← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

* الشرح: البِتْع: بكسر الباء الموحدة وسكون المثناة فوق وبالعين المهملة، ويقال بفتحها أيضًا. فيه: دليلٌ على تحريم كلِّ مسكر على الإطلاق، قليلًا كان أو كثيرًا، فالجمهورُ على أن ما أسكرَ كثيرُه، فقليلُه حرامٌ من جميع الأشربة، والكوفيون يحملونه على القَدْرِ المسكِر (١)، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بأبسطَ من هذا، واللَّه الموفق. * * *

стр. 3117

الحديث الثالث ٣٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ ﵁: أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا! أَلَم يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا" (١)؟!. * * *

стр. 3118

* الشرح: فُلانٌ المكنى عنه هو حمزةُ بنُ جندب، ومعنى جَمَلوها: أذابوها، ويسمى الشحمُ المذاب: جَميلًا، وتَجَمَّلَ؛ أي: أكلَ الشحمَ المذابَ. قال الجوهري: وقالت امرأةٌ لابنتها: تَجَمَّلي، وتَعَفَّفي (١)، [أي: كُلي الشحم]، واشربي العُفَافَةَ، وهو ما بقي في الضَّرْع من اللبن (٢). فيه: دليلٌ على أن ما حُرمت عينه، حُرم بيعه، ولهذا الحديث تعلُّق بمسألة بيع العَذِرةَ، وقد اختُلف فيها، وفي ظني أنها تقدمَتْ في البيوع. ق: وفيه: دليلٌ على استعمال الصحابة للقياس (٣) في الأمور من غير نكير؛ لأن عمر ﵁ قاسَ تحريمَ بيعِ (٤) الخمر عندَ تحريمها على بيع الشحوم عندَ تحريمها، وهو قياسٌ من غير شك، وقد وقع تأكيدُ (٥) أمره بأن قال فيمن خالفه (٦): قاتلَ اللَّهُ فلانًا (٧). * * *

стр. 3119

كِتْابُ اللبَاسِ

стр. 3120

كِتْابُ اللباس الحديث الأول ٣٨٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ" (١).

стр. 3121

* الشرح: ظاهرُ الحديث، أو نصُّه يدلُّ على تحريم مطلَق الحرير للرجال، وحملَهُ الجمهور على المُتَمَحِّضِ منه، فلا يلبس الرجلُ الثوبَ منه (١). قال ابنُ حبيب من أصحابنا: ولا يلتحفُ به، ولا يفرُشُه (٢)، ولا يصلِّي عليه. (٣) قال أصحابنا: ولا يجوز إضافةُ شيء منه إلى الثياب، وإن (٤) كان يسيرًا. وأجاز بعضُهم اتخاذَ الطَّوقِ منه واللَّبِنَة؛ كما (٥) وقع في الحديث من استئناءِ العَلَم، وقد اختُلف فيه؛ فروى ابنُ حبيب: أنه لا بأسَ به، وإن عظم، لم يختلف في الرخصة فيه، والصلاة به. وروى (٦) ابنُ القاسم: أن مالكًا كرهَ لباسَ الملاحفِ فيها أصبعٌ أو أصبعانِ أو ثلاثةٌ من الحرير. قال ابن القاسم: ولم يُجز مالك من الحرير في الثوب إلا الخطَّ الرقيق.

стр. 3122

وأجاز الشافعي (١) نحوَ أربعةِ الأصابعِ في الثوب؛ لما في بعض الأحاديث من الرخصة في ذلك القدر. وفي هذا نظر؛ فإن أربعةَ (٢) الأصابع (٣) أعمُّ من أن تكون (٤) في الطولى أو العرض، والعرضُ والطولُ -أيضًا- يختلفان في أنفسِهما، فكيف يتحقق القدرُ المباح من ذلك مع هذا (٥) الاختلاف؟ هذا كلُّه في الخالص، فأما ما سُداه حرير، ولُحْمَتُه من غيره، فمكروه عندنا كراهيةَ (٦) تنزيه. واختُلف في الخز، والأكثرون على جوازه، وكرهه مالكٌ (٧) لأجل السَّرَف. ويجوز عندنا خياطةُ الثوب بالحرير. واستخفَّ ابنُ الماجشون من أصحابنا لباسَ (٨) الحرير في الحرب والصلاة به حينئذ؛ لإرهاب العدوِّ، ولم يَرَ ذلك مالكٌ، ولم يرَ ابنُ

стр. 3123

القاسم بأسًا بأن يُتخذ منه رايةً في أرض العدو. وأما السترُ يُعَلَّق، فقال ابنُ حبيب: لا بأس به. فأما النساءُ، فيباح لهنَّ لباسُه كيفَ شِئْنَ من وجوه (١) اللباس، ومما (٢) ينخرط في سلك اللباس سترُ الجُدُرِ، فمنهيٌّ عنه؛ لما رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نَهى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن تُستر الجدرُ بالحرير (٣)، إلا جدارَ الكعبةِ (٤). قلت: وظاهرُ هذا أو نصُّه: النهيُ عن ستر الجدر بحريرٍ أو غيرِه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3124

الحديث الثاني ٣٩٠ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (١): "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ" (٢).

