الخامس: وأما قص الشارب، فمطلق يطلق (١) على إحفائه، وعلى ما دون ذلك، والمستحب عندنا: إزالة ما زاد على الشفة، وهو (٢) الإطار - بكسر الهمزة - وهو طرف الشعر المستدير على الشفة، لا إحفاؤه بالكلية، وكل شيء أحاط بشيء فهو إطار له، وأما رواية (٣): «أحفوا الشوارب» (٤)، فقيل: معناها: احفوا ما طال على الشفتين (٥)، وفي همزة: أحفوا، وأعفوا: القطع، والوصل، وكأن الأكثر القطع، والله أعلِم.
ق: وقوم يرون إنهاكها، وزوال شعرها، ويفسرون به الإحفاء: فإن اللفظة تدل على الاستقصاء (٦)، ومنه: إحفاء المسألة، وقد ورد في بعض الروايات: «أنهكوا الشوارب» (٧).
والأصل في قص الشوارب وإحفائها (٨) وجهان:
أحدهما: مخالفة الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في «الصحيح»؛ حيث قال ﵊: «خالفوا المجوس» (٩).
стр. 422
والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وضر الطعام، انتهى (١).
السادس: وأما تقليم الأظفار: فهو تفعيل من القلم، وهو القطع.
قال الجوهري: قلَمت ظفري، يريد: بتخفيف اللام، وقّلمت أظفاري شدد (٢) للكثرة (٣).
قلت: هذا التضعيف يسميه أهل العربية: تضعيف المبالغة، وهو خلاف تضعيف التعدية في نحو فرحت زيدا، على ما هو مقرر في كتب العربية.
والقلامة: ما سقط منه، ولم أر لأصحابنا في كيفية التقليم شيئًا، والمنقول عند الشافعية: أنه يستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين، فيبدأ بمسبحة يده اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإ بهام، ثم يعود إلى اليسرى، فيبدأ بخنصرها، ثم ببنصرها، إلى آخرها، ثم يعود إلى الرجل اليمنى، فيبدأ بخنصرها، ويختم بخنصر اليسرى.
ولم أدرِ ما وجه استحباب ذلك إلا أن يكون ورد في السنة شيء، فالسمع والطاعة (٤).
стр. 423
ق: وفي التقليم معنيان:
أحدهما: تحسين الهيئة، والزينة، وإزالة القباحة في طول الأظفار.
والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ لما عساه أن يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا على قسمين.
أحدهما: أن لا يخرج طولها عن العادة خروجا بينا، فهذا الذي أشرنا إلى (١) أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل
الوجوه؛ فإنه إذا (٢) لم يخرج طولها عن العادة، يعفى عما تعّلق بها من يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد، فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى، انتهى (٣).
قلت: ولم أر لأصحابنا هذا التفصيل، بل ولا الكلام على هذه
стр. 424
المسألة جملة، والظاهر: أنه يتكلم على مذهب الشافعي. والله أعلم.
السابع: وأما نتف الإبط، فالمستحب أن يبدأ بالأيمن، ويجوز إزالة شعره بالحلق، والنورة، ولكن السنة نتفه، وقد فرق في الحديث بين إزالة شعر العانة، وإزالة شعر الإبط، فذكر في الأول الاستحداد، وفي الثاني النتف.
ق: ولعل السبب فيه: أن الشعر بحلقه يقوى أصله، ويغلظ جرمه، ولهذا يصف الأطباء تكرار حلق الشعر في الموضع الذي يراد قوته فيها، والإبط إذا قوي فيه الشعر، وغلظ جرمه، كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية، لمن يقار بها، فيناسب فيه النتف المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة، وأما العانة، فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي للنتف، فرجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسر وأخف على الإنسان من غير معارض (١).
قلت: وهذا فيمن لا يتضرر بالنتف، ولا يتألم له، فإن كان ممن يتألم له، جاز له الحلق. والله أعلِمَ.
وقد حكي عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي ﵀، وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: قد (٢) علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع (٣)، والله أعلم.
стр. 425
بابُ الجنابةِ
الحديث الأول
٢٨ - عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ ياأَبا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: كُنْتُ جُنُبَاً فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: سُبْحانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لايَنْجُسُ» (١).
стр. 426
الجنابة فعالة من البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وهو البعيد الذي ليس بقرابة، على أظهر الأقوال فيه.
وعن الشافعي ﵀: إنما سمي جنبا؛ من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل: إذا خالط امرأته.
قال بعضهم: وكأن هذا ضد المعنى الأول؛ كأنه من القرب منها.
ق: وهذا لا يلزم؛ فإن مخالطتها مؤدية للجنابة التي معناها: البعد (١).
قلت: وفيه نظر.
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «فانخنست منه» قال الجوهري: خنس عنه يخنس - بالضم -؛ أي: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه، ومضى عنه (٢).
وقال غيره: الانخناس: الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك في المعنى (٣).
стр. 427
وهو -والله أعلم- راجع إلى معنى قول الجوهري.
وقيل: خنس: يستعمل لازما ومتعديا، فاللازم نحو ما جاء في الحديث: «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، إذا ذكر الله، خنس، وإذا غفل وسوس» (١)، أو كما قال، والمتعدي كما جاء (٢) في الحديث أيضا:
«وخنس إبهامه» (٣).
