← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حتى عد شعارا لأهل السنة، وعد إنكاره شعارا لأهل البدع. وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين (١). واختلف العلماء في أن المسح على الخف أفضل، أم غسل الرجل؟ فمذهب (٢) أصحابنا: أن الغسل أفضل؛ لكونه الأصل، وإليه ذهب جماعة من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب الأنصاري ﵃. وذهب جماعة من التابعين إلى أن المسح أفضل، ذهب إليه: الشعبي، والحكم، وحماد، وعن (٣) أحمد روايتان؛ أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما سوءا، واختاره ابن المنذر، والله أعلم (٤). الطرف الثاني: في شروط المسح، وهي خمسة: الأول: أن يلبسهما على طهارة. الثاني: أن تكون الطهارة مائية، وفي الترابية قولان. الثالث: أن تكون الطهارة كاملة، وينشأ من هذا الشرط فرعان: أحدهما: من غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخلف، ثم غسل

стр. 352

الأخرى، وأدخلها في الخف، هل يسمح، أو لا؟ المشهور من مذهبنا: لا (١) يمسح، وبه قال سحنون، وابن الجلَاّب. وقال مُطَرِّف: يمسح. الفرع الثاني: لو نكس وضوءه، فبدأ برجليه، فغسلهما وأدخلهما في الخفين، ثم كمل وضوءه، فهل يمسح بعد ذلك؟ قال مالك في العتبية: لايفعل، فإن فعل، فلا شيء عليه. قال صاحب البيان والتقريب: والمشهور من المذهب: عدمُ المسح. الشرط الرابع: أن يكون اللبس مباحا لِلَاّ بس؛ لأنا نقول: لو لبِسَ المُحرِمُ الخفين من غير عذر، أو لبس الإنسان خفين مغصوبين، لم يجز المسح في المسألتين. الشرط الخامس: أن يكون لبس الخفين على الوجه المعياد عند الناس في لباس الخفاف، فإن لبس الخفين لا لغرض سوى (٢) الترخص بالمسح، أو امرأة خضبت بالحناء (٣)، فلبست الخف للمسح حتى يسقط عنها غسل الرجلين لئلا تغسل الحناء، ومن أراد أن ينام، فيتعمد لباس الخفين لمحض (٤) المسح، فالمشهور عندنا: أن هؤلاء

стр. 353

لا يمسحون، فإن فعل، فهل يعيد أو لا؟ خلاف (١). الطرف الثالث: في صفة المسح: ولا شك في (٢) أنه كيفما أوعب، أجزأه، وإنما النظر في الصفة المستحبة، وفيها ثلاث طرق: الأولى: ما في المدونة، وهو أن يضع اليمنى على أطراف (٣) أصابعه من ظاهر قدمه، ويضع اليسرى تحتها من باطن خفه، ثم يمرهما إلى حد الكعبين (٤). وهذه الطريقة تسهل في اليمنى، وتعسر في اليسرى. الطريقة الثانية: أن يبدأ بيديه من الكعبين مارًا إلى الأصابع، عكس الأولى (٥) (٦). الطريقة الثالثة: أن يبدأ باليمنى كالطريقة الأولى، وباليسرى كالطريقة الثانية، وهي اختيار ابن عبد الحكم، واستحبها (٧) بعض المتأخرين.

стр. 354

وزاد اللخمي طريقه رابعة، وهي: أن تكون العليا من مقدَّم الرجل، والسفلى من مؤخرها، فيمرهما مختلفين. قال: وكل ذلك واسع، إلا أن الأحسن ما ذكر في المدونة: أن يكون الابتداء من مقدم الرجلين والانتهاء إلى الكعبين؛ لأن السنة أن يبدأ بأول كل عضو، ولأن المسح بدل من الغسل، والكعبان هما نهاية الغسل؛ أي: آخره؛ لأن الله تعالى ذكره بعد (إلى)، و (إلى) للغاية. الطرف الرابع: في صفة الخف: وصفته: أن يكون جِلْداً، هو خفُّ (١) في العادة، طاهراً، ساتراً لمحل الفرض، يمكن متابعة المشي فيه منفرداً، فإذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة، جاز المسح، قولاً واحداً (٢)، وفي المسألة فروع في كتب الفقه لا نطوِّل (٣) بذكرها. الطرف الخامس: في بيان القدر الذي يجب مسحه من الخف: وفي المذهب (٤) ثلاثة أقوال: مشهورها: يجب مسحُ الأعلى، ويستحب مسحُ الأسفل، لكنه إن اقتصر على، استُحب له الإعادةُ في الوقت. وقال أشهب: أيهما مسح، أجزأه.

стр. 355

وقال ابن نافع: يجب مسح الأعلى والأسفل (١). الطرف السادس: في توقيت المسح: والمشهور عندنا: عدم التوقيت للمقيم والمسافر، وهذا على طريق الاختصار، كما تقدم، والله الموفق (٢). الرابع: قوله: وهما طاهرتان: ع: قال داود: ويجوز المسح عليهما إذا كانا طاهرتين، وإن لم يستبح (٣) الصلاة، والفقهاء على خلافه؛ بناء على حمل كلامه- ﵊ على الطهارة اللغوية، أو الشرعية، وهو مختلف فيه بين الأصوليين، هل يقدم العرف على اللغة، أم لا؛ كما وقع الخلاف في وضوئه- ﵊-فيما مست النار (٤)؟ قلت: والصحيح المعتمد عند (٥) أهل الأصول: الحمل على الشرعي دون اللغوي. ق: وقد استدل به (٦) بعضهم على أن إكمال الطهارة فيهما شرط، حتى لو غسل إحداهما، وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى، وأدخلها

