← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وحكي عن أحمد: أنه ينتقض بذلك، وحجتنا عليه ما قدمناه، انتهى (١). قلت: وفي المسألة فروع اختصرتها خشية الإطالة. وأما مس المرأة فرجها: فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: إحداها: ما في «الكتاب» من قوله: ولا ينتقض. وروي عنه: على أن عليها الوضوء، وأنكره سحنون (٢)، وهو قول الشافعي، وتمسك بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «من أفضى بيده إلى فرجه». وروي عن مالك أيضا: أنه لا ينتقض وضوءها إذا مست ظاهره، وأما إن قبضت عليه، أو ألطفت، فعليها الوضوء، وهي رواية إسماعيل ابن أبي أويس، هذه طريقة. وفي المذهب طريقتان (٣) أخريتان: إحداهما: أن المذهب على قولين: أحدهما: (٤) النقض مطلقًا، والثاني: التفصيل.

стр. 387

والثانية: أن المذهب على قول واحد، والتفصيل تفسير (١)؛ فمن قال: لا ينتقض يعني: إذا مست ظاهره، ومن قال بالنقض يعني: إذا ألطفت. وقد فسر مالك الإلطافَ حين سأله إسماعيل بن أبي أويس بأن قال: تدخل يديها بين الشفرين (٢). وروي عن مالك أيضا: استحباب الوضوء لها. وأما لمس النساء، فينقض الوضوء عندنا إذا كان على وجه (٣) اللذة. قال ابن بشير: والمعتمد في ذلك: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النسائي: ٤٣]. تفصيل: اللمس لا يخلو من أربع صور: إحداها: أن يقصد به اللذة، ويجدها، فيجب الوضوء بلا خلاف. والثانية: أن يجد، ولا يقصد، فكذلك يجب الوضوء - أيضا - بلا خلاف، قاله القاضي أبو الوليد بن رشد ﵀، وغيره (٤). والثالثة: ألا يقصد، ولا يجد فلا يجب الوضوء. والرابعة: أن يقصد، ولا يجد، فهاهنا مقتضى الروايات وجوب الوضوء.

стр. 388

قال ابن بشير: والأشياخ يحكون عن المذهب قولين: أحدهما: الإيجاب والثاني: الإسقاط. وإنما يعولون في ذلك على الخلاف في الوضوء؛ هل يرتفض بالنية؟ وفي المذهب قولان في ذلك، وهذا الذي يعولون عليه مطلوب؛ لأن اللامس ها هنا قد وجد منه فعل، بخلاف الرفض بمجرد النية من غير فعل. وهذا التفصيل كله في حق اللامس. وأما الملموس، فلا تفصيل فيه، وإنما يقال: إن وجد اللذة، توضأ، وإن لم يجد، فلا وضوء عليه. قال ابن بشير: وكذلك - أيضا - لا تفصيل في القبلة على الفم، على المشهور من المذهب، بل توجب الوضوء إذا كانت فيمن توجد منه اللذة بقبلة على الإطلاق، وهذا لأن الغالب وجود اللذة بها، فإن شَذَّت نادرة، فلا يلتفت إليها، وقيل: هي بمنزلة اللمس، فإن فُقدت اللذة والقصد إليها، لم تنقض وضوءًا، وهذا على الخلاف؛ هل تراعى الصورة النادرة، أو يعطى الحكم للغالب؟ ومتى كان اللمس دون حائل، فإنما يراعى فيه وجدان اللذة، فيجب الوضوء، أو فقدها، فلا يجب. مسألة: إذا أنعَظ، فله أربعة أحوال:

стр. 389

أحدها: أن يلتذ، فيخرج منه الماء، فهذا لا خلاف في وجوب الوضوء. والثانية: أن يلتذ ولا يخرج منه ماء، ففيه قولان: المشهور: وجوب الوضوء عليه. والثالثة: أن يخرج منه الماء عاريا عن اللذة، فالمشهور - أيضا -: وجوب الوضوء؛ إذ الغالب أن خروج المذي لا يكون إلا عن لذة. والرابعة: أن لا يكون منه إلا مجردُ الإنعاظ، وانكسر عن غير ماء، ففيه - أيضا - قولان قائمان من «المدونة» على اختلاف الروايات في إثبات الألف (١) في قوله: إذا التذ وأنعظ، وفي رواية أخرى إذا التذ، أو أنعظ، هذا مذكور في كتاب الوضوء، وكتاب الصيام، هذا تلخيص كلام الركراكي من المتأخرين من أصحابنا، والله أعلم (٢). وأما النوم وما ذكر معه من فقدان العقل، فتلخيصه أن يقال: هذه المسألة تشتمل على أربعة أنواع: ثلاثة لا تفصيل فيها، أعني: أن القليل منها والكثير (٣) يوجب الوضوء، وهي: الإغماء، والسكر، والجنون. والرابع مختلف فيه، وهو النوم، هل هو حدث في نفسه، وهو الشاذ، وإن كان قد نقل عن ابن القاسم، أو هو سبب للحدث، وهو المشهور؟ قال القاضي عبد الوهاب: وهو قول أكثر أهل العلم، بل

