← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

باب حد الخمر الحديث الأول ٣٥٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيْدٍ (١) نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٢).

стр. 2907

* الشرح: يقال: خَمْرٌ، وخَمْرَةٌ، ولا خلاف يُعتد به في أنها مؤنثة. وذكر ح: أنها مذكرةٌ على ضعف (١)، ولم أدرِ من أين نقله (٢). والجمعُ: خُمور، مثل تَمْر وتَمْرَة (٣) وتُمور. قيل (٤): سُميت خمرًا؛ لأنها تُركت فاختمرت (٥)، واختمارُها تغيرُ (٦) ريحها.

стр. 2908

وقيل: سميت بذلك؛ لمخامرتها العقلَ؛ أي: مخالطتِه وتغطيتِه، ومنه خِمَار المرأة: ما يُغطي رأسَها (١). ولا خلافَ في حدِّ شاربها على الجملة، وإنما الخلافُ في مقداره. فقال الشافعي: إنه (٢) أربعون. ق: و (٣) اتفق أصحابُه (٤) أنه لا يزيد على الثمانين، وفي الزيادة على الأربعين إلى الثمانين خلاف، والأظهرُ الجواز، ولو رأى الإمامُ أن يحدَّه بالنعال، وأطرافِ الثياب؛ كما فعله النبيُّ ﷺ ، جاز، ومنهم من منعَ ذلك؛ تعليلًا بعسر الضبط (٥). ومذهب الجمهور من السلف؛ مالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم (٦): أن حده ثمانون جلدة، وهو أحد قولي الشافعي، وحجتُهم ما استقرَّ عليه إجماعُ الصحابةِ ﵃، وأنه (٧) لم يكن بعد النبي ﷺ حدٌّ معين، ألا تراه قال: نحو أربعين (٨)؟

стр. 2909

قال الإمام: لو فهمتِ الصحابةُ عن النبي ﷺ حدًا محدودًا في الخمر، لما عملت فيه برأيها، ولا خالفته، كما لم تفعل ذلك في سائر الحدود، ولعلهم فهموا أنه ﵊ فعل ذلك على موجب اجتهاده فيمن فعل ذلك فيه (١). قلت: وقد نقلوا الإجماعَ على أنه لا يُقتل إذا تكرر منه الشربُ، إِلَّا أن (٢) طائفة شذت، فقالت: يُقتل بعد حده أربعَ مرات؛ للحديث الوارد في ذلك (٣). وأجيب عن هذا: بأن الحديث منسوخ عند العامة بقوله ﵊: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ" الحديث (٤) (٥)، وبحديث النُّعَيْمان، وأن النبي ﷺ حدَّه ثلاثَ مرات،

стр. 2910

ولم يقتلْه، ونهى عن لعنه (١). قالوا: ودل على نسخه إجماعُ الصحابة على تركِ العملِ بهِ (٢). ثم اتفقوا على إقامةِ الحدِّ على شاربِ القليلِ من خمر العنب: وكثيرِه، سكرَ أو لم يسكرْ (٣)، وعلى حدِّ مَنْ سكر من كلِّ مسكرٍ. واختلفوا في حدِّ مَنْ شرب ما لا يُسكر منه من غير خمر العنب: فجمهورُ السلف والعلماء على تسوية ذلك كله، والحدِّ من قليله وكثيره. وذهب الكوفيون: إلى أنه لا يُحد حتى يسكر، وإن شربه ما لم يبلغ السكر. وعنهم -أيضًا-: في مطبوخ العنب المسكر، وخمر التمر عند بعضهم؛ كخمر العنب. وقال أبو ثور: يُجلد مَنْ يرى تحريمَه، ولا يُجلد مَنْ يرى تحليلَه، ويتأوَّلُ في ذلك. ع: وقد مال إلى هذا التفريق بعضُ شيوخنا المتأخرين. قال: وإجماعُ المسلمين ينعقد على تحريم خمر العنب النيء

