← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

* الشرح: فيه: دليلٌ على أن الكتابة بالحديث؛ كالسماع من الشيخ في وجوب العمل به، وأما في الرواية، فقد اختلفوا فيها إذا كانت مجردةً عن الإجازة، فمنع الروايةَ بها قومٌ، وأجازها كثيرون (١) من المتقدمين والمتأخرين (٢)؛ وهو الصحيحُ المشهور بين أهل الحديث. وأما المقرونةُ بالإجازة، نحو: أجزتُك بما كتبتُ لك، أو إليك (٣)، أو به إليك، ونحوه من عبارة الإجازة (٤)، فهذه (٥) في الصحة والقوة

стр. 3012

كالمناوَلَة (١) المقرونة بذلك، وسواءٌ في هذا (٢) كله كتبَ الشيخُ بخطه، أو بأمرِه لغائبٍ أو حاضرٍ، ثم يكفي في ذلك معرفتةُ خطِّ الكاتب، ومنهم من شرطَ البينةَ، واستُضعف. ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بالمكاتبة: كتب إليَّ فلانٌ، قال: حدثنا فلانٌ، أو أخبرنا، وجَوَّدَه (٣) الليثُ، ومنصورٌ، وغيرُ واحد من علماء المحدِّثين. ثم (٤) الحديثُ نصٌّ في منع قضاء الغضبان حالَ غضبه، قالوا: لما يحضر النفسَ بسبب الغضب من التشويش (٥) الموجبِ لاختلال (٦) النظر، وعدمِ استيفائه على الوجه المطلوب. وقاس الفقهاءُ عليه (٧) ما كان في معناه من المشوشات (٨)؛ كشدة الجوع والعطش، أو النوم، أو (٩) مدافعة الأخبثين، وغير ذلك

стр. 3013

مما في معناه (١). ولو (٢) حكمَ مع الغضب وما ذُكر معه، نفذ (٣) إذا صادف الحقَّ، وكأَنَّ تخصيصَ الغضب في الحديث دونَ سائر المشوشات؛ لأنه أشدُّها؛ لاستيلائه على النفس، وصعوبة مقاومته (٤). فإن قلت: كيف وجهُ الجمعِ بين هذا الحديث، وحديثِ شِرَاجِ الحَرَّة، وأنه ﷺ حكمَ بعد أن غضب؟ (٥) قلت: الذي يقوى (٦) في نفسي (٧)، ولا يتجه عندي غيره: أن ذلك مخصوصٌ بغير المعصوم من اختلال الحكم عند الغضب ونحوه، وأما النبىُّ ﷺ ، فغيرُ داخل في هذا؛ إذ لا يقول في الرضا والغضب إلا

стр. 3014

حقًا؛ كما جاء في الصحيح (١)، حين قال بعضُ الصحابة: "أكتبُ (٢) عنكَ ما تقولُ في الرضا والغضب؟ " الحديث (٣)، وأما قولُ مَنْ قال: لعلَّه علمَ الحكمَ قبل أن يغضَب، أو لعلَّه لم ينته الغضبُ به إلى الحدِّ القاطعِ عن سلامةِ الخاطرِ، فضعيفٌ واهٍ (٤) عندي، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 3015

الحديث الخامس ٣٦٩ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟ " ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ"، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا؛ حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (١).

стр. 3016

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: ظاهرُ الحديث: تفاوتُ الذنوب، وانقسامُها (١) إلى كبيرة، وأكبرَ منها، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الآيةَ، وهذا حجة على مَنْ قال من السلف: إن كلَّ ما نهى (٢) اللَّه عنه كبيرةٌ. قال ابنُ عطية: واختلف أهلُ العلم في الكبائر، فقال عليُّ بنُ أبي طالب ﵁: هي سبع: الإشراكُ باللَّه، وقتلُ النفس، وقذفُ المحصنات (٣)، وأكلُ مال اليتيم، وأكلُ الربا، والفرارُ من الزحف، والتغرُّبُ بعدَ الهجرة. وقال عبيدُ بنُ عمير (٤): الكبائر سبعٌ (٥)، في كل منها آيةٌ من كتاب اللَّه تعالى، وذكر يقول (٦) علي ﵁، وجعل الآيةَ في التغرب قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ

стр. 3017

الْهُدَى﴾ الآية [محمد: ٢٥]. ووقع في "البخاري" في كتاب: الحدود، في باب: رمي (١) المحصنات: "اتَّقُوا السَّبع المُوْبِقَاتِ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، [وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ] (٢) ". وقال عبد اللَّه بنُ عمرَ: هي تسعٌ: الإشراكُ باللَّه، والقتلُ، والفرارُ، والقذفُ، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، وإلحادٌ (٣) في المسجد الحرام، والذي يستسحِرُ (٤)، وبكاءُ الوالدينِ من العقوق (٥). وقال عبد اللَّه بنُ مسعود، وإبراهيمُ النخعيُّ: هي جميعُ ما نهى اللَّه عنه من أول سورة النساء إلى ثلاثين آيةً منها، وهي (٦): ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ [النساء: ٣١].

