← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

فيه: استحبابُ التعبير باللفظ الحسنِ عن اللفظ الشنيع، إن تدعُ لذلك ضرورة شرعية. ع: فيه: ما أُوتي الأنبياءُ من القوة على هذا، وقد كان ﵊ يدور على نسائه في ليلة (١)، وهذا كلُّه (٢) يدلُّ على أنها فضيلة في الرجال، ودليلٌ على صحة الذكورية، والإنسانية، ولا يعترض على هذا بقوله -تعالى- في يحيى ﵊: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، فقد قيل: حصورٌ عن (٣) المعاصي ممسك عنها. وقوله: "تلدُ كلُّ واحدة منهن غلامًا" يدلُّ على أن أُمنيتَه وقصدَه إنما كانا للَّه تعالى، لا لغرض دنيوي. قال بعض المتكلمين: نبَّه ﵊ في هذا الحديث على آفة التمني، وشؤم الاختيار، والإعراض عن التسليم والتفويض، قال: ومن آفة التمني نسيانه (٤) الاستثناء، أو إنساؤه إياه، فيمضي فيه قدرٌ بمعنًى سابق، بأن (٥) ولدته شق إنسان (٦).

стр. 2942

وقوله ﵊: "فلم تحمل منهنَّ إِلَّا امرأةٌ واحدة، نصفَ إنسان"، وفي رواية: "جاءتْ بشقِّ غلام" (١): قيل: هو الجسد الذي ذكره اللَّه -تعالى- أنه أُلقي على كرسيه، وقيل: غير ذلك. وقوله ﵊: "فقيل له: قُلْ: إن شاء اللَّه، فلم يقلْ"، وفي رواية: "قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَوِ المَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، وَنُسِّيَ" (٢)، قيل: المراد بصاحبه: الملك، وقيل: القَرين، وقيل: صاحبٌ له آدميٌّ، وقيل: خاطِرُه. وقوله: "نسي". ح: ضبطه بعضُ الأئمة بضم النون وتشديد السين، وهو ظاهرٌ حسنٌ، واللَّه أعلم (٣). ع: وقيل: صُرف عن الاستثناء؛ لتتم حكمة ربك وسابقُ قدره في أن لا يكون ما تمناه. وقوله ﵊: "لو قالَ: إن شاء اللَّهُ، لم يحنثْ، وكان دَركًا لحاجته": قد يؤخذ منه: أن الاستثناء لا يكونُ (٤)

стр. 2943

إِلَّا قولًا، ولا يُعتبر نيةً (١)؛ لقوله ﵊: "لو قالَ: إن شاء اللَّه"، وقولُه: "وكانَ (٢) دَرَكًا لحاجته": هو بفتح الراء: اسمٌ من الإدراك؛ أي: لَحاقًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] (٣). وقد يؤخذ من الحديث: جوازُ الإخبار عن المستقبل بطريق الظن، دونَ القطع؛ لأن ما أخبر به سليمان ﵊ لم يكن بوحي، وإلا (٤) لوقع ضرورة، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 2944

الحديث الخامس ٣٥٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ونزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] " إلى آخر الآية (١).

стр. 2945

* الشرح: يجوز تنوينُ (يمين) على أن يكون (صبر) صفةً لها، ويكون من باب: رجل عدل، وتجويز عدم التّنوين على الإضافة، وقد رويناه بالوجهين، ومعنى (الصبر) هنا: الحبس؛ أي يحبس نفسه عن اليمين، ويسمى (١) -أيضًا-: غموسًا. قال الفقهاء (٢): لأنها تغمس صاحبَها في النار، ولذلك قال

стр. 2946

أصحابنا: لا كفارة فيها؛ لأن إثمها أعظمُ من أن يُكَفَّر (١). وفي الحديث: ما يدلُّ على ذلك من الوعيد الشديد لحاللها (٢)، وكأن ذكر المسلم هنا من باب التشنيع والتبشيع على الحالف والحالة هذه؛ كما يقال: قَتْلُ الرجلِ الصالحِ، وسَفْكُ دمِ العالمِ حرامٌ، وإن كان قتلُ غيرهما من المسلمين حرامًا؛ لكن قتل هذين أشنع وأبشع من قتل غيرهما من المسلمين ممن ليس بصالح ولا عالم. وقولُ ابن مسعود ﵁: ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخرها (٣)، يقتضي: أن معنى الآية معنى الحديث ظاهرًا. وقد اختلف المفسرون في سبب نزولها، فقال (٤) ابن عطية: قال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود؛ أبي رافع، وكِنَانة بنِ أبي الحقيق، وكعبِ بنِ الأشرفَ (٥)، وحُيَيِّ بنِ أخطبَ (٦)، تركوا عهدَ اللَّه في التوراة للمكاسِبِ والرياسة، التي كانوا بسبيلها. وروي أنها نزلت بسبب خصومة (٧) الأشعثِ بنِ قيس مع رجل من

