← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

[أن يسير، ولا يلزمه ركوب على أصله] (١). وقوله: "حافيةٍ"، فقال ﵊: "لتمش" (٢): ظاهره عندي: إقرارُها على الحفاء، وإن كان المستحبُّ عندنا لناذره الانتعالُ؛ لأن الحفاءَ ليس بطاعة، فإن أَهْدَى، فحسن، وإن لم يُهْدِ، فلا شيءَ عليه في انتعاله. و (٣) قوله ﵊: "ولتركب": ينبغي أن يُحمل على حال العجز عن المشي؛ إذ الركوبُ عندنا لا يجوز مع القدرة على المشي. وتحصيل مذهبنا في المسألة وتلخيصُه: أن من أتى بالمشي في جميع الطريق دفعةً واحدة غيرَ مفرِّقٍ بين أجزائه بمقامٍ خارجٍ عن المعتادِ، أجزأه، وإن (٤) طول المقامَ في أثنائه؛ فإن كان لضرورة، أجزأه، وإلا، ففي إجزاء ذلك المشي قولان، فإن ركب في بعض الطريق لعجزٍ، وكان يسيرًا جدًا، اغْتُفِر، وعليه دمٌ، وإن كان للركوب مقدارٌ، فإن كان مشيه يسيرًا، وكان قادرًا فيما (٥) بعد، ألغى (٦) المشيَ

стр. 2977

الأولَ، ووجب عليه مشيٌ ثانٍ، وإن كان عاجزًا عن المشي، اكتفى بالأول، واجتزأ بالهَدْي (١)، فإن تساوى ركوبُه ومشيُه، أو كان كلُّ واحد منهما كثيرًا، وجب الرجوعُ؛ لتلافي ما ركبَ، فيركبُ المواضعَ التي مشى فيها (٢)، ويمشي (٣) المواضعَ التي ركب. و (٤) قيل: إن كان موضعه بعيدًا جدًا، لم يلزم الرجوعُ لمشي ما (٥) ركب، فإن عجز في الثاني، لم يكلَّفِ العودةَ دفعةً أخرى، وإن ركب مختارًا، ففي بطلان مشيه قولان، وإذا قلنا: لا يبطل، فإنه يرجع، ويمشي ما ركب، ويُهدي، ولو مشى في الثاني الطريقَ أجمعَ، فقال (٦) ابنُ المواز: سقط (٧) عنه الهدي، قال المتأخرون (٨): كيف (٩) يسقطُ الهدي (١٠) المتقررُ في ذمته بمشي غيرِ واجبٍ؟ (١١)

стр. 2978

قلت: ومما يقوي حملَ الحديث على العجز: ما ذكر أبو داودَ في هذا الحديث: "أَنَّها نذرتْ أن تحجَّ ماشيةً، وأنها لا تُطيق ذلكَ"، فقال ﵊: "إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُهْدِ بَدَنَةً" (١)، وهذا صريحٌ في العجز، واللَّه أعلم، فقد اتفق المذهب مع الحديث، والحمد للَّه. * * *

стр. 2979

الحديث الرابع ٣٦٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَاقْضِهِ عَنْهَا" (٢).

стр. 2980

* الشرح: قيل: إن هذا النذر (١) كان نذرًا مطلَقًا، وقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: كان صدقةً، واستدل كلُّ قائل بأحاديثَ وردتْ في قصة أُمِّ سعدٍ. ع: ويحتمل أن يكون النذرُ غيرَ ما وردَ في تلك الأحاديث، واللَّه أعلم. قال: وأظهرُ ما فيها: أن نذرَها كان في المال، أو نذرًا مُبْهَمًا (٢)، ويكون (٣) حديثُ مَن احتجَّ لذلك برواية مالك، لما قيل (٤) لها: "أوص"، قالت (٥): فيم أوصي؟ وإنما المالُ مالُ سعد (٦)؛

