← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وغيرُه. وفيه: إباحةُ الأكل مما أمسكَ (١)، وإن أكلَ، ومحملُ حديثِ (٢) مسلمٍ في النهي على (٣) التنزيه والاستحباب، ومحمل (٤) حديث أبي ثعلبةَ على الإباحة، حتى لا تتعارض الأحاديث (٥). قال بعضهم: وربما عُلل حديثُ عديٍّ بأنه كان من المياسير، فاختير له الحملُ على الأولى، وأن حديث (٦) أبي ثعلبةَ كان على عكس ذلك، فأخذ له بالرخصة، واستُضعف؛ لكونه ﵊ علل عدمَ الأكل بخوفِ الإمساك على نفسه. ق (٧): اللهمَّ إلا أن يقال: إنه علل بخوف الإمساك، لا بتحقيقه، فيجاب عن هذا: بأنا إذا شككنا في السبب (٨) المبيح، رجعْنا إلى الأصل، وكذلك إذا شككنا في أن الصيد مات بالرمي، أو (٩) لوجود سبب آخر يجوز أن يحال عليه الموت، لم يحلَّ؛ كالوقوع في الماء مثلًا.

стр. 3082

بل وقد (١) اختلفوا فيما هو أشدُّ من ذلك؛ وهو ما إذا بانَ (٢) عنه الصيدُ، ثم وجده ميتًا، وفيه أثرُ سهمه، ولم يعلم وجودَ سبب آخر، فمَنْ حَرَّمه، اكتفى مجرد تجويز سبب آخر، وقد ذكرنا ما دلَّ عليه الحديثُ من المنع، إذا وُجد غريقًا؛ لأنه سببٌ للهلاك، ولا يعلم أنه مات بسبب الصيد، وكذلك إذا (٣) تردَّى من جبل؛ لهذه العلة، نعم يُسامح في خبطه على الأرض، إذا كان طائرًا؛ لأنه أمرٌ لا بد منه (٤). قلت: اختُلف عندنا في الصيد البائت يوجد من الغد مَيِّتًا، وقد أنفذَ (٥) مقاتلَه؛ فقال مالكٌ في "المدونة": لا يؤكل، قال: وتلك السنَّة (٦). وقال بعض أصحابنا: لأن الحيوان ينتشر (٧) في الليل، فيجوز أن يكون أعانَ (٨) على قتله ما انتشرَ من السباع والهوام، فلا يتحقق (٩) أن الكلبَ هو الذي أنفذَ مقاتلَه.

стр. 3083

قال بعضهم: وكذلك السهم قد يتقلَّبُ الصيدُ عليه، فيكون إنما أنفذتْ مقاتِلُهُ من تقلبه عليه، أو ألجأته الهوامُّ بالليل إلى (١) الحركة أو إلى المشي، فكان ذلك سببًا لإنفاذ مقاتله بعد أن كان السهمُ لم ينفذ (٢) مقاتله. وقال ابن الماجشون من أصحابنا: يؤكل إذا أنفذت مقاتله. قال الباجي: ولأن مغيبَ الصيد عن الصائد لا يمنعُ إباحتَه، أصلُ ذلك مغيبُه بالنهار، فإن (٣) لم تنفذ مقاتله، لم يؤكل؛ مخافة (٤) أن يكون إنما قتلَه بعضُ هوام الأرض. وقال ابن المواز: يؤكل في السهم، ولا يؤكل في البازي والكلب. وكأن الفرقَ عنده: أن السهم يوجد في (٥) موضع الإصابة، فإذا لم يُر هناك أثر لغيره، دلَّ على (٦) أن السهم قتله، وليس كذلك الكلب؛ لأنه ليس لجرحه علامةٌ يُعرف بها، فلا نأمن (٧) من (٨) أن يكون غيرُه قتلَه، وهذا كلُّه تصرُّف من الفقهاء ﵏.

стр. 3084

وظاهرُ الحديث: جوازُ الأكل، وإن بات اليومَ، أو اليومين، أو الثلاثة، وإن كان ذلك في الرمي بالسهام (١)، ولعلَّ ذلك مستَنَدُ ابنِ الماجشون في تفريقه بين السهم وغيره؛ أخذًا بظاهر الحديث، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 3085

الحديث الثالث ٣٨٣ - عَنْ سَالِمِ بْنِ عبد اللَّه بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ" (١). قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةْ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ (٢).