стр. 3018

و (١) قال عبد اللَّه بنُ مسعود -أيضًا- هي أربع: الإشراكُ باللَّه، والقنوطُ من رحمة اللَّه، واليأسُ من روح اللَّه، والأمنُ من مكر اللَّه (٢). ويروى (٣) عن ابن مسعود -أيضًا (٤) -: هي ثلاثٌ: القنوطُ، واليأسُ (٥) (٦)، والأمنُ المتقدمةُ (٧). وقال ابن عباس -أيضًا-، وغيره: الكبائر: كلُّ ما وردَ عليه وعيدٌ بنارٍ، و (٨) عذاب، أو لعنةٍ، وما أشبهَ ذلك. وقالت فرقةٌ من الأصوليين: هي في هذا الموضع (٩): أنواعُ الشركِ (١٠) التي لا تصح (١١) معها الأعمال.

стр. 3019

وقال رجلٌ لابن عباس: أخبرني عن الكبائر السبع، فقال: هي إلى (١) السبعينَ أقربُ (٢). وقال ابنُ عباس: كلُّ ما نهى اللَّه عنه فهو كبيرةٌ (٣). يدخل فيها الربا، وشربُ الخمر، والزورُ، والغيبةُ، وغيرُ ذلك مما قد نُصَّ عليه في أحاديث، لم يقصدْ حصرُ (٤) الكبائر بها، بل (٥) ذُكر بعضُها مثالًا، وعلى هذا القول (٦) أئمةُ الكلام: القاضي، وأبو المعالي، وغيرهما. قالوا: وإنما قيل: صغيرة بالإضافة إلى أكبرَ منها، وهي في نفسها كبيرة من حيثُ إن المعصيَّ (٧) بالجميع (٨) واحدٌ. قال: وهذه الآية -يعني: قوله تعالى-: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] يتعاضد معها حديثُ رسول اللَّه ﷺ في كتاب:

стр. 3020

الوضوء من "مسلم" عن عثمان ﵁، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول (١): "مَا مِنْ مُسْلِم تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَة، فَيُحْسِنُ وُضُوْءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا؛ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يَأْتِ كَبِيرَة، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ " (٢). واختلف العلماءُ في هذه المسألة. فجماعة من الفقهاء وأهلِ الحديث يرون أن الرجل إذا اجتنبَ الكبائرَ، وامتثلَ الفرائضَ، كُفِّرَتْ صغائرُه؛ كالنظرِ وشبهِه، قطعًا بظاهرِ هذه الآية، وظاهرِ الحديث. وأما الأصوليون، فقالوا: لا يجبُ (٣) على القطع تكفيرُ الصغائرِ باجتناب الكبائر، وإنما محملُ (٤) ذلك على غلبة الظن، وقوةِ الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودلَّ على ذلك؛ أنا لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثلِ الفرائضِ بتكفير (٥) صغائره (٦) قطعًا، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنْ لا تباعَةَ فيه، وذلك نقض لعُرى الشريعة، ومحملُ ذلك عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر، والآيةُ (٧) التي قيدت الحكمَ،

стр. 3021

ورُدَّ إليها هذه المطلَقاتُ كلَّها: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، انتهى كلام ابن عطية رحمه اللَّه تعالى (١). قلت: وهذه الكبائرُ الثلاثُ المذكورة في الحديث متقاربةٌ (٢) -أيضًا (٣) - في أنفسِها، و (٤) أعظمها، بل أعظمُ الكبائر مطلقًا الإشراكُ باللَّه، مع أنه يحتمل أن يراد به هنا: مطلَقُ الكفر، وإنما خُصَّ بالذكر؛ لغلبتِهِ في الوجود (٥)، لاسيما في بلاد العرب، فذكر تنبيهًا على غيره من أنواع الكفر، ويبعدُ أن يُراد به خصوصُه؛ لأن ثَمَّ من الكفر (٦) ما هو أشدُّ قبحًا منه، وهو كفرُ التعطيل؛ وكأنه -واللَّه أعلم- إنما سُمِّيَ كبيرة؛ تغليبًا لما ذكر معه عليه، وإلا، فكلُّ الصيدِ في جوف الفَرا. الثاني: قوله ﵊: "وعقوق الوالدين": لا شك أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر؛ لما لهما من الحق على الولد، وقد صرح الكتابُ العزيز بالوصية بهما (٧)، والشكر لهما، حتى قرن