стр. 3125

* الشرح: قد تقدم الكلامُ على أحكام الحرير في الحديث الأول. وأما الديباجُ: فبكسر الدال، وقد يفتح، وهو فارسي معرَّبٌ، ويُجمع على دَيابِيجَ. قال الجوهري: فإن قلت: دبابيج -بالباء- على أن يجعل أصله مشددًا؛ كما قلت في الدنانير (١). قلت: يريد: أن أصل (٢) دينار: دنَّار، بنون مشددة. وأما أواني الذهب والفضة، فالإجماعُ على تحريم استعمالها (٣) للرجال والنساء. وفي اقتنائها (٤) عندنا قولان: والأصح: التحريم، وإن كان لم يختلف في تملكها. واختُلف في الأواني من الجواهر واليواقيت؛ بناءً على أن التحريم

стр. 3126

لعينها، أو لأجل السَّرَف. ولو غُشِّيَ (١) الذهبُ برصاص، أو مُوِّهَ الرصاصُ بذهب، ففيه -أيضًا- عندنا قولان: والأصحُّ: منعُ ما فيه ضبة أو حلقة من ذهب أو فضة؛ كالمرآة ونحوها، قال مالك: لا يعجبني أن يشرب فيه، ولا أن ينظر فيها، واللَّه أعلم (٢). وقوله ﵊: "فإنها لهم في الدنيا"، (٣) الضمير في (لهم) مما يفسره سياق الكلام، والظاهرُ عَوْدُه على الكفار الذين يستعملونها، ويجوزُ -على بُعد- أن يعود على مستعملِيها (٤) من عُصاة المؤمنين؛ لأنهم يُحْرَمونها في الآخرة؛ كما في الحديث الآخر الدالِّ على ذلك، والأولُ أظهر، واللَّه أعلم (٥). * * *

стр. 3127

الحديث الثالث ٣٩١ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ، فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالقَصِيرِ، وَلَا بِالطَّوِيلِ (١).

стр. 3128

* الشرح: اللِّمَّة: بكسر اللام: الشَّعْرُ يُجاوز شحمةَ (١) الأذن، فإذا بلغتِ المنكبين، فهي جُمَّة (٢)، والجمعُ: لِمَمٌ، ولِمَامٌ (٣). والحُلَّة: ثوبان. والمنكِبُ: مجمَعُ عظمِ (٤) العَضُدِ والكَتِفِ (٥). فيه: دليلٌ على توفيرِ الشعر، وفَرْقه. قال القاضي أبو بكر: الشعرُ في الرأس زينةٌ، وفرقُه سُنَّةٌ، وحلقُه بدعةٌ، وحاله مذمومةٌ، جعلها النبيُّ ﷺ شعارَ الخوارج، قال في "الصحيح": "سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ" (٦)، وهو الحَلْق.

стр. 3129

قلت: هو بالسين المهملة، بعدها الموحدة، بعدها المثناة تحت، آخره دال مهملة، مصدرُ سَبَّدَ رأسَه: إذا استأصلَ شعرَهُ. قال الجوهري: والتسبيدُ -أيضًا-: تركُ الادِّهان (١). قال أصحابنا: ويجوز أن يتخذ جُمة، وهي (٢) ما أحاط بمنابت الشعر، ووَفْرَةً، وهو ما زاد على ذلك حتى يبلغ (٣) شحمةَ الأذنين (٤)، ويجوز أن يكون أطولَ من ذلك. وقد ذكر أبو عيسى في صفة النبي ﷺ عن عائشة (٥): أن شعره كان فوقَ الجُمَّة، ودونَ الوَفْرَة (٦). قال: ويُكره القَزَعُ: وهو أن يحلق البعضَ، ويتركَ البعضَ، شبه بالقزع، وهو قِطَع السحاب. قال أبو عبيد (٧): يتخصص القزعُ بتعددِ مواضعِ الحلق حتى تتعدد مواضع الشعر، وبذلك تحصل المشابهة.