стр. 3086

* التعريف: سالمُ بنُ عبد اللَّه بنِ عمرَ بنِ الخطابِ، القرشيُّ، العدويُّ، المدنيُّ، التابعي. كنيتُه: أبو عمرو، ويقال: أبو عبد اللَّه. سمع: أباه عبد اللَّه، وأبا هريرة، ورافعَ بنَ خَديجٍ. روى عنه: الزهريُّ، وحنظلةُ بنُ أبي سفيان، وموسى بنُ عقبةَ، ونافع، وعَمْرُو بنُ دينار، وعبد اللَّه بن عُمَرَ، والقاسمُ بنُ عُبيد، وعِكْرِمَةُ بنُ عمارِ (١)، وفَضْلُ بنُ غَزوانَ، وأبو بكر بنُ حفصٍ، ويحيى ابنُ أبي إسحاق. مات في سنة ستٍّ ومئةٍ عقيبَ (٢) ذي الحجة، وصلَّى عليه هشامُ ابنُ عبد الملكِ في حجته التي حجَّ فيها، ولم يحجَّ في ولايته غيرَها. أخرج حديثه في "الصحيحين" (٣).

стр. 3087

* الشرح: كأن السرَّ في المنع من اقتناء الكلاب، إلا ما استُثْني: ما فيها من الترويع والعَقْر لمن يمرُّ بها. ق: ولعلَّ ذلك لمجانبة الملائكةِ لمحلِّها (١)، ومجانبةُ الملائكة أمرٌ شديد؛ لما في مخالطتهم (٢) من الإلهام إلى الخير، والدعاء إليه (٣). قلت: وفي هذا التعليل نظرٌ؛ إن قلنا: إن اقتناء الكلب محرَّم، إلا ما استُثني؛ لأن مخالطة (٤) الملائكة -على جميعهم (٥) السلامُ- زيادةُ خير (٦) وبركة، ولا يجب على الإنسان تحصيل ذلك، حتى يحرم عليه ما كان مانعًا منه، غايةُ ما في ذلك الندبُ، والندبُ لا يقاومه التحريمُ، فيرجَّحُ التعليلُ الأول؛ لأن ترويعَ المسلمِ وعقرَه حرامٌ، وذلك حاصلٌ بسبب اقتنائها.

стр. 3088

وإن قلنا: إن إقتنْاءَهَا مكروهٌ لا محرمٌ، فيترجح التعليلُ الثاني؛ لأن المكروهَ لا يُقاوم المحرَّمَ، وهو الترويعُ والعَقْر المذكوران، واللَّه أعلم. وقد استدل أصحابُنا على طهارتها بجواز اتخاذها للصيد من غير ضرورة؛ فإن ملابستَها مع الاحتراز عن مسِّ شيء منها أمرٌ شاق (١)، والإذنُ في الشيء إذنٌ في مكملات (٢) مقصوده؛ كما أن المنع من لوازمه مناسبٌ للمنع منه (٣)، وللاستدلال على المسألة موضعٌ غيرُ هذا. وإذا ثبتَ جوازُ اتخاذ الكلب (٤) للصيد والحرث والماشية، فقد اختُلف في جواز اتخاذه لغرض آخرَ بالقياس على ما ذُكر؛ كحراسة الدور، ونحو ذلك. وقد سئل مالكٌ ﵀ عن أهل الريف يتخذونها في دورهم خيفةَ اللصوص على دورهم، والمسافر يتخذ كلبًا يحرسه، فقال: لا أدري (٥) ذلك، ولا يُعجبني، إنما الحديث في الزرع والضَّرع، ولا بأس باتخاذ الكلاب للمواشي كلِّها، ولكن بغير شراء. وقال ابنُ كنانةَ من أصحابنا، وغيرُه: لا بأس أن تُشترى لما يجوز