стр. 3022

-تعالى- شكرَهما بشكره (١)، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء: ٢٣]، الآياتِ، هذا من حيث الجملة. وأما من حيث التفصيلُ، فإنه يعسُر (٢) ما يجب من حقهما على التعيين (٣). قال الشيخ عز الدين ﵀: ولم أقف في عقوق الوالدين، ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أَعتمدُ عليه؛ فإنَّ ما يحرُم (٤) في حق الأجانب، فهو حرامٌ في حقهما، وما يجبُ للأجانب، فهو واجبٌ لهما، ولا يجب على الولد طاعتُهما (٥) في كلِّ ما يأمران به، ولا في كل ما ينهيان عنه، باتفاق العلماء، وقد حرم على الولد السفر إلى الجهاد إلا بإذنهما؛ لما يشق عليهما من توقُّع قتله، أو قطعِ عضوٍ من أعضائه، ولشدة تفجُّعهما على ذلك (٦)، وقد أُلحق بذلك كلُّ سفر يخافان فيه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، وقد (٧) ساوى

стр. 3023

الوالدان (١) الرقيقَ (٢) في النفقة، والكسوة، والسكنى (٣). وقال ابنُ عطية عند قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]: وقد وطأت الآية الأولى -يعني: قوله تعالى- (٤): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]: الأمر ببر الوالدين وتعظيمه، ثم حكمَ بأن ذلك لا يكون في الكفر والمعاصي. وجملةُ هذا الباب: أن طاعة الوالدين لا تُراعى في ركوب (٥) كبيرة، ولا في ترك (٦) فريضة على الأعيان، ويلزم طاعتُهما في المباحات، ويُستحسن (٧) في ترك الطاعاتِ الندبِ، ومنه أمرُ جهاد الكفاية، وإجابةُ الأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب؛ لكن يُعلل (٨) بخوف هلكها (٩) عليه، (١٠) ونحوها مما (١١) يبيح قطع الصلاة،

стр. 3024

فلا يكون غيره (١) أقوى من الندب. وخالف الحسنُ في هذا التفصيل، فقال: إن منعته أُمه من شهود العِشاء الآخرةِ شفقةً (٢) (٣)، فلا يُطعها (٤) (٥). وقد صنف الناس في بر الوالدين، وهذا ألخَصُ ما رأيت، واللَّه أعلم. الثالث: قوله ﵊: "وشهادة الزور، وقولُ الزور" (٦): إن قلت: ما الحكمةُ في اهتمامه ﵊ بشهادة الزور، أو قول الزور (٧)، وشدة التنفير عن ذلك، وقد ذكر معها ما هو أشدُّ مفسدةً منها، وهو الإشراك، ولم يؤكِّدْهُ ما أَكَّدَ شهادةَ الزور، ولا نفَرَ عنه تنفيرَه عنها (٨)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن شهادة الزور لا تنفِرُ النفسُ عنها نفورَها عن الإشراك؛

стр. 3025

إذ لا يقع في ذلك أذى (١) المسلمين اختيارًا وقصدًا، ففي الطباع وازعٌ (٢) عنه؛ بخلاف شهادة الزور، فإنها أسهلُ (٣) وقوعًا، والتهاونُ بها أكثرُ، والحواملُ عليها متعددة من العوامل (٤)، والرشا، وغير ذلك، فاحتيج إلى توكيدها والاهتمام بها ما لم يُحتج إلى الإشراك، اكتفاءً بما في جِبِلَّة المسلمين من النفور عنه. والثاني: أن شهادة الزور -وإن كانت مفسدتها أخفَّ من مفسدة الإشراك-، فهي متعدِّية الفساد إلى غيرِ الشاهد، وهو (٥) المشهودُ له، والمشهودُ عليه، ومفسدةُ الإشراك قاصرة على صاحبها، فكان الاهتمام بها آكدَ لذلك، واللَّه أعلم. وأما عقوقُ الوالدين فالطبعُ صارفٌ عنه، فاكتفى بذلك عن توكيده، واللَّه أعلم (٦). الرابع: قوله ﵊: "وقول الزور" فيه عندي أدنى إشكال، وذلك أنه لا يخلو أن يُراد يقول الزور: شهادةُ الزور خاصة، أو يراد: قولُ الزور مطلقًا؛ شهادةً كانت أو كذبًا، ونحو