стр. 2947

اليهود في أرضٍ، فوجبت اليمينُ على اليهوديِّ، فقال الأشعثُ: إِذًا يحلفُ يا رسول اللَّه! ويذهبُ بمالي؟ فنزلت الآية. ورُوي: أن الأشعث بن قيس اختصم في أرض مع رجل من قرابته، فوجبت اليمينُ على الأشعث، وكان في الحقيقة مبطِلًا، قد غصبَ تلك الأرضَ في جاهليته (١)، فنزلت الآيةُ (٢)، فنكلَ الأشعثُ عن اليمين، وتحرَّجَ، وأعطى الأرضَ، وزادَ من عندِه أرضًا أخرى. وروي أن الآية (٣) نزلت بسبب خصومة لغير الأشعثِ بنِ قيس. وقال الشعبي: نزلت في رجل أقام (٤) سلعةً في السوق أولَ النهار، ولما كان في آخره (٥)، جاءه رجلٌ، فساومه، فحلف حانثًا: لقد (٦) منعها في أول النهار من كذا أو كذا، ولولا المساءُ ما باعها، فنزلت الآية بسببه (٧).

стр. 2948

ق (١): ويترجَّح قولُ مَنْ ذهب إلى هذا المعنى بهذا الحديث، وبيانُ سبب النزول طريقٌ قوي في فهم معاني الكتاب العزيز، وهو أمر يحصل للصحابة بقرائنَ تحتفُّ بالقضايا (٢). قال ابن عطية: وهي آية (٣) يدخل فيها (٤) الكفرُ فما دونَه من جَحْدِ الحقوق، وخطر (٥) المواثيق، وكلُّ أحد (٦) يأخذ من وعيد الآية على (٧) قدر جريمته (٨)، واللَّه أعلم (٩). * * *

стр. 2949

الحديث السادس ٣٥٨ - عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"، قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ (١) يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (٢).

стр. 2950

* التعريف: الأشعثُ بنُ قيسِ بنِ معدي كربَ بنِ معاويةَ بنِ جبلةَ بنِ عديِّ بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ، الكنديُّ. كنيتُه: أبو محمّد، سكن الكوفةَ، وفي أهلها عِدادُه، سمع النبيَّ ﷺ في حديث ابن مسعود عن (١) النبي ﷺ يقول (٢): "مَنْ اقتطعَ مالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ" الحديث (٣). روى عنه: أبو وائل. قال ابنُ سعدٍ كاتبُ الواقدي: مات بالكوفة. وقال الخطيب: إنه مات في سنة أربعين بعد قتل عليِّ بنِ أبي طالبٍ بأربعين ليلة، وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة. أُخرج حديثُه في "الصحيحين" (٤).

стр. 2951

* الشرح: فيه: ما في الذي قبلَه من الوعيد، وإنما يقع الكلام هنا على قوله ﵊: "شاهِداك أو يمينُهُ"، وظاهرُه حصرُ الحقِّ في ذلك، ولربما يتعلَّق به الحنفيةُ في ترك العمل بالشاهد واليمين. وقد اختلف العلماء فيما إذا حلَّف أحدُ الخصمين خصمَه (١)، ثم أراد إقامةَ البينة عليه بعد تحليفه، مذهبنا: أنه ليس له ذلك إِلَّا أن يأتي بعذر في تأخير البينة عن زمن التحليف؛ إذ ليس لها إِلَّا أحدُ الأمرين (٢) كما هو نصُّ الحديث، و (٣) في الحديث الآخر: "لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَاكَ (٤) " (٥)، فلو وجَّهنا إقامةَ البينة بعد الإحلاف، لكان (٦) له الأمران معًا -أعني (٧): الإحلافَ، وإقامة البينة-، والحديث لا يقتضي إِلَّا أحدَهما؛ لأن (أو) في مثل هذا؛ إنما هي لأحد الشيئين. وله ذلك عند (٨) الشافعية مطلقًا.