стр. 356

في الخف (١)، لم يجز المسح. وفي هذا الاستدلال عندنا ضعف؛ أعني: في دلالته على حكم هذه المسألة، فلا يمتنع أن يعبر بهذه العبارة عن كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة، بل ربما يدعي أنه طاهر في ذلك؛ فإن الضمير في قوله: «أدخلتهما» (٢) يقتضي تعلق الحكم بكل واحدة منهما، نعم من روى: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان»، فقد يتمسك برواية هذا القائل من حيث إن قوله: «أدخلتهما» إذا اقتضى كل واحدة منهما، فقوله: «وهما طاهرتان» حال من كل واحدة منهما (٣)، فيصير التقدير أدخلت كل واحدة في حال (٤) طهارتها، وذلك إنما يكون بكمال الطهارة، وهذا الاستدلال بهذه الرواية من هذا الوجه قد لا يتأتى في رواية من روى: «أدخلتهما طاهرتين»، على كل حال، فلييس الاستدلال بذلك بالقوي جدا (٥)؛ لاحتمال الوجه الآخر في الروايتين معا، اللهم إلا أن يضم إلى دليل على أنه لا تحصل الطهارة لأحدهما إلا بكمال الطهارة في جميع الأعضاء، فحيتنئذ يكون ذلك مع هذا مستندا لقول القائلين بعدم الجواز -أعني: أن يكون المجموع هو المستند-،

стр. 357

فيكون هذا (١) الحديث دليلا على اشتراط طهارة كل واحدة منهما، ويكون ذلك الدليل دالا على أنها تطهر إلا بكمال الطهارة، ويحصل من هذا المجموع حكم المسألة المذكورة في عدم الجواز، انتهى (٢). قلت: ولا يخلو بعض هذا الكلام من نظر، والله أعلم، فليتأمل. * * *

стр. 358

الحديث الثاني ٢٢ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَالَ , وَتَوَضَّأَ , وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ (١) مختصر.

стр. 359

الحديث صريح في جواز المسح عن حدث البول. ث: وفي حديث صفوان بن عسال (١) -بالعين المهملة والسين المهلة المشددة- ما يقتضي جوازه عن حدث الغائط، وعن النوم أيضا، ومنعه عن الجنابة (٢). * * *

стр. 360

باب المذي (١) وغيره الحديث الأول ٢٣ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً , فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي , فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ , فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ , وَيَتَوَضَّأُ» (٢). وَلِلْبُخَارِيِّ: «اغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ» (٣). وَلِمُسْلِمٍ: «تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ» (٤).

стр. 361

* التعريف: علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد المطلب جده، القرشي، الهاشمي، يكنى: أبا الحسن، وكناه النبي ﷺ بأبي تراب (١). وأمه، فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي هاشميا، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ وصلى عليها، ونزل في (٢) قبرها.

стр. 362

ولي الخلافة بعد قتل عثمان، وذلك يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة (١) خمس وثلاثين. وكانت خلافته أربع سنين، وستة أشهر، وثلاثة أيام، وقيل: خمس سنين إلا أربعة أشهر، وقيل: إلا شهرين. وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها إلا تبوك، فإنه استخلفه، فقال له (٢): يا رسول الله! تخلفني في (٣) النساء والصبيان؟! فقال: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي»، وهذا الحديث في الصحيح، رواه البخاري، عن مسدد (٤). وكان علي بن أبي طالب ﵁، أول من آمن بعد خديجة ﵂، وأول من صدق الرسول بعدها، فيما قاله ابن عباس، وروي عنه بالأسانيد الصحيحة (٥). وكان أصغر ولد أبي طالب، كان علي أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من

стр. 363

طالب بعشر سنين، أم (١) الجميع فاطمة بنت أسد المتقدم ذكرها. واختلف في سنه حين أسلم، فقيل: أسلم وهو ابن ثمان سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة (٢)، وقيل: ست عشرة، وقيل: ثماني عشرة، وقيل: ابن عشرين، وأصح ما قيل في ذلك: ثلاث عشرة سنة. وعن أنس، قال: بعث رسول الله ﷺ يوم الإثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء. وعن ابن عباس ﵁، قال: دفع رسول الله ﷺ الراية لعلي يوم بدر وهو ابن عشرين سنة؛ ذكره محمد بن إسحاق السراج في تاريخه. روى عن علي بن أبي طالب ﵁: بنوه؛ أبو محمد الحسن، وأبو عبد الله الحسين، وأبو القاسم محمد بن الحنفية، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن قيس، وخلق سواهم من الصحابة، ومن التابعين: النزال بن سبرة، ومروان بن الحكم، وعبيدة بن عمرو السلماني، وعبد الله بن أبي رافع، والأحنف بن قيس، وعلقمة، وغيرهم. وكان علي بن أبي طالب ﵁ من الشجاعة بالمحل الأعلى الذي يضرب به المثل، وزهده في الدنيا في المنزلة العليا، وكان ﵁ ممن