стр. 2911

قليلِه (١) وكثيرِه (٢). قلت: وسمعتُ بعض شيوخنا -رحمهم اللَّه تعالى- يقول: حتى لو أخذ منه برأس إبرة على لسانه، لَحُدَّ. ع (٣): وضربُه بالجريد والنعال يدل على تخفيف حدِّ الخمر، وإلى هذا ذهب الشافعي: أنه لا يكون الحدُّ إِلَّا بمثل هذا، لا بالسوط (٤). وعند مالك وغيره: الضربُ فيه بسوطٍ بينَ سوطين، وضربٍ بين ضربين، والحدودُ كلُّها سواءٌ عنده (٥). وفيه: استشارةُ الإمام في الأحكام، كما تقدم. وقوله: "قال عبد الرحمن: أخفُّ الحدود ثمانون"، ويروى بالنصب: "أخفُّ الحدودِ ثمانين" (٦). ق: أي: اجعلْه ثمانين، أو ما يقاربُ ذلك. قلت: وهذا بعيدٌ، أو باطل، وكأنه صدرَ من الشيخ من غير تأمل القواعد العربية، ولا لمراد المتكلم بذلك؛ إذ لا يجيز أحدٌ: أجودُ

стр. 2912

النَّاس الزيدين، على تقدير: اجعلهم، وأيضًا: فإن مراد عبد الرحمن: الإخبارُ بأخف الحدود، لا أمرُه بأن يجعل أخف الحدود (١) ثمانين، فاحتمالُ توهيم الراوي لهذه الرواية القليلة أولى من ارتكاب ما لا يجوز، لا من حيثُ اللفظ، ولا من حيثُ المعنى (٢). وقيل: أن القائل لذلك علي بن أبي طالب ﵁ (٣). * * *

стр. 2913

الحديث الثاني ٣٥١ - عَنْ أَبي بُرْدَةَ، هَانِىءِ بْنِ نِيَارٍ البَلَوِيِّ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ" (١). * * *

стр. 2914

* التعريف: (١) هانىءِ بنُ نيارِ بنِ عمرِو بنِ عُبيدِ بنِ عَمْرِو بنِ كلابِ بنِ دُهمانَ ابنِ غنمِ بنِ ذهلِ (٢) بنِ هيثمِ بنِ دهلِ (٣) بنِ هنيِّ بنِ بَلِيِّ (٤) بنِ عمرِو بنِ الحارثِ بنِ قضاعةَ. كنيته: أبو بردة، وله عَقِبٌ، وهو خالُ البراءِ بنِ عازبٍ، صاحبِ رسولِ اللَّه ﷺ . شهد أبو بردةَ العقبةَ مع السبعين مع الأنصار، وشهد أُحدًا، والخندقَ، والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وكانت معه رايةُ حارثةَ يومَ فتح مكة. وروي له عن النبي ﷺ أحاديثُ حفظها عنه، وهو الذي قال النبي ﷺ في الشاة التي ذبحها قبل صلاة العيد: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ"، الحديث (٥). مات أبو بردةَ هذا في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. روى له الجماعة ﵃ (٦)

стр. 2915

* الشرح: ح: ضبطوا: يجلد بوجهين: أحدهما: بفتح (١) الياء وكسر اللام. والثاني: بضم (٢) الياء وفتح اللام. وكلاهما صحيح. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمدُ بن حنبل، وأشهبُ من أصحابنا، وبعضُ الشافعية. والجمهورُ: على جواز الزيادة على ذلك في التعزيرات، ولا ضبطَ لعدد الضربات، بل ذلك موكولٌ إلى اجتهاد الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود. قالوا: لأن عمر ضربَ مَنْ نقشَ على خاتمه مئةً، وضرب صَبِيغًا (٣) أكثرَ من الحدِّ (٤). و (٥) قال أبو حنيفة: لا يبلغ به أربعين.