стр. 3026

ذلك، فإن كان الأول، فلمَ أتى بعده بشهادة الزور، بل لِمَ لَمْ يكتفِ بقوله ﵊: "وشهادةُ الزو" عن قول الزور؛ لصراحتها بالمعنى المقصود من ذلك (١)، ونَصّيِّتِها عليه؛ لأن كلَّ شهادةِ زورٍ قولُ زور، وليس كلُّ قولِ زورٍ شهادةَ زور، وإن كان الثاني، لزم (٢) أن تكون الكذبةُ الواحدة مطلقا كبيرةً، وليس كذلك، فإنه قد نص الفقهاءُ على أن (٣) الكذبة الواحدة وما يقاربها لا تُسقط العدالةَ، ولو كانت كبيرةً، لأسقطت. فإن قلت: لم لا يحمل (٤) قولُ الزور على الكذب بخصوصه (٥)، فيتعين ذكرُ شهادة الزور بعدُ، فيحصل فائدتان: النهيُ عن الكذب بخصوصه، والنهيُ عن شهادة الزور، أو يُحمل قولُ الزور على إطلاقه، وشهادةُ الزور على بابها، ويكون ذلك من باب ذكر الخاصِّ بعد العام؟ قلت: لو كان كما قلت في الوجهين، للزم أن يكون أكبرُ الكبائر أربعًا، وقد قال ﵊: ثلاثًا (٦)، فيثبت وجودُ

стр. 3027

الإشكال، فعلى المتأمل طلبُ صوابه (١). * * *

стр. 3028

الحديث السادس ٣٧٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى ناَسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ (١)، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢).

стр. 3029

* الشرح: المقصودُ المهمُّ (١) من هذا الحديث: معرفةُ المدَّعي، والمدَّعى عليه؛ فإن الحكم متوقفٌ على ذلك، وقد قال أصحابنا: المدَّعي: مَنْ تجردتْ دعواه من أَمْر بصدقه، أو كان أضعفَ المتداعِيَيْنِ. والمدَّعى عليه: من ترجَّحَ جانبهُ بمعهودٍ أو أصلٍ. فإذا ادعى أحدُهما ما يخالف العرفَ، وادعى الآخر ما يوافقه، فالأولُ المدعي (٢)، وكذلك كل (٣) من ادعى وفاءَ ما عليه، أو ردَّ ما عندَه، من غير أمر بصدق (٤) دعواه، فإنه مدَّع، إلا المودعَ إذا ادَّعى ردَّ الوديعة، فإنه يصدق؛ لترجُّح (٥) جانبه بالاعتراف له (٦) بالأمانة، فإن أشهدَ عليه،

стр. 3030

فهل هو بأن على ائتمانه (١) أم (٢) لا؟ فيه (٣) خلاف. ثم الدعوى المسموعةُ هي الدعوى الصحيحة، وهو أن يكون المدعى به معلوما محقَّقًا، فلو قال: في عليه شيءٌ، لم تُسمع دعواه، وكذلك لو قال: أظنُّ أن في عليك كذا وكذا (٤)، أو لك (٥) عليَّ كذا وكذا. والحديثُ دالٌّ على مطلق إيجاب اليمين على المدَّعى عليه، وإن غلب على الظن صدقُ المدعي، لا يدل لفظُه على أكثر من ذلك. وهذه كلُّها تصرفات من الفقهاء فيه من تخصيص عموم، وكذلك اشتراط الخلطة بين المتداعيين (٦)، أو ما يقوم مقامَها (٧) في اليمين عندنا، وقد اختُلف في حقيقتها. فقال ابن القاسم: هي أن تُسالفه (٨)، أو تُبايعه، أو تشتري (٩) منه