стр. 3089

اتخاذُها له، هذا ما رأيته في مذهبنا. وقال ق: واختلف الفقهاء في اتخاذها لحراسة الدور (١) (٢). ولم أدر مَنْ أرادَ بالفقهاء (٣)، وكثيرًا ما يطلق هذا القولَ هكذا، وقليلًا ما يعزو إلى معيَّن، وكأنه اصطلاحٌ له اختصَّ به (٤)، هذا غالبُ حاله فيما رأيتُ من شرحه لهذا الكتاب رحمه اللَّه تعالى. قال مالك رحمه اللَّه تعالى: ويُقتل منها ما آذى، وما يكون بموضع لا ينبغي؛ كالفسطاط. وقوله: "وكانَ صاحبَ حرثٍ": يريد: أن أبا هريرة ﵁ لما كان صاحبَ حرث، عُني (٥) بتحقيق الحكم في ذلك؛ لضرورته إليه، حتى

стр. 3090

عَرَفَ منه ما جهلَ غيره؛ لأن المحتاج إلى الشيء أشدُّ اهتمامًا به من غيره، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3091

الحديث الرابع ٣٨٤ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ (١) النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبِلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ القَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشْرَةً مِنَ الغَنَم بِبَعيِرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: "إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِم أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا"، قَالَ: فَقُلْتُ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَاقُو العَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَت (٣) مَعَنَا مُدًى، أفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ قَالَ: "مَا أنهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ، فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ، فَمُدَى الحَبَشَةِ" (٤).

стр. 3092

* التعريف: رافعُ بنُ خَديجٍ -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة بعدها

стр. 3093

المثناة تحت بعدها جيم-: ابنُ رافعِ بنِ عَدِيِّ بنِ زيدِ بنِ جُشَمَ بنِ حارثةَ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، الأنصاريُّ، الحارثيُّ، المدني، كنيته أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو رافع. كان يخضِبُ بالصُّفرة، ويُحفي شاربَه، وكان يُعد من الرماةِ، أُصيب بسهمٍ يومَ أُحد في ترقوتة، فبقيت الحديدةُ في ترقوته، فقال له النبي (١) ﷺ : "إِنْ شِئْتَ نَزَعْتُ السَّهْمَ (٢)، وَتَرَكْتُ القُطْبَةَ (٣)، وَشَهِدْتُ لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّكَ شَهِيدٌ"، فتركها (٤)، وكان إذا ضحك فاستغربَ، بدا ذلك السهمُ. قلت: قال الجوهري: القُطْبةُ (٥): أصل الهدف (٦). استُصغر يومَ بدر، وأُجيز يومَ أحد. روي له عن رسول اللَّه ﷺ ثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا منها على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة.

стр. 3094

روى عنه: عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، والسائبُ بنُ يزيدَ، وحنظلةُ بنُ قيسٍ، وغيرُهم. قال الحافظ ابن زيدان: رافعُ بنُ خديج (١) هذا تُوفي سنة أربع وسبعين. ثم قال: ومما يبين لنا أن ابنَ عمرَ مات في هذه السنة، وأنَّ أبا نعيم قد أخطأ في ذكره في سنة ثلاث: أن رافعَ بنَ خديجٍ مات سنة أربع وسبعين، وابنُ عمرَ حيٌّ، وحضرَ جنازتَه. قلت: وكذا ذكره الحافظ (٢) أبو عليِّ بنُ السَّكَن في كتاب (٣) "الصحابة" له، في سنة أربع وسبعين، وكذلك ذكره الحافظُ عبدُ الغنيِّ المقدسيُّ (٤) في كتابه "الكمال" في سنة أربع أيضًا، واللَّه أعلم (٥). * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: "أُخُريات القوم"؛ أي: في أواخرهم.