стр. 3130

قال بعضُ متأخري أصحابنا (١): وهذا (٢) مساوٍ لما روي عن مالك. قال ابنُ وهب: سمعتُ مالكًا يقول: بلغني أن القزعَ مكروه، والقزعُ أن يترك شعرًا متفرقًا في رأسه. (٣) قال ابن وهب: وسمعتُه يكره القزعَ للصبيان، قال: وهو الشعر المتبدِّدُ في الرأس (٤). نفيسة فتحية: إن قلتَ: ما السرُّ في كونه (٥) ﵊ ليس بالطويل ولا بالقصير؟ قلت: لما ثبت أن (٦) خير الأمور أوساطُها، وكان ﵊ خيرَ الخليقة، ومعدِنَ الحقيقة، ناسبتْ صورتُه معناه، فكان وَسَطًا في الطول، وإنْ كان أطولَ الأطولين في الطول، فكمَّله اللَّه -تعالى- خَلْقًا وخُلُقًا، ورَقَّاه من درج الجمال والكمال (٧) أيَّ مرقى، ﷺ وآله وأصحابه (٨)، وشَرَّفَ وكَرَّمَ.

стр. 3131

الحديث الرابع ٣٩٢ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: أَمَرَناَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبعٍ، وَنهانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَناَ بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ أَوْ (١) المُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَنهانَا عَنْ خَوَاتِيمَ، أَوْ تَخَتُّم بالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ (٢) بِالفِضَّةِ، وَعَنِ المَيَاثِرِ، وَعَنِ القَسِّيِّ، وَلُبْسِ الحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ (٣).

стр. 3132

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: العيادة: أصلُها العِوَادَة؛ لأنه من عادَهُ يَعُودُهُ، فقلبت الواو ياءً؛ لانكسار ما قبلها، وهي من مادة العَوْدَ (١)؛ كما تقدم، وهو الرجوعُ إلى الشيء بعدَ انصرافه، إما انصرافًا بالذات، أو بالقول والعزيمة. قال الجوهري: والعَوْدُ: الطريقُ القديم (٢). زاد غيره: يعود إليه السَّفْرُ، فإن أُخذ من الأول، فقد (٣) يُشعر بتكرار العيادة، وإن أُخذ من

стр. 3133

الثاني بعدَ نقله نقلًا عرفيًا (١) إلى الطريق، لم يدل على ذلك (٢). وهي مستحبةٌ عند الجمهور، وقد تجب حيث يحتاج المريضُ إلى مَنْ يتعاهده، وإن لم يُعَدْ، ضاع، وأوجبها الظاهريةُ من غير هذا القيد لظاهرِ (٣) الأمر، قاله ق (٤). الثاني: قال أبو القاسم الحسينُ بنُ محمدِ بنِ المفضلِ (٥) الراغِب الأصفهاني: المرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان، وذلك ضربان: مرض جسمي، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ (٦) [التوبة: ٩١]. والثاني: عبارة عن الرذائل الخلقية؛ كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق، ونحوها (٧) من الرذائل، وشُبه الكفرُ والنفاقُ ونحوُهما (٨) من

стр. 3134

الرذائل بالمرض، إما لكونها (١) مانعةً من (٢) إدراك الفضائل؛ كالمرض المانعِ للبدن عن التصرف الكامل، وإما لكونها مانعةً عن (٣) تحصيل الحياة الأُخروية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وإما لميل النفس إلى الاعتقادات الرديئة ميلَ (٤) البدنِ المريض إلى الأشياء المضرَّة به؛ لكون هذه الأشياء متصوَّرة بصورة المريض، يقال: دَوِيَ صدرُ فلان، ونَغِلَ قلبُه؛ أي: طعن (٥)، قال ﵊: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ؟! " (٦)، ويقال: شمسٌ مريضة: إذا لم تكن مضيئة لعارِضٍ يعرِضُ لها (٧). الثالث: قوله: "واتِّباعِ الجنائزِ": قد تقدم ضبطُ تَبِعَ واتَّبَعَ في باب (٨): الحوالة، ويراد هنا: أن الاتباعَ تارة يكون بالجسم، وتارة

стр. 3135

يكون بالارتسام والائتمار، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيةَ، ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠، ٢١] الآيةَ، وإن كان حقيقةً: الاتباعُ بالجسم. والمجازُ كثيرٌ شائع. فمن الحقيقة: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣]، ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] , ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ [الكهف: ٨٩] , ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ [المؤمنون: ٤٤] , وهو كثير. وأما قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، فقالوا: يحتملَ الحقيقة والمجاز، والمجازُ هنا أقربُ، ومن المحتمل -أيضًا- ما (١) في هذا الحديث وما يقاربه من اتباع الجنازة، وينبني عليه: هل الأفضلُ المشيُ أمامَها، أو خلفَها؟ ويمكن أن يجعل حقيقة في القدر المشترك؛ دفعًا للاشتراك والمجاز على طريقة المتأخرين. واختار بعضُهم إذا كَثُر الاستعمالُ في إحدى الخاصتين (٢)، وتبادرَ (٣) الذهنُ إليه عند الإطلاق، أن يجعل حقيقة اللفظ، وتقديمه (٤) على عدم الاشتراك والمجاز؛ لأن الأصل يُترك بالدليل القابل على خلافه،

