← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأحسن ما يستاك به: الأراك رطبا أو يابسا، إلا الصائم، فإنه يكره له أن يستاك (١) بالأخضر الذي يجد له طعما، وأما الجوزة المحمرة، فحرام للصائم، فإن لم يجد الأراك؛ فبشيء خشن، ويجزئ) (٢) عندنا الأصبع (٣). وللشافعية فيه خلاف، قالوا: إن كانت لينة، لم يحصل بها السواك، وإن كانت خشنة، فثلاثة أوجه: المشهور: لا تجزئ. والثاني: تجزئ. والثالث: تجزئ إن لم يجد غيرها (٤). ويستحب أن يكون السواك متوسطًا بين الليونة واليبوسة، وينبغي أن يستاك عرضا؛ فإن الشيطان يستاك طولاً، إلا في اللسان، فإنه يستاك فيه (٥) طولاً. وينبغي أن يبدأ بالسواك من الجانب الأيمن (٦) من فيه. قال الترمذي الحكيم ﵁: وتجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك

стр. 317

تحته، والبنصر والوسطى والسبابة فوق السواك، والإبهام أسفل السواك تحته (١)، ولا تقبض القبضة على السواك، فإن ذلك يورث البواسير. ح: ويستحب أن يمر (٢) السواك على أطراف أسنانه، وكراسي أضراسه (٣)، وسقف حلقه إمرارا لطيفًا (٤). قال الترمذي الحكيم: وابلع ريقك من أول ما تستاك به (٥)؛ فإنه ينفع من الجذام، والبرص، وكل داء سوى الموت، ولا تبلع بعده شيئًا؛ فإنه يورث الوسوسة، يرويه علاثة. ولا تمص السواك مصا (٦)؛ فإن ذلك يورث العمى. قال: ولا تضع (٧) السواك إذا وضعته عرضا، وانصبه نصبا؛ فإنه (٨) يروى عن سعيد بن جبير، قال: من وضع سواكه بالأرض، فجن من ذلك، فلا يلومن إلا نفسه. قال: ويروى عن كعب: أنه قال: من أحب أن يحبه الله، فليكثر

стр. 318

من السواك والتخلل؛ فالصلاة بهما مئة (١) صلاة. قال: ويروي خالد (٢) عن أبيه، قال: السواك شطر الوضوء، والوضوء شطر الصلاة، والصلاة شطر الإيمان. قلت: وهذه آداب حسنة ينبغي تعاهدها في السواك؛ فإن ذلك لا يجلب إلا خيرا، والله أعلم. الثاني: قوله ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك). اعلم أن كلمة (لولا) تستعمل في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف تخصيص، بمعنى هلا، فلا يليها إلا الأفعال؛ نحو: لولا صليت، لولا (٣) تصدقت، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: ١٥]، و (٤) ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، وأشباه ذلك من الآي وغيرها. والثاني: أن يكون حرفًا يدل على امتناع الشيء لوجود غيره، كما هي في هذا الحديث، إذ المعنى: امتنع أمري بالسواك لوجود المشقة الحاصلة، فهذه لا يليها إلا الأسماء، عكس التي قبلها، تقول: لولا زيد، لأكرمتك؛ أي: امتنع إكرامي إياك لوجود زيد.

стр. 319

ومعنى قوله ﵊: «لأمرتهم بالسواك»: لأمرتهم أمر إيجاب وإلزام، وإلا، فمعلوم أنا مأمورون (١) به على طريق الندب، كما تقدم، وهو مذهب أكثر الفقهاء، وجماعات (٢) من المتكلمين، وقد أخذ بعض الأصوليين من هذا أن الأمر يقتضي الوجوب، وهو الصحيح، ما لم تقترن به قرينة تصرفه عن ذلك، ووجه الاستدلال منه: أن الممتنع (٣) لأجل المشقة إنما هو الوجوب دون الاستحباب- كما تقدم-، فاقتضى ذلك أن يكون الأمر للوجوب، والله أعلم (٤). الثالث: هذا الحديث بظاهره يقتضي عموم استحباب الاستياك عند كل صلاة، فيدخل في ذلك الظهر والعصر، للصائم وغيره، وقد تقدم ذكر كراهية الشافعية الاستياك للصائم بعد الزوال، وهو ضعيف. ق: ومن يخالف في تخصيص عموم هذا الحديث، يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به هذا العموم، وفيه بحث (٥). الرابع: في ظاهر الحديث دليل لمن يرى (٦) أن النبي ﷺ له أن يحكم

стр. 320

بالاجتهاد؛ لكونه ﵊ جعل المشقة سببا لعدم أمره، ولو كان الحكم موقوفًا على النص، لكان (١) سبب انتفاء أمره ﷺ عدم ورود النص به، لا (٢) وجود المشقة (٣). وقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال: ثالثها: كان له ﷺ أن يجتهد في الحروف والآراء دون الأحكام. ورابعها: الوقف. والمسألة مبسوطة في كتب الأصول، والله أعلم. * * *

стр. 321

الحديث الثاني ١٨ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄، قَالَ: كَانَ النبي (١) ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ (٢).