стр. 2916

وقال ابن أبي ليلى: خمسة وسبعون، ولا يبلغ به الحد، وروي عن مالك وأبي يوسف، وعن عمر: لا تجاوز به ثمانين وعن ابن أبي ليلى رواية أخرى (١)، وهي (٢) دون المئة، وهو قول ابن شُبرمة. وقال ابنُ أبي ذئب، وابنُ أبي يحيى: لا يُضرب أكثرَ من ثلاثةٍ في الأدب. وبه قال أشهب وقال (٣): في مؤدب الصبيان: إن زاد على ذلك، اقتُصَّ منه. وقال الشافعي، وجمهورُ أصحابه: لا يبلغ بتعزير كلِّ إنسان أدنى حدوده، فلا يبلغ بتعزير العبد (٤) عشرين، ولا بتعزير الحر أربعين. وروي عن (٥) الشافعي -أيضًا-: أنه يضرب في الأدب أبدًا، وإن أتى على نفسه، حتى يقر بالإنابة، ويرجع عنه، وعن الزبيري (٦) من أصحاب الشافعي تعزير كلّ ذنب (٧) مستنبط من حده لا يجاوز (٨) حده.

стр. 2917

ح: وأجاب أصحابنا عن الحديث (١): بأنه منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة ﵃ جاوزوا عشرةَ أسواط، وتأوله أصحابُ مالك على أنه كان مختصًا بزمن النبي ﷺ ؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر. قال وهذا التأويل ضعيف (٢). قلت: وأضعفُ منه ادعاء النسخ من غير دليلٍ محرَّرٍ، ومما يشدُّ من عضد تأويل أصحابنا: ما رُوي عن (٣) عمر ﵁: يُحْدَث (٤) للناس من الأحكام بقدر ما أحدثوا من الفجور. قلت: ولاسيما في وقتنا هذا، فنسأل [اللَّه] المسامحةَ والعفوَ، إنه وليُّ ذلك، والقادرُ عليه، آمين. وقد قيل: إن هذا الراوي غيرُ أبي بردة، وإنه رجل من الأنصار، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2918

كِتْابُ الْأَيْمَان وَالنُّذُورِ

стр. 2919

كِتْابُ الأيمان والنذور الحديث الأول ٣٥٢ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! (١) لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكِلْتَ إِلَيْها، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (٢).

стр. 2920

* التعريف: عبدُ الرحمن بنُ سَمُرَةَ: -بفتح السين المهملة وضم الميم- ابنِ حبيبِ بنِ عبدِ شمسِ بنِ قصيِّ بنِ كلاب. ويقال: حبيب بن ربيعةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ -يلتقي مع رسول اللَّه ﷺ في عبدِ مناف- القرشيُّ، العبسيُّ. يكنى: أبا سعيد، وأمه أروى بنتُ الفارعة -بالفاء والراء المهملة- من بني فراس. أسلمَ يَومَ فتح مكّة، وصحِبَ النبيَّ ﷺ ، وسمع منه، وغزا خراسانَ في زمن عثمانَ بنِ عفانَ، وهو الذي افتتحَ سجستان، وكابل. روي له عن رسول اللَّه ﷺ أربعةَ عشرَ حديثًا؛ اتفقا منها على

стр. 2921

حديث واحد، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه: عبد اللَّه بنُ عباس، ومحمدُ بنُ سيرينَ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وغيرُهم. مات بالبصرة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمس، وقيل: إحدى وخمسين ﵁ (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الإمارة: -بكسر الهمزة -: الولاية، وبفتحها: العلامة، وفي الأولى لغة أخرى: إِمْرَة -بكسر الهمزة وسكون الميم-، وأما الأَمْرة -بالفتح-، فهي المرةُ الواحدة من الأَمْر، يقال: لك علي أَمْرَة مطاعة؛ أي: لك علي أمرة أطيعك فيها، وأَمِر فلان، وأَمُرِ (٢) -بكسر الميم وضمها-: صار أميرًا (٣). الثاني: قوله ﵊: "وُكِلْتَ إليها"، ويروى:

