والثالث: أن يكون بمعنى: التسليم والتحية، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، (١) أي: يقولون: سلام عليكم.
و (٢) الرابع: شَجَرُ العِضَاة، ومنه قولُ الشاعر:
فرابيةُ السَّكْرَانِ قَفْرٌ فَمَا بِهَا (٣) ... يُرَى شَبَحٌ (٤) إِلَّا سَلَامٌ وَحَرْمَلُ (٥)
ويقال فيه سَلْم أيضًا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا﴾ [يس: ٥٧، ٥٨]، السلامة، على أن يكون (سلام) بدل (مما يدعون)؛ كأنه قيل: لهم سلام، أي: سلامة (٦)، فقيل: يحتمل (٧) أن يراد به: التحيةُ، والمعنى: أن اللَّه -تعالى- يُسلِّم عليهم بواسطة الملائكة (٨)، أو بغير واسطة، مبالغةً في تعظيمهم، وذلك مُتمنّاهم، قال ابن عباس: والملائكةُ يدخلون عليهم
стр. 3152
بالتحية، من كل لون (١)(٢).
وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤].
إذا ثبت هذا (٣)، فالابتداء بالسلام سُنّة مرغَّبٌ فيها، لهذا الحديث وما يقاربُه.
والمعروف من المذهب: أن الردِّ واجب.
وقد نقل ح الإجماعَ على فرضيته (٤).
وقال القاضي أبو محمد: الابتداء بالسلام سنة، وردُّهُ آكَدُ من ابتدائه، فظاهر هذا عدمُ الفرضيّة، واللَّه أعلم.
و (٥) قال ابنُ عطيّة: وأكثرُ أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سُنّة مؤكَّدة، ورَدُّه فريضة (٦)(٧)، فهو -أيضًا- يخالف ما ذكر ح من الإجماع، فلا يغتر به (٨).
стр. 3153
وينتهي في السلام (١) إلى (٢) البركات عند جمهور أهل العلم (٣).
فائدة نفيسة: اختُلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فقالت فرقة: التحيةُ أن يقول الرجل: سلام عليك، فيجب على الآخر أن يقول: عليكَ السلامُ ورحمة اللَّه، فإن قال البادِىء: السلامُ عليكَ ورحمةُ اللَّه، قال الرادّ: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، فإن قال البادِىءُ: السلامُ عليكَ
стр. 3154
ورحمةُ اللَّه وبركاته، فقد انتهى، ولم يمكن للرادِّ (١) أن يُحيى (٢) بأحسنَ منها، فها هنا يقع الردُّ المذكور في الآية.
قالت (٣) فرقة: إنما معنى الآية: تخييرُ الرادِّ، فإن قال البادىء: السلامُ عليك، فللرادِّ أن يقول: وعليك السلام، فقط، وهذا هو الردّ، وله أن يقول: وعليكم السلامُ ورحمةُ اللَّه، وهذا هو التحية بأحسنَ منها.
وقال ابن عباس وغيرُه: المراد بالآية: إذا حُييتم بتحية، فإن كان من مؤمن، فحيوا بأحسنَ منها، وإن كان من كافر، فردُّوا على (٤) ما قال.
ويجوز عندنا أن يكون الردُّ بلفظ السلام، وتسليمُ الواحد يجزىء (٥) عن الجماعة، وكذلك الردُّ، ويُسلِّمُ الراكبُ على الماشي، والقليلُ على الكثير، والصغيرُ على الكبير، فأما الداخلُ على شخص، والمارُّ عليه، فإنه يسلم (٦) كان راكبًا أو راجلًا، صغيرًا أو كبيرًا، واحدًا أو أكثر (٧)، كان الشخصُ مستقرًا أو مسافرًا، ولا يسلم على المرأة الشابة؛ بخلاف المتجالَّة.
стр. 3155
والمصافحةُ حسنةٌ؛ لقوله ﷺ : "تَصَافَحُوا (١) يَذْهَبِ الغِلُّ" (٢)، وكرهها في رواية أشهبُ، والصحيح المشهورُ: الأولُ.
وتُكره عندنا المعانقةُ، وتقبيلُ اليد في السلام، ولو من العبد، وينبغي لسيده (٣) أن يزجُرَه عن ذلك، إلا أن يكون غيرَ مسلم.