стр. 2952

ولعلهم يقولون: إن المقصود من الحديث نفيُ طريق أخرى لإثبات الحق، فيعود المعنى إلى حصر الحجةِ في هذين الجنسين، وهما: البينةُ، والإحلافُ لا غيرُ، وفيه نظر، ولا يسلم من المنازعة عند الجدليين (١). وشاهداك: يرتفع على أحد ثلاثة أوجه: أن يكون فاعلًا بفعل مضمر؛ أي: ليَحْضُرْ شاهداك، أو ليَشْهَدْ، ونحو ذلك. و (٢) الثاني: أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: المستحقُّ أو الواجبُ شرعًا شاهداك؛ أي: شهادةُ شاهِدَيْك. والثالث: أن يكون مبتدأ محذوفَ الخبر؛ أي: شاهداك أو يمينُه الواجبُ لك في الحكم. وقوله: "إِذًا يحلف": إن كان المعنى على (٣) الاستقبال، فالنصبُ ليس إِلَّا (٤)، وإن كان المعنى أنه يحلف الآن، فالرفعُ. فائدة هجائية: اختلف الكتَّاب في (إذًا)، هل تُكتب بالألف في كل حال، أو

стр. 2953

بالنون في كل حال، أو يفرق بين أن تكون عاملةً فتكتبُ بالنون، أو ملغاةً فتكتبُ بالألف؟ ثلاثة أقوال، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2954

الحديث السابع ٣٥٩ - عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كمَا قَالَ، وَمَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نذرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُهُ (١) " (٢). وَفي رِوَايةٍ: "وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ" (٣).

стр. 2955

وَفِي رِوَايةٍ: "مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً" (١) * * * * التعريف: ثابتُ بنُ الضحَّاكِ بنِ أميةَ بنِ ثعلبةَ بنَ جُشَمِ بنِ مالكِ بنِ سالمِ ابنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ الخزرجِ، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، وهو أخو جُبير (٢) بنِ الضحاك، وقيلَ غيرُ هذا.

стр. 2956

كانَ رديفَ رسول اللَّه ﷺ ودليلَه إلى حمراءِ الأسدِ، وكان ممن بايع تحتَ الشجرة بيعةَ الرضوان وهو صغيرٌ. يكنى: أبا يزيد، والظاهرُ أو الصحيح: أنه لم يشهد بدرًا، ولا (١) يعطي كلام البخاري أنه شاهدها عند التأمل؛ فإن البخاري إنما ذكر في "الجامع": أنه من أهل الحُدَيبية، واستشهد بحديث أبي قلابة عنه. روى عنه: عبد اللَّه بنُ مغفل، وأبو قِلابةَ. سكن الشامَ، وتوفي سنة خمس وأربعين، وقُبض النبيُّ ﷺ وهو ابنُ ثمانِ سنين (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: "مَنْ حلفَ على ملَّةٍ": الملة -بالكسر-: الدينُ، والشريعة، والحلفُ بها يحتمل أن يكون حقيقةً؛ كقوله: واليهوديةِ، والنصرانيةِ، ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون مجازًا، وهو التعليق الذي يطلق عليه الفقهاء: يمينًا مجازًا؛

стр. 2957

للتشبيه باليمين، من حيث اقتضاؤه الحلفَ (١) على الفعل أو المنع منه (٢)؛ كاليمين، وهذا التعليقُ إنما يكون بمعنى الاستقبال، أو بمعنى المُضِيِّ، فإن كان بمعنى الاستقبال (٣)؛ كقوله: إن دخل (٤) الدَّار، فهو يهودي أو نصراني، ونحو ذلك؛ فقال الحنفية: فيه الكفارةُ، وإن كان بمعنى المضي؛ كقوله: إن كنت دخلت الدَّار -مثلًا (٥) -؛ فهو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، ونحو ذلك (٦). فاختلفوا فيه -أعني: الحنفية أيضًا-، فقال بعضُهم: لا يكون بهذا القول كافرًا اعتبارًا بالمستقبل، وقيل: يكون كافرًا؛ لأنه تنجيز معنى، فصار كما لو قال: هو يهودي أو نصراني. و (٧) قال بعضهم: والصحيحُ: عدمُ الكفر فيهما إنْ كان يعلم أنه يمين، وإن كان عندَه أنه يكفر بالحلفِ به، فكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر، حيث (٨) قدم على الفعل (٩).