стр. 2922

"أُكِلْت" -بالهمزة-، معناه: لم تُعَنْ عليها؛ أي: لا يكون فيك كفايةٌ (١) لها، يقال: وَكَلَه إلى نفسه وَكْلًا ووُكولًا، قال الشاعر: كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... وليلٍ أُقَاسِيْهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ (٢) ومعناه: دعيني، فعلى هذا ينبغي أن لا يولَّى مَنْ سألها، وقد قال ﵊: "إِنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ طَلَبَهُ، أَوْ حَرَصَ عَلَيْهِ" (٣) (٤). ق: لما كان خطرُ الولاية عظيمًا؛ بسبب أمورٍ تكون في الوالي، وبسبب أمور خارجة عنه، كان (٥) طلبُها تكلُّفا ودخولًا في (٦) غَرَرٍ عظيم، فهو جدير بعدم العَوْن، ولما كانت إذا أتت من غير مسألة، لم يكن فيها هذا التكلف (٧)، كانت جديرةً بالعون على أعبائها (٨) وأثقالها.

стр. 2923

و [في] الحديث: إشارة إلى إِلطاف اللَّه -تعالى- بالعبد؛ بالإعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله تفضلًا زائدًا على مجرد التكليف والهداية إلى النجدين، وهي مسألة أصولية أكثر فيها الكلام، والذي يحتاج إليه في الحديث أشرنا إليه الآن (١). الثالث: ظاهرُ الحديث: كراهةُ سؤال الولاية؛ من إمارةٍ، وقضاءٍ، وحِسْبَةٍ، وغيرِ ذلك، وقد تكلم الفقهاء في هذه المسألة بالقواعد الكلية، وقسموها على أقسام أحكام الشريعة الخمسة، فقالوا: من استجمعت فيه شروط الولاية، تعين عليه قبولُها إن عُرضت عليه، وطلبُها إن لم تُعرض؛ لأنه فرضُ كفاية لا يتأدَّى إِلَّا به، فتعينَ (٢) عليه القيامُ به، وكذا إذا لم يتعينْ عليه، وكان أفضلَ من غيره. ومنعْنا ولايةَ المفضول مع وجود الأفضل، وإن كان غيرُه أفضلَ منه، ولم نمنعْ توليةَ المفضولِ مع وجود الفاضل، فهاهنا يكره له أن يدخل في الولاية، وأن يسألها. وحرم بعضُهم الطلبَ، وكره للإمام أن يوليه، وقال: إن ولاه، انعقدت ولايتُه، وقد استخطىء فيما قال.

стр. 2924

ومن الفقهاء مَنْ أطلق القولَ بكراهة القضاء؛ لأحاديث وردت فيه (١). الرابع: قوله ﵊: "وإذا حلفْتَ على يمين" إلى آخرها: اختلفت الروايات في هذا الحديث: ففي بعضها ما ذكره المصنِّف، وفي أخرى: "إِنِّي واللَّهِ! إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، "فَأَرَى (٢) غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، وفي الحديث الآخر: "وَ (٣) مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْها، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، وفي الرواية الأخرى: "فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ"، على ما سيأتي. وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف العلماء في إجزاء الكفارة قبل الحِنْث، مع اتِّفاقهم على أنها لا تجبُ إِلَّا بعد الحنث، وأنه يجوز تأخيرُها بعدَ الحنث (٤)، وجمهورُهم على إجزائها قبل الحنث. ع: لكن مالكًا، والثوريَّ، والأوزاعيَّ، والشافعيَّ منهم: يستحبون كونها بعدَ الحنث، ويوافقون على إجزائها قبله (٥)، وروي هذا عن أربعةَ عشرَ من الصحابة، وجماعةٍ من التابعين، وغيرِهم.

