة في المذهب، وقيل (٢): يُقطعون مطلقًا، وقيل: بالفرق بين أن يمكن أحدَهم الاستقلالُ بالمسروق، فلا يُقطعون، أو لا يمكن، فيقطعون، وأظن أن هذا هو المشهورُ من المذهب، واللَّه أعلم (٣). فائدة: قال الشيخ أبو عمرانَ الفاسيُّ (٤) في كتابه "مدرجة المتعلمين (٥) ": أخذُ الأموالِ بغير رضا أربابها على ثمانية أوجه، وهي: السرقة، والحرابة، والغصب، والاختلاس، والتعدي، والخديعة، والخيانة، والغيلة. والعقوبة فيه على ثلاث مراتب: فعقوبة السارق القطع، والمحارب أحدُ أربعة أشياء، وهي: القتل، أو القطع من خلاف، أو

стр. 2893

الضرب، أو النفي، أو يُصلب ثم يُقتل بعد ذلك. وعقوبة من سواهما: الضربُ والسجنُ مع الغرم، لا غيرُ. قلت: وقد أجمع العلماء على أنه إذا سرق أولًا، قُطعت يده اليمنى. قال مالك، والشافعيُّ وأهلُ المدينة، والزهريُّ، وأحمدُ، وأبو ثور، وغيرُهم: فإذا سرق ثانيًا، قُطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثًا، قطعت يده اليسرى (١)، فإن سرق رابعًا، قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك، عُزِّرَ (٢)، ثم إن عاد، حُبس؛ يروى هذا عن عليٍّ، والزهريّ، وحمادٍ، وأحمدَ. وعامَّتُهم على قطع اليدِ من الرسغ؛ وهو المفصل بين الكفِّ والذراع، وتُقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم. وقال علي ﵁: تُقطع الرّجل من شطر القدم؛ وبه قال أحمدُ، وأبو ثور. وقال بعض السلف: تُقطع اليد من المرفق. وقال بعضهم: من المنكب. قال ابن عطية: ويُروى عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه كان يقطع اليد من الأصابع، ويُبقي الكفَّ، والرِّجْلَ من نصف القدم،

стр. 2894

ويُبقي العقبَ (١) (٢). والمِجَنُّ: بكسر الميم وفتح الجيم (٣)، وهو كل ما يُستجن به، أي: يستتر (٤). وصاعدًا (٥): حال، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2895

الحديث الثالث ٣٤٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ "، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: "إِنَّما أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فَيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. وَايْمُ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١).

стр. 2896

وَفي لَفْظٍ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (١). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قُرَيْشٌ: قبيلةٌ، وأبوهم النَّضْرُ بنُ كنانةَ بنِ خزيمةَ بن

стр. 2897

مُدْرِكَةَ بنِ إلياسَ بنِ مُضَرَ، وكلُّ مَنْ كان من ولد النضر، فهو قرشي، دون ولد كنانة فمن فوقه، والنسبُ إليه قرشيٌّ، وربما قالوا: قريشي وهو القياسُ، قال الشاعر: بِكُلِّ قُرَيْشِيٍّ عَلَيْهِ مَهَابَةٌ ... سَرِيعٌ إِلَى دَاعِي النَّدَى والتكرُّمِ فإن أردتَ بقريشٍ الحيَّ، صرفته، وإن أردتَ به القبيلةَ، لم تصرفْه، قال الشاعر في ترك الصرف: وَكَفَى قُرَيْشَ المُعْضِلَاتِ وَسَادَهَا (١) الثاني: ظاهرُ الحديث: تحريمُ الشفاعة في الحدود إذا بلغتِ الإمامَ، فأما قبلَ البلاع: فالأكثرون على جوازها؛ لما جاء في الستر على المسلم. قال مالك: وذلك فيمن لم يُعرف منه أذى للناس، وأما مَنْ عُرف منه شرٌّ وفساد، فلا أحبُّ أن يشفع فيه. ع: وأما الشفاعةُ فيما ليس فيه حدٌّ، ولا حقٌّ لآدمي، وإنما فيه التعزير، فجائزٌ عند العلماء، بلغ الإمامَ، أم (٢) لا (٣). ق (٤): "ومن يجترىء عليه إلا أسامةُ بنُ زيدٍ حِبُّ رسولِ اللَّه ﷺ "،