стр. 2958

وأما عندنا، وعند الشافعي: فلا كُفْرَ، ولا كفارةَ، إذا قصدَ به (١) اليمينَ، وإنما قال أصحابنا: يستغفرُ اللَّه، ولا شيء عليه. قال بعضهم: لأنها (٢) ألفاظ عاريةٌ عن أسماء اللَّه -تعالى- وصفاتِه، فلم يجب بالحنثِ فيها كفارةٌ (٣)؛ كما لو حلف بالكعبة، ولأنه تبرأ (٤) ممن لا يجوز له التبرِّي منه (٥)، فلم يلزمه في ذلك كفارة؛ كما لو قال: هو بريءٌ من الكعبة. قلت: وأما التكفيرُ بهذا اللفظ مع قصدِ اليمين، فقد يكونُ أبعدَ من إيجابه الكفارة، واللَّه أعلم. الثاني: قوله ﵊: "ومن قتلَ نفسَه بشيء، عُذِّبَ به يومَ القيامة": هذا كما تقدَّمَ من كونِ الإنسانِ غيرَ مالكٍ لنفسه، فليس له فيها تصرفٌ بجرحِ، ولا قتلٍ، ولا غيرِه (٦)، فجنايتُه (٧) على نفسه كجنايته على غيره، ولا يخلو من إشارة إلى ما ذهب إليه مالك، ومَنْ قال بقوله: من أن القصاص من القاتل بمثلِ ما قَتل به،

стр. 2959

محدَّدًا كان أو غيرَ محدَّد، على ما تقدم تقريره (١). الثالث: قوله ﵊: "ولا نَذْرَ فيما لا يملكُ ابنُ آدَم": ع: إذا أطلق النذر بالصدقة (٢)، أو العتق فيه، فإن قيده متى ملكه، لزم في العتق عندنا على مشهور مذهبنا، ولم يلزم على غيره، وهذا الحديث لهذا المذهب حجةٌ (٣). قلت: ومما ينخرط في هذا السلك تعليقُ الطلاق على النكاح، ومذهبُنا ومذهبُ أبي حنيفة: لزومُه، ويعدم اللزوم قال الشافعيُّ، وربما استَدَلَّ بهذا الحديث وما يُقاربه، ونحن نحملهُ على التنجيز دونَ التعليق، أو نقول بموجب الحديث؛ إذ التقييدُ لا يقع إلا بعدَ الملك، فالطلاق لم يقع قبل الملك، فهو كالنذر قبل الملك المتفق عليه عندنا، وعندَهم كقوله: للَّه عليَّ صدقةُ درهمٍ إن ملكتُه، أو: إن ملكتُ درهمًا، فللَّه عليَّ أن أتصدقَ بِهِ، فاللازم للشافعية على هذا التقدير أحدُ أمرين: إما التفريق بين التعليقين -أعني: تعليق الطلاق، وتعليق النذر-، وإما الرجوع بما (٤) قلناه في صحة (٥) لزوم تعليق الطلاق.

стр. 2960

الرابع قوله ﵊: "ولَعْنُ المؤمنِ كقتلِه": مفهومُه (١): جوازُ لعن الكافر، وإلا، لم يكن لإضافته إلى المؤمن فائدةٌ، مع أنه يحتمل عندي احتمالًا فيه بعدٌ؛ أن تكون فائدة الإضافة إلى المؤمن التشنيعَ والتبشيع (٢)؛ كما تقدَّم في قوله ﵊ "يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ"، وإن كان اقتطاعُ مالِ الكافر حرامًا -أيضًا-، ووجهُ البعد في (٣) هذا: أنا أجمعْنا على تحريم اقتطاع مال الكافر الذمي؛ بخلاف لعنه. فائدة: قال العلماء: لا خلافَ في جواز لعنِ الكافر جملةً من غير تعيين؛ أهلَ ذمة كانوا، أو غيرَهم، قالوا: وكذلك مَنْ جاهر بالمعاصي؛ كشرَّاب الخمر، وَأَكَلة الربا، ومَنْ تشبه من النساء بالرجال، والعكس (٤)، وغير ذلك مما جاء في الحديث لعنه. وذكر ابنُ العربي: أن لعنَ العاصي المعين لا يجوز اتفاقًا (٥). قال القرطبي في "جامعه": وقد ذكر بعضُ العلماء خلافًا في لعن العاصي المعينِ. قلت: فلعلَّ ابنَ العربي أرادَ اتفاقَ المذهب خاصة.