стр. 3095

فيه: سَوْقُ الإمام رعاياه حفظًا لهم، وحياطةً (١) عليهم من عدوٍّ يكون (٢) وراءهم، ونحو ذلك، وكذا قيل: إنه كان يفعل ذلك في الحضر -أيضًا- يسوقُ أصحابَه ﷺ ، وهذا خلافُ ما يفعله بعضُ جهلةِ مشايخِ هذا الزمان، وربما ركبَ وأصحابُه مشاةٌ زهوًا وتكبرًا، وإظهارًا لتعظيم لنفسه، ومعاندةً للسنة، نعوذ باللَّه من ذلك. الثاني: قوله: "وأمر النبيُّ ﷺ بالقُدورِ فكُفئت"؛ أي: فرغت. ظاهره: إتلافُ ما فيها، وعدم الانتفاع به، فانظرِ السببَ الموجبَ لذلك، فإني لم أرَ فيه شيئا، ويبعُد عندي أن يكون سببُه استعجالهم بالذبحِ ونصب القدور قبلَ مشاورته ﵊، وأن يكون (٣) ذلك من باب العقوبة بالمال، واللَّه أعلم. الثالث: قوله: "ثم قسمَ، فعدلَ عشرةً من الغنم ببعيرٍ": ق: قد يُحمل (٤) على أنه قسمة تعديل بالقيمة، وليس من طريق التعديل الشرعي؛ كما جاء في البَدَنَة: أنها عن سبعة، ومن الناس من حملَه على ذلك. وقوله: "فنَّد منها بعيرٌ"؛ أي: شَرَدَ.

стр. 3096

والأَوابِدُ: جمعُ آبِدَة بوزن ضارِبة، تَأَبَّدَتِ الوحشُ: نَفَرَتْ من الإنسِ، وتَوَحَّشَتْ، وتأبَّدَتِ الديارُ: خَلَتْ من قُطَّانها (١)، وتَوَحَّشَتْ، ويقال: أَبَدَتْ -بفتح الباء- تأبِدُ وتأبُدُ -بالكسر والضم- أُبودًا (٢)، وجاء فلان بآبدةٍ؛ أي: كلمةٍ غريبة، أو خصلةٍ تنفر منها النفوسُ. ومعنى الحديث: أن من البهائم ما فيه نِفارٌ كنِفار الوحش (٣). الرابع: اختُلف في الإنسيِّ إذا توحَّشَ؛ هل يكون حكمُه حكمَ الوحش، أو لا؟ والمشهورُ من مذهبنا: لا يؤكل إلا بذكاة، وهو خلافُ ظاهرِ الحديث، إن قلنا: إنهم استغنوا (٤) بالسهم عن الذكاة، وإن قلنا: إنه ذُكِّي بعدَ حبسه بالسهم، وهو محتمل، فلا يكون في الحديث دليلٌ على أن المتوحش فزعًا يؤكل بما يؤكل به الصيد، بل يكون قوله ﵊: "فاصنعوا به هكذا"، معناه: ليمسَكْ، ثم هو باقٍ على أصله من كونِه لا يؤكَلُ إلا بالنحر، أو الذبح؛ كغيره. وأجازَ ابنُ حبيب أكلَه بما يؤكل به الصيدُ، الأصلُ في البقر

стр. 3097

خاصةً، قال: لأن لها أصلًا في التوحُّش. وأما أبو حنيفة، والشافعيُّ، فإنهما أخرجاه عن أصله، ورأيا تذكيتَه بما يُذَكَّى به الوحشُ؛ اعتبارًا بالحالة التي هو عليها، ووجودِ العلة التي من أجلها أُبيح العَقْر في الوحش؛ وهي عدمُ القدرة عليه، وكذا هذا المتوحشُ قد صار غيرَ مقدور عليه، واعتمدا على هذا الحديث (١). وقد قررنا بالاحتمال (٢) المذكور ما (٣) يمنعُ تعلُّقَهما. ثم يقول (٤): استيحاشُه وشرودُه لا يُخرجه عن أصله في باب الذكاة؛ كما لا ينقلُه عن أصله في سائر الأحكام، ألا ترى أنه باقٍ على ملك ربه، وأنه ليس حكمُهُ حكمَ الوحش في الجزاء إذا قتلَه محرمٌ، وفي جواز التضحية به، والعقيقة والهدي به؟! قال الإمام: وقد يتعلَّق المخالفُ بما خرَّج الترمذيُّ عن رجل ذكره: قلت: يا رسول اللَّه! أما (٥) تكون الذكاة إلا (٦) في الحلق واللَّبَّة؟ قال (٧): "لَوْ طَعَنْتَ في فَخِذِهَا، لأَجْزَأَ عَنْكَ"، قال يزيدُ بنُ هارونَ:

стр. 3098

هذا في الضرورة (١). قلت: وهي في كتاب الدارمي (٢) أيضًا (٣). وهذا الحديث لم يسلِّم بعض أصحابنا ثبوتَه (٤)، وقال بعضهم: يمكن أن يُراد به الصيدُ الذي لا يُقدر عليه، فكأنه ﷺ فهمَ عن السائل بقرينة حالٍ: أنه سأله عن صيدٍ أرادَ أن يتصيده، هل لا يُذَكَّى إلا في الحلق واللبة؟ فأجابه ﷺ بما قال، انتهى (٥). قلت: وأما المتوحش يتأنس فلا يؤكل إلا بما يؤكل به المتأنس، لا أعلم فيه خلافًا، إلا أنه (٦) صار مقدورًا عليه، فانتفت العلةُ [التي]

стр. 3099

من أجلها أُكل بالعقر، وهو عدمُ القدرة عليه. وقوله ﷺ : "ليسَ السنَّ"، رويناه بالنصب، ويجوز فيه الرفعُ على أن يكون اسمَ ليس، والخبر محذوف، و (١) تقديره ليسَ السنُّ والظفرُ من ذلك، والأولُ أظهر، ونصبُه على الاستثناء. قال الإمام: وقد اضطرب العلماءُ في ذلك، والذي وقع في مذهبنا منصوصًا: التفرقةُ بين المتصل والمنفصل، فيمنع حصولُ التذكية بالسنِّ والظفرِ المتصلَين بالإنسان، وتحصل التذكيةُ بالمنفصلين عنه (٢) إذا تَأَتَّتْ بهما التذكيةُ. وقد وقع في بعض ما نُقل عن مالك: المنعُ مطلقًا، ووقع لبعض أصحابنا: ما يُشير إلى صحة التذكية مطلقًا إذا أمكنتْ. فمن منعَ على الإطلاق، أخذَ الحديثَ على عمومه، لا سيما والإشارة بالتعليل فيه بالعظم تدلُّ على المساواة بين المتصل والمنفصل؛ لكون السنِّ عظمًا في الحالين. وأما الإجازةُ على الإطلاق، فيحمل الحديث على أن المراد به: سنٌّ يصغرُ (٣) عن التذكية، ولا نسلِّم القولَ بالعموم فيه، وكذلك يدَّعى على (٤)

стр. 3100

التخصيصَ في التعليل، فنقول (١): لما علم أن العظم لا تتأتى به الذكاة (٢)، وأن ذلك مما يعلمونه، أحالَ (٣) التعليلَ عليه. وأما (٤) المنصوصُ من المذهب؛ وهو التفرقةُ، فكأنه يرجع إلى هذا القول الآخرَ الذي هو [الإجازة على الإطلاق؛ لأن المجيز على الإطلاق يشترط كون التذكية متأتية بهما، ولكنه] (٥) لم يعين وجه الثاني، وعينه في المنصوص، فرأى أن كونه متصلًا يمنع من الثاني، ومنفصلًا لا يمنع منه، فلهذا فَرَّق بينهما. وأما العظمُ فتجوزُ التذكيةُ به إذا أمكنَ ذلك. قال: فيه ما قيل في السن، وقد كان بعض شيوخنا يشير إلى هذا، ويجريه مجرى السن، ويعتل بما ذكرناه حين التعليل به في الحديث (٦). وقوله: "وذُكر اسمُ اللَّه عليه" دليلٌ على التسمية أيضًا؛ لتعليقه الإباحة بشيئين، والمعلَّقُ على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما. والمدى: جمعُ مُدْيَة -بضم الميم وكسرها-، وهي الشَّفرة،

стр. 3101

ويجمع -أيضًا- مُدْيات، بإسكان الدال (١). والحبشةُ والحبشُ جنسٌ من السودان، والجمع الحُبْشان؛ مثل حَمَل وحُمْلان (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3102

باب الأضاحي ٣٨٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا (١).