ولا يُبْتَدأ (٤) أهلُ الذمة بالسلام عندَ الجمهور، وشذ قومٌ في إباحةِ ابتدائهم، على ما نقله ابنُ عطية، ثم قال: والأولُ أصوبُ؛ لأنّ به يُتصور إذلالُهم، فإن سلَّمَ على أحدهم ساهيًا، أو جاهلًا، ففي "الجواهر" وغيرِها: لم يحتج إلى استقالةٍ (٥).
وقال ابنُ عطية: ينبغي أن (٦) يَستقيله سلامَه (٧).
وإن بدؤونا، ردّ عليهم: عليكم، بغير واو، وقيل: بإثباتها.
وقال القاضي أبو محمد: فإن رد بكسر السين، ونوى موضوعه في اللغة، جاز.
стр. 3156
وفي رواية أشهب: لا يسلِّم عليهم، ولا يردّ، وتُؤُوِّل (١) ذلك على (٢) أن المراد به (٣): لا يردّ عليهم كما يردّ على المسلمين.
ويُكرهُ السلام على أربعة: المؤذّن، والملبّي، والآكِلِ، والمتغوِّط.
ولا يسلم على أهل الأهواء؛ كالقدريّة، والمعتزلة (٤)، والروافض، والخوارج، والحشويّة، وما أعتقد حنبليًا يسلم من الحشو، غيرَ الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى (٥).
стр. 3157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3158
ولا يُسلم على أهل اللهو والباطل حالَ تَلَبُّسِهم به، بل يُستحب هجرُ جميع أهل القَدَر ونحوهم، وأهلِ الباطل، زجرًا لهم، وردعًا عمّا هم فيه، وغضبًا للَّه سبحانه في مواصلة مَنْ هذه (١) سبيلُه.
وروي إباحةَ السلام على اللاعب بالشطرنج، وقال: هم مسلمون.
ومَنْ دخل منزلَه، فليسلِّمْ على أهله، وإن دخلَ منزلًا ليس فيه أحد، فليقل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللَّه الصالحين.
وسمعت شيخَنا الإمام أبا العباس المرسيَّ ﵀ يقول: مَنْ وَاظب على قولِ: لا إله إلا اللَّه عندَ دخوله منزلَه، وجد الغنى حسًا (٢)، هذا أو نحوه.
هذا كله -أعني: آداب السلام- نقلُ مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى (٣).
التاسع: قوله: "ونهانا عن خواتيمَ، أو تختُّم الذهبِ، وعن شربٍ (٤) بالفضة": الخواتم: جمعُ خاتِمَ -بكسر التاء وفتحها-، وخَيْتام (٥)،
стр. 3159
وخَاتام، أربعُ لغات، تقدَّم ذكرُها، وسوَّى الجوهريُّ بينها (١) في الجمع (٢) على فَواعيلَ (٣)، وقد نُقِل عن الجرمي: أن كلَّ ما كان على فاعَل -بفتح العين-، نحو: نابل، فإن جَمْعَهُ على فواعيل، نحو: طوابيق، ونوابيل (٤)، وخواتيم.
وفي اللفظ تردُّدٌ بين خواتيم، وتخُّتم:
فعلى الأول: لابدَّ من تقدير محذوف، أي: لبسِ خواتيمَ.
وعلى الثاني: لا يحتاج إلى حذف؛ لأن الإضافةَ في الأول إلى الذّات، فلابدَّ من صرفها إلى فعل يتعلق بها، وفي الثاني أُضيف إلى المصدر، فلا حاجةَ إلى غيره، فإن النهيَ يصحّ تعلُّقه به نفسه (٥).
والذهب: لفظ مشترك، والمراد به ها هنا: ما (٦) غلب استعمالُه فيه، وهو أحد النقدين، ويذَّكر (٧) ويؤنَّث.
قال الجوهري: والقطعةُ منه ذَهَبَةٌ (٨)، ويجمع على الأَذْهاب، والذُّهوب، والذهبُ -أيضًا-: مكيالُ أهل اليمنِ معروفٌ، الجمع:
стр. 3160
أَذْهاب (١)، وجمعُ الجمع أذاهِب، عن أبي عبيد (٢).