стр. 2961

ثم قال القرطبي (١): قالَ ابنُ العربي: وأما لعنُ العاصي مطلقًا، فيجوز إجماعًا؛ لما رُوي أن النبيَّ ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ" (٢). وهذا التشبيه عندي يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مجازًا من باب المبالغة في التشبيه؛ حثًا على تجنُّب اللعن، وحسمًا لمادته؛ فإن اللعنةَ لا تساوي القتل في الإثم، ولا في العقوبة؛ لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مَفْسَدة الفعل، وليس إتلافُ النفس في المفسدة كالإذاية باللعنة (٣). هذا في الإثم، وأما في العقوبة، فإن اللعنة لا توجب قِصاصًا كما يوجبه القتلُ. والثاني: أن يكونَ حقيقةً، ويكون ذلك راجعًا إلى الإثم، دونَ العقوبة، وهو الذي اختاره ق، ووجَّهه بما معناه وتلخيصُه: أن (٤) اللعنة ليس مفسدتها مجردَ الإذاية، بل فيها مع ذلك تعريضُه لإجابة (٥) الدعاء فيه بموافقةِ ساعةٍ لا يُسأل اللَّهُ -تعالى- فيها شيئًا إلا أعطاه، وكما دل عليه الحديث من قوله ﵊: "لَا تَدْعُوا

стр. 2962

عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ (١)، وَلَا تَدْعُوا (٢) عَلَى أَوْلَادِكُمْ (٣)، لَا (٤) تُوَافِقُوا سَاعَةً" الحديث (٥)، وإذا عَرَّضه باللعنة لذلك، ووقعتِ الإجابةُ، وإبعادُه من رحمة اللَّه تعالى، كان ذلك أعظمَ من قتله؛ لأن القتل تفويتُ الحياة الفانية (٦) قطعًا، والإبعاد من رحمة اللَّه تعالى أعظمُ ضررًا بما (٧) لا يُحصى، وقد يكون أعظمُ الضررين على سبيل الاحتمال مساويًا أو مقاربًا لأخفهما على سبيلِ التحقيقِ، ومقاديرُ المصالحِ والمفاسدِ وأعدادُهما أمرٌ (٨) لا سبيلَ للبشر إلى الاطلاع على حقائقه (٩) (١٠). قلت: وفيه نظر، وأقلُّ ما فيه: أن (١١) إجابةَ اللعنة أمرٌ مظنون

стр. 2963

قطعًا، ومفسدة القتل محققةٌ، ولا مساواةَ بينَ المظنون والمحقِّق، وإذا عُدم التساوي في المفاسد، عُدم التساوي في الإثم؛ لما تقرر من أن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، واللَّه أعلم. الخامس: قوله ﵊: "ومَنِ ادَّعى دعوى كاذبةً" إلى آخر الحديث، الدعوى: يُحتمل أن تكون هنا من باب تَدَاعي الخصمين عندَ الحاكم، ويحتمل أن تكون (١) من باب ادعاءِ فضيلةٍ ليست فيه، أو علمٍ، أو صلاح، أو غير ذلك من المزايا. فعلى الأول: يكون معنى التكثُّرِ بها راجعًا إلى المال، يضمُّ ما ليسَ له إلى ماله. وعلى الثاني: يكون معناه: تعظيمَ الناس له (٢) على تقدير صحة ما ادعاه، ويتخرج قوله ﵊: "إلا قِلَّةً" على المعنيين؛ إما قلة في ماله؛ لذهاب بركته بضمِّ الحرام إليه، وإما قلَّة قدره وتعظيمه عند الناس؛ لكذبه في دعواه. وقد تقدم لنا: أن دعوى الإنسان والثناء على نفسه بما فيه يُنْقِصُهُ (٣)، ويحطُّه عن قدره عند الناس، فما ظنُّك (٤) بالدعوى الكاذبة؟! أعاذنا اللَّه من ذلك بمنِّه وكرمه.

стр. 2964

باب النذور الحديث الأول ٣٦٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ (١) أَنْ أَعْتكِفَ لَيْلَةً -وَفِي رِوَايةٍ: يَوْمًا- فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (٢).