стр. 390

هو عندنا إجماع الصحابة (١). وإذا بنينا على المشهور، وهو أن النوم سبب للحدث، فقد اختلفت طريقتا الشيخ أبي الحسن اللخمي، والشيخ أبي محمد عبد الحميد في تحرير المشهور من ذلك، فاعتبر أبو الحسن زمانه، وكيفيته، فقسمه بحسب ذلك أربعة أقسام: طويلاً ثقيلاً: يؤثر في نقض الوضوء بلا خلاف، وقصيرا خفيفًا: لا يؤثر على المعروف منه. وخفيفًا طويلاً: يستحب منه الوضوء. وثقيلاً قصيرا: في تأثيره في النقض قولان. وقال بعض المتأخرين: القولان جاريان في الثالث - أيضا -. واعتبر أبو محمد عبد الحميد الهيئات فقال: إن كان النائم على هيئة يتهيأ منها الطول وخروج الحدث؛ كالساجد، نقض، وإن كان العكس؛ كالقائم والمحتبي؛ لم يؤثر. قال: وإن انقسم الأمر، وكان (٢) إمكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث غالبا؛ كالجالس مستندا، أو عكسه؛ كالراكع، ففي نقضهما قولان، سببها (٣): تعارض موجب و (٤) مسقط.

стр. 391

قلت: وظاهر هذا: أن الساجد لا خلاف فيه، والمنقول خلافه، والقولان في الساجد - أيضا - نقلهما التلمساني وغيره. قال ابن بشير: وهذه الطريقة أشبه بمقتضى الروايات. ثم قال: ومقصود الجميع النظر إلى الغالب؛ فإن كان يمكن خروج الحدث، ولا يشعر به، وجب الوضوء، وإن كان الأمر بالعكس، لم يجب، وإن أشكل الأمر، فهو بمنزلة من تيقن الطهارة (١)، ثم شك في الحدث (٢). وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في شرح «الرسالة)، أعان الله على إكماله. الثالث: من الكلام على الحديث: ونذكر فيه مسألة أصولية، وهي مسألة استصحاب الحال، وهي أحد أدلة الشريعة الثلاثة التي هي: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال. ونعني بالأصل: الكتاب، والسنة، والإجماع. وبمعقول الأصل: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب، على ما تقرر في كتب الأصول. ونعني باستصحاب حال الأصل: البقاء عليه حتى يدل دليل على خلافه، وهو على ضربين:

стр. 392

أحدهما: استصحاب حال العقل. والثاني: استصحاب حال الإجماع. فالأول: نحو أن يدعي أحد الخصمين حكما شرعيا في مسألة، ويدعي الآخر البقاء على حكم العقل؛ مثل: أن يسأل المالكي أو الشافعي عن وجوب الوتر، فيقول: الأصل براءة الذمة، وطريق شغلها الشرع، فمن ادعى شرعا يوجب ذلك، فعليه الدليل، وهذه طريقة صحيحة في الاستدلال. وأما الثاني: وهو استصحاب حال الإجماع، فمثل استدلال داود على أن أم الولد يجوز بيعها، فإنا (١) قد أجمعنا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن ادعى المنع من ذلك بعد الحمل، فعليه الدليل. قالوا: وهذا غير صحيح من الاستدلال؛ لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه؛ كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا، لا يجوز الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله. وهذه القاعدة قيل: إن العلماء اتفقوا على العمل بها، وإن كانوا قد اختلفوا في كيفية استعمالها. فالشافعي ﵁ أعمل الأصل السابق، وهو الطهارة في مثل هذه

стр. 393

المسألة، أعني: مسألة من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، على ما يقتضيه لفظ الحديث، ولم يعتبر الشك الطارئ عليها، وأجاز الصلاة بهذه الحالة. ومالك ﵀ منع من الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، وكأنه أعمل الأصل الأول، وهو ترتب الصلاة في الذمة، ورأى أن لا تزال إلا بطهارة متيقنة، وظاهر هذا الحديث: إعمال الطهارة الأولى، واطراح الشك. وأما من يقول من أصحابنا: إن كان في الصلاة والحالة هذه تمادى، فوجهه: أن مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم، فالأصل يقتضي اعتباره، وعدم اطراحه، وهذا الحديث يدل على اطراح الشك إذا وجد في الصلاة؛ لقوله ﷺ : «فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا»، وكونه موجودا في الصلاة معنى يمكن أن يكون معتبرا؛ فإن الدخول في الصلاة مانع من إبطالها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فصارت صحة الصلاة أصلاً سابقًا على حالة الشك، مانعا من الإبطال، ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل ظاهرا معنى يناسب عدم الالتفات إلى الشك، عكس اعتباره، فلا ينبغي إلغاؤه. وأما من فرق من أصحابنا - أيضا - بين أن يستند إلى سبب حاضر؛ كما في الحديث أولا، حتى لو شك في تقدم الحدث على وقته