стр. 2981

أي (١): فأوصي فيه بقضاء نذري، ويطابق هذا (٢) قول من روى: "أَفاعتقُ عنها؟ "؛ فإن العتق من الأموال، ومن كفارة النذور (٣)، وليس فيه قطعٌ على أنه كان عليها عتقٌ كما استدلَّ به من قال: إنه (٤) كان عليها رقبة؛ ولأن هذا كلَّه من باب الأموال المتفَقِ على النيابة فيها، ويعضده -أيضًا- ما رواه الدارقطني من حديث مالك، فقال له -يعني: النبيَّ ﷺ : "اسْقِ عَنْهَا المَاءَ". قال: وأما حديثُ الصوم فقد عَلَّلَه أهلُ الصنعة؛ للاختلاف (٥) في روايته في سنده ومتنه، وكثرة اضطرابه. وقوله ﵊: "فاقضه عنها": عامةُ العلماء على أن هذا الأمر ليس على الوجوب، وحملَه أهلُ الظاهر على الوجوب، وألزموا الوارثَ قضاءَ النذرِ عن الميت، صومًا كان أو غيرَه، يلزم ذلك منهم الأقعد فالأقعد، أما لو أوصى بنذر عليه فَرَّطَ فيه، فمذهبُ مالك، وأبي حنيفة، والشافعي: أنه يلزم إخراجه؛ لكن عندنا: من الثلث، وعند غيرنا: من رأس المال؛ كالديون اللازمة.

стр. 2982

واختلف أصحابنا فيما لم يفرِّط فيه من ذلك؛ كالزكاة الحالَّة وشبهِها، فعند ابن القاسم: أنها تُخرج إذا أوصى بها من رأسِ المال (١)، ولا تلزم إذا لم يوصِ بها، وعند أشهب: تخرج من رأس المال (٢)، أوصى بها، أم لا (٣). * * *

стр. 2983

الحديث الخامس ٣٦٤ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" (١).

стр. 2984

* الشرح: إن قلت: كان الأَوْلى في حقِّ كعب ﵁ أن يستشيرَ النبيَّ ﷺ ، ويستغني (١) برأيه قبل أن يقولَ ما قالَ من الانخلاع؛ كما فعل سعدُ بنُ أبي وقاص ﵁ حيث قال: "أفأتصدَّقُ بثُلُثَي مالي؟ " الحديث (٢). قلت: (٣) أجل، و (٤) لكن هذا كلامُ مَنْ أدهشَه فرحُ التوبة من اللَّه -تعالى- عليه (٥)، وكأنه (٦) قامت به (٧) حالة أوجبتْ عنده أن إتيانه بجميع الطاعات من بعض ما يجب أن تُتلقى (٨) به تلك النعمةُ (٩)، حتى أورود الاستشارة بصيغة الحكم، وإنه لجديرٌ بذلك، وحقيقٌ به، ويشير إلى هذا المعنى قولُ الآخَرِ الذي وجد راحلتَه عندَ رأسه، الحديث:

стр. 2985

أنتَ عبدي، وأنا ربُّكَ (١). وهذا عندي أصلٌ كبير للمتصوفةِ ونحوِهم في عمل الشكران إذا تجددت لأحدهم نعمةٌ، أو رُفعت (٢) عنه نقمةٌ، ونحو ذلك، وتسميتهم ذلك شكرانًا -أيضًا-، وهو مصدرُ شَكَر. وفي الحديث: دليل على أن إمساكَ ما يحتاج إليه أولى من التصدُّق بجميع ماله، وعليه يدل -أيضًا- قولُه ﵊ أيضًا (٣) في الحديث الآخر: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٤)، وقد ذهب بعضُ أصحابنا، وأظنه سحنونًا ﵁: إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصدَّق بجميع ماله، فجعلَ ذلك واجبًا، لا مندوبًا. والأمثلُ في هذا عندي (٥): ما قاله العلماء ﵃ من التفصيل بين مَنْ له صبرٌ وطاقة على الإضاقة وغيره، ففي الأول (٦): يجوز، وفي الثاني: يكره، ولعل قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ

стр. 2986

خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] يتنزل على هذا المعنى، فيكون المخصوصون بهذا المدح (١) من القسم الأول، دون الثاني. وانظرْ عَتْبَهُ ﵊ على الذي جاء بمثل بيضةِ (٢) من ذهب، ورميه (٣) بها، وإنكارِه ذلكَ عليه، إذْ لم يكن له مالٌ غيرُها (٤)، أو (٥) عدم إنكاره على أبي بكر الصديق ﵁ حين أتى بماله كلِّه، وهو ثمانون ألفًا على ما قيل، وما ذاك إلا لتبايُن الحالين، واختلاف الوصفين، واللَّه أعلم. ولا يحسُن الاستدلالُ لمذهب مالك بهذا الحديث (٦): على أن مَنْ نذر أن يتصدق بماله كلِّه: أنه يجزئه منه الثلثُ؛ لأن (٧) كعبًا ﵁ لم يأت بصيغة التنجيز ولابدَّ، والاستدلالُ بما رواه ابنُ وهبٍ من أن رجلًا تصدَّقَ بجميع ماله على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فأجاز له منه الثلثَ أحسنُ (٨).

стр. 2987

وتحريرُ هذه المسألة من حيثُ المذهب: أنه إن نذر أن يتصدق بجميع ماله إطلاقًا من غير تعيين، لزمه الثلث؛ لما تقدم، وإن تصدَّقَ بشيء من ماله بعيِنه، فإن كان قدرَ ثلثه، أو أقلَّ، لزمَه، وإن كان أكثرَ من ذلك؛ فعن مالك روايتان: مشهورُهما: التصدُّق بالجميع، وإن كان أكثرَ من الثلث، أو جميعَ ماله. والأخرى: أنه لا يلزمه (١) إلا قدرُ ثلثِ ماله. وقال سحنون: سواء عيَّن، أو لم يعيِّن، فإنه يُخرج ما لا يضرُّ به إخراجه، واستحسنه اللخمي؛ لقوله ﵊: "لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٢)، فإن كان جميعَ ماله لا فضل فيه، لم يكن عليه شيء، وإن (٣) [كان] الفضلُ نصفَه، أو ثلاثةَ أرباعه، أخرجَ جميعَ ذلك الفضل، لأمر النبي ﷺ بالوفاء بالنذر (٤). و (٥) قالوا: والفرق بين التعيين والإطلاق: أن الذي عين شيئًا من ماله قد أبقى لنفسه بقيةً، ولو ثيابَ طهره، أو ما لا يعلم به من ميراث أو غيره، وأما الذي قالَ: مالي، فإنه لم يُبق لنفسه شيئًا،

стр. 2988

وما جهلَه (١) أو علمَه، فكان هذا من الحرج المرفوع، فوجب قصرُه على الثلث. قلت: ولعل تخصيصَ (٢) عدمِ الحرج بالثلثِ دونَ غيره من الأجزاء المتمسك (٣) بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ حين استشاره في التصدُّق بثلثي ماله، إلى أن قال-﵊: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٤). ق: وفيه: دليل على أن الصدقة لها أثرٌ في محو الذنوب، ولأجل هذا شُرعت الكفارات المالية، وفيها مصلحتان، كلُّ واحدةٍ منهما تصلُح للمحو: إحداهما: الثوابُ (٥) الحاصل بسببها، وقد تحصل به الموازنة، فتمحو أثرَ الذنب. والثانية: دعاء مَنْ يتصدق عليه، فقد يكون سببًا لمحو الذنب (٦). قلت: في (٧) هذا نظر؛ فإن (٨) التوبة تجبُّ ما قبلها، لا سيما هذه

стр. 2989

التوبةِ القطعيةِ المستجمعةِ الشرائطَ، فلا ذنبَ حالَ حصولها، فلا يحصل أخذُ محوِ الذنب (١) بالصدقة من هذا الحديث، وإنما الظاهرُ من حال كعب ﵁ في قصد انخلاعه من ماله: أن ذلك (٢) على جهة الشكر للَّه -تعالى- على كمال نعمته عليه؛ لنزول توبته -كما تقدم-، لا لمحو الذنب ولابُدَّ؛ إذ الذنب إنما كان قبل حصول التوبة، لا بعدَه، واللَّه أعلم. وقصةُ كعبِ بنِ مالكٍ هذا وصاحبيه، وهما هلالُ بنُ أميةَ الواقفيُّ، ومُرَارَةُ بنُ الربيعِ العامريُّ، ويقال: ابنُ ربيعة، ويقال: ابن ربعي ﵃، قد خرجه البخاري، ومسلم، وأهل السير (٣)، وقد ضبطت أسماؤهم بأن (٤) أولها مكة (٥)، وآخرها عكة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2990

باب القضاء الحديث الأول ٣٦٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، (١) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا (٢) مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ" (٣). وَفِي لَفْظٍ: "وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ" (٤).