стр. 2965

* الشرح: النذر: إيجابُ المكلَّف على نفسه ما لم يجبْ عليه في أصل الشرع؛ من فعلٍ، أو تركٍ، يُقال منه: نذرتُ أَنْذُرُ وأَنْذِرُ (١)، بضم الذال وكسرها (٢). وقد أباح اللَّه -تعالى- النذرَ في كتابه العزيز في (٣) غير ما آية، فقال (٤) تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] الآيةَ، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]. وأوجبَ الوفاء به، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، قيل: يريد: عقدَ النذر، وعقدَ اليمين، وسائرَ العقود اللازمة في الشرع، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].

стр. 2966

وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيةَ، فأمر تعالى بالوفاء بالنذر عمومًا، وبيَّنَ النبيُّ ﷺ أن ذلك ليس على عمومه، فقال: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ (١) اللَّه، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصيَ اللَّه، فَلَا يَعْصِهِ" (٢)، فنذرُ الطاعة -على تفصيلٍ يأتي- يلزمُ الوفاءُ به عندنا، وإن كان مكروهًا (٣)، ونذرُ المعصية يحرُمُ الوفاء به (٤)، ونذرُ المكروه يُكره الوفاءُ به، ونذر المباح يُباح الوفاءُ به، وتركُ الوفاءِ به. ثم إِنَّ نذرَ الطاعة قسمان: مستحبٌّ: وهو المطلَقُ الذي أوجبه الإنسان على نفسه؛ شكرًا للَّه -تعالى- على ما أنعم به عليه فيما مضى، أو لغير (٥) سبب. ونذر مباحٌ: وهو المقيد بشرط يأتي: فالأول: كقوله: عليَّ نذر كذا (٦)، أو نذرٌ أن أفعل كذا، أو نذرٌ لا أفعل كذا، أو لا يلفظ بذكر النذر، فيقول: للَّه عليَّ كذا (٧)، أو أن

стр. 2967

لا أفعلَ كذا، أو: إن لم أفعل كذا (١) شكرًا للَّه تعالى، الحكمُ في ذلك كلِّه سواءٌ عندنا. قال القاضي أبو الوليد بن رشد ﵀: ومن أهل العلم مَنْ ذهب إلى أنه إذا قال: للَّه عليَّ كذا وكذا، ولم يقل: نذرًا: أن ذلك لا يلزمُه؛ لأنه إخبار بكذب. وعند الشافعية قول: إن من نذر نذرًا، ولم يعلقه على شيء: أنه لا يصحُّ، وإن كان المذهبُ عندَهم الصحةَ. وأما النذرُ المباحُ المقيد (٢) بشرط، فمثل أن يقول: للَّه عليَّ كذا إن شفى اللَّه مريضي، أو قدمَ غائبي، وما أشبهَ ذلك مما لا يكون الشرطُ فيه من فعله، إلا أن يكون شيئًا يوقته أبدًا؛ فإن مالكًا يكرهه، وأما إن قَيَّدَ ما أوجبه على نفسه من ذلك بشرطٍ من فعله يقدر على فعله و (٣) تركِه؛ مثل أن يقول: إن فعلتُ كذا، أو إن لم أفعلْ كذا، فعليَّ كذا، فليس بنذر، وإنما هو يمينٌ مكروهة، لقوله ﵊: "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" (٤)، إلا أنها لازمةٌ عند مالك ﵀ فيما يلزم فيه النذرُ من الطاعات، وفي الطلاق، وإن لم يكن للَّه -تعالى- فيه طاعةٌ؛ لأن الحالف بالطلاق مطلقٌ على

стр. 2968

صفة، ويُقضى به عليه، وبالعتقِ المعيَّنِ، بخلاف ما سوى ذلك من الشيء، والصدقة لمُعينين، أو لغير مُعينين، والعتق (١) الذي ليس بمعين، إلا أن يخرج ذلك من تقييده مخرجَ النذر؛ مثل أن يقول: إن فعلتُ كذا أو كذا، وإن لم أفعله، للَّه (٢) عليَّ كذا وكذا (٣)، فلا يلزمه في الطلاق؛ إذ ليس للَّه فيه طاعةٌ، ويلزمه فيما عدا ذلك من الطاعة، دون أن يُقضى عليه في شيء من ذلك، وإن كان عِتْقًا بعينه؛ قاله ابن رشد ﵀. وقد اختلف العلماء فيما نذرَه الكافرُ في حال كفره مما يوجبه (٤) المسلمون، ثم أسلم (٥)، فقال (٦) بعض الشافعية، وأبو ثور: يجب الوفاءُ به، وهو قولُ الطبري، والمغيرة، و (٧) المخزومي، والبخاري، وحملوا قولَه ﵊: "أَوْفِ بنذرِكَ" على الوجوب (٨)، وقاسوا اليمينَ على النذر، فإن كان النذر واليمين مما لا ينبغي الوفاء به، فعليه الكفارةُ فيه؛ على أصلِهم في نذر المعصية.