стр. 394

الحاضر، لم تبح له الصلاة، فوجهه ما تقدم من أن مورد النص ينبغي اعتبار أوصافه الممكن اعتبارها، ومورد النص قد اشتمل على الشك في سبب حاضر، فلا يلحق به ما في معناه من الشك في سبب متقدم، والله أعلم (١). * * *

стр. 395

الحديث الثالث ٢٥ - عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ: أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ؛ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ , فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ؛ فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ, وَلَمْ يَغْسِلْهُ (١).

стр. 396

وَحَدَّثَتْ (١) عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ , فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ , فَدَعَا بِمَاءٍ , فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ (٢). وَلِمُسْلِمٍ: فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ , وَلَمْ يَغْسِلْهُ (٣).

стр. 397

* التعريف: أم قيس: اسمها آمنة بنت محصن بن جرثان - بضم الجيم وسكون الراء المهملة وثاء مثلثة - بن قيس بن مرة بن كبير - خلاف صغير (١) - ابن غنم بن ذودان بن أسد بن خزيمة، وهي أخت عكاشة -بتشديد الكاف- ابن محصن. أسلمت بمكة قديما، وبايعت النبي ﷺ ، وهاجرت إلى المدينة. روي لها عن رسول الله ﷺ أربعة وعشرون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، روى عنها: من أصحاب رسول الله ﷺ : وابصة بن معبد، ومن التابعين: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ونافع مولى حمنة بنت شجاع. روى لها الجماعة (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الابن لا يقع إلا على الذكر خاصة إجماعا، والولد يقع على الذكر والأنثى، و «لم يأكل الطعام» في موضع خفض صفة (لابن)،

стр. 398

وهو باب اجتماع المفرد والجملة صفتين، وتقديم المفرد على الجملة، وهو الأحسن، وإن كان الآخر حسنا جميلا (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، ومن الآخر قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وإنما كان تقديم المفرد أولى؛ لأصالته دون الجملة (٢). والطعام: ما يؤكل، وربما خص الطعام بالبر دون غيره، قاله الجوهري (٣). وفي حديث أبي سعيد الخدري (٤): كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ ، صاعا من طعام، أو صاعا من شعير (٥). ومعنى قولها: «لم يأكل الطعام»؛ أي: لم يستغن به ويصير له غذاءً عوضا عن الرضاع، لا أنه لم يدخل جوفه شيء قط؛ فإن الصحابة ﵃ كانوا يأتون بأبنائهم ليدعو لهم، لا سيما عند شيء يجده أحدهم من مرض أو شبهة، ويؤيد ذلك جلوسه في حجر النبي ﷺ ، إذ

стр. 399

الصبي عند الولادة لا يجلس، ويقويه - أيضا -: قولها: «لم يأكل الطعام»، ولم تقل: لم يرضع، ويبعد أن يكون عبر بالإجلاس عن الوضع كما قاله الباجي؛ لأنه خلاف الحقيقة والأصل (١). والحَجر - بفتح الحاء وكسرها - لغتان مشهورتان. الثاني: اختلف أصحابنا في نجاسة بول الصبي والصبية اللذين لم يأكلا الطعام على ثلاثة أقوال: مشهورها، وهو قول مالك: أنه نجس. وقال ابن وهب: بول الصبي الذي لم يأكل الطعام طاهر، لا يجب غسله، ويغسل بول الجارية لنجاسته. هكذا حكاه الباجي في «المنتقى»، ثم قال عقب ذلك: وبه قال الشافعي، يعني: التفرقة بين الصبي والصبية. وليس كما قال ﵀، فإن الشافعي ﵀ لم يختلف قوله: إن البول منهما نجس، وإن كان بول الصبي عنده ينضح، وبول الجارية يغسل، وابن وهب يقول بطهارة بول الصبي -على ما تقدم-، فليس قوله موافقًا لقول الشافعي، فليعلم ذلك. والقول الثالث: وهو رواية الوليد بن مسلم عن مالك في «مختصر ما ليس في المختصر»: لا يغسل بول الجارية ولا الغلام حتى يأكل الطعام.