стр. 2991

* الشرح: القضاء في اللغة: أصلُه الحكمُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ أي: حكم، وقد يكون بمعنى الفراغ من (١) الشيء، تقول: قد قُضِيَتْ حاجتي، وضَرَبَه فقضى عليه؛ أي: قتله، كأنه فرغَ منه، وقَضَى نَحْبَه؛ أي: ماتَ، وفرغَ من الدنيا (٢). قيل: إن هذا الحديث أحدُ الأحاديثِ الأركانِ من أركان (٣) الشريعة؛ لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام (٤). وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الكتاب. ولتعلمْ: أن القضاء والإمامة من فروض الكفايات (٥)؛ لما فيه من مصالح العباد؛ من فصل الخصومات، ورفع التهارجُ (٦)، وإقامة الحدود،

стр. 2992

وكفِّ المظالم، ونصر (١) المظلوم، والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر. والحكمُ بالعدل من أفضل البر، وأعلى درجات الأجر، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ أي: العادلين، وقال ﵊: "المُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢)، ولكنَّ خطرَه (٣) عظيم؛ لأن الجَوْرَ في الأحكام واتباعَ الهوى من أعظم الذنوب، وأكبرِ الكبائر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]؛ أي: الجائرون. يقال: أَقْسَطَ: إذا عَدَلَ، وقَسَطَ: إذا جارَ. وقال ﵊: "إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى (٤) اللَّهِ، وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ: رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا، فَلَمْ يَعْدِلْ فِيْهِمْ" (٥).

стр. 2993

قالوا: فالقضاءُ محنةٌ، ومن دخل فيه، فقد ابتُلي بعظيم؛ لأنه عرَّض نفسه للهلاك، إذ التخلصُ منه على من ابتُلي به عسيرٌ (١)، ولذلك قال ﷺ : "مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ، فقد (٢) ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" (٣). قال (٤) الخطابي: معنى الكلام: التحذيرُ من طلبِ القضاء والحرصِ عليه بقول من تصدَّى للقضاء، فقد (٥) تعرَّض للذبح، فليحذَرْه (٦)، ولْيتوقَّهُ. وقوله: "بغير سكين" يحتمل وجهين: أحدهما: أن الذبحَ إنما يكون في ظاهر العرف وغالبِ العادة بالسكين، فعدل به ﷺ عن ظاهر العرف، وصرَفَه عن سنن العادة إلى غيرها؛ ليعلمَ أن الذي أراده بهذا القول إنما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دونَ هلاك بدنه.

стр. 2994

والوجه الآخر: أن الذبحَ الوجِىء الذي يقع به إزهاقُ الروح، وإراحةُ الذبيحة وخلاصُها من طول الألم وشدة التعذيب؛ إنما يكون بالسكين؛ لأنه يمرُّ بالمذبوح، ويمضي في مذابحه، فيجهز عليه، وإذا ذُبح بغير سكين، كان ذبحه خنقًا وتعذيبًا، فضرب المثل بذلك؛ ليكون أبلغَ في الحذر من الوقوع فيه، واللَّه أعلم (١). فلا ينبغي أن يقدُم عليه إلا مَنْ وثقَ بنفسه، أو تعين للقضاء دونَ غيره، أو أجبره الإمامُ العدلُ عليه. وللإمام العدل إجبارُه إذا كان صالحًا، وله هو أن يمتنعَ ويهربَ بنفسه (٢)، إلا أن يعلم تَعَيُّنَهُ (٣) له (٤)، فيجب عليه القبولُ (٥)، وذلك أنه (٦) إذا تحقق أنه ليس في تلك الناحية مَنْ يصلُح للقضاء سواه، فلا يجوز له الامتناعُ حينئذ، لتعيُّنِ الفرض عليه، ولا يأخذه بطلب؛ لما تقدَّم من النهي عن سؤال الإمارة، وأنه إذا سألها، لا يُعان عليها. قال العلماء: فان سألها، لم ينبغ أن يُوَلَّى، وإن اجتمعت فيه شروطُ التولية؛ خشيةَ أن يوكَلَ إلى نفسه، فيعجز؛ لما تضمَّنَه الحديثُ