فيه: دليلٌ على تحريم التختُّم بالذهب، وهو راجع إلى الرجال، ودليلٌ على تحريم الشرب في أواني الفضة، وذلك عند العلماء عامٌّ بالنسبة إلى الرجال والنساء، على ما تقدم استيعابه.
ق: والجمهورُ على ذلك، وفي مذهب الشافعي قولٌ ضعيف أنه مكروه فقط، ولا اعتدادَ به، لورود الوعيد عليه بالنار.
قال: والفقهاء القياسيون لم يقصروا هذا الحكم على الشرب، وعَدَّوْه إلى غيره، كالوضوء، والأكل، لعموم المعنى فيه (٣).
العاشر: قوله: "والمياثِرِ"، وفي بعض الروايات: "وَعَنْ مَيَاثِرِ الأُرْجُوَانِ" (٤): قال أهلُ اللغة: مِيثَرَةُ الفَرَس: لبدَتُه غير مهموز-، والجمعُ: مَياثِر، ومَواثِر.
قال أبو عُبيد: وأمّا المياثرُ الحمرُ التي جاء فيها النهيُ، فإنها كانت من مراكب (٥) الأعاجم من ديباجٍ وحريرٍ (٦)، وكأن الأصلَ:
стр. 3161
ونهانا عن افتراشِ المياثر، والأصلُ في الميثرة الواو، ولكن قُلبت ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها؛ كأنه من الوِثار، وهو الفِراشُ الوطيء، أو الوثر، يقال: ما تحته وثرٌ ووِثارٌ (١).
الحادي عشر: القَسِّيّ: بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، وفي "شرح الإلمام": وذكر أبو عُبيد ﵀: أن أصحاب (٢) الحديث يقولون: القِسِّيُّ -بالكسر-، وأهل مصر يفتحون القاف، تنسب (٣) إلى بلادٍ يقال لها: القَسُّ (٤).
وقال ابنُ وهب، وابن بُكير (٥) فيما حكاه ع: هي ثياب مُضَلَّعة بالحرير، تُعمل بالقَسِّ من بلاد مصر مما يلي الفرماء (٦).
وقال الجوهري: والقَسِّيُّ: ثوبٌ يحمل من مصر يخالطه الحرير (٧).
وقد روى أبو داود عن أبي بردة، عن علي ﵁ في حديث ذكره: "وَنَهاني عنِ القَسَّةِ وَالميثَرِ"، قال أبو بردة: فقلنا لعليٍّ: ما القَسَّة؟
стр. 3162
قال: ثيابٌ تأتينا من الشام أو من (١) مصر مضَلَّعة فيها أمثالُ الأترجِّ، قال: والميثرةُ: شيء كان يصنعه النساء لبعولتهنَّ (٢).
قال بعض شيوخنا (٣): ومنهم من جعل السينَ مبدلةً من الزاي، ويكون بمعنى: القَزِّيِّ المنسوبِ إلى القَزّ، واللَّه أعلم (٤).
الثاني عشر: قوله: "ولبْسِ الحرير، والإستبرقِ، والديباجِ"، اللُّبْس -بضم اللام-: مصدرُ لبستُ الثوب ألبَسه -بكسر الباءِ في الماضي، وفتحها في المستقبل (٥) -، قال الشّاعر:
وَلُبْسُ (٦) عَبَاءَةٍ وَتَقِرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
واللباسُ واللبوسُ مثلُه، وأما اللِّبسُ -بكسر اللام-، فهو ما يُلبس،
стр. 3163
ولِبْسُ الكعبةِ: هو ما عليها من لباس، وأما اللَّبْس -بفتح اللام-، فمصدر لَبَسْتُ عليه الأمرَ أَلْبِسُه -بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المستقبل (١) - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] (٢).
والحريرُ: معروفٌ، والإستبرقُ: غليظُ الديباج، فارسيٌّ معرَّبٌ، قاله الجواليقي.
وقال ابن دريد: ويُصغر على أُبَيْرق، ويُكَسَّر على (٣) أباريق -بحذف السين والتاء جميعًا-، وقد تقدم أن الأكثرَ في الديباج كسرُ الدال، وأنه فارسيٌّ معربٌ (٤).