стр. 3136

ومبادرةُ الذهن، وكثرةُ الاستعمال دليلٌ على الحقيقة، وأما حيث يقرب الحالُ أو يُشكل (١)، فلا بأس باستعمال الأصل (٢). وإذا قلنا، إنه محمول على الاتباع بالجسم، فيحتمل أن يكون مُعَبَّرًا به عن الصلاة، وذلك من فروض الكفاية عندَ الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن الصلاة (٣) من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس من الغالب أن يصلَّى على الميت ويدفَن في محل موته، ويحتمل أن يريد (٤) بالاتباع: الرواحَ إلى محل الدفن لمواراته، والمواراةُ -أيضًا- من فروض الكفاية، لا تسقط (٥) إلا بمن تتأدى به، واللَّه أعلم (٦). وقد تقدم (٧) -أيضًا- ضبطُ الجنازة، ويزاد هنا: أنه لا يقال لها، جنازة إلا وعليها (٨) ميتٌ، وإلا، فهي سريرٌ أو نعشٌ (٩). الرابع: قوله: "وتشميتِ العاطسِ"، هو أن يقول له: يرحمك اللَّه،

стр. 3137

والتشميتُ -بالشين والسين جميعًا (١) -، واختار ثعلبٌ المهملةَ؛ لأنه مأخوذ من السَّمْت، وهو القصدُ والمَحَجَّة. وقال أبو عبيد: الشينُ أعلى في كلامهم وأكثر، يعني: المعجمة (٢). وحكى ع عن ابن الأنباري: أنه قال: شَمَّتُّ فلانًا، وَسَمَّتُّ (٣) عليه، وكل داع بالخير مشمِّتٌ ومسمِّتٌ (٤) (٥). وقال الزبيدي (٦) في "مختصر العين": شَمَّتُّ العاطسَ: إذا دعوت له -يريد: بالمعجمة-، ويُقال بالسين، يريد: بالمهملة. وقال الخطابي: شَمَّتَ وسَمَّتَ بمعنى، وهو أن يدعو للعاطس بالرحمة (٧). وقال التميمي في "جامع اللغة (٨) ": وقيل: التشميتُ: الرجاءُ والتبريك (٩)، والعربُ تقول: سَمَّتَهُ: إذا دعا له بالبركة (١٠).

стр. 3138

ق: والحديثُ المرفوع: "شَمَّتَ (١) عَلَيْهِمَا" (٢)؛ يعني: عليا وفاطمة ﵄؛ أي: دعا لهما، وبَرَّكَ عليهما، قيل: وهو مأخوذ من الشماتة التي هي فرحُ الرجلِ ببلاء عدوه، وسوءٍ ينزل به، يقال: شَمَتُّ بعدوِّي شماتةً، وشماتًا، وأشمته اللَّهُ به. وفي توجيه هذا المعنى وجهان: أحدهما: أنه دُعاء له أن لا يكون في حال (٣) يشمت به فيها. والثاني: أنك إذا قلت: يرحمك اللَّهُ، فقد أدخلتَ على الشيطان ما يَسُوءُه، فيُسر العاطسُ بذلك. وقيل: إنه مأخوذ من التسميت؛ الذي هو اجتماعُ الإبلِ في المرعى. قال صاحب "الجامع" (٤): والتسميتُ: اجتماع الإبل في المرعى، قيل: ومنه تشميتُ العاطس: إذا قيل له: يرحمك اللَّه، فيكون معنى شمتَّه: سألتَ اللَّهَ -تعالى- أن يجمع شمله وأمره. ونقل بعضُ شيوخنا عن القاضي أبي بكر بن العربي فيما وجده (٥) عنه: أنه قال: فإن كان بالشين المعجمة، فهو مأخوذ من الشوامِت،

стр. 3139

وهي القوائم، وإن كان بالسين المهملة، فهو مأخوذ من السَّمْت، وهو قصدُ الشيء وناحيتُه؛ كأن العطاسَ يَحُلُّ (١) معاقدَ البدن، ويفصل (٢) معاقده، فيدعو له بأن يردّ اللَّه شوامِتَه على حالها، وسَمْتَهُ (٣) على صفته. قال ق: وهذا يقتضي أن الشوامت (٤) تنطلق على قوائم الإنسان؛ لأن العاطسَ المشمَّتَ إنسان (٥) لا غير. وقد قال ابن سِيْده: والشوامِتُ: قوائم الدابّة (٦)، وهذا أخصُّ مما ذكر عن القاضي أبي بكر. قلت: وهكذا ذكره الجوهري أنّ الشوامت (٧) قوائمُ الدابة، ثم (٨) قال: وهو اسم، قال أبو عمرو: يقال: لا تركَ (٩) اللَّه له شامتةً (١٠)؛ أي: قائمةً (١١).