стр. 2995

من أن مَنْ طاب القضاء، وُكِلَ إلى نفسه، واللَّهُ المستعان. وأما شرائطُ القاضي وصفاتُه التي يكون عليها، وما يمنعُ من (١) صحةِ التولية من فقدانِ بعضها، وما يقضي عدمُه فسخَها، وإن لم يشترط في الصحة، ولا يشترط في الانعقاد، ولا في (٢) الإبقاء؛ لكن تُستحب (٣) في القاضي، فموضعُها كتبُ الفقه المطوَّلَة، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "فهو رَدٌّ"؛ أي: مردود، فهو (٤) كما تقدَّمَ من وقوع المصدرِ موقعَ اسم المفعول. قال الفقهاء: ويُستدل به على إبطالِ جميع العقود الممنوعةِ، وعدمِ وجود ثمراتِها المترتبةِ عليها على تقدير الصحة. ق (٥): واستُدِلَّ به في أصول الفقه: على أن النهي يقتضي الفسادَ، نعم، [قد] يقع الغلط في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث من الردِّ، فإنه قد يتعارض أمران، فينتقل (٦)

стр. 2996

من أحدهما إلى الآخر، فيكون العملُ بالحديث في أحدهما كافيًا، ويقع الحكم به في الآخر في محل النزاع، فللخصم (١) أن يمنع (٢) دلالته عليه، فتنبهْ لذلك (٣). * * *

стр. 2997

الحديث الثاني ٣٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، (١) قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِيني مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيني وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذَلِكَ مِنْ (٢) جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ" (٣).

стр. 2998

* الشرح: فيه: ما تقدم من جواز سماع المفتي كلامَ المرأة. وفيه: جوازُ ذكرِ بعض الأوصاف المذمومة في الغائب عن المجلسِ للضرورة، على ما تقدم تقريرُه في (١) كتاب: النكاح، في حديث: "لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ". وقولها: "رجل شحيح": يقال: شَحِيحٌ، وشَحَاحٌ، بفتح الشين. قال الجوهري: والشُّحُّ (٢): البُخْلُ مع حرصٍ.

стр. 2999

ع: والشحُّ عندهم في كل شيء، وهو أَعَمُّ من البخل، وقيل: الشحُّ لازمٌ كالطبع (١). قال الجوهري: يقال: شَحِحْتَ -بالكسر- تشَحُّ، وشَحَحْتَ -بالفتح (٢) - تَشُحُّ وتَشِحُّ (٣). وقوله ﵊: "خذي من ماله" إلى آخره: استدل به بعضُهم على جواز الحكم على الغائب (٤)، ووُهِّمَ؛ لأن هذا من باب الفتوى، لا من باب الحكم؛ إذ الحكم يشترط فيه إثباتُ السببِ المسلط على الأخذ من مال الغريم، ولا يحتاج إلى ذلك في الفتوى. ق: وربما قيل: إن أبا سفيان كان حاضرًا في البلد، ولا يُقضى على الغائب الحاضرِ في البلد مع إمكان إحضاره، وسماعِه للدعوى (٥) عليه، في المشهور من مذهب الفقهاء، فإن ثبت أنه كان حاضرًا، فهو وجهٌ يبعد الاستدلالَ عند الأكثرين من الفقهاء، وهذا يبعُد ثبوته، إلا أن يؤخذ بطريق الاستصحاب لحال حضوره فيه (٦).