стр. 364

بذل نفسه في الله ، ووقى (١) رسوله بنفسه، فنام على فراشه، وخلفه في مكانه حين أرادوا قتله، فعلم الله مكانه وصدقه، فوقاهما سيئات ما مكروا. وكان ﵁ آدم، شديد الأدمة، أقبل (٢) العينين، عظيمهما، ذا بطن، أصلع، إلى القصر أقرب .. قُتل بالكوفة صبيحة يوم الجمعة لسبع بقين، وقيل: لسبع عشرة خلت، وقيل: لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة على الأصح ﵁. روى له الجماعة (٣). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: «مذاءً»: فعال، من المذي، كضراب من الضرب، وهو من كثر منه، والمذي -: بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة،

стр. 365

وتخفيف الياء، وبكسر الذال وتشديد الياء (١)، وبكسر الذال وإسكان الياء، فالأوليان (٢) مشهورتان، أولاهما أفصحهما، والثالثة: حكاها أبو عمر الزاهد، عن ابن الأعرابي، يقال منه (٣): مَذَى، وأَمْذَى، ومَذَّى، الثالثة بالتشديد، وهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند شهوة، لا بشهوة، ولا دفق (٤)، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة، قيل (٥): وهو في النساء أكثر منه في الرجال (٦). وقوله: «كنت»: يحتمل أن يكون حكاية لحاله فيما مضى، وقد انقطع المذي عنه حين (٧) إخباره به، ويحتمل أن تكون هذه الحالة مستديمة له، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [للنساء: ١٧]؛ أي: أنه لما علم الناس أنه -تعالى- عليم حكيم، قيل لهم: وكذلك كان في الأزل على ما هو عليه الآن. وقوله: «فاستحييت»، قيل، الحياء: تغير وانكسار يعرض (٨) للإنسان من خوف ما يعاتب به (٩)، أو يذم عليه. وهذه هي اللغة

стр. 366

الفصحى (١)، وقد يقال: استحيت، بياء واحدة (٢). وقوله: «أن أسأل»: تقديره: من أن أسأل، وحرف الجر يحذف من «أنْ» و «أنَّ» قياسا، ثم اختلف هل يكون «أنّ» و «أنْ» في موضع نصب، أو جر؟ للنحويين خلاف. وقوله ﵊: «وانضح» هو بكسر الضاد المعجمة، نص عليه الجوهري (٣)، وغيره، ولا يكاد قراء الحديث يقرؤونه إلا بفتح الضاد، وهو خطأ على ما تقدم، فليحذر، والله أعلم. قال الباجي في «المنتقى»: المراد بالنضح هنا: الغسل، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁ (٤). ق: وهو (٥) بالحاء المهملة، لا يعرف غيره، ولو روي بالخاء المعجمة، لكان أقرب إلى معنى الغسل؛ فإن النضخ -بالمعجمة- أكثر منه بالمهملة (٦). قلت: ومنه قوله -تعالى-: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]. الثاني: في حكم المذي، وهو ينقض الوضوء بلا خلاف أعلمه

стр. 367

بين الأئمة (١)؛ لهذا الحديث، واختلف أصحابنا هل يجب غسل جميع الذكر منه، أو محل النجاسة خاصة؟ والمشهور: الأول، ووجهه (٢): أن الذكر حقيقة يقع على العضو كله، وقد قال (عليه الصلاة والسلام): «يغسل ذكره». ووجه القول الآخر، وهو مذهب الشافعي والجمهور: النظر إلى المعنى، وهو أن الموجب للغسل إنما هو خروج الخارج، وذلك يقتضي الاقتصار على محله، وهذا كلام بعض المتأخرين (٣). وخرجه ابن بشير من أصحابنا على الخلاف بين الأصوليين في الأسماء، هل تحمل على أوائلها، أو على أواخرها؟ قال: فمن (٤) حملها على الأوائل، قال: يقتصر على مخرج المذي (٥)، ومن حملها على الأواخر، قال: يغسل الجميع. قلت: وفي هذا التخريج نظر، وذلك أن الحكم المتعلق (٦) بالشيء المذكور في مثل الركوع والسجود مثلاً؛ -الذي هو قدر مشترك بين أشياء، فيه أقل أو أكثر (٧)، فأقله هو أوله، ويصدق اللفظ عليه حقيقة؛

стр. 368

لوجود القدر المشترك. قال: واختلف القائلون بغسل جميعه، هل يفتقر إلى نية، أم لا (١)؟ وسبب الخلاف: هل غسل جميع الذكر تعبد، أو عبادة تعدت محل سببها، فأشبهت الوضوء والغسل في افتقارهما إلى النية، أو غسله لتنقطع مادة الأذى، فلا يفتقر إلى نية؟ وهذا على القول بأن المذي مختص بأحكام ينفرد بها عن البول والوَدْي، وفيما يخالف البول، المشهور: أنه لا يجزئ فيه الاستجمار بالحجارة؛ لأنه -في الغالب- إنما يأتي مستجلبا؛ بخلاف البول والغائط؛ فإنهما يخرجان بطبع الغداء، انتهى. وقال سند [في] «طرازه»: ولما فيه من اللزوجة والتخيط؛ فقد ينتشر بالمسح إلى محل آخر، فينجسه؛ ولأن الحديث إنما جاء فيما يذهب فيه إلى الغائط، وليس هذا بغائط، ولا يذهب فيه إلى الغائط، ولا في معنى الغائط، حتى يلحق به. قال ابن بشير: وأما على القول إنه بمنزلة البول، فلا تفريع. قلت: وقد غّلط اللخمي القول بغسل جميع الذكر، وخالف مشهور المذهب، وقد بسطت الكلام عليه في شرح «الرسالة»، أعان الله على إكماله. تنبيه: لا يؤخذ من هذا الحديث وجوب الوضوء على صاحب سلس المذي، وإن كان علي ﵁ قد وصف نفسه بكونه مذاءً، وهو