стр. 2925

وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أنها لا تجزىء، وهي روايةُ أشهبَ عن مالك. وقال الشافعي -أيضًا-: تجزىء فيه الكفارةُ بالإطعام، والكسوة، والعتق قبل، ولا تجزىء بالصوم إِلَّا بعد الحنث (١). قال الخطابي: واحتج أصحابه في ذلك: بأن الصوم مرتب على الإطعام، فلا يجزىء إِلَّا مع عدم الأصل؛ كالتيمُّم بالنسبة إلى الماء (٢). وقال ح (٣): لأنه عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها قبل وقتها؛ كالصلاة، وصوم رمضان. واستثنى بعضُ الشافعية -أيضًا- حنثَ المعصية، فقال: لا يجوز [تقديم] كفارتُه؛ لأن فيه إعانة على المعصية (٤). ع (٥): والخلافُ في هذا مبني على: هل الكفارة لحلِّ اليمين، أو لتكفير مأثمها بالحنث؟ فعند الجمهور: أنَّها (٦) رخصة شرعها اللَّه -تعالى- لحل ما عقد (٧) الحالف من يمينه، فتُجزىء قبلُ وبعدُ، وليس

стр. 2926

في الوجهين إثمٌ، لا في الحلف ابتداءً، ولا في تحنيث الإنسان نفسَه، لإباحة الشارع له ذلك (١). قلت: وأما مَنْ تعلَّق في جواز تقديم الكفارة ببدايته ﵊ بذكر التكفير قبل الإتيان بالخير، فضعيف جدًا؛ لأن الواو لا تقتضي ترتيبًا، بل المعطوف والمعطوف عليه كالجملة الواحدة، على ما تقرر في العربية. ومعنى قوله ﵊: "فرأى غيرَها خيرًا منها"؛ أي: رأى ما حلف عليه من فعلٍ أو تركٍ خيرًا لدُنياه أو أُخراه، أو موافقًا لهواه وشهوته، ما لم يكن إثمًا، هكذا فسره العلماء، واللَّه أعلم (٢). وانظر ما المناسبةُ بين صَدْر الحديث، وهو النهيُ عن طلب الإمارة، وعَجُزِه، وهو (٣) الأمرُ بتكفير يمينه عند رؤية (٤) خير (٥) مما حلفَ عليه (٦)، والإتيان بما هو خير، فإني راجعتُ فيه (٧) جماعةً من

стр. 2927

فضلاء العصر، فلم يأتوا فيه بمقنع، هذا بعد الفكرة فيه، ولعل اللَّه يفتح فيه بشيء، فيلحق، واللَّه الفتاحُ العليم، وما أسهلَ الجوابَ عن المشكلات عند الجاهل، وقد كان مالك ﵀ يقف في المسألةُ أربعين يومًا، ونحو ذلك، وقد سمعتُ بعضَ شيوخنا يقول: أقام شيخُنا يفكر في مسألة اثنتي عشرة سنة حتى وُفِّق فيها للصواب. * * *

стр. 2928

الحديث الثاني ٣٥٣ - عَنْ أَبي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي وَاللَّهِ! -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا" (١).

стр. 2929

* الشرح: قد تقدم أنه يُستحب الحلفُ على تقرير الأمور المهمة، وإن لم يُستحلَف، وكأَنَّ فائدةَ توكيدِه ﵊ هذا الحديثَ باليمين ترجيحُ الحنثِ على الوفاء باليمين عند رؤية ما هو خيرٌ مما حلفَ عليه، وقطعُ وهمِ متوهِّمٍ يرى الوفاءَ مما حلف عليه أولى، والتنبيهُ على خطئه في اعتقاد ذلك، واللَّه أعلم. فيه: استحبابُ الاستثناء بالمشيئة في اليمين، إِلَّا أنه إن قصد بالاستثناء حلَّ اليمين، لم ينعقد (١) بالشروط المذكورة في الاستثناء، وإن لم يقصد ذلك، كان ذلك (٢) أدبًا مندوبًا إليه في اليمين وغيرها. وشرطُ الاستثناء عندنا: أن يكون متصلًا، ملفوظًا به.