стр. 3000

وفيه: دليلٌ على مسألة الظفرِ بالحقِّ وأخذِه من مراجعة مَنْ هو عليه، ولم يدل (١) الحديث على كونها من جنس الحق، ولا من غيره (٢). وهو أحدُ الأقوال عندنا؛ فإنه قد رُوي عن مالك: أن له أخذَ مقدار دَينه من الجنس، إن كان الغريمُ غيرَ مِدْيان، أو مقدارَ ما يخصُّه لو حاصَصَ بدَينه إن كان مِدْيانًا. ورُوي: ليس له ذلك، لا من الجنس، ولا من غيره، على أَيِّ تقديرٍ كان. قلت: ووجهُه (٣): قوله ﵊: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (٤)، وأظنه المشهورَ من المذهب. وروي: أن له ذلك، وإن كان من غير جنسه، يتحرَّى فيه، ويأخذ مقدارَ ما يستحق. قلت: ووجْهُهُ (٥) حديثُ هندٍ هذا على ما تقدم (٦)، وفيه نظر، فإن

стр. 3001

حقَّها وحقَّ بنيها غيرُ متعينِ (١) الجنس ولابدَّ، فلا يحسُن الاستدلالُ به على ذلك، واللَّه أعلم، واختاره القاضيان: أبو الحسن، وأبو بكر. قال أصحابنا: ولو جحدَ مَنْ عليه الحقُّ، وله على المستحق مثلُه، والحقان حالَّان، جاز له أن يجحدَ على الرواية الأولى و (٢) الأخيرة، ويحصل التقاصُّ. وفيه: دليلٌ لما نقوله من عدم تقدير النفقة بمقدار معينٍ، وإنما هي على قدر الكفاية، خلافًا لمن جعلها مقدَّرةً؛ لقوله ﵊: "خُذِي (٣) (٤) بالمعروفِ" الحديث. ق: وفيه: دليلٌ على تصرُّف (٥) المرأةِ في نفقة ولدِها في الجملة. وقد يستدل به مَنْ يرى (٦) أن للمرأة ولايةً على ولدها من حيثُ إن صرفَ المال إلى المحجور (٧) عليه، أو تمليكَه له (٨) يحتاجُ إلى ولاية. قال: وفيه نظر؛ لوجود الأب، فيحتاج إلى الجواب عن هذا

стр. 3002

التوجيه المذكور، فقد (١) يقال: إن تعذر استيفاء الحقِّ من الأب، أو غيره (٢) مع تكرر الحاجة دائمًا يجعلُه كالمعدوم، وفيه نظر أيضًا (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3003

الحديث الثالث ٣٦٧ - عَنْ أُمِّ سَلَمَة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "أَلَا إِنَّمَا أَنا بَشَرٌ، وَإِنَّما يَأْتِيني الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أبلغ (١) (٢) مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّما هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ، فَلْيَحْمِلَهَا، أَوْ يَذَرْهَا (٣) " (٤).

стр. 3004

* الشرح: الجَلَبُ والجَلَبَة: -بفتح اللام (١) -: رفع الأصوات، يقال منه: جَلَّبوا، بالتشديد. والخَصْمُ: معروف، يستوي فيه الواحدُ والجمع (٢)، والمذكر والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدر. قال الجوهري: ومن العربِ من يُثنيه ويجمعه، فيقول: خَصْمان، وخُصوم (٣).

стр. 3005

قلت: ومثلُه عَدُوٌّ، وصَديقٌ، وضيفٌ (١). والحُجْرَةُ: -بضم (٢) الحاء وسكون الجيم-، وأصلها حظيرة الإبل، ومنه حُجرة الدار، تقول (٣): احْتَجَرْتُ حُجْرَةً؛ أي: اتخذتُها، والجمعُ حُجَرٌ، وحُجُرَاتٌ؛ مثل: غُرْفَة، وغُرَف، وغُرُفات (٤) (٥). والبَشَر: الخلق، سمي (٦) بذلك؛ لظهور بشرته، دون ما عداه من الحيوان. ع: فيه: تنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب والبواطن (٧) إلا ما أطلعهم اللَّه عليه، وأنه منهم، وأنه يجوز عليه في أمور الظاهر ما يجوز عليهم (٨). قلت: لا اختصاصَ (٩) للبشر بعدم الاطلاع على المغيبات، بل (١٠) الملائكةُ والجنُّ وغيرُهم كذلك، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 3006

وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وكلام ع يُشعر بالاختصاص ظاهرًا، واللَّه أعلم. ومعنى أَلْحَنَ (١) هنا: أَفْطَنَ (٢) لها، ويجوز عندي أن يكون معناه: أفصحَ تعبيرًا (٣) عنها، وأظهرَ احتجاجًا لها، حتى يُخيل إليه أنه مُحِقٌّ، وهو في الحقيقة مُبْطِلٌ، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "فَلْيَحْمِلْها، أو يَذَرْها (٤) ": معناه -واللَّه أعلم-: فيختار أحدَ الأمرين: إما أن يستمرَّ على ما قُضي (٥) له به من حقِّ أخيه المسلم، أو (٦) يُعَذَّبَ بالنار على ذلك، أو يرجعَ إلى الحق، ويخرجَ عن (٧) ذلك بإيصال (٨) حقِّ غريمه إليه، فينجو من عذاب النار بسبب ذلك، ومعنى هذا التخيير في الظاهر: التحذيرُ من الوقوع (٩) فيما لا يحلُّ له؛ إذ العاقلُ لا يختار الهلاكَ على النَّجاة، وكأن

стр. 3007

المعنى: لا (١) بدَّ من اختيارك أحدَ الأمرين، فاخترْ أيهما شئت، وهذا في نهاية (٢) التحذير؛ كما تقدم. ولعله يؤخذ من هذا الحديث: وعظُ الحاكم للخصم قبلَ التحاكم، لاسيما إذا قامت عنده قرينةٌ بإبطال أحدِ الخصمين، واللَّه أعلم. فائدة تصريفية: اعلمْ: أن (يذرها) أُميتَ ماضيه استغناءً (٣) عنه بَتَرْكٍ (٤)، وكذلك يَدَعُ. قال الجوهري: وأصله (٥): وَذِرَهُ يَذَرُهُ، مثل وَسِعَهُ يَسَعُه (٦)، وقد رأيتُ حاشية على هذا الموضع من "الصحاح" نصها (٧): قال شيخنا أبو اليمن الكنديُّ ﵀: هذا وهمٌ من المصنف، حملَه على فتح الذال من المستقبل، وإنما فُتح حملًا على أخيه، وهو يَدَعُ؛ لمصاحبته إياه في الحذف (٨) والاستقبال. قلت: وهذا هو الحقُّ -إن شاء اللَّه-، وإلا، كان يلزم -على

стр. 3008

ما قاله الجوهري- ثبوتُ الواو في المضارع إذا (١) لم يقع بين ياء وكسرة (٢)؛ كَوَجِلَ يَوْجَلُ، واللَّه أعلم. ق: وفي الحديث: دليل على أن الأحكام على ظاهرها، وإعلامُ الناس أن النبيَّ ﷺ في ذلك كغيره، وإن كان يفترق مع (٣) الغير في اطلاعه على ما يُطلعه اللَّهُ عليه من الغيوب الباطنة، وذلك في أمور مخصوصة، لا في الأحكام العامة، والحصرُ هنا مخصوصٌ لا عامٌّ؛ على ما تقدم (٤) أولَ الكتاب. وفيه: دليلٌ على أن الحكم لا ينفُذُ ظاهراَّ وَباطنًا معًا مطلَقًا، وأن حكم القاضي لا يغير حكمًا شرعيًا في الباطن. ق: واتفق أصحاب الشافعي: على أن الحنفيَّ (٥) إذا قضى بشفعة الجار (٦)، أخذها في الظاهر، واختلفوا في حلِّ (٧) ذلك في الباطن على وجهين، والحديثُ عامٌّ بالنسبة إلى سائر الحقوق، والذي (٨) يتفقون