стр. 2898

هو بكسر الحاء، أي: محبوبه، وهذه منقبة ظاهر لأسامة ﵁، ومعنى يجترىء عليه: يتجاسَرُ عليه بطريق الإدلال (١). الثالث: قوله ﵊: "إنما أهلكَ الذين مِنْ قبلِكُم" إلى آخره: (إنما) هنا (٢) ليست للحصر المطلق ولا بدَّ، فإن أسباب الإهلاك بالنسبة إلى بني إسرائيل كانت متعددة، فلابدَّ وأن يُحمل على حصر مخصوص؛ وهو الإهلاكُ بسبب تغيير (٣) حدودِ اللَّه تعالى، وقد تقدم أن الحصر يكون حقيقةً تارة (٤)، ومجازًا أخرى. الرابع قوله ﵊: "وايمُ اللَّه! ". ع: يقال: أَيْمُ اللَّه -بقطع الهمزة، وفتحها-، وإيم اللَّه (٥) -بكسرها-، وأَيْمُنُ اللَّه -بالفتح وزيادة نون (٦) -، وإيمَن اللَّه -بالكسر-، وأَيْمَنُ اللَّه -بفتح الهمزة والميم-، ولَيْمَنُ اللَّه -باللام-، ومُنَ اللَّه، ومَن اللَّه، ومِن اللَّه، وليمُ اللَّه، ومُ اللَّه، ومِ اللَّه، ومَ اللَّه، وفي الحديث: "وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَده"، أربعَ عشرةَ لغةً، كلُّها صحيحة.

стр. 2899

قيل: هي (١) جمع يمين، وألفها ألفُ قطع؛ وهو مذهب الفراء وأبي عبيد، والصحيحُ عند النحاة: أنها مفردة، وأن (٢) ألفها ألفُ وصل مشتق من اليُمن، بدليل حذفها في درج الكلام، نحو قولك: لَيْمُنُ اللَّه لأفعلنَّ، وعُلل فتحُها بشبه همزة الوصل اللاحقة للام التعريف في نحو: الرجل والغلام؛ لأن أيمن اسمٌ غيرُ متمكن، إذ لا يُستعمل إلا في القسم، ولا يُستعمل إلا مرفوعًا، فأشبَهَ بعدم (٣) تمكنه الحرفَ الذي هو لام التعريف، ففتحت همزته كما فُتحت همزة الوصل اللاحقة للام التعريف: ولم يُبْنَ، وإن أشبهَ الحرفَ؛ لقوة تمكنه (٤) بالإضافة؛ كما تبنى (٥) أَيٌّ لذلك، فاعرفْه، فقلما تجدُه في كتب العربية. قال الأزهري: وضُمَّ آخره، وحكمُ القسم الخفضُ؛ كما ضم (لَعَمْرُكَ)؛ كانه أضمر يمينًا (٦) ثانية، فقال (٧)، وأَيمنُك عظيمة، ولأيمنُك عظيمة (٨)، وعَمْرُك، ولعمرُك عظيم، وقد قيل: إن لَيُمْنُ إنما معناه:

стр. 2900

لا لَيُمْن، على مَنْ جعلها ألفَ وصل، أقسم على النفي، وأقسم به، ومن هذا قوله: لَيُمْنُ اللَّهِ ما ندري (١)، وقيل: معنى ليمنُ اللَّه؛ يمينُ اللَّه، أي: يمين الحالف باللَّه، أو أيمانُه باللَّه، وقد يكون على هذا، أي: يمين اللَّه وأيمانه (٢) التي يحلف بها على إضافة التعظيم والتشريف؛ كما قيل: ﴿وَنَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أو الاختصاص؛ كما قيل: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ [الصافات: ١٦٠]؛ أي (٣): وسُمي اليمينُ يمينًا باسم اليد؛ لأنهم كانوا يبسطون أيديَهم إذا تحالفوا. وعن ابن عباس ﵁: أن يمين اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، قاله ع (٤). الخامس: قوله: "كانت امرأة مخزومية" إلى آخر الحديث. ق: قد أطلق في هذا الحديث على هذه المرأة لفظُ السرقة، ولا إشكالَ فيه، وإنما الإشكالُ في الرواية الثانية: وهو إطلاقُ جَحْدِ العاريةِ على المرأة، وليس في لفظ هذا الحديث ما يدلُّ على أن المعبرَ عنه امرأة واحدة، ولكن في عبارة المصنِّف ما يُشعر بذلك؛ فإنه جعل الذي ذكره ثانيًا روايةً، و (٥) مقتضى ذلك من حيث الإشعار العادي، إنما هو حديث واحد اختُلف فيه، هل كانت المرأةُ المذكورةُ سارقةً، أو جاحدةً؟