стр. 400

قال الباجي: وهذه رواية شاذة، والصحيح المشهور ما تقدم، يريد: أنه يغسل منهما، أكلا الطعام، أم لا. قال: ودليلنا من جهة القياس؛ أن هذا بول آدمي، فوجب غسل الثوب منه، أصل ذلك بول آكل الطعام، انتهى (١). وممن قال بالفرق بينهما: علي بن أبي طالب ﵁، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وجماعة من السلف، وأصحاب الحديث، وروي عن أبي حنيفة. * فصل: ذكر ح في «شرح مسلم» -بعد أن ذكر الخلاف المتقدم-: أن هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته. قال: وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري. قال: وأما ما حكاه الحسن بن بطال، ثم القاضي عياض، عن الشافعي وغيره: أنهم قالوا: بول الصبي طاهر، فينضح، فحكاية باطلة قطعا. انتهى كلامه (٢). قلت: قوله: «لا خلاف في نجاسته»، ليس كذلك؛ لما قدمناه من

стр. 401

الخلاف الصريح فيه، وقوله: «فحكاية باطلة»، كلام ليس بمحرر؛ إذ غير الشافعي اللذين حكيا - أعني: ابن بطال: والقاضي عياض - عنهم (١) طهارة بول الصبي هم الذين تقدم ذكرهم في التفرقة بين بول الصبي والصبية، فكان وجه الكلام أن يقول: ما حكياه عن الشافعي، من غير عطف غيره عليه، فهو ﵀ بالغلط أولى؛ لنقله الإجماع في موضع الخلاف، وقد صرح بالخلاف - أيضا - ق في شرح هذا الكتاب، فقال: اختلف العلماء في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام في موضعين: أحدهما: طهارته أو نجاسته .... إلى آخر كلامه (٢)، ثم إنه ناف، وغيره مثبت، وهو أولى من النافي، وبالله التوفيق. توجيه: وجه المشهور: القياس على سائر النجاسات، وتأويل الحديث بأنه لم يغسله؛ أي: غسلاً مبالغا فيه كغيره. ق: وهو خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يقاوم الظاهر (٣). قلت: وهو كما قال، وقد تقدم. ووجه النضح: التمسك بظاهر الحديث. وأما وجه التفرقة بين الصبي والصبية: فقد اعتل بعضهم في هذا بأن بول الصبي يقع في محل واحد، وبول الصبية يقع منتشرا، فيحتاج إلى صب الماء في مواضع متعددة، ما لا يحتاج إليه في بول الصبي.

стр. 402

وقيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث (١)، فيكثر حمل الذكور، فيناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح؛ دفعا للعسر والحرج؛ بخلاف الإناث؛ لقلة هذا المعنى فيهن، فيجري على القياس في غسل النجاسة (٢). وقد قيل غير ذلك مما لا يستحق أن يحكى لضعفه، فاقتصرنا على هذا. الثالث: في الحديث فوائد: منها: التبرك بأهل الصلاح والفضل. ومنها: استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل والتبرك بهم. ح: وسواء في هذا الاستحباب للمولود حال ولادته وبعدها. ومنها: الندب إلى حسن المعاشرة، واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم (٣). الرابع: / قولها: «فبال على ثوبه» إلى آخره. قال الباجي: يريد: أنه صب عليه من الماء ما غمره، وأذهب لونه وطعمه وريحه، فطهر بذلك الثوب. قال: وهذه حجة مالك ﵀ في أن قليل الماء لا ينجسه (٤) قليل

стр. 403

النجاسة إذا غلب عليها، وليس يفتقر تطهير النجاسة إلى إمرار اليد، وإنما المقصود إزالة العين، والحكم بأي وجه كان من غلبة الماء عليها، أو غير ذلك، والله أعلم (١). * * *

стр. 404

الحديث الرابع ٢٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ , فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ , فَزَجَرَهُ النَّاسُ , فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ (١).

стр. 405

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: (الأعرابي): الذي يسكن البادية، وإن لم يكن من العرب، والعربي: منسوب إلى العرب، وإن كان في الحضر، والعربُ: ولد إسماعيل ﵇، وإنما نسب (١) الأعرابي إلى الجمع دون الواحد؛ لأنه جرى مجرى القبيلة؛ كأنمار، وقيل: لأنه لو نسب إلى الواحد، وهو عرب، لقيل: عربي، فيشتبه المعنى؛ فإن العربي كل من هو من ولد إسماعيل ﵊؛ كما تقدم، سواء كان ساكنا في البادية، أو لا، وهذا عين المعنى الأول (٢). الثاني: (الطائفة من الشيء): القطعة منه. و (المسجد) - بكسر الجيم وفتحها-، وقيل: بالفتح: اسم لمكان السجود، وبالكسر اسم للموضع المتخذ مسجدا. ح: قال الإمام أبو حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي في كتابه «تثقيف (٣) اللسان»: ويقال للمسجد: مَسْيِد -بفتح الميم -، حكاه غير