وظاهرُ الحديث يدلُّ على تحريم هذه المنهيَّات كلّها، وقد تقدم في صدر الكتاب الكلامُ على ما إذا قال الصحابي: أَمَرَنا ﵊ بكذا، ونهانا عن كذا، ونحو ذلك، وأنه على سبعةِ أقسامٍ، بما يغني عن الإعادة، مع أنها مسألة مشهورة في أصول الفقه أيضًا.
* * *
مطبق شديد، إلى غير ذلك من الصفات التي توجب منافَرَتَه للتاء (١)، أبدلوا منها حرفًا مناسبًا للصاد في ذلك كلِّه، وكانت الطاءُ أولى بذلك من غيرها؛ لأنها من مخرج التاء، وإن كانت الدال -أيضًا (٢) - من ذلك المخْرج، لكن التاء إلى الطاء أقربُ منها إلى الدال، على ما هو مقرر عند النحاة.
والفَصُّ: بفتح الفاء وكسرها، والفتح أفصح (٣).
والكفُّ: مؤنثة.
ونزع: مضارعُه يَنْزِعُ -بالكسر-، وإن كانت لامُه حرفَ حلق.
وفيه: ما تقدم من استحباب الحلف من غير استحلاف عندَ إرادة تقرير الأحكام وتأكيدها، لما في ذلك من الوقع في نفس المكلفين بالنسبة إلى تَلَقِّي الأحكام.
وفيه: دليلٌ على تحريم خواتم الذهب على الرجال.
وفيه: إطلاقُ لفظ: (اللّبس) على التختُّم، واللَّه أعلم.
* * *
* الشرح:
قد تقدم في غير ما موضع ما يدل على تحريم الحرير للرجال، وهو مذهب الجمهور، وحكى ع إباحتَه عن قوم، الرجال (١) والنساء (٢)، وعن ابن الزبير: تحريمه عليهما؛ و (٣) انعقد الإجماع على تحريمه على الرجال، وإباحته للنساء (٤)، وهذا الحديث يدلُّ على استثناء هذا القدر المذكور، وقد قررنا ما ينبغي تقريره من ذلك فيما تقدم.
والإصبعُ: مؤنثة، وفيها عشرُ لغات: فتح الهمزة، وكسرها، وضمها، وكذلك الباء، فهذه تسع، والعاشرُ: أصبوع، وأظنّه تقدم أيضًا.
فائدة لغوية: أسماءُ الأصابع وهي: الإبهام، والسبابة، والوسطى، والبنْصر، والخنصر، يقال ذلك في كل كَفٍّ وقَدَمٍ، وما بين عصبة الإبهام
стр. 3169
والسبّابة: الوَتَرة (١)، وكذلك ما بين كل إصبعين من أصولهما (٢)، والخَلَلُ والخصاص: الفروجُ التي ما بين الأصابع؛ واحدتُها خصاصَة، وفي الأصابعِ الأَناملُ، واحدتها أنْمَلة -بفتح الميم (٣) -، ويقال: أَنْمُلة -بضمها-، والأول أفصح، وهي ما تحت الظفر من الأصابع، وفيها الأظفار؛ واحدُها (٤) ظُفر، وأُظفور (٥)، وما حول الأظفار: الإطار؛ واحدُها أَطْر، وإطار -أيضًا-، وجمعها أُطُرٌ، ويقال: للبياض الذي يكون في أظفار الأحداث: الفَوْق والفُوق (٦)، و (٧) الأصابعُ -أيضًا- السُّلاميات؛ واحدتها سُلَامَى، وهي: العظام التي ما بين كل مفصلَين من مفاصل الأصابع، وفي الأصابع: الرواجبُ، وهي: بطونُ السلاميات وظهورُها، وفي الأكفِّ (٨): البراجِمُ، الواحدة بُرْجُمَة وهي: رؤوس السُّلاميات من ظاهر الكفّ، إذا قبض القابض كفه، نَشَزت، وارتفعت، واللَّه الموفق.
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الجهادُ: مأخوذٌ من الجَهْد -بفتح الجيم-، وهو التعبُ والمشقَّة، و-بضم الجيم-: الطاقة، بلغ جُهْدَه (١)، أي: طاقته، فمعنى المجاهد في سبيل اللَّه: المبالغ في إتعاب نفسه في ذات اللَّه ، وإعلاءِ كلمته التي جعلها طريقًا إلى الجنة وسبيلًا إليها.