стр. 3031

مرارًا، وإن تقابضا في ذلك (١) الثمن وإن تفاصلا قبل التفرق، وقاله أصبغ. وقال سحنون: لا يكون (٢) خلطةً إلا بالبيع والشراء من الرجلين المتداعيين. وقال الشيخ أبو بكر: معنى ذلك: أن ينظر إلى دعوى المدَّعي، فإن كان يشبه (٣) أن يدَّعي بمثلها على المدَّعى عليه، أُحلف له، وإن كانت ممن لا تشبه (٤)، وينفيها العرف، لم يحلف، إلا أن يأتي المدعي بلطخ (٥). وقال القاضي أبو الحسن: ينظر (٦) إلى المتداعيين، فإن كان المدعى عليه يشبه أن يعامل المدعي، أُحلف. ومنهم من قال: المسألةُ على ظاهرها، ولا يحلف إلا بثبوت الخلطة بينهما والمعاملة، وفي ذلك فروع وتفصيل موضعها كتب الفقه المطولة. أما لو ادعت المرأة على زوجها طلاقًا، والعبدُ على سيده عتقًا،

стр. 3032

لم يحلفا، وكذلك لو ادعى الرجل على امرأة نكاحًا، لم يجب عليها يمين في ذلك، قال سحنون: إلا أن يكونا طارئين. وفي ذلك كله خلافٌ لغيرنا (١)، أخذًا بعموم هذا الحديث. قال الإمام: وذلك لو وجب اليمين لكلِّ أحدٍ على كل (٢) أحدٍ، من غير اشتراط خلطة، لابتذلَ السفهاءُ (٣) العلماءَ و (٤) الأفاضلَ بتحليفهم مرارًا كثيرة في يوم واحد، فجُعلت مراعاةُ الخلطة حاجزًا من ذلك، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 3033

كِتْابُ الْأَطْعِمَة

стр. 3034

كِتْابُ الأطعمة الحديث الأول ٣٧١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيهِ إِلَى أُذُنيهِ-: "إِنَّ الحَلَالَ بيِّنٌ، وَإِنَّ (١) الحَرَامَ بيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعيِ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ (٢) فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، إِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ" (٣).

стр. 3035

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي بُني عليها الدين -كما تقدم-، وهو أصلٌ في باب الورع والتحفُّظ، وتركِ الشبهات على ما سيأتي. الثاني: الحلالُ في اللغة: مصدرُ حَلَّ لكَ (١) الشيءُ، يَحِلُّ حِلاًّ وحلالًا. وهو في الشرع: ما قام الدليلُ على إباحته، ولم يمنع منه مانعٌ شرعي، والحرامُ عكسُه، والشبهاتُ دائرة بينهما.

стр. 3036

ق: وللشبهات مثارات، منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحريم، والتحليل، وتعارض الأمارات والحجج، ولعل قوله ﷺ : "لا يعلمهنَّ (١) كثيرٌ من الناس" إشارة إلى هذا المثار، مع أنه يحتمل أن يراد: لا تُعلم عينُها، وإن عُلم حكمُ أصلِها في التحريم والتحليل، وهذا -أيضًا- من مثار الشبهات. وقوله ﵊: "فمن اتقى الشُّبهاتِ، استبرأ لدينه وعرضِه" أصلٌ في الورع. قلت: وقد أوردَ بعضُ الناس (٢) إشكالًا على قاعدة الورع، فقال ما معناه: إن كان هذا الشيء مباحًا، كان مستويَ الطرفين (٣)، وما استوى طرفاه، يستحيل الورعُ فيه، لأن الورع يرجَّح (٤) فيه جانبُ الترك، والرجحانُ مع التساوي محالٌ، وجمع بين المتناقضين، وأفرد في المسألة تصنيفًا. والجواب عن هذا من وجهين. أحدهما: أن لنا أولًا أن نمنعَ أن كلَّ مباح مستوي الطرفين؛ إذ المباح قد يُطلق على ما لا حرجَ في فعله، وإن لم يكن مستوي الطرفين، فالمباحُ على هذا التقدير أعمُّ من كونه مستوي الطرفين (٥)،

стр. 3037

والدالُّ على العام لا يدلُّ على الخاصِّ بعينِه (١). وقد ذهب بعضُ أهل الأصول (٢) إلى حصر الأحكام الشرعية في قسمين: التحريم، والإباحة، وفُسرت الإباحةُ هنا بجواز (٣) الإقدام الذي يشمل الوجوبَ، والندبَ، والكراهةَ، وخرج على ذلك قوله ﵊: "أَبْغَضُ المُبَاحِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ" (٤)؛ فإن البغضةَ تقتضي (٥) رجحان الترك، والرجحانُ مع التساوي محالٌ -كما تقدم-، سلَّمنا أنه مستوي الطرفين؛ لكنه -وإن كان مستوي الطرفين حالًا-، فهو ليس بمستوي الطرفين مآلًا. بيان ذلك: أن النفس إذا (٦) تعودت الاستغراقَ في المباحات، والانهماكَ في ملذوذ (٧) الشهوات، وإن كانت مباحةً، خيف عليها بسبب ذلك الوقوعُ في المكروه، أو (٨) الحرام؛ لأنه ليس (٩) بعدَ المباح مما