стр. 406

واحد من أهل اللغة (١). و (الزجر): المنع والنهي (٢)، يقال: زجره، وازدجره، فانزجر، وازدجر (٣). والذَّنوب - بفتح الذال المعجمة -: من الألفاظ المشتركة، وهو في الحديث: الدلو الملأى ماء (٤). وقال (٥) ابن السكيت: فيها قريب من الملء، تؤنث وتذكر (٦)، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب (٧). والجمع في أدنى العدد أَذْنِبَةٌ، والكثير ذَنَائِبُ، مثل قَلُوصٌ وَقَلَائِصُ، والذنوب - أيضا ت: - الفرس الطويل والنصيب، ولحم أسفل المتن (٨). و (أهريق عليه): صُبَّ عليه، والأصل: أريق (٩)، والهاء زائدة. الثالث: أما أحكامه:

стр. 407

ففيه: إثبات نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه إذا أكل الطعام. وفيه: احترام المسجد، وتنزيهه عن الأقذار. وفيه: أن الأرض تطهر بصب الماء عليها، من غير حفرها، ونقل ترابها؛ خلافًا لأبي حنيفة ﵀ في اشتراطه حفرها. قال الفقهاء: يصب على البول ما يغمره من غير تحديد، واستحب بعضهم أن يكون محددا بسبعة أمثال البول (١). وفيه: أن غُسالة النجاسة طاهرة، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها، ومذهبنا: إذا انفصلت الغُسالة عن المحل متغيرة، فهي نجسة، وإن انفصلت غير متغيرة، فهما طاهران، وأنه لا يشترط الاستقصاء في إزالة الغُسالة عن محل النجاسة بعد انفصال الماء غير متغير، بل يطهر، وإن لم يعصر الثوب، وكذلك لا يستقصي في إزالة الرطوبة عن الإناء؛ لأن المنفصل من الماء عن المحل جزء من المتصل، والمتصل طاهر، فالمنفصل (٢) مثله، فيستوي انفصال الكل والبعض (٣). وللشافعية في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها طاهرة. والثاني: نجسة.

стр. 408

والثالث: إن انفصلت وقد طهر المحل، فهي طاهرة، وإن انفصلت ولم يطهر المحل (١)، فهي نجسة، وهو الصحيح عندهم. وهذا كله إذا انفصلت غير متغيرة، أما إذا انفصلت متغيرة، فهي نجسة إجماعا، سواءً تغير طعمها، أو لونها، أو ريحها، وسواء كان التغير قليلاً، أو كثيرا، كان الماء قليلاً أو كثيرا، والله أعلم (٢). وفيه: الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء، إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا ولا عنادا. وفيه: دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما؛ لنهيه ﵊ عن زجره. قال العلماء: كان قوله ﷺ : «دعوه» لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله، تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به. والثانية: إن التنجيس قد حصل في جزء يسير (٣) من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله، لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد، والله أعلِم (٤).

стр. 409

قلت: ففي هذا: الإبانة عن كريم أخلاقه ﷺ ، وعظيم علمه وسني حكمته، وجميل (١) صفاته؛ من اللطف، والرفق بالجاهل، وغيره ﷺ . مسألة: قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: وإذا أصابت الأرض نجاسة، ومطرت مطرا عاما، كان ذلك مطهرا لها، وكانت في معنى صب الذنوب وأكثر. قلت: ولا ينبغي أن يختلف في ذلك، والله أعلِم. وقال - أيضا -: روي عن أبي قلابة: أنه قال: جفوف الأرض طهورها (٢). وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: الشمس تزيل النجاسة عن الأرض إذا ذهب الأثر. وقال الشافعي، وأحمد بن حنبل: في الأرض إذا أصابتها النجاسة: لا يطهرها إلا الماء. قلت: ولا أعلم في مذهبنا ما يخالف هذا؛ أعني: أن الماء مشترط في التطهير، إلا ما حكي عن أشهب، من أن النجاسة تزال بالخل ونحوه، والله أعلم (٣). * * *

стр. 410

الحديث الخامس ٢٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَ ﷺ يَقُولُ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ , وَالاسْتِحْدَادُ , وَقَصُّ الشَّارِبِ , وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ , وَنَتْفُ الإِبِطِ» (١).