стр. 2901

وعن أحمد: أنه أوجبَ القطعَ في صورة جحود العاريَّةِ عملًا بتلك الرواية. قلت: وبقوله قال إسحاقُ. وإذا أُخذ بطريق صناعي -أعني: في صيغة (١) الحديث- ضعفت الدلالةُ على مسألة الجحود قليلًا؛ فإنه يكون اختلافًا في واقعة واحدة، فلا يثبت الحكمُ المرتَّبُ على الجحود، حتى يتبين (٢) ترجيحُ رواية مَنْ روى في (٣) الحديث: أنها كانت جاحدةً، على رواية من روى: أنها كانت سارقة (٤). ع، وتبعه ح: قال العلماء: المرادُ: أنها قُطعت بالسرقة، وإنما ذكرت العارية تعريفًا لها، لا لأنها سبب القطع. ح: وقد ذكر مسلمٌ هذا الحديث في سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت، وقُطعت بسبب السرقة، فيتعين (٥) حملُ هذه الرواية على ذلك؛ جمعًا بين الروايات؛ فإنها قصة واحدة، مع أن جماعة من الأئمة قالوا: هذه الرواية شاذة، فإنها مخالفة لجماهير الرواة،

стр. 2902

والشاذُّ لا يُعمل به. قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية؛ لأن المقصود منها عند الراوي ذكرُ منعِ الشفاعة في الحدود (١)، لا الإخبار عن السرقة (٢). وقوله ﵊: "لو سرقَتْ" إلى آخره: فيه (٣): دليل واضح، وحجة صريحة لأحد القولين عندنا فيمن قال: واللَّهِ لو وقعَ كذا، لفعلت كذا، ونحو هذا، هل يكون حانثًا بهذا اللفظ، أو لا؟ ومثلوه عندنا بمسألة؛ من قال: واللَّهِ لو كنت حاضرًا لك عند مخاصمة أخي، لفقأتُ عينك (٤)، واللَّه أعلم. فائدة لغوية: اختصرتها من كتاب "ليس (٥) " لابن خالَوَيْه: يقال للذي يسرق الشِّعْرَ: سُرَاقَةُ، وللذي يسرق اللغةَ من الكتب اللَّفيفُ، واللفيف -أيضًا-: الذي يحفظ ثيابَ اللصوص، والذي يسرقُ الإبل خاصَّةً: الخارِبُ، وللذي يسرق اللحم إذا (٦) سُلخ: غالٌّ، وللذي

стр. 2903

يسرق الغنيمة: المحوسُ (١)، والمغلُّ، وللذي يسرق في المكيال: المُطَفِّفُ، وللذي (٢) يسرق في الميزان: المُخْسِرُ، وللذين (٣) يختفون فيسرقون من غير أرضهم: الزَّوقل (٤)، والزواقيل، والزواقل، وللذي (٥) يسرق ولا سلاح معه: الطَّمِلُّ، وأصله في الذِّئب، وسراق السباع (٦): الرِّئْبال، والرآبيلُ في السباع مثلُ اللصوص في الناس، وفي الطير: الكندس، وهو العقعق، وسبراق الريان، وللذي (٧) يسرق رائحةَ الطعام بأنفه: الأَرْشَمُ، وللذي (٨) يكل بيمينه وشرقُ بشماله: الجرذبان، وللذي يسرق السمعَ ويرده: القَتَّات، فإن أدى ذلك إلى السلطان، فهو الماحِلُ، والساعي، والواشي، والآسي (٩)، والسماع، والجاسوسُ: الذي يسرق الأنباء فيردُّها إلى أرض العدو، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: الجواسيس، فالجاسوسُ صاحبُ سرِّ

стр. 2904

الجواسيس، فالجاسوسُ صاحبُ سرِّ الشر، وصاحبُ سرِّ الخير هو الناموسُ (١)، وللذي يسرق بالعَجَلة: الخاطف، وهو المستلِبُ، وللذي يسرق من الكم: الطَّرَّار، وللذي يسرق بالحيلة بالكلام وهو مصلوب: شَطَّاط (٢)، وللذي يسرق جَهْرًا: الغاصب، وللذي يسرق وهو مؤتَمَن: الخائن، وكلُّ سارق يقال له: أَحَذُّ (٣) يدِ القميص، وأنشد: جَعَلْتَ عَلَى العِرَاقِ وَرَافِدَيْهِ (٤) ... فَزَارِيًّا أحَذَّ (٥) يَدِ القَمِيصِ وللذي يسرق بسبب غيره: المتنحِّل (٦)، والمدَّعي، والزنيم، واللعين، وللذي يسرق الأسانيد والروايات (٧)، ويُعَمِّي: المدلِّس، وللذي يسرق تراجمَ الكتب: الملبِّد (٨)، وللذي يسرقُ من العدول والقضاة: المصلى، والاكَّال، وللذي يسرق من الصلاة وينتقصها (٩): المغار، وللذي يسرق الفتيلة من المسرجة: الفُوَيْسقة؛ وهي الفأرة،

