← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

الحديث الثاني عشر ٤٠٧ - عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ العَوَّامِ، شَكَيَا القَمْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخَّصَ لهما (١) فِي قَمِيصِ (٢) الحَرِيرِ، وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا (٣).

стр. 3222

* الشرح: يقال: شَكَوْتُ، وشَكَيْتُ، وكأن الأولَ أكثرُ، والشكوى: إخبارُكَ عن المَشْكِيِّ (١) بسُوءِ فعلٍ بك. قال الجوهري في المصدر: شَكْوَى (٢)، وشِكَايَةً، وشَكِيَّةً، وشَكاة، والاسمُ الشكوى (٣). وقد تقدم جوازُ لبس الحرير في الحرب. ق (٤): أجازوا للمحارب لبسَ الديباج الذي لا يقومُ غيرُه مقامَه في دفع السلاح، وهذا الحديثُ يدلُّ على جوازه؛ لأجل هذه المصلحةِ المذكورةِ فيه، ولعله يتعين (٥) لذلك في دفعها في ذلك الوقت، وقد

стр. 3223

سماها الراوي رخصةً؛ لأجل الإباحةِ مع قيامِ (١) دليلِ الحَظْرِ (٢). قلت: وهذا كما جازَ لبسُ الحريرِ لأجل الحِكّة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3224

الحديث الثالث عشر ٤٠٨ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَني النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكابٍ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالصة، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ (١).

стр. 3225

* الشرح: الإيجاف: الإعمال، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] أي: أَعْمَلْتم، قال الشاعر: نَاجٍ طَوَاهُ اللَّيْلُ مِمَّا وَجَفَا ... طَيَّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَفَا (١) والرِّكاب: الإبلُ التي يُسار عليها، الواحدةُ راحلةٌ، ولا واحدَ لها من لفظها (٢)، والجمعُ الرُّكُبُ؛ مثل الكُتُب (٣). وأما الرَّكْب فمن الأسماء المفردة الواقعة على الجمع، وليس بجمع تكسير لراكبٍ بدليلِ قولهم في تصغيره: رُكَيْبٌ، وجمعُ التكسير لا يصغَّر على لفظه، قال الشاعر: وَأَيْنَ رُكَيْبٌ وَاضِعُونَ رِحَالَهُمْ ... إِلَى أَهْلِ نارٍ مِنْ أُنَاسٍ بِأَسْوَدَا (٤)

стр. 3226

ومثلُه راحِلٌ، ورُحَلُ، ونحو ذلك. فائدة نحوية: يُعلم الفرقُ بين جمع التكسير وبينَ الاسم المفرد الدالِّ على الجمع من خمسة أوجه: الأول: أن تكون أبنيةُ الاسم (١) المفرد لا تُستمدُّ (٢) في التكسير. الثاني: أن يشار إليه بهذا، أعني: الاسم المفرد. الثالث: أن يُعاد عليه (٣) ضمير المفرد؛ كقولنا: الرَّكْبُ قَدِمَ، أو سافرَ. الرابع: أن يقع خبرًا عن (هو)؛ كقولك: هو الركبُ، وهو الرجُل. الخامس: أن لا يصغَّر على لفظه، وهو أقواها؛ كما تقدم. والكُراعُ: الخيلُ والسلاحُ، يذكَّر ويؤنَّث، ولغةُ القرآن التذكيرُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ووجهُ الدليل من ذلك: أن الضابط عند أهل اللسان: أن كلَّ ما كان على أربعة أحرف ثالثُه (٤) حرفُ مَدٍّ ولينٍ، إنْ كان مذكَّرًا (٥)، جُمع على أفعِلة، نحو: جَناح وأجنحة، وإن كان مؤنثًا، جُمع على أَفْعُل نحو: عُقابٌ وأَعْقُب.