стр. 3103

قال ﵁: الأَمْلَحُ: الأَغْبَرُ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ. * * * * الشرح: الأضاحي: جمع أُضْحِيَّة، وإِضْحِيَّة -بضم الهمزة وكسرها، وتشديد الياء فيهما-، ويقال أيضًا: ضَحِيَّة -بفتح الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء-، وجمعُها ضَحايا، ويقال: أَضْحَاةٌ، وجمعها أَضَاحِيُّ، وأَضْحى (١). قالوا: و (٢) سُميت بذلك؛ لأنها تُذبح يومَ الأضحى وقتَ الضُّحى (٣)، من أجل الصلاةِ ذلكَ الوقت. ولا خلاف أن الأضحية مطلوبة شرعًا؛ لكن ذلك على طريق الوجوب، أو الندب؟ خلاف. فقال (٤) أبو حنيفة: هي واجبة على كل حرٍّ، مسلمٍ، مقيمٍ، مالكٍ

стр. 3104

لنصابٍ من أَيِّ الأموالِ كان. وقال مالك: هي مسنونةٌ غيرُ مفروضة، وهي على كلِّ مَنْ قدرَ عليها من المسلمين من أهل الأمصار والقرى والمسافرين، إلا (١) الحاجَّ الذين (٢) بمنى، فإنهم لا أُضحية عليهم. وقال (٣) الشافعي، وأحمد: هي مستحبةٌ، إلا أن أحمد قال: لا يُستحب تركُها مع القدرة عليها. واتفق هؤلاء أنه لا يلزمه أضحية عن ولده الصغار، وإن كان موسرًا، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يلزمه عن كل واحدٍ منهم (٤) شاة. واختلفوا في الوقت الذي تجزىء فيه الأضحيةُ، فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يوم النحر، ويومان بعده. وقال الشافعي: ثلاثة أيام بعده إلى آخر انقضاء التكبير من اليوم الرابع. واتفقوا على أنه تجزىء الأضحية ببهيمة الأنعام كلِّها، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، وأفضلُها عندنا الغنمُ، ثم البقرُ، ثم الإبلُ، وقيل: الإبل، ثم البقر.

стр. 3105

وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمدُ: أفضلُها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم (١). وقد استدل أصحابنا على أفضلية الغنم بأمرين: أحدهما: اختيارُ النبيِّ ﷺ في الأضاحي الغنم. والثاني: اختيارُ اللَّه تعالى - ذلك في فداء الذبح. فائدة: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]، قيل: سُمي عظيمًا؛ لأنه رعى في الجنة سبعين خريفًا. وقيل: لأنه لم يكن من نسلِ حيوان، وإنما هو مكوَّنٌ بالقدرة. وقيل: لأنه متقبَّلٌ قطعًا. وقيل: لأنه بقي سُنَّةً إلى يوم القيامة. وقيل: لأنه فُديَ بهِ عظيمٌ، خمسة أقوال بين المفسرين. وفيه: دليلٌ على استحبابِ تعدادِ الأضحية؛ لتضحيته ﵊ بكبشين. وفيه: استحبابُ تولي الإنسان أضحيتَه بنفسه (٢)، وإن كان يجوز له (٣) أن يذبحَ له مسلمٌ غيرُه. وفيه: استحبابُ التكبير مع التسميةِ؛ كما هو مذهبُ الفقهاء (٤) (٥).

стр. 3106

وقد استحبَّ الشافعيُّ الصلاةَ على النبىِّ ﷺ مع التسمية، وخالَفهُ الجمهورُ في (١) ذلك. * * *

стр. 3107

كِتْابُ الْأَشْرِبَة

стр. 3108

كِتْابُ الأشربة الحديث الأول ٣٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ؛ مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. ثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان (١) عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنَ أَبْوَابِ (٢) الرِّبَا (٣).

стр. 3109

* الشرح: قد تَقَدَّمَ الكلامُ على تفسير لفظ: (أما) (١) ومعناها أولَ الكتاب بما يُغني عن الإعادة. وقوله: "أَيُّها الناسُ"، الأصل: يا أيها الناسُ، فحذف حرفُ النداء، وهذا أحدُ المواضع الأربعة التي (٢) يجوز فيها حذفُ حرف النداء، على ما هو مقرر في كتب النحو، والناسُ هنا: نعتٌ لا يُستغنى عنه، وهو -أيضًا- أحدُ المواضع الثلاثة التي (٣) يلزم فيها النعتُ وجوبًا. وقوله: "نزلَ تحريمُ الخمر" يريد -واللَّه أعلم-: قولَه تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ

стр. 3110

الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. وقد تقدَّمَ أن الإجماع منعقدٌ على تحريم الخمر العنبي النِّيءِ (١)، ولكنهم اختلفوا هل هي محرمة في كتاب اللَّه بنصٍّ، أو بدليل؟ والصحيحُ: محرَّمَةٌ فيه بالنص؛ لأن المحرَّمَ هو المنهيُّ عنه الذي توعَّدَ اللَّه عبادَه على استباحته، وقد نهى اللَّه عن الخمر في كتابه، وأمر باجتنابها، وتوعَّدَ على استباحتها، وقرنهَا بالميسر والأنصاب والأزلام في آية المائدة المتقدمة آنفًا، وهذا بلاع (٢) في الوعيد، ونهايةٌ في التهديد، وهاتان الآيتان ناسختان لآية البقرة؛ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، الآيةَ (٣)، ولآية النساء؛ قوله تعالى (٤): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآيةَ (٥)؛ لأن آية البقرة إنما تقتضي الذمَّ دونَ التحريم، فكانوا (٦) يشربونها؛ لما فيها من المنافع على أحد التفسيرَين، وقيل: المرادُ بالمنافع: الربحُ فيها؛ إذ (٧) كانوا يَتَّجِرون فيها إلى الشام، وأما آيةُ النساء، فقيل: إنها تقتضي الإباحةَ؛ لأنهم أُمروا فيها بتأخير الصلاة

стр. 3111

حتى يذهبَ السكرُ قبل أن تُحرم الخمرُ، فكان منادي رسولِ اللَّه ﷺ إذا أُقيمت الصلاة ينادي: لا يقرب الصلاةَ سكران، ثم نُسخ ذلك، فحرِّمت الخمر (١)، وأمروا بالصلاة على كل حال. قال القاضي أبو الوليد بنُ رشد ﵀: وإنْ طَالَبَ متعسفٌ (٢) جاهلٌ بوجود (٣) لفظِ التحريمِ لها في القرآن، فإنه موجود في غيرِ ما موضعٍ، وذلك أن (٤) اللَّه -تعالى- سماها رجسًا، فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، ثم نص على تحريم الرجس، فقال تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وسماها (٥) -أيضًا- في موضع آخر إثمًا، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم (٦) نص على تحريم الإثم، ثم قال تعالى (٧): ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ولو

стр. 3112

لم يَرِدْ في القرآن في الخمر إلا مجردُ النهي، لكانت السننُ الواردةُ عن رسول اللَّه ﷺ بتحريم الخمر مبينة لمعنى ما نهى اللَّه عنها، وأن مراده التحريمُ لا الكراهة؛ لأنه إنما بعثه ليبيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم، وقال ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا"، وقد أجمعتِ الأمةُ على تحريمها، فتحريمُها معلومٌ من دين النبي ﷺ (١) ضرورة، فمن قال: إِن الخمر ليست بحرام، فهو كافرٌ بإجماع، يُستتاب كما يُستتاب المرتدُّ، فإن تاب، وإلَّا قُتل، انتهى كلامه ﵀ تعالي. وفي الحديث: [دليلٌ] على أن اسمَ الخمر يقع على ما اعتُصر من العنب وغيرِه، وربما جاء ذلك صريحًا في غيرِ هذا الحديثِ من لفظ النبيِّ ﷺ ، وهذا مذهبُ أهل الحجاز، وخالفهم أهلُ الكوفة. وقوله: "وهي من خمسةٍ": قال الخطابي: فيه: البيانُ الواضح أن قولَ مَنْ زعمَ من أهل الكلام أن الخمرَ إنما هي (٢) عصيرُ العنب النيء الشديد منه، وأن ما عدا ذلك ليس بخمر، باطلٌ. قال (٣): وفيه دليل على فساد قولِ مَنْ زعم أن لا خمرَ إلا من العنب، والزبيب، والتمر، فكانوا (٤) يسمونها كلَّها خمرًا (٥)، ثم ألحقَ