стр. 322

[«يشوص» معناه: يغسل. يقال: شاصه يشوصه، وماصه يموصه: إذا غسله]. * التعريف: حذيفة بن اليمان: واليمان اسمه (١): حسيل، ويقال: حسل (٢) - بكسر الحاء وإسكان السين -، واليمان لقبه، أعني: اليمان بن جابر بن عمرو العبسي، القطعي، حليف بني (٣) عبد الأشهل، يكنى: أبا عبد الله. وأمه: الرباب بنت كعب بن عدي، امرأة من الأنصار، من الأوس، من بني (٤) عبد الأشهل، وإنما لُقِّب أبوه حسيل (٥) باليمان؛ لأن جروة بن الحارث جده، كان أصاب في قومه دما، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد (٦) الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف باليمانيةة (٧). شهد حذيفة وأبوه حسيل (٨)، أُحُدًا، وقتل أبوه، قتله بعض المسلمين

стр. 323

خطأً، وهو يحسبه من المشركين، فتصدق بدم أبيه وديته على المسلمين، وأراد أن يشهد بدرا، فاستحلفهما المشركون - أعني: حذيفة وأباه - أن لا يشهداها (١) مع النبي ﷺ ، فحلفا لهم، ثم سأل النبي، ﷺ ، فقال: «نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» (٢). وكان حذيفة من كبار (٣) أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ يوم الخندق ينظر إلى قريش، فجاءه (٤) بخبر رحيلهم. وهو مهاجري (٥)، هاجر إلى النبي ﷺ ، فخيره بين الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، وأعلمه النبي ﷺ المنافقين بأسمائهم وأعيانهم، بعثه النبي ﷺ ليلة الأحزاب سرية وحده، وكان يسأل النبي ﷺ عن الشر ليجتنبه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة ب: صاحب سر رسول الله ﷺ ، فكان (٦) عمر ينظر إليه عند موت من مات من المنافقين، فإن لم يشهد جنازته حذيفة، لم يشهدها عمر.

стр. 324

وشهد ﵁ نهاوند، فلما قُتل النعمان بن مقرن، أخذ الراية، وكان فتح نهاوند، والري، والدينور على يد حذيفة، وكانت (١) فتوحه كلها سنة اثنتين وعشرين. ومات سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان ﵁ بأربعين ليلة في أول خلافة علي ﵁. وقيل: توفي سنة خمس وثلاثين. قال ابن عبد البر: والأول أصح. وذكر الحافظان ابن قانع (٢)، وابن طاهر: أنه توفي بالمدائن سنة خمس وثلاثين، ولم يذكرا غير ذلك، وكان موته بعد أن أتى نعي عثمان ﵁ إلى الكوفة، ولم (٣) يدرك الجمل، وُقتل صفوان وسعيدابنا حذيفة بصفين، بعدما بايعا عَلِيًّا بوصية أبيهما بذلك ﵃ أجمعين. روي لحذيفة عن رسول الله ﷺ (حديث كثير)، إلا أنه أخرج له في «الصحيحين» سبعة وثلاثين حديثا، اتفقا منها على اثني عشر) (٤) وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. روى له عمار بن ياسر، وجندب بن عبد الله العلقي، وعبد الله بن

стр. 325

يزيد (١) الخطمي، وخلق سواهم. وكان عمر قد ولاه المدائن، فمات بها في التاريخ المتقدم ذكره (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: «كان» هذه للدلالة على الملازمة والاستمرار، ففيه الاعتناء بالسواك (٣)، والمداومة عليه. قال الترمذي الحكيم ما معناه: إن الإنسان إذا نام، ارتفعت معدته، وانتفخت، وتصعد بخارها إلى الفم والأسنان، فينتن وتغلط ، ويروى أن الشيطان ذلك طعامه، ويمسح لسانه (٤) عليه، ويرمي به، فهذا سر استحباب السواك عند القيام من النوم، والله أعلم.