والجهادُ يكون بأربعة أشياء: بالقلب، واللسان، واليد، والسيف.
فجهادُ القلب: جهاد الشيطان، ومجاهدةُ النفس عن الشهوات و (٢) المحرمات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠].
стр. 3173
وجهاد اللسان: الأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر.
وجهاد اليد: زجْرُ ذوي الأمور أهلَ المناكر عن مناكرهم، وأخذُهم على يد الظلمة، وإقامتُهم الحدود على القَذَفَة والزناة وشَرَبَة الخمر، وغير ذلك مما أوجب اللَّه -تعالى- عليهم.
وجهاد السَّيف: قتالُ المشركين على الدّين.
فكلُّ من أتعبَ نفسه في ذات اللَّه ، فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل اللَّه إذا أُطلق، لم يقع عُرفًا إلا على مجاهدة الكفار بالسّيف.
وَالجهادُ (١) منْ أفضل الأعمال وأزكاها عند اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] الآية، ومن أحبَّ (٢) اللَّه لا يسأل عن حاله، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، ومَنْ باع سلعته بالجنّة أتراه رابحًا (٣)؟ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على فضل الجهاد.
وقد سئل ﵊ عن أفضل أعمال البر، فقال:
стр. 3174
"إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِهِ" (١)، وإنه قال لرجل له ستة آلاف دينارٍ: "لَوْ أَنْفَقْتَهَا في طَاعَةِ اللَّهِ (٢)، مَا بَلَغَتْ غُبَارَ شِرَاكِ نَعْلِ المُجَاهِدِ" (٣)، وقال ﷺ : "لَغَدْوَةٌ (٤) أَوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيهَا".
وإنما كان الجهادُ من أفضلِ الأعمالِ؛ لما فيه من بذلِ النفس في ذات اللَّه -تعالى-، ومَنْ بذلَ نفسه (٥) في ذات اللَّه تعالى، فقد بلغَ الغايةَ التي لا يقدر على أكثرَ منها، ولذلك جازى اللَّه الشهداءَ الذين قُتلوا في سبيله بحياةِ الأبدِ، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وفي الحديث من رواية أبي سعيد الخدري: "الشُّهَدَاءُ يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ إِلَى الجَنَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَأْوَاهُمْ إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ (٦) تَحْتَ العَرْشِ" (٧)، ولو أخذْنا نذكر فَضْلَ
стр. 3175
الجهاد، لخرجنا عن مقصود الكتاب.
الثاني: فيه: استحبابُ المُصَافَّة بعدَ الزوال.
وفيه: استحبابُ ترغيبِ الإمام المقاتلةَ قبل اللقاء، والدعاء على (١) العدو بالانهزام، وللمسلمين بالنصر والغلبة، ونحو ذلك.
وفيه: أنه يُستحب الدعاءُ بصفات (٢) اللَّه -تعالى- التي تناسب (٣) طِلْبةَ الداعي؛ لقوله ﵊: "وهازمَ الأَحزابِ اهْزِمْهُم" (٤).
وفيه: كراهةُ تمني لقاء العدو، و (٥) خشية اضطراب النفوس وتغيرها عما عزمت عليه، لصعوبة فَقْدِ الحياة عند الملاقاة، أو لغير (٦) ذلك مما استبدَّ بعلمه ﵊، وقد نهى عن تمني الموت مطلقًا لضررٍ (٧) نزلَ، وفي حديث آخر: "لَا تتمَنَّوُا المَوْتَ، فَإِنَّ
стр. 3176
هَوْلَ المُطَّلَعِ شَدِيدٌ" (١).
وقد اختلف الناسُ (٢) في قول يوسف ﵊: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]، هل ذلك من تمني الموت، أو لا؟ فقال ابن عباس: لم يتمنَّ الموتَ نبيٌّ غير يوسفَ ﵊، وذكر المهدوي تأويلًا آخر، وهو الأقوى: أنه ليس في الآية تمني موتٍ، وإنما عَدَّدَ يوسفُ ﵊ (٣) نعمَ اللَّه -تعالى- عليه (٤)، ثم دعا أن يُتم عليه النعمَ في آخر أمره، أي: إذا توفيتني إذا حين (٥) أجلي، فتوفَّني على الإسلام، واجعلْ لحاقي بالصالحين، فتمنى الموافاةَ (٦) على الإسلام، لا الموتَ.