стр. 3140

وقيل: معنى شمته وسمته: دعوت له بالهُدى والاستقامة على سمت الطريق. قال التميمي: والعربُ تجعل السينَ والشينَ (١) في لفظٍ بمعنى؛ كقولهم: جاحَسْتُه وجاحَشْتُه. قلت: هو (٢) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، ومعناه: زاحمتُه وزاولته على (٣) الأمر. هذا ما يتعلق بالشين المعجمة. وأما المهملةُ: فقد تقدم أنه مأخوذٌ من السمت الذي هو قصدُ الشيء وناحيتُهُ. واختار بعضُ شيوخنا أن يكون مأخوذًا من السمت الذي هو الهيئةُ الموصوفةُ بالحسن والوقار، قال: ومنه ما جاء في الحديث: "أَنَّ الهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ وَالاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (٤). انتهى ما يتعلق بتفسير اللفظ اللغوي. وأمّا حُكْمُهُ شَرْعًا: فهو مستحبٌّ، وكذلك جوابُه، وهو قوله: "يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بَالَكُمْ"، أو: "يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ"، وإن جمع

стр. 3141

بينهما، فهو أحسن. وقال القاضي أبو الوليد بن رشد ﵀: ظاهر المذهب وجوبُه على الكفاية؛ كردِّ السلام (١). وقال ابن مُزَين من أصحابنا -أيضًا (٢) -: هو فرضٌ على كل واحد ممن سمعه، ولا يجزىء أحدٌ (٣) عن غيره. قلت: وما أظنه يقول ذلك في ردّ السلام، ولعل الفرق على قوله: إن المقصود من السلام التأمين، وذلك حاصل بردِّ الواحد، والتشميتُ دعاء، وليس دعاءُ الواحد بمفرده كدعاء الجماعة، واللَّه أعلم. فإن لم يحمَدِ العاطسُ، لم يُشَمَّتْ؛ لقوله ﷺ في "صحيح مُسلم": "مَنْ عَطَسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ" (٤)، وما يقارب ذلك من الأحاديث الصحيحة. وينبغي له أن يرفع صوتَه بالحمدِ (٥) ليُسمع، فيُشَمَّتَ، ومن لم يُسمعْ منه الحمدُ (٦)، لكن سمع ممن هو أقربُ إلى سماعه منه يشمته (٧)، فليشمته.

стр. 3142

وأما من عطس في الصلاة، فلا يحمَدُ اللَّهَ إلا في نفسه. قال سحنون: ولا في نفسه. وهو ظاهر "الكتاب"؛ لقوله: ولا يحمدُ اللَّهَ المصلِّي إنْ عطس، فإن فعل، ففي نفسه، وتركُه خيرٌ له (١)، وإنما يبقى النظر هل ترك ذلك عند سحنون على طريق الندب أو الوجوب؟ هو (٢) محتمل، واللَّه أعلم (٣). ومن توالى عُطاسه، شُمِّتَ إلى الثالثة، ولم يُشمت فيما (٤) بعدها، ولكن يقال له: عافاك اللَّهُ، أو "إنَّكَ مَضْنُوكٌ"؛ كما في الحديث (٥). الخامس: قوله: "وإبرار القَسَم، أو المُقْسِم": لم أرَ فيما وقفتُ عليه من دواوين اللغة أَبَرَّ رُباعيًا، حتى يكون مصدرُه إبرارًا، وإنما المنقولُ في ذلك بَرِرْت، ثلاثيًا -بكسر الراء- يقال: برّ في يمينه يَبُرُّ؛ أي: صدق، وكذا بَرِرْتُ والدي، أَبُرُّه بِرًّا فيهما، فأنا بَرٌّ وبَارٌّ، وكذا بَرَّ حَجُّه، وَبرَّ اللَّه حَجَّه بِرًّا في الجميع (٦)، إلا ابنَ طريف؛ فإنه ذكر في

стр. 3143

"أفعاله" (١) بَرَّ الرجلُ يمينَه بِرًّا، أو (٢) بُرورًا، وأَبَرَّها رباعيًا، ولم أره لغيره، كما تقدم. وقوله: "أو المقْسِم": الظاهرُ أن (أَوْ) هنا للشَّكِّ من هذا الراوي؛ لأنّ في رواية النسائي عند البخاري: "إبرارِ القْسمِ (٣) " (٤) بلا شَكٍّ (٥). والقَسَم: هو الحَلِفُ، وهو مصدرٌ محذوفُ الزوائد، والأصل: أَقْسَم إقسامًا، وقد حَدّه النحاة: بأنه جملة يؤكَّد بها جملةٌ أخرى، كلتاهما خبريّة (٦)، يرتبطان ارتباط الشرط والجزاء؛ أي: لا يُستغنى بأحدهما عن الأخرى؛ نحو: أحلفُ باللَّه، أو أُقسم باللَّه لأفعلنَّ كذا، أو لا أفعلُ. قيل (٧): وأصله من القَسامة، وهي أيمانٌ يقسم بها (٨) على أولياء المقتول -كما تقدم-، ثم صار اسْمًا لكل حلف.