стр. 2930

واختلف أصحابنا هل من شرطه أن يكون قصدُه مقارنًا لبعضِ حروفِ اللفظ، أو لا؟ والمشهورُ: لا يُشترط (١)، وسيأتي شيء من هذا في (٢) الباب. ومعنى "تحلَّلتها": كَفَّرْتُ عنها. وهذا الحديث مختصر، وله سببٌ مذكور في موضعه، وأنه ﵊ حلفَ أن لا يحملَهم، ثم حملَهم. * * *

стр. 2931

الحديث الثالث ٣٥٤ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" (١). * * * ٣٥٥ - وَلِمُسْلِمٍ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ" (٢).

стр. 2932

وَفِي رِوَايةٍ: قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ! مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا (١) (٢). (٣) يعْنِي آثرًا (٤): حَاكِيًا عَنْ غَيْرِي أَنَّهُ حَلَفَ بِهَا. * * *

стр. 2933

* الشرح: قال العلماء: سرُّ النهي عن ذلك كراهةُ أن يشرك في التعظيم غير اللَّه جلَّ وعز وعلا. وقد قال ابن عباس (١): لأَنْ أَحْلِفَ باللَّه، فَآثَمَ -بمد الهمزة- أحبُّ إليَّ من أن أُضاهي. ومعنى أضاهي: أحلف بغير اللَّه تعالى، وقيل: معناه: الخديعة، يُرَى أنه حلفَ وما حلفَ، والأول (٢) أظهر، ويدلُّ عليه ما روي عنه -أيضًا-: لأَنْ أَحْلِفَ باللَّه على مئة مرة، فَآثَمَ، خَيْرٌ من أن أحلف بغيره فَأَبَرَّ، فلهذا نَهَى عن اليمين بسائر المخلوقات. فإن قلت: فما تصنعُ بقوله ﵊ للأعرابي: "أَفْلَحَ -وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ" (٣)؟ قلت: عنه جوابان: أن هذا كان جاريًا على ألسنتهم، لم يقصدوا به القسم. والثّاني: أنه على حذف مضاف؛ أي: وربِّ أبيه. وهذا كله في حقنا؛ للمعنى المتقدم، وأما الباري -جل، وتعالى، وتقدس-، فله أن يعظِّمَ من مخلوقاته ما شاء، فيقسم بالطور،

стр. 2934

وبالشمس، وبالليل، وغير ذلك، لا حَجْرَ عليه -سبحانه-، بل الحجرُ علينا، وإن كان قد قيل في ذلك -أيضًا-: إنه على حذف مضاف، كما تقدم. وعندي: لا يحتاج إليه هنا؛ بخلاف الأول؛ فإن تعظيمَه -تعالى- لبعض الأشياء تنبيهٌ لنا على عِظَمِ قدرِها عنده، أو تعبد لنا (١) بأن نعطمها، فلا يُقاس هذا على هذا (٢). إذا ثبت هذا، فإنَّ ما (٣) يقسم به على ثلاثة أقسام: قِسْمٌ يُباح القَسَمُ به، وهو القَسَمُ بأسماء اللَّه -تعالى- وصفاتِه. وقسمٌ يحرُم القَسَمُ به إجماعًا، وهو القَسَمُ بالأنصاب، والأزلام، واللاتِ، والعزى، ونحو ذلك، فإن قصد (٤) تعظيمًا، كفرَ، وإلَّا، أَثِمَ. والقسمُ الثالث: ما عدا ذلكَ مما لا يقتضي تعظيمُه (٥) كفرًا، فهذا اختُلف فيه بالتحريم والكراهة، ولا كفارةَ عندنا فيه؛ خلافًا لأبي حنيفة في إثبات الكفارةِ في ذلك. وقولُ عمر ﵁: ذاكرًا ولا آثرًا، هذا من الاحتياط والمبالغة في

стр. 2935

عدم جريان ذلك على لسانه؛ كيلا يتلبس بصورة اللفظ الممنوع، وإن كان حالَ الحكاية هو غيرُ ممنوع (١)، وقد كان بعض شيوخنا ﵏ لا يتلفظ في تدريسه بلفظ الطلاقِ ونحوِه (٢)، بل يعبر عنه بعبارة أخرى (٣)، فيقول مثلًا: الطاء واللام والقاف، ونحو ذلك، ومما يشبه هذا المعنى ما حُكي (٤) عن مالك ﵀: أنه قيل له في وقت ليس من شأنه الصلاة فيه: اركع، فركع، وعلل ذلك بخوف التشبه (٥) بقوم (٦) قال اللَّه -تعالى- فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وهذه حالة المتقين المنقطعين، المراقبين لأقوالهم وأفعالهم، نفعنا اللَّه بهم (٧) ﵃ أجمعين. * * *

стр. 2936

الحديث الرابع ٣٥٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁، عن النَّبيّ ﷺ (١) قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأةً، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ"، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ" (٢).