وقد ورد عنه ﵊ في بعض دعائه: "وَإِذَا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَة، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتونٍ" (٧).
стр. 3177
وروي عن عمر ﵁: أنه قال: اللهمَّ قد رَقَّ عظمي، وانتشرت رعيتي، فتوفَّني غيرَ مقصّرٍ، ولا عاجِزٍ (١).
قال الإمام: وقد يُشكل في هذا الموضع أن يقال (٢): إذا كان الجهاد طاعةً، فتمنِّي الطاعةِ كيف يُنهى عنه؟! قيل: قد يكون المرادُ بهذا: أن التمني رُبما أثار فتنة (٣)، وأدخل حسرة إذا تُسِّهل (٤) في ذلك، واستخفَّ (٥) به، ومن استخفَّ بعدوه، فقد أضاعَ الحزمَ، فيكون المراد بهذا؛ أي: لا تستهينوا (٦) بالعدوّ، فتتركوا الحذرَ والتحفُّظَ على أنفسكم، وعلى المسلمين، أو يكون المراد: لا تتمنوا لقاءه على حالة شك في غلبته لكم، أو يخاف منه أن يستبيح الحريم، ويذهب الأنفس والأموال، أو يدرك (٧) منه ضرر (٨)، ثم أمر ﵊ بالصبر عند وقوع الحقيقة، فإن مَنْ صَبَر، كان اللَّهُ
стр. 3178
معَهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وغير ذلك من الآيات (١) في هذا المعنى.
الثالث: قوله ﵊: "واعلموا أَنَّ الجنةَ تحت ظِلال السُّيوف": هذا من المجاز البليغ الحَسن جدًا؛ فإن ظلَّ الشيء لما كان ملازمًا له، جُعل ثوابُ الجنة واستحقاقُها بسبب الجهاد، وإعمال السيوف لازمًا لذلك، كما يلزم الظلُّ (٢).
وهذا عندي كقوله ﵊: "الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيوفِ (٣) ".
وأمّا قولُه ﵊: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ" (٤)، فيحتمل أمرين:
стр. 3179
أحدهما: أن يكون ذلك حقيقةً، كما قيل، وتُنقل هذه البقعة، فتكون روضة في الجنة، وفيه عندي بُعْدٌ ما.
والثاني: وهو أشبهُ: أن يكون مجازًا، ومعناه: أنه جعلَ نفسَ البقعة من الجنة؛ لصيرورة مَنْ حَلَّها (١) إلى الجنّة -إن شاء اللَّه تعالى- على طريق المبالغة والاستعارة.
وكان تخصيص السُّيوف دونَ آلاتِ الحرب، لكونها الغالبَ على ما (٢) يُقاتَل به، واللَّه أعلم.
ق: وهذا الدعاء لعله إشارةٌ إلى ثلاثة أسباب يُطلب بها الإجابة.
أحدها: طلبُ النصر بالكتابِ المنزل عليه، يدلُّ عليه قوله ﵊: "منزلَ الكتاب"، كانه قال: كما أنزلته، فانصرْه وأَعْلِه (٣)، وإشارة إلى القدرة بقوله: "ومجريَ السحاب".
وأشار إلى أمرين بقوله "وهازمَ الأحزاب":
أحدهما: التفرُّدُ بالفعل، وتجريدُ التوكُّل، واطِّراحُ الأسباب، واعتقادُ أن اللَّه -تعالى- هو الفاعل.
والثاني: التوسُّل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة.