стр. 3144

قلت: والعكسُ أولى أن تكون القسامةُ مأخوذة من القَسم؛ لأنها أحدُ أنواعه، ومَا أبعدَ قولَ مَنْ جوّز من معاصرينا أن يكون مأخوذًا من القَسامة التي بمعنى الحُسْن، من قولهم: وجهٌ قَسيم؛ أي: حَسَنٌ، وعَلَّله بأن الحالفَ كأنه حَسَّنَ ما حكم به بتأكيده باسم اللَّه تعالى (١). وأما المقسِم: فهو الحَالف نفسه، ولابدّ من تقدير مضاف محذوف، أي: وإبرارِ يمينِ المقْسِمِ. وفيه معنيان: أحدهما: أن الحالفَ إذا حلفَ على شيء مأمورٌ أن يَبَرَّ في يمينه، وهو الوفاءُ بمقتضى ما حلَفَ عَلَيْه (٢)، وهذا لا خلافَ في وجوبه؛ لأنه مقابِلٌ للحنث لا غيرُ، أو ما يقومُ مقامَ الوفاء بذلك، وهو الكفارة. والثاني: أن يكون المراد (٣): أن يبرّ يمينَ مَنْ حلف عليك، وهذا على قسْمين: تارة يشوبه معنى السُّؤال، وتارةً لا يشوبه. فالأولُ (٤) كقوله: باللَّه إلا ما فعلتَ كذا، ونحو ذلك.

стр. 3145

والثاني: أن يقول (١): واللَّه لتفعلنَّ كذا، ونحو ذلك (٢)، سواء في هذا الإثباتُ والنفي، وهو مندوبٌ في الوجهين أن يبرّ قَسَمه، لكنه (٣) يتأكد في الثاني؛ لوجوب الكفارة عليه دون الأول، وذلك إضرار به، هذا كلُّه مع عدم (٤) المعارِض الشرعي، فإن وُجد معارضٌ، عمل بمقتضاه؛ كما ثبت أن أبا بكر الصديق ﵁ لما عبّر الرؤيا بحضرة النبيِّ ﷺ فقال: "أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا"، فقال: أقسْمتُ عليك يا رسول اللَّه! لتخبرني (٥)، فقال: "لا تُقْسِمْ" (٦)، ولم يخبرْه. السادس: قوله: "ونصْرِ المظلوم": والنصرةُ: العونُ، والظُلْمُ: وضْعُ الشيء في غير موضعه المختصِّ به؛ إما بنقصان، أو زيادة، أو بعدولٍ عن وقته ومكانِه (٧)، ولهذا يقال: ظلمتُ البعيرَ: إذا نحرتُه من غير داءٍ، والمظلومُ: اللبنُ المشروب قبل أن يبلغَ الرّوْب (٨).

стр. 3146

ولا خلاف أعلمُه أن نَصْر المظلوم واجبٌ على مَنْ علم بظلمه، وقدر على نصره ورفع الضرر عنه (١)، وهو من فروض الكفايات؛ لما فيه من دفع الضرر عن المسلم بإنقاذه من يد الظالمُ، بل علينا أن نمنع التظالم بين أهل الذمة، ولا نمكِّنَ بعضَهم من ظلم بعض؛ كما يكون ذلك بين (٢) المسلمين، ويكفي في التحريم من الظلم قوله تعالى (٣): ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقال ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْهُ" (٤)، وتلا قولَه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، فسبحانَ الذي يُمهل ولا يهمل، وكلُّ شيء عنده بمقدار، إن ربَّك لبالمرصاد (٥). فائدة: ومما مرّ بي في بعض الكتب القديمة: أنه لما مات كِسْرى أنو شروان، وُجد على تاجه مكتوبًا بالسّرْيانيّة خمسة أسطُر. الأول (٦): العَدْلُ لا يدوم، وإن (٧) دام عَمَّر.