стр. 411

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: جاء في هذه الرواية: «الفطرة خمس»، بصيغة الحصر الابتدائي، وفي الرواية الأخرى: «خمس من الفطرة» (١)، بلا حصر، والجمع بينهما: أن يكون المراد برواية الحصر، المجاز دون الحقيقة؛ فإن الحصر يستعمل حقيقة تارة ومجازا أخرى. فالحقيقة كقولنا: الله ربنا، ومحمد نبينا، والعالم في البلد زيد، إذا لم يكن فيها عالم غيره. والمجاز كقوله ﵊: «الدين النصيحة» (٢)، جعل النصيحة كل الدين، وكأنه لا دين إلا النصيحة؛ على طريق المبالغة، فإن في الدين خصالاً أخر غير النصيحة، وكذلك قوله ﵊: «الحج عرفة» (٣)، والحج مشتمل على أركان أخر

стр. 412

غير عرفة، لما أراد تخصيص عرفة لمزية على غيرها من الأركان، لمعنى مذكور في موضعه. ومما يدل على أن المراد برواية الحصر: الحصر المجازي: أنه جاء في بعض الروايات الصحيحة أيضا: «عشر من الفطرة» (١)، وهذا نص صريح في عدم الحصر في الخمس، فتعين رجوع إحدى الروايتين إلى الأخرى؛ توفيقًا بينهما بالمعنى المذكور، والله الموفق (٢). وأما رواية: «الفطرة خمس»، أو «خمس من الفطرة»، فقيل: إنه شك من الراوي. والله أعلم (٣). الثاني: وأما تفسير «الفطرة»، فاعلم أنها من الألفاظ المشتركة. ق: قال أبو عبد الله بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز في كتاب «تفسير» غريب صحيح (٤) «البخاري»: الفطرة في كلام العرب تتصرف

стр. 413

على وجوه أذكرها؛ ليرد هذا إلى أولاها به (١). فأحدها: فطر الله الخلق فطرة: أنشأه، والله فاطر السموات والأرض؛ أي: خالقهما. والفطرة: الجبلّة التي خلق الله الناس عليها، وجبلهم على فعلها، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» (٢)، قال قوم من أهل اللغة: فطرة الله التي فطر الناس عليها: خلْقه لهم. وقيل: معنى قوله: «على الفطرة»: أي: على الإقرار بالله الذي كان أقر به لما أخرجه من ظهر آدم -عليه الصلاة والسلام-. والفطرة: زكاة الفطر. وأولى الوجوه بما ذكرنا أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه، وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته. وقال غير القزاز: الفطرة: السنة. انتهى (٣). وقال أبو سليمان الخطابي ﵀ وجماعة غيره: ذهب أكثر العلماء إلى أنها السنة، قالوا: ومعناه أنه (٤) من سنن الأنبياء -صلوات الله

стр. 414

وسلامه عليهم - (١). وهذا هو الظاهر عندي، والله أعلم. وقيل: الفطرة: الدين. الثالث: وأما «الختان»، فما ينتهي إليه القطع من الصبي والجارية، وذلك قطع الجلدة الساترة للحشفة حتى تنكشف جميعها، وفي الصبية قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، يقال: ختن (٢) الصبي، يختنه ويختنه - بكسر التاء وضمها - ختن، بإسكان التاء (٣). وأما حكمه، فهو عند مالك ﵀ وأكثر العلماء سنة. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ﵀، وغيره: الختان للرجال سنة، والخفاض في النساء مكرمة (٤)؛ تمسكًا بهذا الحديث، ونصيته على ذلك؛ إذا فسرنا الفطرة بالسنة، وهو مذهب الجمهور كما تقدم، والتمسك به من وجهين: أحدهما: أن السنة تذكر في مقابلة الواجب. والثاني: أن قرائنه المذكورة معه كلها غير واجبة، فتعين أن يكون الختان كذلك.

стр. 415

وقال الشافعي ﵀ بوجوبه على الرجال والنساء جميعا، واستدل له ابن سريج (١) بالإجماع على ستر العورة، وتحريم النظر إليها. قال: فلولا أن الختان فرض، لما أبيح النظر لعورة المختون، ولا انتهك هذا المحرم (٢). والجواب عنه من وجهين: أحدهما: لا نسّلم ثبوت الإجماع على تحريم النظر إلى العورة مطلقًا، بل المنقول في مذهبنا: إجماع المسلمين على أنه ينظر إلى مبال الخنثى المشكل حيث يراد تبيين أمره، هكذا نقله ابن يونس من أصحابنا، ثم قال: فإن كان صغيرا ممن يجوز النظر إلى عورته، كشف عن ذلك، وإن كان كبيرا، فيبول إلى حائط، أو من أعلى حائط، إلى آخر كلامه. وقد ذكر ابن بطال في شرح «البخاري» في أبواب صلة الرحم، قال: ويقبل الرجل حيثما شاء من جسد ولده الصغير، روي (٣) عن جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتي بالحسين بن علي (٤) ﵄، ففرج بين فخذيه، فقبل زبيبته (٥).