стр. 369

الذي يكثر منه المذي؛ لأنا نقول: الكثرة قد تكون مع الصحة؛ لغلبة الشهوة؛ بحيث يمكن رفعه، وقد يكون على وجه المرض والاسترسال؛ بحيث لا يمكن رفعه، ففي الأول: يجب دون الثاني، على تفصيل سيمر بك - إن شاء الله تعالى- في الحديث ما يعين أحد الوجهين (١). الثالث: قوله ﵊: «يغسل ذكره»، هو برفع اللام، أمر بلفظ الخبر، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجاء أيضا الخبر بلفظ الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]. فإن قلت: ما السر في العدول عن الأصل فيهما؟. قلت: أما ورود الأمر بلفظ الخبر، فسره - والله أعلم -: أن الخبر يستلزم ثبوت مخبره ووقوعه إذا كان مثبتا؛ بخلاف الأمر، فإذا عبر عن الأمر بلفظ الخبر، كان ذلك آكد لاقتضاء (٢) الوقوع، حتى كأنه واقع، ولذلك اختير للدعاء لفظ الخبر؛ تفاؤلاً بالوقوع. وأما سر التعبير عن الخبر بلفظ الأمر، فإن الأمر شأنه أن يكون بما فيه داعية للأمر، وليس الخبر كذلك، فإذا عبر عن الخبر بلفظ الأمر، أشعر ذلك بالداعية، فيكون ثبوته وصدقه أقرب. ويبعد فيه الجزم بلام مقدرة، نحو قوله: [الوافر]

стр. 370

مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تَبَالا (١) لأن ذلك بابه الضرورة دونَ السَّعة. الرابع: ق: قد (٢) يُتمسك به، أو تُمُسِّكَ به في قبول خبر الواحد؛ من حيث إن عَلِيًّا ﵁ أمر المقدادَ بالسؤال؛ ليقبلَ خبرَه. والمراد بهذا: ذكرُ صورة من الصور التي تدل على قبول خبرٍ واحد، وهي فرد من أفرادٍ لا تحصى، والحجة تقوم بجملتها، لا بفردٍ معينٍ منها؛ فإنه لو استدل بفرد معين، لكان ذلك إثباتاً للشيء نفسه (٣)، وهو محال، وإنما تذكر (٤) صورة مخصوصة؛ [على أمثالها، لا] للاكتفاء بها، فليعلم ذلك؛ فإنه مما انتقد على بعض العلماء، حيث استدل بآحاد. وقيل: أثبت خبر الواحد بخبر الواحد، وجوابه ما ذكرناه. ومع هذا، فالاستدلال عندي لا يتم بهذه الرواية وأمثالها؛ لجواز أن يكون المقداد سأل رسول الله ﷺ عن المذي (٥) بحضرة عليٍّ ﵁، وسمع عليُّ الجوابَ (٦)، فلا يكون من باب قبولِ خبرِ الواحد، وليس من ضرورةِ كونِه سأل عن المذي بحضرة عليٍّ ﵁ أن يذكر أنه هو

стр. 371

السائل، نعم، إن وجدت رواية تصرِّح أن عَلِيًّا ﵁ أخذ هذا الحكم من المقداد، ففيه الحجة، انتهى (١). قلت: وهو كما قال الشيخ ﵀. الخامس: فيه من الفوائد: أن المذي لا يوجب الغسل. وفيه: أن الاستنجاء لا يجزئ في المذي؛ بخلاف غيره من النجاسة المعتادة، وهو المشهور عندنا، كما تقدم. وفيه: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج يُستحب له ألا يذكر ما يتعلق بأمور النساء، من وجوه (٢) الاستمتاع بحضرة أبيها أو أخيها أو ابنها، وغيرهم من أقاربها (٣). ولا ينبغي لأحد الزوجين أن يذكر ما يجري بينهما من ملاعبة ونحوها (٤) لقريب ولا أجنبي؛ فإن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، نعم يجوز أن يقول الرجل: أتيت أهلي، ونحو ذلك، وكذلك المرأة، قالت عائشة ﵂ لما سئلت عن الغسل: «فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا» (٥)، وإن كانت لم تذكر ذلك ﵂ إلا لإفادة حكم شرعي دعت الحاجة إليه، والله أعلم.

стр. 372

الحديث الثاني ٢٤ - [عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ]، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ (١)، قَالَ: شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ, قَالَ: «لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً, أَوْ يَجِدَ رِيحاً» (٢).

стр. 373

* التعريف: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو (١) بن مازن، المازني الأنصاري، من بني مازن بن النجار، يعرف (٢) بابن أم عمارة، شهد أحدا، ولم يشهد بدرا. قال ابن عبد البر: وقال أبو نعيم في كتاب «الصحابة»: إنه شهد بدرا. ولم يذكر الحافظ عبد الغني في كتاب «الكمال» أنه شهدها، ولا بلغني عنه شهودها، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي الأذان على ما سيأتي في باب الأذان -إن شاء الله تعالى-. وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب فيما ذكر خليفة (٣) بن خياط: وكان مسيلمة قد قتل أخاه حبيب بن زيد، وقطّعه عضوا عضوا. قال ابن عبد البر: فقضى الله أن يشارك أخوه (٤) عبد الله في قتل مسيلمة.