стр. 3147

والثاني: الظلمُ لا يدوم، وإن (١) دام دَمَّرَ. والثالث: الفقْرُ هو الموتُ الأحمرُ. والرابع: الأعمى ميّتٌ وإذ لم يُقْبر. والخامِس: من لم يُخَلِّفْ ولدًا ذكرًا، لم يُذْكَرْ. السّابع: قوله: "وإجابةِ الداعي": ظاهرُه العمومُ، فيتناولُ وليمةَ النكاح وغيرَها من كل أَمْر مشروع. وقد اختُلف (٢) عندنا في وجوب الإجابة لوليمة النكاح، وهي مَأْدُبَة العُرس بعدَ البناء، لا قبله، وقد نصّ مالكٌ وأكثرُ العلماء على وجوب إتيان طعام الوليمة لمن دُعي إليها بشروطٍ لابدّ من بيانها. قال القاضي أبو الوليد: وصفةُ الدَّعوة التي تجب لها الإجابةُ: أن يَلْقى (٣) صاحبُ العُرْس الرجلَ (٤)، فيدعوه، أو يقولَ لغيره: ادعُ لي فلانًا، فيعينّه، فإن (٥) قال له: ادعُ لي (٦) مَنْ لقيت، فلا بأس على من دُعي لمثل هذا أن يتخلف.

стр. 3148

قال (١): وهل يلزم الأكلُ مَنْ لزمته (٢) الإجابة؟ لم أرَ لأصحابنا فيه نصًّا (٣) جليًّا، وفي المذهب مسائل تقتضي القولين. وقال القاضي أبو الحسن من أصحابنا: مذهبُنا: أن الوليمة غير واجبة، والإجابةُ إليها غيرُ واجبة، ولكن تُستحب. ثم إنما (٤) يؤمر بالإجابة -على القولين جميعًا (٥) - إذا لم يكن في الدَّعوة منكرٌ، ولا فَرشُ حرير، ولا في الجمع مَنْ يتأذَّى بحضوره ومجالسته (٦) من السفلة والأراذل الذين يزدري بمجالستهم، ولا زحامٌ، ولا إغلاقُ بابٍ دونه؛ فقد روى ابنُ القاسم: هو في سَعَةٍ إذا تخلَّفَ لأجل ذلك، وكذلك إن كان على جدار الدور صور، أو ساتر، ولا بأس بصور الأشجار، فإن كان هناك لعبٌ ولهو، وكان خفيفًا (٧) مباحًا غير مكروه، لم يرجع، وحضر. وروى ابن وهب: لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعًا فيه لهوٌ. قال القاضي أبو بكر: والحق هو الأول (٨).

стр. 3149

قلت: إذا علمَ أو ظنَّ المدعُوُّ أنه يترتَّب على تخلفه عن حضور الوليمة ما هو أشدُّ من حضور (١) المكروه من اللهوِ وغيره؛ كخشية العداوة، أو (٢) الغيبة بينه وبين الداعي، أو تخاصمٍ غيرِ جائز، فلا ينبغي أن يُختلف في جواز الحضور والحالةُ هذه، وعندي (٣) في الوجوب نظرٌ، ولا أَستبعده (٤)، واللَّه أعلم. قال أصحابنا (٥): فاما لهوٌ غيرُ مباح، كالعود، والطنبور، والمزهَرِ المربَّعِ، فلا تُجاب الدعوة معه، ومن أتاها، ووجد اللهوَ المحظورَ، فليرجعْ. ولا يترك إجابة الدعوة بعذر الصوم، بل يحضر، ويمسك. قالوا (٦): ويُكره نثرُ السُكَّر واللَّوز (٧) وشبهِ ذلك. قال القاضي أبو محمد: ويُكره لأهل الفضل التسرعُ إلى إجابة الطعام، والتسامح بذلك، إلا في وليمة العُرس، فقد رخّص فيه، فجعل هذا القدر من التبذُّل بالإجابة في حقِّ أهل الفضل مخصِّصًا لهذا العموم (٨).

стр. 3150

الثامنُ: قوله: "وإفشاءِ السلام": الإفشاء: الإظهارُ (١) والانتشار والإعلان، فَشَتِ (٢) المقالَةُ: إذا ظهرَتْ، وانتشرت، وذاعَتْ، وأفشى السرَّ: أظهرَه ونشرَه، والمراد هنا: أن تحيا سنّةُ السلام، ولا تُمات بالترك (٣). وأمّا السلام، فهو اسمٌ للمصدر، مثل: كلام (٤)، والمصدرُ: التسليم؛ وهو من الألفاظ المشتركة تطلق بإزاء أربعة معان: اسْمٌ من أسماء اللَّه تعالى، لقوله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]. وبمعنى السلامة (٥)، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، أي: دار السلامة، ومنه قول الشاعر: تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ عَمْروٍ (٦) ... وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِنْ سَلَامِ (٧) أي: من سلامة، ومحتملٌ عندي أن يكون كالأول، والإضافةُ إضافةُ ملكٍ وتشريف.