стр. 2937

قولُه: "قِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ"؛ يَعْنِي: قالَ لهُ المَلَكُ. * * * * الشرح: فيه: استحبابُ ما تقدَّمَ من قول الإنسان في يمينه (١)، وفيما (٢) يريد وقوعه: إن شاء اللَّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] (٣). وفيه: رفع اليمين بالاستثناء؛ لقوله ﵊: "لم يحنث".

стр. 2938

وتحريرُ الاستثناء (١) أنها على ثلاثة أقسام -؛ أعني: في نحو (٢): لأدخلنَّ الدَّار، مثلًا -إن شاء اللَّه-. فإن أعاد الاستثناء على الدخول، لم يحنث إن لم يدخل (٣). وإن أعاده على اليمين، لم ينفعه ذلك؛ لوقوع اليمين وتببين (٤) مشيئة اللَّه تعالى. والثالث: أن يذكر الاستثناء على طريق (٥) التأدب والأمتثال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، الآية، لا (٦) على معنى التعليق (٧)، فهذا كالثاني (٨) في عدم رفعه لليمين (٩). وفيه: أن الاستثناء من شرطه الاتصالُ باليمين -على ما تقدم-؛ إذ لو لم يشترط ذلك، لم يحنث أحد في يمين (١٠)، ولا افتقر إلى

стр. 2939

كفارة؛ خلافًا لما روي عن بعض السلف. ع: وكان الحسنُ، وطاوسٌ، وجماعةٌ من التابعين يرون للحالف الاستثناءَ ما لم يقمْ من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقمْ، أو يتكلمْ. وعن عطاء: قدرُ حَلْبِ ناقةٍ. وعن سعيد بن جبير: بعدَ شهر. وروي عن ابن عباس: أن الاستثناء أبدًا متى تذكر، وقد تأول بعضهم هذا: أن معناه: أن له الاستثناء (١) لإلزام أمر اللَّه -تعالى- وأدبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] الآية، يحل (٢) اليمين باللَّه وصفاته وأسمائه. وذهب الكوفيون، والشافعيُّ، وأبو ثور، وبعضُ السلف: إلى جواز ذلك في الطلاق، والعتق، وكلِّ شيء، ومنعه الحسنُ في الطلاق، والعتقِ خاصةً. واختَلف المذهبُ عندنا إذا علَّقَ الاستثناءَ في اليمين بغير اللَّه -تعالى- بشرطِ فعلٍ، هل ينفعُ ذلك، أو (٣) لا (٤)؟

стр. 2940

قلت: وقد استدلَّ بعضُ متأخري أصحابنا على تخصيص الاستثناء بأسماء اللَّه -تعالى-، وصفاته؛ بأن قال: رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ" (١)، فنهى ﵊ عن الحلف بغير اللَّه -تعالى-، وجعلَ اليمينَ المشروعةَ هي اليمينُ باللَّه -تعالى- لا غيرُ، فلما قال (٢) ﷺ : مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، عَادَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ، انصرف هذا (٣) الاستثناءُ إلى اليمين باللَّه المشروعة التي أمر الشرعُ باليمين بها، وصار معنى الكلام: مَنْ حلف باللَّه، فاستثنى، عادَ كمنْ لم يحلف. قال: وأما غيرُ المشروعة (٤)، فلا ينصرفُ إليها (٥)؛ لأنها منهيٌّ عن الحلف بها. وقوله: "لأَطوفنَّ الليلةَ على سبعين امرأة"، وفي بعض الروايات؛ "لأُطِيفَنَّ" (٦) عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ، لغتان فصيحتان: طافَ بالشيء، وأَطافَ به: إذا طافَ (٧) حولَه، وتكرَّرَ عليه، فهو طائِفٌ، ومُطيفٌ، وهو هاهنا كنايةٌ عن الجِماع.