стр. 3113

عمومُها كلَّ ما خامر العقلَ من شراب، وجعلَه خمرًا، إذ كان (١) في معناها؛ لملابسته (٢) العقلَ، ومخامرته إياه. وفيه: إثباتُ القياس، وإلحاقُ حكمِ الشيء بنظيره. وفيه: دليلٌ على جواز إحداثِ الاسم لشيء (٣) من طريق الاشتقاق بعدَ أن لم يكن، انتهى (٤). قلت: والواو من قوله: "وهي من (٥) خمسة" يحتمل أن تكون واو الحال، ويكون المعنى: نزل تحريمُ (٦) الخمرِ في حالِ كونها تُعْمَلُ من خمسة أشياء، ويجوز أن تكون استئنافيةً، فلا يكون للجملة موضعٌ من الإعراب، ويجوز أن تكون عاطفة للجملة على التي قبلها، أو المعنى على أنه أخبر أن الخمر تكون من خمسة أشياء، لا أنه نزل تحريمُ الخمر، وهو (٧) كذلك ولا بدَّ. وقوله: "الجَدُّ (٨) "؛ أي: و (٩) ميراثُ الجد.

стр. 3114

وقد اختلف الناس اختلافًا كثيرًا؛ من الصحابة فمَنْ بعدَهم، وقد قال عمر ﵁: قضيتُ في الجَدِّ بسبعينَ قضيةً، لا أَلْوِي في واحدة منها على (١) الحَقِّ، وفي لفظ آخر: "لا حَيَّاهُ اللَّهُ ولا بَيَّاه"، حتى اختلفوا هل هو أبٌ حقيقة، أو لا؟ على ما هو مذكور في كتب الفرائض. وأما الكلالَةُ، فقيل: هي (٢) كلُّ فريضةٍ لا وَلَدَ فيها. وقيل: هي كلُّ فريضة لا والدَ فيها. وقيل: كلُّ فريضةٍ (٣) لا ولدَ فيها، ولا والدَ، وهذا هو الظاهر (٤)، واللَّه أعلم. وهل هي اسمٌ للميتِ، أو للورثةِ، أو للفريضةِ؟ خلاف أيضًا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3115

الحديث الثاني ٣٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ البِتْعِ، فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ" (١). قال ﵁: البِتْعُ: نبَيذُ العَسَلِ.

стр. 3116

* الشرح: البِتْع: بكسر الباء الموحدة وسكون المثناة فوق وبالعين المهملة، ويقال بفتحها أيضًا. فيه: دليلٌ على تحريم كلِّ مسكر على الإطلاق، قليلًا كان أو كثيرًا، فالجمهورُ على أن ما أسكرَ كثيرُه، فقليلُه حرامٌ من جميع الأشربة، والكوفيون يحملونه على القَدْرِ المسكِر (١)، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بأبسطَ من هذا، واللَّه الموفق. * * *

стр. 3117

الحديث الثالث ٣٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ ﵁: أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا! أَلَم يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا" (١)؟!. * * *

стр. 3118

* الشرح: فُلانٌ المكنى عنه هو حمزةُ بنُ جندب، ومعنى جَمَلوها: أذابوها، ويسمى الشحمُ المذاب: جَميلًا، وتَجَمَّلَ؛ أي: أكلَ الشحمَ المذابَ. قال الجوهري: وقالت امرأةٌ لابنتها: تَجَمَّلي، وتَعَفَّفي (١)، [أي: كُلي الشحم]، واشربي العُفَافَةَ، وهو ما بقي في الضَّرْع من اللبن (٢). فيه: دليلٌ على أن ما حُرمت عينه، حُرم بيعه، ولهذا الحديث تعلُّق بمسألة بيع العَذِرةَ، وقد اختُلف فيها، وفي ظني أنها تقدمَتْ في البيوع. ق: وفيه: دليلٌ على استعمال الصحابة للقياس (٣) في الأمور من غير نكير؛ لأن عمر ﵁ قاسَ تحريمَ بيعِ (٤) الخمر عندَ تحريمها على بيع الشحوم عندَ تحريمها، وهو قياسٌ من غير شك، وقد وقع تأكيدُ (٥) أمره بأن قال فيمن خالفه (٦): قاتلَ اللَّهُ فلانًا (٧). * * *

стр. 3119

كِتْابُ اللبَاسِ

стр. 3120

كِتْابُ اللباس الحديث الأول ٣٨٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ" (١).
следующие страницы →