стр. 2969

وذهب مالك، والكوفيون، والشافعية (١)، إلى (٢) أنه لا شيء عليه فيما نذر؛ إذ الأعمالُ بالنيات، ولا نية له حينئذ، ويحمل قولُ النبي ﷺ : "أوفِ بنذركَ" على طريق الندب والاستحباب، لا على طريق الوجوب (٣). أو يقال: إنه ﵊ أمره أن يأتي بعبادة مماثلةٍ لما التزم في الصورة، وهو اعتكافُ يوم، فأطلق عليها وفاء بالنذر (٤)؛ لمشابهتها إياه، ولأن المقصود قد حصل، وهو الإتيان بهذه العبادة. واحتج الشافعي ومَنْ يُجيز الاعتكافَ بالليل، وبغير صوم، بهذا الحديث، ولا حجةَ لهم فيه؛ لأن العرب تعبر بالليلة عن اليوم، لاسيما وفي الرواية الأخرى: (يومًا) مكان (ليلةً) فتعينَ حملُ الحديث على ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فجاء على الأصل، ولابدَّ أن يجيء الشيءُ على أصله في بعض الصور، وهذا كله إذا قلنا (٥): إن الاعتكاف هنا على بابه، وإلا، فإن كان المرادُ: الاعتكاف الذي هو بمعنى الجوار -وهو

стр. 2970

محتمل-، فهذا (١) عندنا (٢) بغير صوم، ويصح ليلًا ونهارًا. * * *

стр. 2971

الحديث الثاني ٣٦١ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" (١).

стр. 2972

* الشرح: الظاهر: أن هذا النهيَ نهيُ كراهةٍ وتنزيه، لا نهيُ تحريم -كما تقدم-، وكأن سبب الكراهة فيه: أن الناذر يصير ملتزِمًا له، فيأتي به مع نوعٍ من التكلُّف دونَ نشاطٍ وانشراح، أو لكونه (١) يأتي به لا على وجه التقرُّبِ (٢) المحضِ، بل على وجه المعاوضة للأمر الذي طلبه، أو يكون سبب الكراهة: أن بعض الجهلة (٣) يعتقد أن النذر يردُّ القَدَر، فنهى عنه؛ خوفًا ممن يعتقد ذلك، ويقوي هذا: أن في بعض روايات "مسلم": "أنه لا يردُّ شيئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ (٤) مِنَ الشَّحِيحِ (٥) " (٦)، وفي رواية أخرى: أنه ﵊: قال: "لا تَنْذِرُوا؛ فَإِنَّ النَّذْرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا" (٧). وقوله ﵊ في النذر: "لا يأتي بخير" يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا يردُّ شيئًا من القدر، كما تقدم.

стр. 2973

والثاني: قاله ق: أن تكون الباء للسبب؛ كأنه قال (١): لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير غرض يحصل له، وإن كان يترتب عليه خير (٢)، وهو فعلُ الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول (٣) غرضه. وقوله ﵊: "وإنما يستخرج به من البخيل": ق: الأظهرُ في معناه: أن البخيل لا يُعطي طاعة إلا في عِوَض، ومقابلة تحصل له، فيكون النذر هو السببَ الذي استخرج منه (٤) تلك الطاعة (٥). قلت: وقد قال غيرُه نحوَه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2974

الحديث الثالث ٣٦٢ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: "لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ" (١).