стр. 2941

فيه: استحبابُ التعبير باللفظ الحسنِ عن اللفظ الشنيع، إن تدعُ لذلك ضرورة شرعية. ع: فيه: ما أُوتي الأنبياءُ من القوة على هذا، وقد كان ﵊ يدور على نسائه في ليلة (١)، وهذا كلُّه (٢) يدلُّ على أنها فضيلة في الرجال، ودليلٌ على صحة الذكورية، والإنسانية، ولا يعترض على هذا بقوله -تعالى- في يحيى ﵊: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، فقد قيل: حصورٌ عن (٣) المعاصي ممسك عنها. وقوله: "تلدُ كلُّ واحدة منهن غلامًا" يدلُّ على أن أُمنيتَه وقصدَه إنما كانا للَّه تعالى، لا لغرض دنيوي. قال بعض المتكلمين: نبَّه ﵊ في هذا الحديث على آفة التمني، وشؤم الاختيار، والإعراض عن التسليم والتفويض، قال: ومن آفة التمني نسيانه (٤) الاستثناء، أو إنساؤه إياه، فيمضي فيه قدرٌ بمعنًى سابق، بأن (٥) ولدته شق إنسان (٦).

стр. 2942

وقوله ﵊: "فلم تحمل منهنَّ إِلَّا امرأةٌ واحدة، نصفَ إنسان"، وفي رواية: "جاءتْ بشقِّ غلام" (١): قيل: هو الجسد الذي ذكره اللَّه -تعالى- أنه أُلقي على كرسيه، وقيل: غير ذلك. وقوله ﵊: "فقيل له: قُلْ: إن شاء اللَّه، فلم يقلْ"، وفي رواية: "قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَوِ المَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، وَنُسِّيَ" (٢)، قيل: المراد بصاحبه: الملك، وقيل: القَرين، وقيل: صاحبٌ له آدميٌّ، وقيل: خاطِرُه. وقوله: "نسي". ح: ضبطه بعضُ الأئمة بضم النون وتشديد السين، وهو ظاهرٌ حسنٌ، واللَّه أعلم (٣). ع: وقيل: صُرف عن الاستثناء؛ لتتم حكمة ربك وسابقُ قدره في أن لا يكون ما تمناه. وقوله ﵊: "لو قالَ: إن شاء اللَّهُ، لم يحنثْ، وكان دَركًا لحاجته": قد يؤخذ منه: أن الاستثناء لا يكونُ (٤)

стр. 2943

إِلَّا قولًا، ولا يُعتبر نيةً (١)؛ لقوله ﵊: "لو قالَ: إن شاء اللَّه"، وقولُه: "وكانَ (٢) دَرَكًا لحاجته": هو بفتح الراء: اسمٌ من الإدراك؛ أي: لَحاقًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] (٣). وقد يؤخذ من الحديث: جوازُ الإخبار عن المستقبل بطريق الظن، دونَ القطع؛ لأن ما أخبر به سليمان ﵊ لم يكن بوحي، وإلا (٤) لوقع ضرورة، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2944

الحديث الخامس ٣٥٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ونزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] " إلى آخر الآية (١).

стр. 2945

* الشرح: يجوز تنوينُ (يمين) على أن يكون (صبر) صفةً لها، ويكون من باب: رجل عدل، وتجويز عدم التّنوين على الإضافة، وقد رويناه بالوجهين، ومعنى (الصبر) هنا: الحبس؛ أي يحبس نفسه عن اليمين، ويسمى (١) -أيضًا-: غموسًا. قال الفقهاء (٢): لأنها تغمس صاحبَها في النار، ولذلك قال
следующие страницы →