стр. 416

والثاني: ع وغيره: مثل هذا يباح لمصلحة الجسم، ونظر الطبيب ومعاناة ذلك الموضع. قال: وليس الطب بواجب إجماعا، فما فيه مصلحة دينية، وتمام فطرته، وشعار ملته أولى بذلك (١). قلت: قول ع: إن الطب ليس بواجب إجماعا، فيه نظر؛ فإن من خيف عليه الهلاك، وقدر على مداواته، لا ينبغي أن يختلف في وجوب مداواته، والله أعلِمَ. وربما نقل بعضهم (٢) الإجماع في هذه الصورة، فيما أظن، فانظره. وقد أورد على أحد الوجهين المتقدمين، أعني: قولنا: إن قرائنه المذكورة كلها غير واجبة؛ أنه لا يمتنع قرن الواجب بغيره؛ كما قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والأكل ليس بواجب إجماعا. وأجيب عنه: بأن بين الآية والحديث فرقًا دقيقًا لطيفًا ينبغي أن يتنبه له، وذلك أن لفظة الفطرة لفظة واحدة استعملت في هذه الأشياء الخمسة، وفي الآية كل جملة مستقلة على حيالها (٣)، وإنما تضعف

стр. 417

دلالة الاقتران إذا استقلت الجمل؛ كما في الآية، لا كما في الحديث، فاعرفه (١). فائدة: قال صاحب «الوجيز» من أصحابنا، وفي «مختصر السنن» للبيهقي: كان بالمدينة (٢) امرأة يقال لها أم عطية، تخفض الجواري، فقال لها النبي ﷺ «يا أم عطية! أخفضي ولا تنهكي؛ فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج»، ثم قال: وروينا في رواية ضعيفة عن أنس في هذا الحديث: «إذا خفضت، فأشمّي، ولا تنهكي» (٣)، قال: يعني: أبقاءً لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها، والله أعلم. مسألة: استحب مالك رحمه الله تعالى تأخير الختان إلى الإثغار، ويكره عندنا أن يختن الصبي في سابع يوم ولادته (٤)، واستحب ذلك الشافعي. ودليل مالك: ما نقل من أن ذلك من فعل اليهود. ووجه الشافعي أن إسحاق ﵊ ختن وهو ابن سبعة أيام (٥) (٦).

стр. 418

وقد يعترض عليه بأن إبراهيم ﵊ ختن ابن ثمانين سنة، وقيل: ابن مئة وعشرين سنة، وإسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة (١) فرع: الخنثى المشكل هل يختن، أم لا؟ وإذا قلنا: يختن، ففي أحد الفرجين، أو فيهما؟ وإذا قلنا: في أحدهما، فأيهما؟ لم أر لأصحابنا في ذلك نقلاً. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقيل: يجب ختانه في فرجيه (٢) بعد البلوغ، وقيل: لا يجوز حتى يتبين، وهو الأظهر عندهم. ح: وأما من كان له ذكران، فإن كانا عاملين، وجب ختانهما، وإن كان أحدهما عاملاً دون الآخر، ختن العامل. وبم يعتبر العمل به؟ وجهان: أحدهما: بالبول، والآخر: بالجماع. قال: ولو مات إنسان غير مختون، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح المشهور: أنه لا يختتن، صغيرا كان أو كبيرا. قلت: ولا أعلم في هذا خلافًا في مذهبنا؛ أعني أنه لا (٣) يختتن. قال: والثاني: يختتن.

стр. 419

والثالث: يختتن الكبير دون الصغير (١). فائدة جليلة: قال ابن الجوزي في كتابه المسمى ب: «المجتبي»: أسماء من ولد من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مختونا: آدم، شيث، إدريس، نوح، سام، هود، صالح، لوط، شعيب، يوسف، موسى، سليمان، زكريا، عيسى، يحيى، حنظلة بن صفوان؛ نبي أصحاب الرس، محمد -صلى الله عليهم وعلى آلهم وسلم-، فذلك سبعة عشر نبيا - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وقد اختلف في نبوة حنظلة ابن صفوان هذا، والله أعلم. قلت: وانظر لعده آدم ﵇ فيمن ولد، وكأنه جاء على طريق التغليب، والله أعلم. الرابع: وأما «الاستحداد»، وهو (٢) استفعال من الحديد، قيل: سمي بذلك؛ لاستعمال الحديدة فيه، وهو الموسى، وهو حلق العانة بالحديدة (٣)، فإن أزيل بغير حلق؛ كالقص، والنتف، والنورة، حصل المقصود من ذلك، ولكن الحلق هو السنة في ذلك، الدال عليها لفظ الحديث (٤). والمراد ب «العانة»: الشعر الذي فوق الذكر (٥) وحواليه، وكذلك

стр. 420

الشعر الذي حول فرج المرأة. ح: ونقل عن أبي العباس بن سريج (١): أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، قال: فتحصل (٢) من مجموع هذا: استحباب [حلق جميع] ما على القبل والدبر وحولهما. قلت: وهذا على اختلاف القولين (٣) بين العلماء في جواز حلق شعر الدبر ومنعه. وأما وقت حلقه، فلم أر لأصحابنا فيه تحديدا، والظاهر: أنه بحسب الحاجة إلى حلقه، عندما يطول، وهو المختار من مذهب الشافعي على ما ذكره ح. قال: وأما وقت حلقه، فالمختار أنه يضبط (٤) بالحاجة، وطوله، فإذا طال حلق، وكذلك الضبط في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وأما حديث أنس: وقِّت لنا في (٥) قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا يترك أكثر من أربعين ليلة (٦)، فمعناه: لا يترك تركًا يتجاوز به أربعين، لا أنهم وقِّت لهم الترك أربعين، والله أعلم. انتهى (٧).