стр. 326

الثاني: قوله: «إذا قام من الليل»: ظاهره يقتضي تعلق الحكم بمجرد القيام. ق: ويحتمل إذا قام من الليل للصلاة، فيعود إلى معنى الحديث الأول (١). قلت (٢): ويرجح هذا الاحتمال، أن في مسلم رواية أخرى: «إذا (٣) قام يتهجد» (٤)، فتفسر هذه بتلك، و (من) هاهنا بمعنى (في)؛ أي: إذا قام في الليل، وهي نظيرة قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي في يوم الجمعة. الثالث: قوله: «يشوص فاه»، اختلف في تفسيره: فقال ابن الأعرابي: الشوص: دلك الأسنان عرضا (٥)، ونقل عنه - أيضا -: الشوص: الدلك، والموص: الغسل والتنظف. وقال أبو عبيدة، والداودي: هو التنقية، وقيل: من الحك. وقال أبو عمر بن عبد البر: تأوله بعضهم أنه بأصبعه.

стр. 327

وقال ابن دريد: الشوص: الاستياك من سفل إلى علو، ومنه الشوصة: وهي ريح ترفع مع القلب عن موضعه (١) (٢). فهذه أقوال كلها متقاربة جدا، إلا قول (٣) ابن دريد، وإن كان الاول أظهرها. وقيل: شاصه يشوصه، وماصه يموصه بمعنى، والله أعلم. * * *

стр. 328

الحديث الثالث ١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي , وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ؛ فَأَبَدَّهُ النبي (١) ﷺ بَصَرَهُ؛ فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ، فَقَضَمْتُهُ , فَطَيَّبْتُهُ , ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى رسول ﷺ ، فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ , فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ يَدَهُ، أَوْ إصْبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى»، ثَلاثاً، ثُمَّ قَضَى، وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي (٢).

стр. 329

وَفِي لَفْظٍ: فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ , وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ (١) لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ؛ أَنْ: نَعَمْ، لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (٢) وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ (٣). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: معنى يستن (٤): يستاك، قال الخطابي: وأصله من السن، وهو (٥) إمرار الشيء الذي فيه حروشة على شيء أخر، ومنه المسن الذي يستحد (٦) عليه الحديد ونحوه، يريد: أنه كان يدلك به أسنانه.

стр. 330

الثاني: معنى «أبده»: أطال النظر إليه. ق: فكأن أصله من معنى التبديد، الذي هو التفريق. قلت: بل هو بالجمع أولى منه بالتفريق؛ فإن من أطال نظره إلى الشيء، فقد جمع نظره فيه. قال: ويروى: أن عمر بن عبد العزيز ﵀ لما حضرته الوفاة، قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه، فأبد النظر، ثم قال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس، ولا جن، ثم قُبض (١). قلت: وهذا - أيضا - كما تقدم، من أنه بمعنى: جمع نظره في الحضرة؛ لا أنه فرق نظره وبدده. الثالث: فيه: العمل بما يفهم من الإشارة والحركات، وقد أعملها الفقهاء في غير ما مسألة من الأخرس وغيره. وفيه: جواز الاستياك بسواك الغير من غير كراهة. قال الخطابي: على ما يذهب إليه بعض من يتقزز. وفي كلام الترمذي الحكيم ما يشعر بكراهة ذلك، وهذا الحديث يرده. قال الخطابي: إلا أن السنة أن يغسله، ثم يستعمله (٢).

стр. 331

وفيه: إصلاح السواك، وتهيئته؛ لقول عائشة ﵂: (فقضمته). قال ابن هشام: والقضم: لكل شيء يابس؛ كالبسر (١)، والشعير، والخضم - يعني: بالخاء المعجمة - لكل شيء رطب؛ كالقثاء وغيره. وذكر ابن جني: أن العرب اختصت اليابس بالقاف، والرطب بالخاء؛ لأن في القاف شدة، وفي الخاء رخاوة (٢). وقيل: إن القضم بمقدم الأسنان، والخضم بالفم كله (٣)، وقالوا في تصريف فعله: خضم وخضِم، بفتح الضاد وكسرها. وقولها: «فطيبته»: يحتمل أن تريد: أنعمته ولينته، ويحتمل أن تريد: غسلتُه، والأول أظهر؛ لعطفها بالفاء السببية؛ إذ التليين والتنعيم مسبب عن القضم، وليس الغسل كذلك، ولذلك لما لم يكن الدفع مسببا عن القضم، أتت ب: (ثم) التي لا سبب فيها، ولما بين الأخذ والدفع من التراخي، والله أعلم. الرابع: قولها: «فأشار بيده، أو إصبعه»، في الإصبع عشر لغات: ضم الهمزة، وكسرها، وفتحها، وكذلك الباء، فهذه تسع، والعاشرة:

стр. 332

أُصبوع، ويجمعها هذا البيت: تَثْلِيثُ بَا إِصْبَعٍ مَعْ شَكْلِ هَمْزَتِهِ ... بِغَيْرِ قَيْدٍ مَعَ الْأُصْبُوعِ قَدْ كَمُلَا (١) فائدة: قال القرطبي ﵀ فيأحكام القرآن له (٢): وروي عن أصابع رسول الله ﷺ أن المشيرة فيها (٣) كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. قال: وروى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن مقسم، [من أهل الطائف، قال حدثتني سارة بنت مقسم] (٤)، أنها سمعت ميمونة بنت كردم، تقول (٥): خرجت مع أبي في حجة حجها رسول الله ﷺ ، فرأيت رسول الله ﷺ (٦) على راحلته، وسأله أبي عن أشياء، فلقد رأيتُني أتعجب وأنا جارية، من طول إصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه (٧).

стр. 333

قلت: وفي «دلائل النبوة» للبيهقي ﵀: أن ذلك في أصابع رجليه ﵊، لا في يده، فانظره (١) هناك (٢). الخامس: الرفيق هنا يؤخذ من) (٣) معنى الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، وهو منه ﷺ إشارة منه إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، والله أعلم. ق (٤): وقد ذكر بعضهم: أن قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] إشارة إلى ما في هذه الآية، وهو قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، فكأن هذا تفسير لتلك. قال: وبلغني: أنه صنف في ذلك كتاب يفسر فيه القرآن بالقرآن. وقوله ﷺ : «في الرفيق الأعلى»: من الصفات اللازمة التي ليس لها (٥) مفهوم يخالف المنطوق؛ كما (٦) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا

стр. 334

آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وليس ثمّ داع آخر له (١) برهان. قلت: فهو من وادي (٢) قوله: [الطويل] عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ (٣) ثم قال: وكذلك ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ولا يكون القتل للنبيين (٤) إلا بغير حق. قلت: بل ليس من هذا الباب، على ما قاله صاحب «الكشاف»، ولفظه: إن قلت: فقتل (٥) الأنبياء لا يكون إلا (٦) بغير حق، فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه: أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم؛ لأنهم لم يقتلوا، ولا أفسدوا في الأرض، ولا استوجبوا القتل لسبب (٧) يكون شبهة لهم ومستندا، بل نصحوهم، ودعوهم إلى ما ينفعهم، فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم، لم يذكروا وجها يوجب عندهم القتل، انتهى (٨).

стр. 335

فهذه فائدة حسنة جليلة، أعني: قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، فليعل ذلك (١). ثم قال: فيكون الرفيق لم يطلق إلا على الذي اختص الرفيق به، ويقوي هذا ما ورد في بعض الروايات: «وألحقني بالرفيق» (٢)، ولم يصفه بالأعلى، وذلك دليل على أن المراد بلفظ الرفيق: «الرفيق الأعلى»، ويحتمل أن يراد بالرفيق: ما يعم الأعلى وغيره، ثم ذلك على وجهين: أحدهما: أن يختص الفريقان معا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم متفاوتة، فيكون ﷺ طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفق، وإن كان الكل من السعداء المرضيين. الثاني: أن يطلق (٣) الرفيق بالمعنى الوضعي الذي يعم كل رفيق، ثم يخص منه الأعلى بالطلب، وهو مطلق المرضيين، ويكون الأعلى بمعنى: العالي، ويخرج عنه (٤) غيرهم، وإن كان اسم الرفيق منطلقًا (٥) عليهم، انتهى (٦). قلت: والوجه الأول أليق بمحله ﷺ .