стр. 374

قال خليفة: اشترك وحشي بن حرب وعبد الله بن زيد في قتل مسيلمة (١)، رماه وحشي بالحربة، وضربه عبد الله بن زيد (٢)، فقتله. وُقتل عبد الله بن زيد يوم الحرة، وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، وهو صاحب حديث الوضوء. روى عنه سعيد بن المسيب، وابن أخيه عباد بن تميم (٣). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الياء في «شُكي» منقلبة عن واو؛ لانكسار ما قبلها؛ لأنه من شكا يشكو، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قال: شكا يشكي، والذي يقوم مقام الفاعل لشكي: الرجل، لا المجرور؛ لأنه مفعول به -أعني: الرجل-، وإذا وجد المفعول به، لم يقم سواه عند الأكثرين. والجملة من قوله: «يخيل إليه»: صفة للرجل، وإن كان فيه الألف واللام، وهو من وادي قوله: [الكامل]

стр. 375

وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّني فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لا يَعْنِيني (١) فإنه لم يُرِدْ لئيماً معيناً، فهو نكرة في المعنى - والله أعلم -. والقائمُ مقامَ المفعول ل «يُخَيَّلُ»: «أَنَّ» وما عملت فيه (٢)، والشاكي عبد الله بن زيد الراوي، هكذا جاء في رواية البخاري. الثاني: ونذكر (٣) فيه نواقضَ الوضوء مختصرةً، فنقول: يجب الوضوء من شيئين: أحداث، وأسباب أحداث. فالأحداث: ما يخرج من القبل والدبر، والخارج من القبل ثلاثة: وهي: البول، والمذي، والودي، والخارج من الدبر ثلاثة أيضا: هي: الغائط، والريح، والصوت. وأسباب الأحداث ثلاثة أيضا: مس الذكر، ولمس النساء، والنوم، وما في معناه؛ من فقدان العقل أو استتاره؛ كالجنون، والسكر، والإغماء. واختلف في الرِّدة هل تُنقض إذا عاد إلى الإسلام، أم لا؟ وكذلك اختلف في رفض الوضوء، هل يؤثِّر أم لا؟ على ما سيأتي تفصيله (٤). فالأحداثُ (٥) المذكورةُ إن خرجتْ من المخرج المعتاد على وجه

стр. 376

الاعتياد، أوجَبَتِ (١) الوضوء، قولاً واحداً. فقولنا: من المخرج المعتاد، تحرُّز مما يخرج من الفم من دم أو قيء أو ما يخرج من جرح (٢) من دم أو قيح؛ فإن أبا حنيفة اعتبر الخارجَ دون المخرَج، والشافعي اعتبرَ المخرجَ دون الخارج (٣)، وتابعه على ذلك ابن عبدِ الحكم من أصحابنا. وقولنا: على سبيل الاعتياد: تحرُّز مما ليس بمعتاد؛ كالدم من الدبر، والدود يخرج جافًا، ومن سلس البول، والمذي، والريح، ودم الاستحاضة، فهذا لا يوجب الوضوء عند مالك، ولا ينقضه، على ما نفصله. وإن خرجت على غير وجه العادة؛ كالمستنكح؛ فإنه لا (٤) يخلو من كانت به تلك العلة من أن يقدر على إزالتها؛ كمن (٥) يعتريه المذي لطول عزبة، وهو قادر على رفعه بالنكاح، أو التسرِّي. وَكَمَنْ يعتريه ذلك لأبْرِدَةٍ، أو يعتريه شيء من الأحداث، ويلازمه، فإن قدر على رفع ذلك كما قلناه، فلم يفعل، ففيه قولان لأصحابنا، مشهورُهما: إيجاب الوضوء؛ لأن قدرته على الرفع ألحقته بالمعتاد، والشاذُّ: إسقاط الوضوء؛ لخروجه على غير العادة، فأشبه غير القادر.

стр. 377

قال ابن بشير: وقد يقال هاهنا: إن هذا على الخلاف فيمن ملك أن يملك، هل يعد مالكًا، أم لا؟ وإن لم يقدر على الرفع، فلا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يلازم ولا يفارق، أو يأتي المرة بعد المرة، أو تكون ملازمته أكثر، أو العكس. فإن كان يلازم، ولا يفارق، فهذا لا يجب منه الوضوء، ولا يستحب، وهو المعروفُ عندنا. وقد جسر الركراكي من متأخري أصحابنا، وقال: لكنه مستحب، ولم ينقل ذلك عن غيره، ولم أره لأحد غيره، فلينظر. فإن بال هذا بول العادة، أو كانت المستحاضة من أهل التمييز، فيجب الوضوء على صاحب السلس، والغسل على المستحاضة. وإن استوت ملازمته ومفارقته، فقولان: الوجوب، والإسقاط. وإن كانت ملازمته أكثر، فالمشهور: استحباب الوضوء، والشاذُّ: وجوبُه. وإن كان العكس، فالمشهور: إيجاب الوضوء، والشاذُّ سقوطه، وهو رأي جماعة من البغداديين. ومنشأ الخلاف: وجودُ الحَرَجِ وعدمُه، هذا هو التفصيل المعروف في (١) المذهب.