стр. 421

الخامس: وأما قص الشارب، فمطلق يطلق (١) على إحفائه، وعلى ما دون ذلك، والمستحب عندنا: إزالة ما زاد على الشفة، وهو (٢) الإطار - بكسر الهمزة - وهو طرف الشعر المستدير على الشفة، لا إحفاؤه بالكلية، وكل شيء أحاط بشيء فهو إطار له، وأما رواية (٣): «أحفوا الشوارب» (٤)، فقيل: معناها: احفوا ما طال على الشفتين (٥)، وفي همزة: أحفوا، وأعفوا: القطع، والوصل، وكأن الأكثر القطع، والله أعلِم. ق: وقوم يرون إنهاكها، وزوال شعرها، ويفسرون به الإحفاء: فإن اللفظة تدل على الاستقصاء (٦)، ومنه: إحفاء المسألة، وقد ورد في بعض الروايات: «أنهكوا الشوارب» (٧). والأصل في قص الشوارب وإحفائها (٨) وجهان: أحدهما: مخالفة الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في «الصحيح»؛ حيث قال ﵊: «خالفوا المجوس» (٩).

стр. 422

والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وضر الطعام، انتهى (١). السادس: وأما تقليم الأظفار: فهو تفعيل من القلم، وهو القطع. قال الجوهري: قلَمت ظفري، يريد: بتخفيف اللام، وقّلمت أظفاري شدد (٢) للكثرة (٣). قلت: هذا التضعيف يسميه أهل العربية: تضعيف المبالغة، وهو خلاف تضعيف التعدية في نحو فرحت زيدا، على ما هو مقرر في كتب العربية. والقلامة: ما سقط منه، ولم أر لأصحابنا في كيفية التقليم شيئًا، والمنقول عند الشافعية: أنه يستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين، فيبدأ بمسبحة يده اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإ بهام، ثم يعود إلى اليسرى، فيبدأ بخنصرها، ثم ببنصرها، إلى آخرها، ثم يعود إلى الرجل اليمنى، فيبدأ بخنصرها، ويختم بخنصر اليسرى. ولم أدرِ ما وجه استحباب ذلك إلا أن يكون ورد في السنة شيء، فالسمع والطاعة (٤).

стр. 423

ق: وفي التقليم معنيان: أحدهما: تحسين الهيئة، والزينة، وإزالة القباحة في طول الأظفار. والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ لما عساه أن يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا على قسمين. أحدهما: أن لا يخرج طولها عن العادة خروجا بينا، فهذا الذي أشرنا إلى (١) أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ فإنه إذا (٢) لم يخرج طولها عن العادة، يعفى عما تعّلق بها من يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد، فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى، انتهى (٣). قلت: ولم أر لأصحابنا هذا التفصيل، بل ولا الكلام على هذه

стр. 424

المسألة جملة، والظاهر: أنه يتكلم على مذهب الشافعي. والله أعلم. السابع: وأما نتف الإبط، فالمستحب أن يبدأ بالأيمن، ويجوز إزالة شعره بالحلق، والنورة، ولكن السنة نتفه، وقد فرق في الحديث بين إزالة شعر العانة، وإزالة شعر الإبط، فذكر في الأول الاستحداد، وفي الثاني النتف. ق: ولعل السبب فيه: أن الشعر بحلقه يقوى أصله، ويغلظ جرمه، ولهذا يصف الأطباء تكرار حلق الشعر في الموضع الذي يراد قوته فيها، والإبط إذا قوي فيه الشعر، وغلظ جرمه، كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية، لمن يقار بها، فيناسب فيه النتف المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة، وأما العانة، فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي للنتف، فرجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسر وأخف على الإنسان من غير معارض (١). قلت: وهذا فيمن لا يتضرر بالنتف، ولا يتألم له، فإن كان ممن يتألم له، جاز له الحلق. والله أعلِمَ. وقد حكي عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي ﵀، وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: قد (٢) علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع (٣)، والله أعلم.

стр. 425

بابُ الجنابةِ الحديث الأول ٢٨ - عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ ياأَبا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: كُنْتُ جُنُبَاً فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: سُبْحانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لايَنْجُسُ» (١).
следующие страницы →