стр. 2975

* الشرح: ع: فيه: حجةٌ على أبي حنيفة في إسقاطه المشيَ جملةً. وفيه: حجةٌ لمن ألزم النذر بقوله: إلى بيت اللَّه، أو إلى مكة، أو إلى (١) المسجد الحرام، وإن لم يذكر حجًا ولا عمرةً، وكذلك متى ذكر جزءًا من الكعبة، أو البيت، فله حكمُه، وهذا قول مالك وأصحابه. واختلف أصحابه إذا قال: إلى الحرم، أو مكانًا منه، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد، هل له حكمُ ذكرِ البيت، أم لا؟ ع: وقال الشافعي: متى (٢) قالَ: عليَّ المشيُ إلى شيء مما يشتمل عليه الحرمُ، لزمَهُ، وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وابنُ حبيب من أصحابنا (٣) زاد: إلا في (٤) ذكر عرفة، فيلزمه (٥)، وإن لم يكن من الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمُه في هذا مشيٌ (٦)، ولا مسير في القياس، لكن الاستحباب في قوله: إلى بيت اللَّه، أو (٧) الكعبة، أو مكة فقط

стр. 2976

[أن يسير، ولا يلزمه ركوب على أصله] (١). وقوله: "حافيةٍ"، فقال ﵊: "لتمش" (٢): ظاهره عندي: إقرارُها على الحفاء، وإن كان المستحبُّ عندنا لناذره الانتعالُ؛ لأن الحفاءَ ليس بطاعة، فإن أَهْدَى، فحسن، وإن لم يُهْدِ، فلا شيءَ عليه في انتعاله. و (٣) قوله ﵊: "ولتركب": ينبغي أن يُحمل على حال العجز عن المشي؛ إذ الركوبُ عندنا لا يجوز مع القدرة على المشي. وتحصيل مذهبنا في المسألة وتلخيصُه: أن من أتى بالمشي في جميع الطريق دفعةً واحدة غيرَ مفرِّقٍ بين أجزائه بمقامٍ خارجٍ عن المعتادِ، أجزأه، وإن (٤) طول المقامَ في أثنائه؛ فإن كان لضرورة، أجزأه، وإلا، ففي إجزاء ذلك المشي قولان، فإن ركب في بعض الطريق لعجزٍ، وكان يسيرًا جدًا، اغْتُفِر، وعليه دمٌ، وإن كان للركوب مقدارٌ، فإن كان مشيه يسيرًا، وكان قادرًا فيما (٥) بعد، ألغى (٦) المشيَ

стр. 2977

الأولَ، ووجب عليه مشيٌ ثانٍ، وإن كان عاجزًا عن المشي، اكتفى بالأول، واجتزأ بالهَدْي (١)، فإن تساوى ركوبُه ومشيُه، أو كان كلُّ واحد منهما كثيرًا، وجب الرجوعُ؛ لتلافي ما ركبَ، فيركبُ المواضعَ التي مشى فيها (٢)، ويمشي (٣) المواضعَ التي ركب. و (٤) قيل: إن كان موضعه بعيدًا جدًا، لم يلزم الرجوعُ لمشي ما (٥) ركب، فإن عجز في الثاني، لم يكلَّفِ العودةَ دفعةً أخرى، وإن ركب مختارًا، ففي بطلان مشيه قولان، وإذا قلنا: لا يبطل، فإنه يرجع، ويمشي ما ركب، ويُهدي، ولو مشى في الثاني الطريقَ أجمعَ، فقال (٦) ابنُ المواز: سقط (٧) عنه الهدي، قال المتأخرون (٨): كيف (٩) يسقطُ الهدي (١٠) المتقررُ في ذمته بمشي غيرِ واجبٍ؟ (١١)

стр. 2978

قلت: ومما يقوي حملَ الحديث على العجز: ما ذكر أبو داودَ في هذا الحديث: "أَنَّها نذرتْ أن تحجَّ ماشيةً، وأنها لا تُطيق ذلكَ"، فقال ﵊: "إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُهْدِ بَدَنَةً" (١)، وهذا صريحٌ في العجز، واللَّه أعلم، فقد اتفق المذهب مع الحديث، والحمد للَّه. * * *

стр. 2979

الحديث الرابع ٣٦٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَاقْضِهِ عَنْهَا" (٢).

стр. 2980

* الشرح: قيل: إن هذا النذر (١) كان نذرًا مطلَقًا، وقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: كان صدقةً، واستدل كلُّ قائل بأحاديثَ وردتْ في قصة أُمِّ سعدٍ. ع: ويحتمل أن يكون النذرُ غيرَ ما وردَ في تلك الأحاديث، واللَّه أعلم. قال: وأظهرُ ما فيها: أن نذرَها كان في المال، أو نذرًا مُبْهَمًا (٢)، ويكون (٣) حديثُ مَن احتجَّ لذلك برواية مالك، لما قيل (٤) لها: "أوص"، قالت (٥): فيم أوصي؟ وإنما المالُ مالُ سعد (٦)؛
следующие страницы →