стр. 336

السادس: الحاقنة، قال الجوهري: هي النقرة بين الترقوة وحبل (١) العاتق. قلت: والعاتق: موضع الرداء. ثم قال: وهما حاقنتان، وفي المثل: لألحقن حواقنك بذواقنك، والذاقنة: طرق الحلقوم، قال: ويقال: الحاقنة: ما سفل من البطن (٢). وقال غيره: الذاقنة: أعالي البطن، والحوقن: أسافله (٣). قلت: وقد جاء في رواية أخرى: مات بين سحري ونحري (٤)، والسحر: الرئة، والله أعلم. * * *

стр. 337

الحديث الرابع ٢٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى (١)، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ (٢)، قَالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ؛ يَقُولُ: «أُعْ , أُعْ» , وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ؛ كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ (٣). * * *

стр. 338

* التعريف: أبو موسى: اسمه (١) عبد الله بن قيس، وفي نسبه اختلاف كثير، نذكر بعض ما وقع لنا منه. قال ابن عبد البر: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار (٢) بن حرب ابن عامر، الأشعريُّ، ابن سبأ. ذكر الواقدي: أن أبا موسى الأشعري قدم مكة، فحالف سعيد ابن العاصي بن أمية أبا أُحَيْحَةَ (٣)، وكان قدومه مع إخوته في جماعة من الأشعريين، ثم أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة. وقال ابن إسحاق: هو حليف آل (٤) عتبة بن ربيعة، وذكره (٥) في من هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة. وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير: إن أبا موسى لما قدم مكة، وحالف سعيد بن العاصي، انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى أرض الحبشة، وقدم (٦) مع إخوته، فصادف قدومه

стр. 339

قدوم (١) السفينتين من أرض الحبشة. قال أبو عمر: الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومه ومحالفته (٢) من حالف من بني عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين، نحو خمسين رجلاً في سفينة، فألقتهم الريح إلى أرض النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا بها خروج جعفر وأصحابه منها، فأتوا معهم، وقدمت السفائن (٣) معها سفينة الأشعريين، وسفينة جعفر وأصحابه على النبي ﷺ في حين فتح خيبر. وقد قيل: إن الأشعريين إذ رمتهم الريح إلى النجاشي، أقاموا بها مدة، ثم خرجوا في حين خروج جعفر، فلهذا ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة. وولاه رسول الله ﷺ من مخاليف اليمن زبيد وذواتها إلى السواحل، وولاه عمر البصرة في حين عزل المغيرة عنها (٤)، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان، فعزله عثمان عنها، وولاها عبد الله بن عامر بن كُرَيْزٍ، فنزل أبو موسى حينئذ الكوفة، وسكنها، فلما دفع أهل مكة سعيد بن العاصي، ولوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه، فأقره عثمان على الكوفة إلى أن مات، وعزله علي عنها.

стр. 340

ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان، ومات في داره بها (١) سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن ثلاث وستين سنة. قلت: وقال غيره: خرج إلى مكة، فمات بها سنة خمسين، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، قال فيه رسول الله ﷺ : «لقد أوتي أبو (٢) موسى مزمارا من مزامير آل داود» (٣). سئل (٤) علي ﵁: عن موضع أبي موسى من العلم، فقال: صُبِغَ في العلم صبغة (٥)، انتهى كلام ابن عبد البر. قلت: وأمه اسمها طيبة ابنة وهب، أسلمت وماتت بالمدينة، وكان من فقهاء الصحابة ونساكهم. وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وقدم دمشق على معاوية، وانتقل إلى الكوفة ووليها، كما تقدم. روي له عن رسول الله ﷺ ثلاث مئة وستون حديثًا، اتفقا منها على خمسين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر.

стр. 341

وروى عن عمر بن الخطاب. روى عنه: أنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وابنه إبراهيم بن أبي موسى، وسعيد بن المسيب، وخلق سواهم. روى له الجماعة (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: فيه الاستياك على اللسان، وقد صرح بذلك في بعض الروايات، والعلة المقتضية للاستياك (٢) على الأسنان موجودة في اللسان، أو هي أبلغ؛ لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، وقد تقدم أنه يستحب الاستياك في الأسنان عرضا دون اللسان؛ فإن في بعض الروايات التصريح بالاستياك فيه طولاً (٣).

стр. 342

الثاني: الضمير في (يقول) يحتمل أن يعود إلى النبي ﷺ ، وهو الظاهر، فيكون القول حقيقة، ويبعد أن يعود إلى السواك، ويكون من باب: [الرجز] اِمْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ (١) قَطْنِي (٢) إذ السواك ليس له صوت يسمع، ولا قرينة حال تشعر بذلك، فيتعين الأول، والله أعلم. الثالث: ق: ترجم [النسائي] (٣) هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته، والتراجم التي يترجم بها أصحاب التصانيف على الأحاديث إشارة إلى المعاني المستنبطة منها على ثلاث مراتب: منها: ما هو ظاهر في الدلالة على المعنى المراد، مفيد لفائدة (٤) مطلوبة.