وقد ضمَّن الشعراءُ هذا المعنى أشعارَهم بعدما أشارَ إليه كتابُ اللَّه
стр. 3180
حكايةً عن زكريا (١) ﵊ في قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]، وعن إبراهيم ﵊ في قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. وقال الشاعر:
كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ فِيمَا مَضَى ... كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيمَا بَقِي
وقال آخر (٢):
لَا وَالَّذِي مَنَّ بِالإِسلَامِ يُثْلِجُ في فُؤَادِي
مَا كَانَ يَخْتِمُ بِالإِسَاءَةِ وَهُوَ بِالإِحْسَانِ بَادِي (٣)
قلت: وعلى هذا الشاعر عندي (٤) مؤاخذة في قوله: ما كان يختمُ بالإساءة، فإنه لا يقال فيمن خُتم له بالكفر -والعياذ باللَّه-: إن اللَّه -تعالى- أساء إليه، إجماعًا؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم
стр. 3181
ما يريد في خَلْقه؛ لأنهم ملكُه ومحلُّ تصرفه، فلا يتصور منه الظلم ولا الإساءة أبدًا؛ لكونه تعالى لم يصادف لغيره ملكًا (١)، فيتصرف (٢) بغير إذنه.
وقد سمعت شيخنا الإمام أبا علي البجائي (٣) -قدّس اللَّه روحَهُ- يقول: وقفَ (٤) بعضُ المعتزلة على الحسنِ بنِ عليٍّ ﵄، فقال: تعالى رَبُّنا (٥) عن الفحشاء.
فقال الحسن: تعالى أن يكون في داره ما لا يشاء.
فقال المعتزلي: أرأيتَ إن جَنَّبَني الهدى، وسَبَّبَ إليَّ الردى، أَحْسَنَ إليَّ أَمْ أَساء؟
فقال الحسنُ: إن كان تصرُّفه فيما لا يملكه، فقد أساء، وإن كان تصرفه فيما يملكه، فرحمَتُهُ يختصُّ بها من يشاء.
فولَّى المعتزلي وهو يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وإن أراد هذا الشاعر: ما كان يختم بما يسوْءُني بعد إحسانه
стр. 3182
إليّ (١)، فعبارتُه لا تعطيه (٢) على التحرير، وإن كان الظاهرُ أن هذا مقصودُه، ولكن اللفظ ينبو عنه؛ لكونه أتى بالإساءة في مقابلة الإحسان، فأخطأ في اللفظ دون المعنى، واللَّه أعلم.
* * *
* الشرح:
الرِّباطُ (١): المرابطةُ، وهي: مُلَازَمَةُ ثغرِ العدوِّ (٢).
هكذا (٣) فسره أهلُ اللغة، وكأن المرابِط ربطَ نفسهُ في الثغر، لملازمته إياهُ مُدّةً ما.
والثَّغْرُ: هو موضع المخافة من فُروج البلدان (٤)، كعَسْقَلان، والإِسكندرية، ودِمْياط، ونحوِ ذلك.
وقد تقدم أن السبيل: الطريق، وأنه يذكَّر ويؤنث.
والرَّوْحَةُ: السَّيْرُ من الزوال إلى آخر النهار.
والغَدْوةُ: السيرُ من أول النهار إلى الزوال.
و (أو) هنا (٥) للتقسيم، لا للشكِّ.
ح: والظاهرُ: أنه لا يختصّ ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته (٦)،
стр. 3185
بل يحصل هذا الثواب بكلِّ غدوةٍ وَروْحةٍ في طريقه إلى العدوّ، وكذا غُدُوُّه ورواحه في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمَّى غدوةً وروحةً في سبيل اللَّه.
وقوله ﵊: "خيرٌ من الدنيا وما عليها" معناه -واللَّه أعلم-: إن فَضْلَ الغدْوة والروحة وثوابَهما خيرٌ من نعيمِ الدنيا كلها لو (١) مُلكت، و (٢) تُصُوِّر النعيمُ بها كلها؛ لزوال النّعيم بالدنيا، وبقاء نعيم الآخرة (٣)، لاسيما ولا نسبةَ بين النعيمين (٤)، ولو لم يكن من نعيم الآخرة إلا النظرُ إلى وجهه تعالى، لكان كافيًا، نسأل اللَّه العظيم ربَّ العرش العظيم أن لا يحرمَنا خيرَ ما عندَه بشرّ (٥) ما عندَنا آمين.
وهذا بابُ تشبيه الغَيْب بالمحسوس المشاهَدِ (٦)، ومثلُه من وجهٍ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥] الآيةَ، واللَّه أعلم.