стр. 378

وقال الركراكي أيضا: إن كان غير دائم، ففي هذا الوجه يفترق حكم صاحب البول، وصاحب المذي، فصاحب البول لا خلاف أنه يتوضأ لكل صلاة، وهل ذلك على معنى الوجوب، أو الندب؟ قولان للمتأخرين متأولان على «المدونة»، والظاهر منها: أنه على ... ثم رجع إلى التفصيل في غير البول المتقدم ذكره، ولم أر هذا التفصيل لغيره، فتأمله أيضا. واختلف ... هل يكون ذلك رخصة للإنسان في نفسه لا تتعداه، أو سقوط ذلك يجعل الخارج كالعدم؟ فيه قولان، وتظهر فائدة الخلاف في إمامته لغيره، وكذلك الحكم فيمن كانت تنفصل منه نجاسة لا يقدر على الاحتراز منها؛ كمن به قروح، فيه قولان - أيضا -: هل تجوز له الإمامة أم لا؟ ويقوِّي أحد القولين أخبارُ عمر ﵁ بتحدُّره على وركه كالخُريزة، وأنه لا ينصرف حتى يقضي صلاته، وهذا مشعر بكونه مستنكحا، وقد كان إماما، ولم يذكر أنه ترك الإمامة بسببه، وفي «المدونة» عنه: هذا، وعنه: الأمرُ: بغسله والوضوءِ منه، وتأول بعض الأشياخ أن أخباره على حالتين مختلفتين. قال ابن بشير: وهذا لا يحتاج إليه؛ لأنه إنما أخبر في أحد الأثرين عن حالته، وأمر في الأثر الآخر (١)، فتكلم على حكم نفسه في الاستنكاح، وعلى حكم غيره إذا لم يكن مستنكحا.

стр. 379

وأما أسباب الأحداث المتقدمة، فالأول مس الذكر. قال صاحب «البيان والتقريب»: وقد اختلف فيه قول مالك، فله فيه ثلاثة أقوال. قال: أولاً: لا وضوء فيه. وقال في سماع ابن وهب: الوضوء من مس الذكر حسن، وليس سنة (١). وقال في الرواية الأخيرة: يجب منه الوضوء؛ وهي اختيار ابن القاسم. وروى سحنون: إعادة الوضوء منه ضعيف. هذا ما قيل في المذهب (٢). وممن قال لا وضوء فيه من الصحابة ﵃ ثمانية، وهم: علي -كرم الله وجهه-، وعمار، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو الدرداء، وسعد بن أبي وقاص. ومن التابعين ومن بعدهم: الحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه. وممن قال فيه الوضوء، من الصحابة ﵃: عمر، وابنه، وعائشة، وأبو هريرة، ورواية عن سعد بن أبي وقاص، وابن عباس.

стр. 380

ومن التابعين ومن بعدهم: عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة، وسليمان بن يسار، والزهري، وأبو العالية، ومجاهد، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، والمزني. ومنشأ الخلاف فيه: اختلاف الأخبار؛ إذ لا محل للقياس فيه. فروى أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن طلق بن علي، قال: قدمنا وفدا على النبي ﷺ ، فبايعناه، وصلينا معه، فلما قضينا الصلاة، جاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله! ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ فقال: «وهل هو إلا بضعة، أو -مضغة- منه؟» (١)، فتمسك بهذا الحديث من قال: لا وضوء عليه. وروى مالك في «الموطأ»، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن بسرة بنت صفوان: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ»، وقال أبو عيسى: «فلا يصل حتى يتوضأ» (٢).

стр. 381

قال أبو عيسى: وفي الباب: عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وأروى بنت أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح (١). قال: وبه يقول الشافعي، والأوزاعي، وأحمد (٢)، وإسحاق. وقال (٣) محمد -يعني البخاري-: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح (٤). فأخذ مالك أولاً بالحديث الأول، وقال (٥): لا وضوء فيه، وأخذ في القول الثاني بوجوب الوضوء بالحديث الثاني، ورأى في القول الثالث الاستحباب؛ لكون الحديثين متعارضين، فأثار له (٦) شكًا، فاستحب الوضوء فيه، وهو أحد أقواله فيمن تحقق الطهارة، وشك في الحدث بعد، هل يعيد الوضوء، أم لا؟ ولذلك اختلف القول فيمن مسه ثم صلى، ولم يتوضأ.

стр. 382

فقيل: يعيد أبدا بناءً على الوضوء، وهو قول ابن نافع. وقيل: لا إعادة عليه، وهو قوله في «المجموعة» بناءً على أنه لا وضوء فيه. ثم رجع فقال: يعيد في الوقت، وإن خرج، فلا إعادة؛ بناءً على الاستحباب المتأكد، ولم يصل إلى حد الوجوب. وقال سحنون في كتاب ابنه، في هذا، وفيمن قبل للذة: يعيد، وإن خرج الوقت، فإن (١) طال، وجاوز اليوم واليومين والثلاثة، فلا وضوء عليه، ووجهه ضعيف إلا في وجوبه، وقوة الاختلاف فيه، فتوسط الأمر فيه، والمشهور من قول ابن القاسم: ما في الكتاب، وهو القول بالوجوب والإعادة أبدا إذا صلى ولم يتوضأ؛ للحديث الثاني. فإن قيل: فقد قال يحيى بن معين: لا يصح حديث مس الذكر. قلنا: لا يقبل هذا القول المطلق حتى يتبين وجه الطعن فيه، وقد صححه مالك، وهو النجم في العلم، وأمير المؤمنين في الحديث، وكذلك أحمد، وقال الترمذي: حديث بسرة حسن -صحيح كما تقدم -، وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة صحيح، فقول هؤلاء الأئمة الأربعة الحفاظ أرجح من قول يحيى بن معين، كيف وقد روى حديث بسرة خمسة عشر نفسا من بين رجل وامرأة من الصحابة وغيرهم؟! ولو تنزلنا على صحة الحديثين وتعارضهما، فحديثنا أكثر رواةً،