стр. 3227

وَالعُدَّة -بضم العَيْن-: كلُّ ما يُسْتعان به مطلقًا. قال الجوهريُّ أيضًا: والعُدَّةُ أيضًا: ما أعدَدْتَه لحوادث الدهر من المالِ والسلاح، يقال: أخذَ للأمر عُدّةً (١)، وعتادةً، بمعنًى، والعُدَّةُ -أيضًا-: الاستعدادُ، يقال: كونوا على عُدَّةٍ (٢). وقوله: "كانت أموالُ بني النضير لرسول اللَّه ﷺ " يحتملُ وجهيْن: أحدهما: أن يُراد بذلك: أنها كانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، لا حقَّ فيها لغيره من المسلمين، ويكون إخراجُ رسولِ اللَّه ﷺ لما يخرجه منها لغير أهله أو نفسِه تبرعًا منه ﷺ . والثاني: أن يكون ذلك مما يشترك فيه هو وغيره ﷺ ، ويكون ما يخرجه منها لغيره من نفس المصروف، وإخراج المستحق من المال المشترك في التصرف، ولا يمنع من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦]؛ لأن هذه اللفظةَ قد وردت مع الاشتراك في المصرف، قاله ق. قال: وفي الحديث جوازُ الادخار للأهل قوتَ سَنَة. قلت: وأما ما جاءَ من أنه ﵊ كان لا يدَّخر شيئًا لغدٍ (٣)، فمحمولٌ على ادّخارِه لنفسِهِ، لا لأهلِهِ، وإن كان -عليه

стр. 3228

الصلاة والسلام- مشارِكًا لأهله فيما يدخر لهم، ولكن المعنى: أنه لو لم يكونوا، لم يدخر شيئًا، فهم المقصودون بالادخار قطعًا. ق: والمتكلمون على لسان الطريقة قد يجعلون -أو بعضُهم- ما زادَ على السَّنَةِ خارجًا عن طريقة التوكل. وفيه: الاعتناءُ بأمر الكُراع والسلاح، وتقديمُه على غيره من وجوه الطاعات والقُربات، لاسيما في ذلك الزمان (١) وإلى ذلك يُشير قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ففيه التصوُّنُ والتحرُّزُ (٢) من العدوِّ ونحوِه، ولا يكون ذلك ينافي التوكل (٣)؛ خلافًا لبعض من (٤) حُكي عنه: أنه كان إذا خرج، لا يُغلق بابه، ويَرى إغلاقَه ليس من التوكل، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3229

الحديث الرابع عشر ٤٠٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءَ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجدِ بَنِي زُريقٍ. قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى. قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الحَفْيَاءَ إِلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنْ ثَنِتةِ الوَدَاعِ إِلَى مَسْجدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ (١).

стр. 3230

* الشرح: المرادُ بالإجراء هنا: المُسَابَقَةُ بين الخيل. وتضميرُ الفرس: أن يعلفَه (١) حتى يسمَنَ، ثم يردّه إلى القوت (٢)، وذلك في أربعين يومًا، وهذه المدة تسمَّى: المِضْمار (٣)، والموضعُ الذي تُضَمَّر فيه يسمى أيضًا: مضمارا (٤) وهو بيتٌ كَنِينٌ تُجَلَّلُ فيه لتعرقَ، ويجفَّ (٥) عرقها فيخفَّ لحمُها، وتقوَى على الجري، هكذا قاله أهل اللغة (٦).

стр. 3231

والحَفْياء: بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها المثناة تحت بعدها همزة ممدودة، وحُكي فيها القصر، والحاء مفتوحة بلا خلاف. قال صاحب "المطالع": وضبطَهُ بَعْضُهم بضم الحاء، وهو خطأ. ح: قال الحازميُّ في "المؤتلف": ويقال فيها أيضًا: الحَيْفاء -بتقديم الياء على الفاء-، والمشهورُ المعروفُ في كتب الحديث وغيرها (١): الحفياء. وثَنِيَّةُ الوداع: بفتح المثلثة بعدها نون مكسورة بعدها المثناة تحت المشددة، والوَداع: بفتح الواو. وزُرَيْق: بتقديم الزاي المعجمة المضمومة، وفتح الراء المهملة، مصغَّر، مثل: حجير. فيه: دليلٌ على قول: مسجد فلان، ومسجد بني فلان، وقد ترجم له البخاري بهذه الترجمة (٢). وهذا الحديث أصلٌ في مشروعية المسابقة بين الخيل من حيثُ الجملة. وقد اختلف العلماء: هل هي مباحة، أم (٣) مستحبة؟ والشافعيُّ يقول (٤) باستحبابها، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصًّا

стр. 3232

صريحًا، أعني: الاستحباب. وأمّا أحكامُها، فنحن نبين مذهبَنَا في ذلك، فنقول: المسابقة من العقود الملازمة (١)؛ كالإجارة، يشترط فيها ما يُشترط في عِوَضِ الإجارة، وليس من شرط العِوَضِ الاستواءُ من الجانبين، وإنْ كانت جائزة بغير عوض بلا خلاف، ولها صور ثلاث: الأولى: أن يجعل الوالي أو غيرُه مالًا للسابق، فهذه جائزة مباحةٌ (٢) بلا خلاف. والثانية: أن يخرجه أحدُ المتسابقين، فإن كان المخرِجُ لا يعود إليه المخرَج، بل إن سبق، أخذه السابقُ، وإن سُبق، كان لمن يليه، أو للحاضرين إن لم يكن معهما غيرهما، فذلك جائز أيضًا. والثالثة (٣): أن يُخرج كلَّ واحد منهما (٤) شيئًا، فمن سبق منهم، أخَذَهُ، فإن لم يكن معهما غيرُهما، فلا يجوز، قولًا واحدًا، وإن كان معهما (٥) مَنْ لا يأمنان أن يسبقهما، فإن سبقَ، غنمَ، وإن سُبق، لا يَغْرم، فالمشهورُ عن مالك: منعُ ذلك، وأجازه سعيدُ بنُ المسيب، وابنُ شهاب.

стр. 3233

قال ابنُ المواز: وهو الذي يختاره، وهو قياسُ قولِ مالك الآخر: أنه يحوزُ سبقَه. ولها شروط: وهي إعلام الغاية، وتبيين (١) الموقف، إلا أن يكون لأهل المكان سنّة في ذلك، فيعمل عليها (٢)، ولا ينبغي أن يتعدَّى الغاية المذكورة في الحديث، ومعرفةُ أعيانِ الخيل، ولا يُشترط معرفةُ جَرْيها، ولا مَنْ يركب عليها، ولكن لا يُحمل عليها إلا مُحتلم، وكره مالكٌ حملَ الصبيان عليها (٣). إذا ثبت هذا، فكلُّ ما تقدَّمَ من أحكام المسابقة فهو بين الخيل والركاب، أو بينهما، وهو المراد بقوله ﵊: "في عِوَضٍ"، فيجوز فيه المسابقةُ (٤) إذا كان مما يُنتفع به في نكاية العدو، ونفعِ المسلمين، فيدخل في ذلك المسابقةُ بين السّفن، وبين (٥) الطير إذا كان الخبر لا يصل بسُرْعة؛ للنفع به، وأما لطلب المغالبة، فقمارٌ، ومِنْ فِعْلِ أهلِ الفسق. وتجوز المسابقةُ على الأقدام، وفي رمي الحجار (٦)، ويجوز

стр. 3234

الصِّراعُ، كلُّ ذلك إذا قُصد به الانتفاعُ، والارتياضُ للحرب، جاز بغير عوض في جميعه (١)، واللَّه الموفق. وقولُ سفيان: خمسةُ أميال، أو ستةٌ. ح: وقال موسى بنُ عقبةَ: ستةُ أميال، أو سبعة (٢). قلت: والمِيلُ: عشرُ غِلاء، والغَلْوَةُ: طلقُ الفرس، وهو مئتا ذراع، ففي الميل ألفُ باع، قيل: من أبواع الدواب، وقيل: ألفا ذراع، وهذا قولُ ابنِ حبيب من أصحابنا. وقال غيره: الميلُ: ثلاثةُ آلافِ ذراع، وخمسُ مئة ذراع. قال ابنُ عبدِ البرّ: وهو أصحُّ ما قيل فيه، قاله ع. وأما الفَرْسَخ، فثلاثة أميال، والبَرِيد: اثنا عشر ميلًا (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3235

الحديث الخامس عشر ٤١٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ (١) وَأَنَا ابنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزني، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَني (٢).