стр. 343

ومنها: ما هو خفي الدلالة على المراد، بعيد مستكره (١) لا يتمشى إلا بتعسف. ومنها: ما هو ظاهر في الدلالة على المراد، إلا أن فائدته قليلة لا تكاد تستحسن، مثل ما ترجم: باب السواك عند رمي الجمار. وهذا القسم -أعني: ما يظهر منه قلة (٢) الفائدة- يحسن إذا وجد معنى في ذلك المراد يقتضي تخصيصه بالذكر، ويكون عدم استحسانه في بادئ (٣) الرأي؛ لعدم الاطلاع على ذلك المعنى. فتارة يكون سببه الرد على مخالف في المسألة (٤) لم تشتهر مقالته؛ مثل: من ترجم على أنه يقال: ما صلينا، فإنه نقل عن بعضهم أنه كره ذلك، فردعليه بقوله ﷺ : «إن صليتُها» (٥)، أو «ما صليتُها» (٦). وتارة يكون سببه الرد على فعل شائع بين الناس لا أصل له، فيذكر

стр. 344

الحديث للرد على من فعل ذلك الفعل، كما اشتهر بين (١) الناس في هذا المكان التحرز عن قولهم: ما صلينا؛ إذ لم يصح أن أحدا كرهه. وتارة يكون لمعنى يخص الواقعة، لا يظهر لكثير من الناس في بادئ الرأي؛ مثل من ترجم على هذا الحديث: استياك الإمام بحضرة (٢) رعيته؛ فإن الاستياك من الأفعال (٣) الْبِذْلَة والمِهْنة، ويلازمه (٤) - أيضا - من إخراج البصاق وغيره ما لعل بعض الناس يتوهم أن ذلك يقتضي إخفاءه، وتركه بحضرة الرعية، وقد اعتبر الفقهاء في مواضع (٥) كثيرة هذا المعنى، وهو الذي يسمونه ب: حفظ المروءة، فأورد هذا الحديث؛ لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه، ويتركه الإمام بحضرة (٦) الرعية؛ إدخالاً له في باب العبادات والقربات. انتهى (٧). مسألة: مذهبنا: كراهة الاستياك في المسجد؛ خشية أن يخرج من فيه دم نحوه مما ينزه (٨) المسجد عنه، والله أعلم.

стр. 345

باب المسح على الخفين الحديث الأول ٢١ - عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ , فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ , فَقَالَ: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» , فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (١).

стр. 346

* التعريف: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود (١) بن مُعَتِّب - بضم الميم وفتح العين المهملة وسكونها (٢) وكسر المثناة فوق وتخفيفها وتشديدها وآخره باء موحدة - ابنِ قَسِيّ - بفتح القاف وكسر السين المهملة وتشديد الياء - ابنِ منبه، وهو ثقيفُ بنُ بكرِ بن هوازنَ بنِ منصورِ ابنِ عكرمةَ بنِ خصفةَ (٣) بنِ قيسِ بنِ عَيْلانَ (٤) بنِ مُضَرَ (٥) بنِ نزار.

стр. 347

يكنى أبا عيسى، ويقال (١): أبو عبد الله، ويقال (٢): أبو محمد. أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرا. روي له عن رسول الله ﷺ مئة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم حديثان. روى عنه: المسور بن مخرمة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق ابن الأجدع، وعروة بن الزبير، عروة، وحمزة، وغفار (٣) بنو المغيرة، ومولاه وراد، وزياد بن علاقة (٤)، وعلي بن ربيعة الوالبي، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم. شهد المغيرة فتح الشام، وشهد اليرموك، والقادسية، وفتح الأهواز، وهمدان، وشهد نهاوند، وكان على ميسرة (٥) النعمان بن مقرن، وولاه عمر بن الخطاب- ﵁ الكوفة، فلم يزل عليها إلى أن قُتل عمر، فأقره عثمان ﵁، ثم عزله، فلم يزل كذلك، واعتزل صفين، فلما كان التحكيم، لحق بمعاوية، فلما قُتل علي، وصالح معاوية الحسن، ودخل الكوفة، ولاّه عليها، فلم يزل عليها (٦) حتى توفي بها