стр. 383

وأعدل، والأصوليون اختلفوا في الترجيح بكثرة الرواة، ولم يختلفوا في مزية العدالة. ثم ولو تنزلنا على أن لا مزية في أحدهما، رأينا أن حديثنا ناسخ؛ لتأخره عن حديث طلق، ودليله أمران: أحدهما: أن في بعض طرق حديث طلق قدمنا، ورسول الله ﷺ يؤسس المسجد. الثاني: أن أبا هريرة إنما روى بعد إسلامه، فإنه إنما يصغي إلى الرسول، ويحافظ على ما سمعه منه (١) المؤمنون. ثم ولو تنزلنا على التعارض، وعدم الترجيح، وعدم العلم بالتاريخ فيهما، فعلماؤنا متفقون على أنه لا يجب الوضوء من مسه على الإطلاق في كل الأحوال، بل لا بد من قيد سنذكره، فلا شك أنَّ ثمّ حالةً لا ينقض مسه فيها، فينزل حديث طلق على تلك الحال، وحديثنا على غيرها، فنكون قد أعملنا الخبرين في حالين، وهو أولى من تعطيل أحدهما بالكلية. ثم ولو تنزلنا على التعارض في جميع الحالات، وتعذر الجمع على كل حال، فلنا أن نقول: من أصلنا إذا تحقق الإنسان أنه تطهر، ثم شك هل أحدث بعد الوضوء أم لا؟ أنه يجب عليه الوضوء في القول المشهور، فمن توضأ، ثم مس ذكره، قد شك؛ لتعارض الخبرين، هل انتقض وضوءه أم لا؟ فينبغي على ما ذكرناه: أن يجب

стр. 384

عليه الوضوء؛ فإذا ثبت ذلك، قلنا: قد اتفق المذهب على أن لإيجاب الوضوء منه قيدا (١)، ثم اختلفوا في تعيينه: فرأى العراقيون: أنه وجود اللذة، فقال ابن القصار: الذي عليه العمل من الروايات - يعني: عندهم -: على أنه من مسه لشهوة بباطن كفه (٢)، أو سائر أعضائه، من فوق ثوب، أو تحته، انتقضت طهارته، قال الأبهري: وعلى هذا يعمل شيوخنا كلهم. ورأى (٣) في «المجموعة»: أن قيد إيجابه للوضوء العمد. وكذلك روى عنه ابن وهب في «العتبية»، قال: لا وضوء إلا في تعمد مسه. ورأى في رواية أشهب في سماعه منه: أن القيد أن يمسه بباطن الكف، قال: وسئل (٤) مالك: إذا مسه بباطن الأصابع؟ فقال: الذي آخذ به لنفسي: إذا مسه بباطن الكف. ورأي في الكتاب، وهو اختيار ابن القاسم: أن القيد أن يمسه بباطن الكف، أو بباطن الأصابع. قال ابن بشير: والكل محوِّمون على مراعاةِ وجودِ اللذة ومَظِنَّتِها،

стр. 385

فعدوا أن فقدها مع ما قيدوه نادر، فلا يراعى، وراعاه العراقيون. وقال شيخه الإمام أبو عبد الله المازريُّ: من لم يراعِ اللذةَ من أصحابنا، وراعى مجردَ مسه بباطن الكف، سهوا أو عمدا، انتقض الوضوء؛ رأى أن نقض الوضوء به تعبد. وهذا الذي أشار إليه المازري هو منشأ الاختلاف، وهو أن وجوب الوضوء منه معّلل، أو تعبد: فمن عّلله: قيد الوضوء بوجود اللذة في رأي، أو بوجود مظنتها، وهو العمد في رأي، أو بباطن الكف، أو باطنها وباطن الأصابع في رأي. ومن رأى أنه تعبد: تمسك بمقتضى لفظ الخبر، وهو الأظهر، واعتبر ما يسمى مسا، وما يسمى إفضاءً؛ لأن في بعض رواياته: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه» (١)، والعرب لا تسمي مسا ولا إفضاءً إلا ما كان بباطن الكف، أو الأصابع، وما كان سوى ذلك، يسمى لمسا لا مسا. ووافقنا الشافعي على (٢) أنه لا ينتقض إذا لمسه بظاهر كفه، أو بساعده.

стр. 386

وحكي عن أحمد: أنه ينتقض بذلك، وحجتنا عليه ما قدمناه، انتهى (١). قلت: وفي المسألة فروع اختصرتها خشية الإطالة. وأما مس المرأة فرجها: فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: إحداها: ما في «الكتاب» من قوله: ولا ينتقض. وروي عنه: على أن عليها الوضوء، وأنكره سحنون (٢)، وهو قول الشافعي، وتمسك بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «من أفضى بيده إلى فرجه». وروي عن مالك أيضا: أنه لا ينتقض وضوءها إذا مست ظاهره، وأما إن قبضت عليه، أو ألطفت، فعليها الوضوء، وهي رواية إسماعيل ابن أبي أويس، هذه طريقة. وفي المذهب طريقتان (٣) أخريتان: إحداهما: أن المذهب على قولين: أحدهما: (٤) النقض مطلقًا، والثاني: التفصيل.