стр. 2905

وللذي يسرق الحراق (١) والخرق من الخياطين: المحفتر، وللذي يسرق مال المساكين: المبطوحُ (٢)، والمطرفُ، وللذي يسرق الدَّيْن، ولا ينوي أداءه: زانٌّ (٣)، وللذي يسرق الحاجَّ بِمِحْجَنه: المُسِلُّ، والسَّالُّ، والسَّلالُ، وللذي يسرق النيامَ والدوابَّ: الشالُّ، وللذي (٤) يسرق النورةَ في الحمَّام من الأحداث: المتببُ، يعنون: المستحيي، فإن سرق شعر شاربه، ونتف، فهو: الزابقُ، ويقال: أحمقُ أرنق (٥) للذي ينتف لحيتَه لحماقته (٦). قلت: وتسميةُ هذا سرقةً بعيدٌ جدًا. * * *

стр. 2906

باب حد الخمر الحديث الأول ٣٥٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيْدٍ (١) نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٢).

стр. 2907

* الشرح: يقال: خَمْرٌ، وخَمْرَةٌ، ولا خلاف يُعتد به في أنها مؤنثة. وذكر ح: أنها مذكرةٌ على ضعف (١)، ولم أدرِ من أين نقله (٢). والجمعُ: خُمور، مثل تَمْر وتَمْرَة (٣) وتُمور. قيل (٤): سُميت خمرًا؛ لأنها تُركت فاختمرت (٥)، واختمارُها تغيرُ (٦) ريحها.

стр. 2908

وقيل: سميت بذلك؛ لمخامرتها العقلَ؛ أي: مخالطتِه وتغطيتِه، ومنه خِمَار المرأة: ما يُغطي رأسَها (١). ولا خلافَ في حدِّ شاربها على الجملة، وإنما الخلافُ في مقداره. فقال الشافعي: إنه (٢) أربعون. ق: و (٣) اتفق أصحابُه (٤) أنه لا يزيد على الثمانين، وفي الزيادة على الأربعين إلى الثمانين خلاف، والأظهرُ الجواز، ولو رأى الإمامُ أن يحدَّه بالنعال، وأطرافِ الثياب؛ كما فعله النبيُّ ﷺ ، جاز، ومنهم من منعَ ذلك؛ تعليلًا بعسر الضبط (٥). ومذهب الجمهور من السلف؛ مالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم (٦): أن حده ثمانون جلدة، وهو أحد قولي الشافعي، وحجتُهم ما استقرَّ عليه إجماعُ الصحابةِ ﵃، وأنه (٧) لم يكن بعد النبي ﷺ حدٌّ معين، ألا تراه قال: نحو أربعين (٨)؟

стр. 2909

قال الإمام: لو فهمتِ الصحابةُ عن النبي ﷺ حدًا محدودًا في الخمر، لما عملت فيه برأيها، ولا خالفته، كما لم تفعل ذلك في سائر الحدود، ولعلهم فهموا أنه ﵊ فعل ذلك على موجب اجتهاده فيمن فعل ذلك فيه (١). قلت: وقد نقلوا الإجماعَ على أنه لا يُقتل إذا تكرر منه الشربُ، إِلَّا أن (٢) طائفة شذت، فقالت: يُقتل بعد حده أربعَ مرات؛ للحديث الوارد في ذلك (٣). وأجيب عن هذا: بأن الحديث منسوخ عند العامة بقوله ﵊: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ" الحديث (٤) (٥)، وبحديث النُّعَيْمان، وأن النبي ﷺ حدَّه ثلاثَ مرات،

стр. 2910

ولم يقتلْه، ونهى عن لعنه (١). قالوا: ودل على نسخه إجماعُ الصحابة على تركِ العملِ بهِ (٢). ثم اتفقوا على إقامةِ الحدِّ على شاربِ القليلِ من خمر العنب: وكثيرِه، سكرَ أو لم يسكرْ (٣)، وعلى حدِّ مَنْ سكر من كلِّ مسكرٍ. واختلفوا في حدِّ مَنْ شرب ما لا يُسكر منه من غير خمر العنب: فجمهورُ السلف والعلماء على تسوية ذلك كله، والحدِّ من قليله وكثيره. وذهب الكوفيون: إلى أنه لا يُحد حتى يسكر، وإن شربه ما لم يبلغ السكر. وعنهم -أيضًا-: في مطبوخ العنب المسكر، وخمر التمر عند بعضهم؛ كخمر العنب. وقال أبو ثور: يُجلد مَنْ يرى تحريمَه، ولا يُجلد مَنْ يرى تحليلَه، ويتأوَّلُ في ذلك. ع: وقد مال إلى هذا التفريق بعضُ شيوخنا المتأخرين. قال: وإجماعُ المسلمين ينعقد على تحريم خمر العنب النيء
следующие страницы →