стр. 3236

* الشرح: اختُلف في السنّ التي يكون بها (١) الإنسانُ في حكم الرجال المقاتلين، وغيرِ ذلك من أحكام الرجال، ففي مذهبنا ثلاثةُ أقوال: خمسَ عشرَة، وسَبع عشرةَ، وثماني عشرةَ، وهو المشهور (٢). واختُلف عندنا في اعتبار الإنبات، ومنهم من اعتبره في الجهاد دونَ غيره. ومذهبُ الشافعيِّ، وأحمدَ، وجماعةٍ: أن ذلك خمسَ عشرةَ سنة، وهو ظاهرُ الحديث، حتى قيل: إن عمر بن عبد العزيز (٣) لما بلغه هذا الحديث، جعلَه حدًّا، وكان يجعل مَنْ دونَ خمسَ عشرةَ سنةً (٤) في الذرية. ق: والمخالفون لهذا المذهب (٥) اعتذروا عن هذا الحديث: بأن الإجازة في القتال حكمُها منوطٌ بإطاقته، والقُدرةِ عليه، وأن إجازة

стр. 3237

النبي ﷺ لابن عمر في الخمسَ عشرة (١)؛ لأنه رآه مُطيقًا للقتال، ولم يكن (٢) له قبل ذلك، لا لأنه أدارَ (٣) الحكم على البلوغِ وعدمِه (٤). قلت: وهو كما قال رحمه اللَّه تعالى. فائدة وتنبيه: في هذا (٥) الحديث دليلٌ (٦) على أن الخندق كان سنةَ أربعٍ من الهجرة، وهو الصحيح، وقال جماعةٌ من أهل السير والتواريخ: كان سنةَ خمسٍ، وهذا الحديث يردُّه؛ لأنهم أجمعوا على أن أُحُدًا كانت سنةَ ثلاث، فيكون الخندقُ سنةَ أربع؛ لأنه جعلَها في هذا الحديث بعدَها بسنةٍ (٧)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3238

الحديث السادس عشر ٤١١ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ فِي النَّفَلِ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا (١). * * *

стр. 3239

* الشرح: قد تقدم تفسيرُ النَّفَل، وهو هنا بفتح الفاء لا غير فيما رويناهُ ورأيناهُ. وتقدم -أيضًا-: أنه يُراد به الغنيمةُ تارةً، وعليه حُمل (١) قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، وتارةً يُراد به: ما ينفِّلُه الإمامُ خارجًا عن السُّهمانِ المقسومةِ؛ إما من أصل الغنيمة، أو من الخُمُس، على الاختلاف الذي قدمناه. وقوله: "للفَرس سهمين"، يريد: غيرَ سهمِ الفارس، فللفارسِ ثلاثةُ أسهمٌ: سهم له، وسَهمانِ لفرسه، وللراجل (٢) سَهْم واحدٌ، وهو مذهب مالك، والشافعي. ومذهبُ أبي حنيفة: أن للفارسِ سهمين، وللراجل سهم (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3240

الحديث السابع عشر ٤١٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأِنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْم عَامَّةِ الجَيْشِ (١). * * *

стр. 3241

* الشرح: هذا صريحٌ في أن هذا التنفيل زيادةٌ على السهمان المقسومة، وهو محتملٌ لأن (١) يكون من رأس الغنيمة، أو من الخُمُس، وقد تقدم نقلُ الاختلاف (٢) في حكم ذلك، وفي تتبع بعضِ الروايات في هذا المعنى ما يعطي (٣) أنه كان من الخُمُس، وفي بعضِها ما يعطي أنه (٤) كان من أصل الغنيمة، وعليك بالقائل في (٥) تحقيقه. ق: وللحديث (٦) تعلُّق بمسائل الإخلاص في الأعمال، وما يضرُّ من (٧) المقاصد الداخلة فيها، وما لا يضر، وهو موضع دقيق المأخذ. قال (٨): ووجهُ تعلُّقِه به: أن التنفيلَ للترغيب في زيادة العمل، والمخاطرة والمجاهدة، وفي ذلك مداخلة (٩) لقصد الجهاد للَّه ، إلا أن ذلك لم يضرهم قطعًا لفعل الرسول ﷺ ذلك لهم (١٠)، ففي ذلك دلالة

стр. 3242

لا شكَّ فيها على أن بعضَ المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الإخلاص، وإنما الإشكالُ في ضبط قانونها، وتمييز ما (١) يضرُّ مداخلته من المقاصد، ويقتضي الشركةَ المنافيةَ للإخلاص، وما لا يقتضيه، ويكون تَبَعًا لا أثرَ له، ويتفرَّع عنه غيرُ ما مسألة. وفي الحديث: دليلٌ على مطلَق النظر للإمام بحسبِ (٢) ما يراه من المصالح الشرعية (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3243