стр. 3038

هو مطلوبُ التركِ غيرُهما (١)، ويكفي على ذلك شاهدًا قوله ﵊: "مَنْ حامَ حولَ الحِمى يوشك أن يقعَ فيه"، وأين مَنْ جعلَ بينه وبين الحرام حاجزًا ممن لم يجعلْه؟! الثاني (٢): أنَّا قد أجمعنا على أن الخروج من الخلاف أولى من الدخول فيه إذا أمكنَ، ومن أخذ (٣) في مسألة بأحد قوليها أو أقوالها؛ كان ذلك مباحًا له، لا سيما إن كان ذلك القولُ هو الراجحَ، فقد سلَّمَ هذا المعترضُ لمن (٤) أخذَ بما يُباح له شرعًا: أن الرد (٥) أولى فيما لم يعارضه معارضٌ يكون أولى من الترك، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: " (٦) فقد استبرأ لدينه وعرضِه"؛ أي: احتاطَ لدينه، وتحرَّزَ (٧)، وتحفَّظَ. والدين في اللغة يطلق بإزاء معان ثمانية: الملة، وسُمي حظُّ الرجل منها في أقواله، وأعماله، واعتقاداته (٨) دِينًا، وكان هذا هو المراد في الحديث لا غيرُ، والعادةُ، وسيرةُ الملك وملكه، والجزاءُ، والسياسةُ،

стр. 3039

والحال، والداء، عن اللَّحياني، وقد ذكرت (١) شواهدها ودلائلها في "شرح الرسالة"، أعاننا (٢) اللَّه على إكماله. وأما العِرْض: فقال الجوهري: هو رائحةُ الجسدِ وغيرِه، طيبةً كانت، أو خبيثة، يقال: فلان طيبُ العرضِ، ومنتنُ العرضِ، وسقاءٌ خبيثُ العرض: إذا كان منتنًا، والعِرض -أيضًا- الجسدُ، وفي صفة أهل الجنة: "إِنَّمَا هُوَ عَرَقٌ يَجْرِي (٣) مِنْ أَعْرَاضِهِمْ" (٤)؛ أي: من أجسامهم. والعِرْض -أيضًا-: النفسُ، يقال: أكرمتُ (٥) عنه عِرضي، أي: صنتُ عنه نفسي، وفلان نقيُّ العِرض؛ أي: بريء من أن يُشتم أو يُعاب، وقد قيل: عِرضُ الرجل حَسَبُه (٦). وأشبهُ ما يُفسر به العرضُ هنا: النفس، أي: استبرأ لنفسه من أن يلام على ما أتى (٧)، واللَّه أعلم. وقوله ﵊: "ومن وقعَ في الشبهات، وقعَ في الحرام": يحتمل وجهين:

стр. 3040

أحدهما: أن من تَعاطَى الشبهات، وداوم عليها، أفضت (١) به إلى الوقوع في الحرام؛ كما قلناه في قوله ﵊: "مَنْ حامَ حولَ الحِمى" الحديث. والثاني: أنَّ من تعاطى الشبهات، وقع في الحرام في نفسِ الأمر، وإن كان لا يشعر بها، فمنع من تعاطي الشبهات لذلك، قاله ق (٢). الثالث (٣) قوله ﵊: "كالراعي [يرعى] حول الحمى يوشكُ أن يرتعَ فيه" من التشبيه والتمثيل، ولا يختلف فيما دخلت عليه كاف التشبيه أنه حقيقة، وإنما يكون التمثيل مجازًا عند عدمها، كقولك: فلانٌ أسدٌ، أو (٤) رأيتُ أسدًا، ونحو ذلك. ويوشك -بكسر الشين- ليس إلَّا، ومعناه: يحقُّ ويقرُب (٥)، وهي أحدُ أفعال المقاربة العشرة المتقدمِ ذكرُها. فيه: دليلٌ على سدِّ الذراع، والتباعدِ عمَّا يحاذر، وإن ظن السلامةَ في مقاربته. والحِمَى: المحظورُ على غيرِ ما ملكه، وهو الذي لا يقرب احترامًا لمالكه، وهو (٦) المَحْمِيُّ، فالمصدرُ فيه واقعٌ موقعَ اسمِ المفعول،