стр. 3009

عليه -أعني: أصحاب الشافعي-: أن الحججَ (١) إذا كانت باطلةً في نفس الأمر؛ بحيثُ لو اطلع عليها القاضي، لم يجز له الحكمُ بها: أن ذلك لا يؤثر، وإنما وقع التردُّدُ في الأمور الاجتهادية إذا خالف اعتقادُ القاضي اعتقادَ المحكوم عليه (٢)؛ كما قلنا في شفعة الجار، واللَّه أعلم (٣). قلت: وأما مذهبنا، فلا أعلم فيه خلافًا (٤): أن حكم القاضي لا يُغَيِّرُ حكما شرعيًا، فلو أقام (٥) شهود زورٍ على نكاح امرأة، فحكم له بها، فهي حرامٌ عليه (٦)، وكذا (٧) لو حكم الحاكم الحنفيُّ (٨) للمالكي (٩) بشفعة الجوار، لم يحلَّ له الأخذُ بها عندنا، قولًا واحدًا. * * *

стр. 3010

الحديث الرابع ٣٦٨ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ، قَالَ: كتَبَ أَبي، وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى ابْنِهِ عُبَيدِ اللَّه بْنِ أَبي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجسْتَانَ: أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ (١) بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (٢). وَفي رِوَايَةٍ: "لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ (٣) بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (٤).

стр. 3011

* الشرح: فيه: دليلٌ على أن الكتابة بالحديث؛ كالسماع من الشيخ في وجوب العمل به، وأما في الرواية، فقد اختلفوا فيها إذا كانت مجردةً عن الإجازة، فمنع الروايةَ بها قومٌ، وأجازها كثيرون (١) من المتقدمين والمتأخرين (٢)؛ وهو الصحيحُ المشهور بين أهل الحديث. وأما المقرونةُ بالإجازة، نحو: أجزتُك بما كتبتُ لك، أو إليك (٣)، أو به إليك، ونحوه من عبارة الإجازة (٤)، فهذه (٥) في الصحة والقوة

стр. 3012

كالمناوَلَة (١) المقرونة بذلك، وسواءٌ في هذا (٢) كله كتبَ الشيخُ بخطه، أو بأمرِه لغائبٍ أو حاضرٍ، ثم يكفي في ذلك معرفتةُ خطِّ الكاتب، ومنهم من شرطَ البينةَ، واستُضعف. ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بالمكاتبة: كتب إليَّ فلانٌ، قال: حدثنا فلانٌ، أو أخبرنا، وجَوَّدَه (٣) الليثُ، ومنصورٌ، وغيرُ واحد من علماء المحدِّثين. ثم (٤) الحديثُ نصٌّ في منع قضاء الغضبان حالَ غضبه، قالوا: لما يحضر النفسَ بسبب الغضب من التشويش (٥) الموجبِ لاختلال (٦) النظر، وعدمِ استيفائه على الوجه المطلوب. وقاس الفقهاءُ عليه (٧) ما كان في معناه من المشوشات (٨)؛ كشدة الجوع والعطش، أو النوم، أو (٩) مدافعة الأخبثين، وغير ذلك

стр. 3013

مما في معناه (١). ولو (٢) حكمَ مع الغضب وما ذُكر معه، نفذ (٣) إذا صادف الحقَّ، وكأَنَّ تخصيصَ الغضب في الحديث دونَ سائر المشوشات؛ لأنه أشدُّها؛ لاستيلائه على النفس، وصعوبة مقاومته (٤). فإن قلت: كيف وجهُ الجمعِ بين هذا الحديث، وحديثِ شِرَاجِ الحَرَّة، وأنه ﷺ حكمَ بعد أن غضب؟ (٥) قلت: الذي يقوى (٦) في نفسي (٧)، ولا يتجه عندي غيره: أن ذلك مخصوصٌ بغير المعصوم من اختلال الحكم عند الغضب ونحوه، وأما النبىُّ ﷺ ، فغيرُ داخل في هذا؛ إذ لا يقول في الرضا والغضب إلا

стр. 3014

حقًا؛ كما جاء في الصحيح (١)، حين قال بعضُ الصحابة: "أكتبُ (٢) عنكَ ما تقولُ في الرضا والغضب؟ " الحديث (٣)، وأما قولُ مَنْ قال: لعلَّه علمَ الحكمَ قبل أن يغضَب، أو لعلَّه لم ينته الغضبُ به إلى الحدِّ القاطعِ عن سلامةِ الخاطرِ، فضعيفٌ واهٍ (٤) عندي، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 3015

الحديث الخامس ٣٦٩ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟ " ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ"، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا؛ حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (١).
следующие страницы →