الحديث الثامن عشر ٤١٣ - عَنْ أَبي مُوسَى عَبْدِ اللَّه بْنِ قَيْسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا" (١). * * * * الشرح: كأن المعنى -واللَّه أعلم-: من حملَ على المسلمين السلاحَ

стр. 3244

لقتالهم، وقد تقدم معنى "ليسَ منا"، وأن معناهُ: ليس مثلَنا، أو ليسَ على طريقتنا، ولا مُتَّبِعا لسنّتنا، ولا مُهْتَديًا بهَدْيِنا، لا أن ذلك يُخرجه عن الإسلام، إلا إنِ استحلَّ ذلك، فيكفُر باستحلالِ المحرَّمِ، لا بحملِ السلاح، وكذلك كلُّ ما جاء من هذا المعنى، فهذا تأويله؛ مثل قوله ﵊: "مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا" (١)، ونحوِ ذلك (٢)، واللَّه أعلم (٣). * * *

стр. 3245

الحديث التاسع عشر ٤١٤ - عَنْ أَبِي مُوْسى ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، ويُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (١).

стр. 3246

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قال أهل اللغة: الشجاعة: شِدَّةُ القَلْبِ عندَ البأسِ، والرجلُ شُجاعٌ، وقومٌ شِجْعَة، مثل صِبْيَة (١)، وشُجْعانٌ أيضًا. فإن قلت: شَجيعٌ، قلت: شُجعانٌ (٢)، وشُجَعاءُ أيضًا، مثل: فُقَهاء، وقد يقال (٣): امرأةٌ شُجاعةٌ، ومنهم مَنْ لا يصفُ المرأة بذلك (٤). الثاني: الحَمِيَّةُ: الأَنَفَةُ والغَضَبُ، قاله العُزَيرِيُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] (٥). وحَمِيتُ عن كذا حَمِيَّةً -بالتشديد-، ومَحْمِيَّةً: إذا أَنِفْتَ منه، وداخَلَكَ عارٌ وأَنَفَة أن تفعلَه، يقال: فلانٌ أَحْمى أَنْفًا، وأَمْنَعُ ذِمارًا من

стр. 3247

فلانٍ، قاله الجوهري (١). الثالث: الرياء: يُمدُّ ويقصرَ، والاكثرُ الأشهرُ (٢) المدُّ. قال الغزالي: وهو إرادةُ نفعِ الدنيا بعمل الآخرة. قلت: وهو ضدُّ الإخلاص، وتارةً يَتَمَحَّضُ الرياءُ، وهو أن يريدَ بعمل الآخرة نفعَ الدنيا؛ كما تقدم، وتارةً لا يتمحَّضُ بأن يريدَهما جميعًا -أعني: نفعَ الدنيا والآخرة-، وبسطُ هذا في كتب الرقائق. الرابع: القتالُ للشجاعة، يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: أن يُقاتل إظهارًا لشجاعته، ليقال: إنَّ فلانًا شجاعٌ، وهذا ضدُّ الإخلاص، وهو الذي يُقال فيه: لكي يُقال، وقد قيل، ويكون الفرق بين هذا القِسْم وبين قوله بعدُ (٣): ويقاتل رياءً: أن يكون المراد بالرياء: إظهارَ المقاتَلَةِ لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، وبذلَ النفس في رضاه، والرغبة فيما عنده (٤)، وهو في باطن الأمر (٥) بخلاف ذلك، لا ليقال: إنه شجاع، والذي قلنا: إنه قاتل إظهارًا للشجاعة ليس مقصودُه إلا تحصيلَ المدح على الشجاعة من الناس (٦)، فقد رأيت افتراق القصدين.