стр. 348

في داره، سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وهو أمير عليها، فاستخلف عند موته ابنه عروة، فولّى معاوية حينئذ الكوفة زيادا مع البصرة، وجمع له العراقين، وكانت وفاة المغيرة في شعبان، وله سبعون سنة، روى له الجماعة ﵃ (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: «فأهويت» يقال: أهوى إلى كذا بيده؛ ليأخذه. وقال الأصمعي: أهويت بالشيء: إذا أومأت به، ويقال: أهويت له بالسيف، هذا في الرباعي. وأما الثلاثي، فهو - بفتح الواو - هوى: إذا سقط، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، يهوي - بالكسر-، وهوي - بالكسر- يهوى- بالفتح-: إذا عشق (٢). الثاني: قوله: «لأَنزِعَ» (٣): هو بكسر الزاي، وإن كان فيه حرف

стр. 349

حلق، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾، الآية [مريم: ٦٩]، والضمير في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «دعهما» للخفين، وفي «أدخلتهما» للرجلين، فالضميران مختلفان، ومعنى «طاهرتين»؛ أي: بطهر الوضوء؛ إذ ذلك (١) من شرط المسح عليهما على ما سيأتي. ق: كلا الحديثين -يعني: هذا، والذي بعده- يدل على جواز المسح على الخفين، وقد كثرت (٢) فيه الروايات، ومن أشهرها: رواية المغيرة. ومن أصحها - أيضا -: رواية جرير بن عبد الله البجلي، بفتح الباء والجيم (٣). كان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم حديث جرير بن عبد الله؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة (٤)، ومعنى (٥) هذا الكلام: أن المائدة إن كانت متقدمة على المسح على الخفين، كان جواز المسح ثابتا من غير شبهة، وإن كان المسح على الخفين متقدما، كانت المائدة تقتضي خلاف ذلك، فيكون المسح على الخفين منسوخا (٦) بها، فلما ترددت

стр. 350

الحال، توقفت الدلالة عند قوم، فشكّوا في جواز المسح، وقد نقل عن بعض الصحابة: أنه قال: قد علمنا أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين، ولكن قبل المائدة أو بعدها؟ إشارة منهم بهذا الاستفهام إلى ما ذكرناه (١)، فلما جاء حديث جرير بن عبد الله مبينا بأن المسح بعد نزول المائدة، زال الإشكال، وفي بعض الروايات التصريح بأنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين بعد نزول المائدة، وهو أصرح من رواية من روى عن جرير: وهل أسلمت إلا بعد نزول المائدة (٢)؟ انتهى (٣). الثالث: فيما يتعلق بأحكام المسح على الخفين، وينحصر (٤) ذلك في ستة أطراف، أذكرها مختصرة؛ إذ بسطها في كتب الفقه: الطرف الأول: في جواز المسح على الخفين. ولمالك ﵀ في ذلك ثلاثة أقوال: ثالثها: يمسح المسافر دون المقيم، ومشهورها: جواز المسح مطلقًا؛ وهو مذهب الكل، وأنكره الشيعة والخوارج مطلقًا (٥). ح (٦): وقد اشتهر جواز المسح على الخفين عند علماء الشريعة،

стр. 351

حتى عد شعارا لأهل السنة، وعد إنكاره شعارا لأهل البدع. وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين (١). واختلف العلماء في أن المسح على الخف أفضل، أم غسل الرجل؟ فمذهب (٢) أصحابنا: أن الغسل أفضل؛ لكونه الأصل، وإليه ذهب جماعة من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب الأنصاري ﵃. وذهب جماعة من التابعين إلى أن المسح أفضل، ذهب إليه: الشعبي، والحكم، وحماد، وعن (٣) أحمد روايتان؛ أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما سوءا، واختاره ابن المنذر، والله أعلم (٤). الطرف الثاني: في شروط المسح، وهي خمسة: الأول: أن يلبسهما على طهارة. الثاني: أن تكون الطهارة مائية، وفي الترابية قولان. الثالث: أن تكون الطهارة كاملة، وينشأ من هذا الشرط فرعان: أحدهما: من غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخلف، ثم غسل