стр. 3041

وتثنيته حِمَيَان، وسمع الكسائي (١) تثنيته حِمَوَان، والصوابُ الأول (٢)؛ لأنه من باب: فتى، ورَحًا؛ مما لامُه ياء، وإن كان قد جاءت لغةٌ شاذة في تثنية رَحًى، قالوا فيها (٣): رَحَوَان على لغة من قال: رَحَوْتُ بالرَّحى، وهي لغة قليلة جدًا. والمضغة: قَدْرُ ما يُمضغ من اللحم، والمراد بها هنا (٤): القلب؛ كما فسرها ﵊، وليس المراد بالصلاح والفساد اللحمة الصنوبرية، وإنما المراد: المعنى القائم بها الذي هو محلُّ الخطاب والتكليف، وهذا مما يستدل به على ما ذهب إليه الجمهور؛ من أن العقل محلُّه القلب، لا الدماغ -على ما تقدم-؛ لترتيبه (٥) ﵊ الصلاحَ والفساد عليه (٦) دونَ ما عداه، وهو محل الاعتقادات، والعلوم، والأفعال الاستتارية (٧)، بأن قد عبر عنه بالعقل نفسه. قال الفراء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]: أي: عقل، وهو من الألفاظ المشتركة، يقع

стр. 3042

-أيضًا (١) - على (٢) الكوكب النَّيِّرِ (٣) الذي بجانبه (٤) كوكبان، وعلى مصدرِ قَلَبَ، وقالوا: عربي قلب؛ أي: خالص، يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والجمع. قال الجوهري: وإن نسبتَ، قلتَ: امرأة عربية (٥)، وثَنَّيْتَ، وجَمَعْتَ، وقلبُ النخلة لُبُّها، وفيه ثلاث لغات -أعني: قلبَ النخلة-: قَلْبٌ وقُلْبٌ وقِلْبٌ، والجمعُ القِلَبة (٦). وقد قيل: إن للقلب عينين وأُذنيين، وهذا إنما يعلمه أهلُ الكشف والاطلاع، وقد تكلم الناس على ذلك (٧) كثيرًا؛ كالغزالي وغيره (٨)، واللَّه الموفق. * * *

стр. 3043

الحديث الثاني ٣٧٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا، وَأَدْركْتُهَا فأَخَذْتُهَا، فَأتَيْتُ بِهَا أَيا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكهَا وَفَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ (١) (٢).

стр. 3044

* الشرح: "أنفَجْنا" -بفتح الهمزة والفاء وسكون الجيم-: أي: أَثَرْنا وذَعَرْنا فنفجَ (١). ومَرُّ الظَّهْران: موضعٌ معروف قربَ مكةَ، شرفها اللَّه تعالى (٢)، وإعرابه بالحركات، وإن كان في صورة المثنى، فهو كالبحران (٣)، لموضع أيضًا. ولَغَبوا -بفتح اللام والغين المعجمة -؛ أي: تعبوا، وأَعْيَوْا، والكسرُ ضعيف، أعني (٤): في الغين (٥) المعجمة من لَغَبُوا (٦) (٧). فيه: جوازُ أكل الأرنب، كما هو مذهبُ مالك، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والعلماءِ كافة، إلا ما يُحكى (٨) عن عبد اللَّه بن عمرِو بنِ العاص،

стр. 3045

وابنِ أبي ليلى: أنهما كرهاها، ودليلُ الجمهور؛ هذا الحديث، وما يُقاربه من الأحاديث. ح: ولم يثبت في النهي عنها شيء (١). قلت: وفيه: دليلٌ على الهدية وقَبولها (٢)، وقد كان ﵊ يحبُّ الهديةَ، ويكرهُ الصدقةَ، وقد تقدم في حديث بَريرةَ: "وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ"، وكان ﵊ يكافىء عليها. لا يقال: كيف يجمع بين هذا، ونصِّ الفقهاء على تحريم هدية القاضي؟ لأنا نقول: ليس هذا من هذا الباب؛ لفقدان المعنى الموجود في غيره، وهو خوفُ الميل عن الحقِّ في حقِّ الخصم، وهو ﵊ معصومٌ من ذلك إجماعًا. * * *

стр. 3046

الحديث الثالث والرابع ٣٧٣ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ ﵂، قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاه (١). وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَحْنُ بِالمَدِينَةِ (٢).