стр. 3248

الثاني: أن يقاتل للشجاعة طبعًا لا قصدًا، فهذا لا يُقال إنه كالأول؛ لعدم قصدِه إظهارَ الشجاعة، ولا يقال: إنه قاتل لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا؛ إذ لم يقصد ذلك أيضًا، نعم، إن كان قد تقدم له القصدُ أولًا، لعدم قصد إظهار الشجاعة (١) ثم قاتل بعد ذلك بمقتضى طبعه، ولم يطرأ على النية الأولى ما ينافيها، فهو كالأول؛ إذ ليس من شرط هذه النية أن تكون مقارنةً للقتال ولابُدَّ؛ فإن الشجاع إذا دهمه القتال، وكان طبعه يقتضي المبادرةَ لذلك، يسارع (٢) لذلك ذاهلًا عن (٣) مطلق القصد، ولا يقدح ذلك في النية الأولى، بل هي باقية (٤) على ما كانت، وهذا في التمثيل؛ كالمريضِ مرضَ الموت، يستحضِرُ الإيمانَ في وقتٍ ما (٥)، ثم يغيبُ عن إحساسه، ويموت وهو على هذه الحالة، من غير أن يطرأ على استحضاره المتقدم ما ينافيه، فهذا محكومٌ لإسلامه قطعًا. والثالث: أن يقاتل الشجاعُ قاصدًا إعلاءَ كلمةِ اللَّه -تعالى- حالَ القتال، فهو هو المراد بقوله ﵊: "قاتل لتكونَ كلمةُ اللَّه هي العُليا"، وأنه في سبيل اللَّه، وهو أفضلُ من القسم الذي

стр. 3249

قبله؛ لاستحضاره النيّةَ حالَ القتال، واللَّه أعلم. وإذا ثبت هذا، علمت أن الحميةَ خارجةٌ عن هذين القسمين -أعني: الرياء والشجاعة-، فإن الجبان قد يقاتل حميّة، والمرائي يقاتل لا (١) لحميّة، وخارجة أيضًا عن أن تكون (٢) كلمة اللَّه هي العليا؛ إذ المرادُ بالحمية: الحميةٌ (٣) لغير اللَّه تعالى، إما تمحيضًا، أو إشراكًا كما تقدم، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 3250

كِتْابُ الْعِتْقِ

стр. 3251

كِتْابُ العتق الحديث الأول ٤١٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ (١) لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" (٢).

стр. 3252

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: العِتْقُ: الحريَّة، وكذلك العَتاقُ -بالفتح-، والعَتاقَةُ أيضًا، تقول منه: عَتَقَ العَبْدُ يَعْتِقُ؛ كضَرَبَ يَضْرِب، عِتْقًا، وعَتَاقًا، وعَتاقَةً، فهو عَتيقٌ، وعاتِقٌ، وأَعتقتُه أنا، فهو مُعْتَقٌ، وهو من الألفاظ المشتركة، فالعتق -أيضًا-: الكرم، يقال: ما أَبْيَنَ العتقَ في وجه فلانٍ! يعنون: الكرمَ، والعتقُ: الجمالُ (١). ومنه لُقِّبَ أبو (٢) بكر ﵁ بعَتيق؛ لجمال وجهه، قاله الليثُ بنُ سعد. وقال ابن قتيبة: لَقَّبه النبيُّ ﷺ بذلك (٣)؛ لجمالِ وجهِهِ، وقيل: إنه اسمه، سمتْهُ أُمّهُ بذلك.

стр. 3253

قال ابنُ الجوزي في "مشكل الحديث": إنه (١) قاله موسى بنُ طلحة. و (٢) قيل: لأن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ" (٣). قال ابن الجوزي -أيضًا-: روته عائشةُ ﵂ (٤). والعِتْقُ أيضًا: السَّبْقُ والنجاةُ، عَتَقَتِ الفرسُ تعتقُ عتقًا؛ أي: سبقَتْ، فنجَتْ، وأعتقَها صاحبُها؛ أي: أَعْجَلَها وألجأها (٥) الثاني: الشِّرْكُ هنا: النصيب، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]؛ أي: من نصيب، والشركُ -أيضًا-: الشريكُ، ومنه قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]؛ أى: شريكًا، والشركُ -أيضًا-: الاشتراك (٦)، تقول: شركته في المال شِرْكًا (٧)، ومنه حديثُ معاذ: أَجازَ بينَ أهلِ اليمنِ الشِّرْكَ؛ أي:

стр. 3254

الاشتراك في الأرض (١). الثالث: قوله ﵊: "من أعتق شِرْكًا له في عبد،: ظاهرُه العمومُ في كلِّ مُعْتِق ومُعْتَق من حيث كانت (مَنْ) (٢) من ألفاظ العموم. ع: ولذلك ألزمْنا التقويمَ إذا كان العبدُ كافرًا بين مسلمين، أو بين مسلم ونصراني، فأعتق المسلمُ (٣) نصيبه؛ لحقِّ الشريك معه، وكذلك اختُلف عندنا إن كان العبدُ مسلمًا بين نصرانيين، فأعتق أحدُهما نصيبه؛ أو نصرانيٍّ ومُسْلمٍ، فأعتق النصرانيُّ نصيبه، على الخلاف: هل الحقُّ للشريك في تبعيض عبدِه عليه، أو للعبدِ في حقَه بتكملة عتقِه، أو للَّه تعالى؟ قال القاضي أبو محمد: فيه ثلاثة حقوق: حقٌّ للَّه -تعالى-، وللشريك، وللعبد، فعلى مراعاة هذه [الحقوق] وقع الخلاف (٤) وتصويرُ الصور في المسألة على ما تقدم. الرابع: قوله ﵊: "ولهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبد، قُوِّمَ عليه".

стр. 3255

ع: هو محمول على الوجوب، ولا تخيير (١) في الرضا بعيب (٢) بتبعيض (٣) العتق، لا للعبد، ولا للشريك، مراعاةً لحقِّ اللَّه -تعالى- في ذلك (٤). واختُلف -أيضًا- هل للشريك التخييرُ في أن يعتق نصيبًا، أو يقوّم؟ وهو المشهور، أو ليس له إلا التقويمُ؟ وأنه قد وجب عتقُ (٥) جميعِه على معتق نصيبه بحكم السرايةِ، على ما سيأتي من الاختلاف في هذا. ولا خلاف في نفاذ نصيب المعتِق بكل حال بين علماء الأمصار، إلا ما رُوي عن ربيعةَ من إبطال عتقِ المعتِق لنصيبه (٦)، مُعْسِرًا كان أو موسِرًا. ع (٧): وهذا قولٌ لا أصلَ له، مع مخالفته جميعَ الأحاديث. واختلفوا في الحكم في نصيب شريكه إذا كان المعتِقُ موسرًا على ستة أقوال:

стр. 3256

أحدها: أن العبد عتيق، يُقَوَّمُ (١) له، ويُقَوَّمُ نصيبُ صاحبه عليه بكلِّ حال، وولاؤه كلُّه له؛ هذا قول الثوريِّ، والأوزاعيِّ، وابنِ أبي ليلى، وابنِ شُبرمةَ، وأبي يوسفَ، ومحمدِ بنِ الحُسَن (٢)، وأحمدَ، وإسحاق. ع: وحُكي مثلُه روايةً عندنا في (٣) المذهب، وقاله الشافعيُّ في الجديد، وأن حريةَ بعضِه قد سرت في جميعه، وحكمه من (٤) يومئذ حكمُ الحرِّ في الوراثة وسائر (٥) أحكام الأحرار، وليس للشريك فيه غيرُ قيمتِه على المعتِق؛ كما لو قتلَه، وأنه إن أعتق نصيبه، كان عتقُه باطلًا، وأن المعتِق إن أعسر قبل أخذه بالقيمة، تبعه الشريكُ بها دَيْنًا، وكذلك لو مات المعتِقُ قبل نفاذِ عتقِ جميعه، قُوِّمَ عليه، ولو استغرق تَرِكَتَه. القول الثاني: إنه لا يُعتق بالسراية، وإنما يُعتق بالحكم، وإن العبد يحكم بالعبودية في نصيب (٦) الشريك حتى يحكم بالتقويم، وإن المعتِقَ إن مات قبلَ التقويم، لم يقوَّم عليه، ولا على ورثته، وإن

стр. 3257

الشريكَ بعد عتقه مخيرٌ في نصيبه، إن شاء قومه عليه، وإن شاء أعتقه، فإن أعتقه، كان الولاء بينهما، وإن كان المعتِقُ معدِمًا، بقي الشريك على نصيبه في العبد، ولم يعتق غير حصة المعتق، وإن كان المعتِقُ موسرًا بقيمةِ بعضِ نصيب شريكه، قُوِّمَ عليه بقدرِ ذلك؛ وهذا مشهورُ قولِ مالك وأصحابه، وقولُ الشافعيِّ في القديم، وبه قال داودُ وأهلُ الظاهر. ثم اختلفوا هل بمجرد التقويم يكون حُرًّا، أو بتمامِ الحكم؟ والأولُ هو الصحيح من مذهبنا. القول (١) الثالث: قولُ أبي حنيفة: إن الشريك مخير، إن شاء استسعى العبدَ في نصف قيمته، وإن شاء أعتقَ نصيبه (٢)، والولاءُ بينهما، وإن شاء قَوَّمَ على شريكه نصيبَه، ثم يرجعُ المعتِق بما دفع إليه على العبد يَستسعيه (٣) في ذلك، والولاءُ كلُّه له. قال: والعبدُ في مدة السعاية بمنزلة المكاتَب في جميع أحكامه. القول الرابع: قولُ عثمانَ البَتِّي: لا شيءَ على المعتِق، إلا أن تكون جارية رائعة تُراد للوطء، فيضمن ما أدخلَ على صاحبه فيها من الضرر.