стр. 352

الأخرى، وأدخلها في الخف، هل يسمح، أو لا؟ المشهور من مذهبنا: لا (١) يمسح، وبه قال سحنون، وابن الجلَاّب. وقال مُطَرِّف: يمسح. الفرع الثاني: لو نكس وضوءه، فبدأ برجليه، فغسلهما وأدخلهما في الخفين، ثم كمل وضوءه، فهل يمسح بعد ذلك؟ قال مالك في العتبية: لايفعل، فإن فعل، فلا شيء عليه. قال صاحب البيان والتقريب: والمشهور من المذهب: عدمُ المسح. الشرط الرابع: أن يكون اللبس مباحا لِلَاّ بس؛ لأنا نقول: لو لبِسَ المُحرِمُ الخفين من غير عذر، أو لبس الإنسان خفين مغصوبين، لم يجز المسح في المسألتين. الشرط الخامس: أن يكون لبس الخفين على الوجه المعياد عند الناس في لباس الخفاف، فإن لبس الخفين لا لغرض سوى (٢) الترخص بالمسح، أو امرأة خضبت بالحناء (٣)، فلبست الخف للمسح حتى يسقط عنها غسل الرجلين لئلا تغسل الحناء، ومن أراد أن ينام، فيتعمد لباس الخفين لمحض (٤) المسح، فالمشهور عندنا: أن هؤلاء

стр. 353

لا يمسحون، فإن فعل، فهل يعيد أو لا؟ خلاف (١). الطرف الثالث: في صفة المسح: ولا شك في (٢) أنه كيفما أوعب، أجزأه، وإنما النظر في الصفة المستحبة، وفيها ثلاث طرق: الأولى: ما في المدونة، وهو أن يضع اليمنى على أطراف (٣) أصابعه من ظاهر قدمه، ويضع اليسرى تحتها من باطن خفه، ثم يمرهما إلى حد الكعبين (٤). وهذه الطريقة تسهل في اليمنى، وتعسر في اليسرى. الطريقة الثانية: أن يبدأ بيديه من الكعبين مارًا إلى الأصابع، عكس الأولى (٥) (٦). الطريقة الثالثة: أن يبدأ باليمنى كالطريقة الأولى، وباليسرى كالطريقة الثانية، وهي اختيار ابن عبد الحكم، واستحبها (٧) بعض المتأخرين.

стр. 354

وزاد اللخمي طريقه رابعة، وهي: أن تكون العليا من مقدَّم الرجل، والسفلى من مؤخرها، فيمرهما مختلفين. قال: وكل ذلك واسع، إلا أن الأحسن ما ذكر في المدونة: أن يكون الابتداء من مقدم الرجلين والانتهاء إلى الكعبين؛ لأن السنة أن يبدأ بأول كل عضو، ولأن المسح بدل من الغسل، والكعبان هما نهاية الغسل؛ أي: آخره؛ لأن الله تعالى ذكره بعد (إلى)، و (إلى) للغاية. الطرف الرابع: في صفة الخف: وصفته: أن يكون جِلْداً، هو خفُّ (١) في العادة، طاهراً، ساتراً لمحل الفرض، يمكن متابعة المشي فيه منفرداً، فإذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة، جاز المسح، قولاً واحداً (٢)، وفي المسألة فروع في كتب الفقه لا نطوِّل (٣) بذكرها. الطرف الخامس: في بيان القدر الذي يجب مسحه من الخف: وفي المذهب (٤) ثلاثة أقوال: مشهورها: يجب مسحُ الأعلى، ويستحب مسحُ الأسفل، لكنه إن اقتصر على، استُحب له الإعادةُ في الوقت. وقال أشهب: أيهما مسح، أجزأه.

стр. 355

وقال ابن نافع: يجب مسح الأعلى والأسفل (١). الطرف السادس: في توقيت المسح: والمشهور عندنا: عدم التوقيت للمقيم والمسافر، وهذا على طريق الاختصار، كما تقدم، والله الموفق (٢). الرابع: قوله: وهما طاهرتان: ع: قال داود: ويجوز المسح عليهما إذا كانا طاهرتين، وإن لم يستبح (٣) الصلاة، والفقهاء على خلافه؛ بناء على حمل كلامه- ﵊ على الطهارة اللغوية، أو الشرعية، وهو مختلف فيه بين الأصوليين، هل يقدم العرف على اللغة، أم لا؛ كما وقع الخلاف في وضوئه- ﵊-فيما مست النار (٤)؟ قلت: والصحيح المعتمد عند (٥) أهل الأصول: الحمل على الشرعي دون اللغوي. ق: وقد استدل به (٦) بعضهم على أن إكمال الطهارة فيهما شرط، حتى لو غسل إحداهما، وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى، وأدخلها
следующие страницы →