стр. 3047

٣٧٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللَّه ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لحُوُمِ الخَيْلِ (١). وَلِمُسْلِم وَحْدَهُ: أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الخَيْلَ وَحُمُرَ الوَحْشِ، وَنهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الحِمَارِ الأَهْلِيِّ (٢).

стр. 3048

* الشرح: ظاهرُ هذين الحديثين: جوازُ أكلِ لحوم الخيل من غير كراهة، وهو مذهب الشافعيِّ، وأحمدَ. وعندَنا في المذهب (١) ثلاثة أقوال: بالكراهة، والتحريم، والإباحة، والظاهر منها، وأظنه المشهور: الكراهة. والصحيح عند الحنفيين التحريم، وقيل: مكروهة (٢). فأما الشافعيُّ، فتمسك يقول جابر، وأذن في لحوم الخيل، والإذنُ إباحة. وقد يتعلق القائلون بالتحريم بما روى النَّسائيُّ، وأبو داود عن خالد بن الوليد: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لَا يَحِلُّ أكْلُ لُحُومِ الخَيْلِ، وَالبِغَالِ، وَالحَمِيرِ" (٣)، قال النَّسائيُّ: يشبه إن كان هذا صحيحًا، أن يكون منسوخًا، لأن قوله: "أذنَ في لحومِ الخيل" دليلٌ على ذلك (٤). ق (٥): اعتذر بعضُ الحنفية عن هذا الحديث بأن قال: فعلُ

стр. 3049

الصحابةِ في زمن رسول اللَّه ﷺ إنما يكونُ حجةً إذا علمَهُ النبيُّ ﷺ ، وفيه شكٌّ على أنه معارَضٌ بقول بعض الصحابة: إن النبي ﷺ حرم لحومَ الخيل، ثم إن سلمَ من المعارِض، ولكن لا يصحُّ التعلقُ به في مقابلة دلالة النص. قال: وهذه إشارة إلى ثلاثة أجوبة: فأما الأول: فإنما يرد على هذه الرواية والرواية الأخرى لجابر، وأما الرواية (١) التي فيها: "وأَذِنَ في لحومِ الخيل"، فلا يرد عليها (٢) التعلق. والثاني: وهو المعارض بحديث التحريم، فإنه ورد بلفظ النهي، لا بلفظ التحريم من حديث (٣) خالد بن الوليد، وفي ذلك الحديث كلامٌ ينقص به عن مقاومة هذا الحديث عند بعضهم. وأما الثالث: فإنه أراد بدلالة الكتاب: قولَه تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] , ووجه الاستدلال: أن الآية خرجت مخرجَ الامتنان بذكر النعم؛ على ما دلَّ عليه سياقُ الآيات التي في سورة النحل، فذكر اللَّه -تعالى- الامتنانَ مع الركوب والزينة في الخيل والبغال والحمير، وتركَ الامتنانَ بنعمة الأكل؛ كما ذكر في الأنعام، ولو كان الأكلُ ثابتًا، لما تركَ الامتنانَ به؛ لأن نعمة

стр. 3050

الأكل في جنسها فوقَ نعمة الركوب والزينة؛ فإنه يتعلق بها البقاءُ بغير واسطة، ولا يحصل تركُ الامتنان بأعلى النعمتين، وذكرُ الامتنان بأدناهما، فدل (١) تركُ الامتنان بالأكل على المنعِ منه، لا سيما وقد ذكر نعمةَ الأكل في نظائرها من الأنعام، وهذا، وإن كان استدلالًا حسنًا، إلا أنه يجاب عنه من وجهين: أحدهما: ترجيحُ دلالة الحديث على الإباحة على هذا الوجه من الاستدلال من حيثُ قوتُه بالنسبة إلى تلك الدلالة. والثاني: أن يطالب بوجه الدلالة على عين (٢) التحريم؛ فإن ما يُشعر به تركُ الأكل أعمُّ من كونه متروكًا على سبيل الحرمة، أو على سبيل الكراهة (٣). قلت: أما الوجه الثاني: فلا بأسَ به، وأما (٤) الأولُ: فلهم أن ينازعوا في كون دلالة هذا الحديث على الإباحة أقوى من دلالة الآية (٥) على المنع، فيحتاج إلى دليل على ما قال، وإلا لم (٦) يتمَّ له الجواب، واللَّه أعلم.
следующие страницы →