стр. 3258

القول الخامسُ: حكاه ابن سيرين: أن القيمة في بيت المال. وهذان القولان شاذّان مخالِفان للحديثين (١) جميعًا؛ حديث ابنِ عمرَ، وحديثِ أبي هريرة. قلت: حديثُ أبي هريرة سيأتي (٢). ع: وكذلك مذهب أبي حنيفة لم يقل بواحدٍ من الحديثين، ومذهبُه خارجٌ عنهما. القول السادس: حُكي عن إسحاقَ بنِ راهويه: أن هذا الحكمَ في الذكور من العبيد دون الإناث؛ إذ لم يذكر في الحديث، وهذا أشذُّ الأقوال. قلت: وهذه نزعةٌ ظاهريةٌ من إسحاق رحمه اللَّه تعالى. هذا حكمُ الموسر، واختلفوا في المعسِر على أربعة أقوال: فقال مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو عبيدٍ: لا يتبع (٣) بشيء، وينفذُ عتقُ نصيبه الذي أعتق؛ كما جاء في حديث ابنِ عمرَ وغيرِه، ولا سعايةَ عليه؛ وعلى هذا جمهورُ علماء الحجاز؛ لقوله في الحديث (٤): "فَكَانَ (٥) لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوّمَ عَلَيْهِ" إلى قوله: "وَإِلَّا، فَقَدْ عَتَقَ

стр. 3259

مِنْهُ مَا عَتَقَ"، وهذا اللفظ ثابتٌ من رواية مالكٍ وغيرِه في الحديث، وسقطت هذه اللفظةُ عند القعنبي، وابنِ بُكير في رواية (١)، وسقوطُها عند الحفاظ وهمٌ مِمَّنْ سقطتْ منه، والمعروفُ لكافة رواةِ نافع -ورواة مالك عنه (٢) - ثباتُها (٣) وصحتُها. واختَلف قولُ مالك في مراعاة العَسِرِ (٤)، هل بمجرد العتق، أو باتصاله إلى يوم الحكم (٥)؟ وقال الكوفيون باستسعاء العبد في حصّة الشريك؛ وبه قال الأوزاعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبرمةَ (٦). ثم اختلفوا في رجوع العبد بما أدّى (٧) على المعتِق، فقال ابنُ أبي ليلى، وابنُ شبرمة: يرجع عليه. ولم ير أبو حنيفة و (٨) صاحباه الرجوع، وهو عند أبي حنيفة كحكم المكاتَب مدةَ السعاية، وعند الآخرين هو حرٌّ بالسراية.

стр. 3260

وقال زفر: يقوَّم على المعتق، كان معسرًا أو موسرًا (١)، يؤديها في العسر متى أيسر؛ وقاله بعضُ البصريين (٢). وقال آخرون: إذا كان معسرًا، بطل، و (٣) عتق الأول. وهذان شاذان مخالِفان للأحاديث كلِّها أيضًا. وهذه الحجة القويّة: أن من أعتقَ بعضَ عبده: أنه يكمل عليه عتقه، وهل يجب (٤) ذاك بالحكم، أو بالسراية؟ فيه عندنا روايتان، وعلى هذا جماعة علماء أهل الحجاز، والعراق، دون استسعاءٍ، إلا ما (٥) ذهب (٦) إليه أبو حنيفة: أنه يستسعى لمولاه في بقية قيمته، وخالفه أصحابه في ذلك، وقالوا بقول الجماعة؛ لكنه رُوي عن ربيعةَ، وطاوسٍ، وحمادٍ، والحسنِ -على خلاف عنه- نحو قوله، وقاله (٧) أهل الظاهر. وذكر عن الشعبي، وعبد اللَّه بن الحسن: يعتق الرجل من مال
следующие страницы →