стр. 387

والثانية: أن المذهب على قول واحد، والتفصيل تفسير (١)؛ فمن قال: لا ينتقض يعني: إذا مست ظاهره، ومن قال بالنقض يعني: إذا ألطفت. وقد فسر مالك الإلطافَ حين سأله إسماعيل بن أبي أويس بأن قال: تدخل يديها بين الشفرين (٢). وروي عن مالك أيضا: استحباب الوضوء لها. وأما لمس النساء، فينقض الوضوء عندنا إذا كان على وجه (٣) اللذة. قال ابن بشير: والمعتمد في ذلك: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النسائي: ٤٣]. تفصيل: اللمس لا يخلو من أربع صور: إحداها: أن يقصد به اللذة، ويجدها، فيجب الوضوء بلا خلاف. والثانية: أن يجد، ولا يقصد، فكذلك يجب الوضوء - أيضا - بلا خلاف، قاله القاضي أبو الوليد بن رشد ﵀، وغيره (٤). والثالثة: ألا يقصد، ولا يجد فلا يجب الوضوء. والرابعة: أن يقصد، ولا يجد، فهاهنا مقتضى الروايات وجوب الوضوء.

стр. 388

قال ابن بشير: والأشياخ يحكون عن المذهب قولين: أحدهما: الإيجاب والثاني: الإسقاط. وإنما يعولون في ذلك على الخلاف في الوضوء؛ هل يرتفض بالنية؟ وفي المذهب قولان في ذلك، وهذا الذي يعولون عليه مطلوب؛ لأن اللامس ها هنا قد وجد منه فعل، بخلاف الرفض بمجرد النية من غير فعل. وهذا التفصيل كله في حق اللامس. وأما الملموس، فلا تفصيل فيه، وإنما يقال: إن وجد اللذة، توضأ، وإن لم يجد، فلا وضوء عليه. قال ابن بشير: وكذلك - أيضا - لا تفصيل في القبلة على الفم، على المشهور من المذهب، بل توجب الوضوء إذا كانت فيمن توجد منه اللذة بقبلة على الإطلاق، وهذا لأن الغالب وجود اللذة بها، فإن شَذَّت نادرة، فلا يلتفت إليها، وقيل: هي بمنزلة اللمس، فإن فُقدت اللذة والقصد إليها، لم تنقض وضوءًا، وهذا على الخلاف؛ هل تراعى الصورة النادرة، أو يعطى الحكم للغالب؟ ومتى كان اللمس دون حائل، فإنما يراعى فيه وجدان اللذة، فيجب الوضوء، أو فقدها، فلا يجب. مسألة: إذا أنعَظ، فله أربعة أحوال:

стр. 389

أحدها: أن يلتذ، فيخرج منه الماء، فهذا لا خلاف في وجوب الوضوء. والثانية: أن يلتذ ولا يخرج منه ماء، ففيه قولان: المشهور: وجوب الوضوء عليه. والثالثة: أن يخرج منه الماء عاريا عن اللذة، فالمشهور - أيضا -: وجوب الوضوء؛ إذ الغالب أن خروج المذي لا يكون إلا عن لذة. والرابعة: أن لا يكون منه إلا مجردُ الإنعاظ، وانكسر عن غير ماء، ففيه - أيضا - قولان قائمان من «المدونة» على اختلاف الروايات في إثبات الألف (١) في قوله: إذا التذ وأنعظ، وفي رواية أخرى إذا التذ، أو أنعظ، هذا مذكور في كتاب الوضوء، وكتاب الصيام، هذا تلخيص كلام الركراكي من المتأخرين من أصحابنا، والله أعلم (٢). وأما النوم وما ذكر معه من فقدان العقل، فتلخيصه أن يقال: هذه المسألة تشتمل على أربعة أنواع: ثلاثة لا تفصيل فيها، أعني: أن القليل منها والكثير (٣) يوجب الوضوء، وهي: الإغماء، والسكر، والجنون. والرابع مختلف فيه، وهو النوم، هل هو حدث في نفسه، وهو الشاذ، وإن كان قد نقل عن ابن القاسم، أو هو سبب للحدث، وهو المشهور؟ قال القاضي عبد الوهاب: وهو قول أكثر أهل العلم، بل

стр. 390

هو عندنا إجماع الصحابة (١). وإذا بنينا على المشهور، وهو أن النوم سبب للحدث، فقد اختلفت طريقتا الشيخ أبي الحسن اللخمي، والشيخ أبي محمد عبد الحميد في تحرير المشهور من ذلك، فاعتبر أبو الحسن زمانه، وكيفيته، فقسمه بحسب ذلك أربعة أقسام: طويلاً ثقيلاً: يؤثر في نقض الوضوء بلا خلاف، وقصيرا خفيفًا: لا يؤثر على المعروف منه. وخفيفًا طويلاً: يستحب منه الوضوء. وثقيلاً قصيرا: في تأثيره في النقض قولان. وقال بعض المتأخرين: القولان جاريان في الثالث - أيضا -. واعتبر أبو محمد عبد الحميد الهيئات فقال: إن كان النائم على هيئة يتهيأ منها الطول وخروج الحدث؛ كالساجد، نقض، وإن كان العكس؛ كالقائم والمحتبي؛ لم يؤثر. قال: وإن انقسم الأمر، وكان (٢) إمكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث غالبا؛ كالجالس مستندا، أو عكسه؛ كالراكع، ففي نقضهما قولان، سببها (٣): تعارض موجب و (٤) مسقط.
следующие страницы →