* * *
٣٩٨ - وَلِمُسْلِمٍ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ, وَتَكَفَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إنْ تَوَفَّاهُ (١): أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ, أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" (٢).
* * *
* الكلام على هذا الحديث من وجوه:
الأول: كأنّ وجهَ التعبير بالضمان والكفالة تحقيقُ الموعود من اللَّه -تعالى- وتوكيدُه، وهو الجنةُ، أو الأجرُ والغنيمةُ، وكأنه -تعالى-
стр. 3188
أوجبَ ذلك على نفسهِ على طريق التفضُّلِ لمن كان بهذه الصفة، واللَّه أعلم.
الثاني: قوله: "لا يخرجه إلا جهادٌ في سبيلي"، رويناهُ بالرفع هو وما عطف عليه، وهو الصوابُ الذي لاشك فيه؛ لأنه فاعل لـ "خرج" (١)، والاستثناء مُفَرَّغ (٢)، فهو كقولنا: ما أكرمَكَ (٣) إلا زيدٌ سواء، وقال ح: هو بالنصب في جميع نسخ (٤) مُسْلم، "جهادًا" بالنصب، (٥) وهكذا ما بعده "وإيمانًا بي وتصديقًا"، قال: وهو منصوب على أنه مفعول له، وتقديره: لا يخرجُه المخرجُ، ويحركه المحركُ إلا للجهاد، والإيمان، والتصديق (٦).
قلت: هذا وجةٌ بعيدٌ جدًا، لا ينبغي حملُ الحديث عليه، والأولُ هو الصواب إعرابًا ومعنًى.
أما الإعراب، فقد ذكر، وأما المعنى، فإن الرفع أبلغُ، لإسناد الإخراج إلى الجهاد وما (٧) بعدَه، حتى كَأن ذلك هو المباشِرُ حقيقةً
стр. 3189
لإخراجه حسًّا؛ إذ كان خروجه مخلَصًا من كل شائبة من الشوائب (١) الدنيوية، فتمحَّضَ (٢) القصدُ لإعلاء كلمة اللَّه -تعالى- لا غيرُ، فلا مُخرجَ ولا محرِّكَ له (٣) إلا ذلك، وهو (٤) كقوله ﵊ في الحديث الآخر: "لا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ" (٥) سواء، ولم يروه أحدٌ بالنصب فيما علمتُ، فليُعْرَفْ ذلك.
وقوله: "وإيمانٌ بي" يحتمل معنيين:
أحدهما: لا يخرجه إلا محضُ الإيمانِ والإخلاصِ والتصديقِ.
والثاني: إن الكلام على حذف مضاف، أي: لا يخرجهُ إلا الإيمانُ (٦) بوعدي وكرمي، ومجازاتي له بالجنة على جهاده، وتصديق برسولي (٧) في ذلك، والأولُ أظهرُ، واللَّه أعلم.
الثالث: قوله: "فهو عليَّ ضامنٌ"، قيل: إن فاعلًا هنا بمعنى مفعول، كقوله تعالى: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، بمعنى: مدفوق،
стр. 3190
و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، بمعنى: مَرْضِيَّة، وقيل معناه: ذو ضمان؛ كلابِنٍ، وتامِرٍ، ويكون الضمانُ ليس منه، وإنما نُسب إليه، لتعلُّقه، والعرب تضيف بأدنى ملابسة (١).
وقوله: "أُدْخِلَه (٢) الجنةَ": يحتمل أن يدخلَه عند موته، كما قال -تعالى- في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفي الحديث: "أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ في الجَنَّةِ" (٣)، ويحتمل أن يكون المراد (٤): دخوله عند دخول السابقين والمقرَّبين، بلا حساب ولا عذاب، ولا مؤاخذةٍ بذنب، وتكون الشهادة مكفِّرَةٍ لذنوبه؛ كما صرح به في الحديث الصحيح، (٥) قاله ع (٦).
وقوله: "أو (٧) أَرْجِعَه إلى مسكنِه": هو بفتح الهمزة وكسر الجيم، متعديه ولازمُه سواء، ثلاثي في الوجهين، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣]، ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ [طه: ٤٠]، وهذيل تقول: (أَرْجَعَ) رباعيًا.