стр. 3151

والثالث: أن يكون بمعنى: التسليم والتحية، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، (١) أي: يقولون: سلام عليكم. و (٢) الرابع: شَجَرُ العِضَاة، ومنه قولُ الشاعر: فرابيةُ السَّكْرَانِ قَفْرٌ فَمَا بِهَا (٣) ... يُرَى شَبَحٌ (٤) إِلَّا سَلَامٌ وَحَرْمَلُ (٥) ويقال فيه سَلْم أيضًا. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا﴾ [يس: ٥٧، ٥٨]، السلامة، على أن يكون (سلام) بدل (مما يدعون)؛ كأنه قيل: لهم سلام، أي: سلامة (٦)، فقيل: يحتمل (٧) أن يراد به: التحيةُ، والمعنى: أن اللَّه -تعالى- يُسلِّم عليهم بواسطة الملائكة (٨)، أو بغير واسطة، مبالغةً في تعظيمهم، وذلك مُتمنّاهم، قال ابن عباس: والملائكةُ يدخلون عليهم

стр. 3152

بالتحية، من كل لون (١) (٢). وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]. إذا ثبت هذا (٣)، فالابتداء بالسلام سُنّة مرغَّبٌ فيها، لهذا الحديث وما يقاربُه. والمعروف من المذهب: أن الردِّ واجب. وقد نقل ح الإجماعَ على فرضيته (٤). وقال القاضي أبو محمد: الابتداء بالسلام سنة، وردُّهُ آكَدُ من ابتدائه، فظاهر هذا عدمُ الفرضيّة، واللَّه أعلم. و (٥) قال ابنُ عطيّة: وأكثرُ أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سُنّة مؤكَّدة، ورَدُّه فريضة (٦) (٧)، فهو -أيضًا- يخالف ما ذكر ح من الإجماع، فلا يغتر به (٨).

стр. 3153

وينتهي في السلام (١) إلى (٢) البركات عند جمهور أهل العلم (٣). فائدة نفيسة: اختُلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فقالت فرقة: التحيةُ أن يقول الرجل: سلام عليك، فيجب على الآخر أن يقول: عليكَ السلامُ ورحمة اللَّه، فإن قال البادِىء: السلامُ عليكَ ورحمةُ اللَّه، قال الرادّ: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، فإن قال البادِىءُ: السلامُ عليكَ

стр. 3154

ورحمةُ اللَّه وبركاته، فقد انتهى، ولم يمكن للرادِّ (١) أن يُحيى (٢) بأحسنَ منها، فها هنا يقع الردُّ المذكور في الآية. قالت (٣) فرقة: إنما معنى الآية: تخييرُ الرادِّ، فإن قال البادىء: السلامُ عليك، فللرادِّ أن يقول: وعليك السلام، فقط، وهذا هو الردّ، وله أن يقول: وعليكم السلامُ ورحمةُ اللَّه، وهذا هو التحية بأحسنَ منها. وقال ابن عباس وغيرُه: المراد بالآية: إذا حُييتم بتحية، فإن كان من مؤمن، فحيوا بأحسنَ منها، وإن كان من كافر، فردُّوا على (٤) ما قال. ويجوز عندنا أن يكون الردُّ بلفظ السلام، وتسليمُ الواحد يجزىء (٥) عن الجماعة، وكذلك الردُّ، ويُسلِّمُ الراكبُ على الماشي، والقليلُ على الكثير، والصغيرُ على الكبير، فأما الداخلُ على شخص، والمارُّ عليه، فإنه يسلم (٦) كان راكبًا أو راجلًا، صغيرًا أو كبيرًا، واحدًا أو أكثر (٧)، كان الشخصُ مستقرًا أو مسافرًا، ولا يسلم على المرأة الشابة؛ بخلاف المتجالَّة.

стр. 3155

والمصافحةُ حسنةٌ؛ لقوله ﷺ : "تَصَافَحُوا (١) يَذْهَبِ الغِلُّ" (٢)، وكرهها في رواية أشهبُ، والصحيح المشهورُ: الأولُ. وتُكره عندنا المعانقةُ، وتقبيلُ اليد في السلام، ولو من العبد، وينبغي لسيده (٣) أن يزجُرَه عن ذلك، إلا أن يكون غيرَ مسلم. ولا يُبْتَدأ (٤) أهلُ الذمة بالسلام عندَ الجمهور، وشذ قومٌ في إباحةِ ابتدائهم، على ما نقله ابنُ عطية، ثم قال: والأولُ أصوبُ؛ لأنّ به يُتصور إذلالُهم، فإن سلَّمَ على أحدهم ساهيًا، أو جاهلًا، ففي "الجواهر" وغيرِها: لم يحتج إلى استقالةٍ (٥). وقال ابنُ عطية: ينبغي أن (٦) يَستقيله سلامَه (٧). وإن بدؤونا، ردّ عليهم: عليكم، بغير واو، وقيل: بإثباتها. وقال القاضي أبو محمد: فإن رد بكسر السين، ونوى موضوعه في اللغة، جاز.
следующие страницы →