قلت: يحتمل أن لا يكون في (٤) ذلك دليل على تعدي خنس؛ لاحتمال أن يكون قد أشرب معنى حبس - بالحاء المهملة والباء الموحدة - أو قبض، فيرجع إلى ما قاله الجوهري.
ق: وقد روي في هذه اللفظة «فانتجست (٥) منه) (٦) - بالجيم - من الانبجاس (٧)، وهو الاندفاع؛ أي: اندفعت عنه، ويؤيده قوله في حديث
стр. 428
آخر: «فانسللت منه» (١)، وروي في هذه اللفظة أيضا: «فانبخست منه» (٢)؛ من البخس الذي هو النقص، وقد استبعدت هذه الرواية، ووجهت -على بعدها- بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله ﷺ ، أو مصاحبته؛ لاعتقاده نجاسة نفسه، هذا، أو معناه، انتهى (٣).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: ويروى: «فانتجست» (٤) - بالنون ثم التاء المعجمة باثنتين فوق -، المعنى: اعتقدت نفسي نجسا، ومعنى «منه»: من أجله؛ أي: رأيت نفسي نجسا بالإضافة إلى طهارته وجلالته (٥).
الثاني: قوله: «كنت جنبا»، يقال: جنب الرجل، وأجنب: إذا أصابته الجنابة، ويقال: جنب: للمذكر والمؤنث، والمثنى والمجموع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]،
وقال بعض أزواج النبي ﷺ : إني كنت جنبا (٦). وقد يقال: جنبان،
стр. 429
وجنبون، وأجناب (١).
الثالث: قوله: «فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة»: فيه استحباب الطهارة عند مجالسة العظماء، وأهل الدين والفضل، حتى يكون على أكمل الحالات، وأحسن الهيئات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله في مجالسة شيخه، فيكون متطهرا، متنظفًا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص الأظفار، وإزالة الأروائح الكريهة، وغير ذلك مما في هذا المعنى؛ فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء (٢).
لا ما يفعله أكثر فقهاء العصر؛ من تكبير العمائم، وتوسيع الثياب والأكمام، وإطالتها وترفيعها وصقالها؛ لقصد المباهاة بينهم، حتى
يخرجوا في ذلك إلى أن يتجاوزوا (٣) بها الكعبين، وينسون قوله ﷺ : «أزرة المؤمن إلى نصف الساق، لا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا، لم ينظر الله إليه» رواه أبو داود بإسناد صحيح (٤). وهذا من أكبر دليل
стр. 430
على أنهم لم يقصدوا بالعلم وجه الله تعالى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر (١) إليه، فنسأل الله تعالى إخلاص النية في القول والعمل بمنه وفضله.
وفي الحديث -أيضا - من الآداب: أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخالف العادة، ويخاف عليه خلاف الصواب، أن يسأله عنه، ويبين حكمه، وينبه على صوابه (٢).
الرابع: قوله ﵊: «سبحان الله»: هو من المصادر اللازمة للنصب كريحان الله، بمعنى: استرزاقه، ومعاذ الله، وغفرانك لا كفرانك، وأشباه ذلك مما هو منصوب بفعلٍ مضمر لا يجوز إظهاره، ومعناه: تنزيه الله وبراءته عن الصفات التي لا تليق
بجلاله وكماله، وهو يستعمل مفرَدًّا، ومضافًا، فإذا أفرد، فمنهم من ينونه، ومنهم من لا ينونه، فمن ترك تنوينه قوله: [السريع]
أَقولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفاخِرِ (٣)
ومن تنوينه قوله:
стр. 431
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا نَعُوذُ بِهِ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ (١)(٢)
فمن ترك تنوينه، جعله علما، فمنعه الصرف؛ للتعريف، وزيادة الألف والنون، ومن نونه، جعله نكرة، وقيل: بل صرفه للضرورة،
وأما من قال: إنه مقطوع عن الإضافة، فضعيف، أو باطل (٣).
والمراد به في الحديث: التعجب من أن أبا هريرة ﵁ اعتقد نجاسة نفسه بسبب (٤) الجنابة، ولم يرد عليه ﷺ استحبابه الطهارة في مجالسته.
الخامس: قوله ﵊: «إن المؤمن لا ينجس»: يقال: نَجِسَ يَنْجَسُ -بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع: كعَلِم يَعْلَم، وَنجَس ينجُس - بفتح الماضي، وضم المضارع -؛ كقَتل يقتُل، لغتان مشهورتان (٥).
ح: هذا أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا، فأما الحي
стр. 432
فطاهر بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين، ولا يجيء فيه (١) الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه؛
فإن فيه وجهين؛ بناءً على رطوبة الفرج، هذا حكم المسلم الحي، وأما الميت، ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان؛ الصحيح منهما: إنه طاهر، ولهذا غسل، ولقوله ﷺ : «إنَّ المؤمن (٢) لا ينجسُ».
قلت: والقولان في مذهب مالك أيضاً:
قال: وذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس ﵂ تعليقًا: «المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا» (٣)، هذا حكم المسلم.
وأما الكافر، فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد: نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد: أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما.
стр. 433
قلت (١): وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المشرك نجس في حال حياته، أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. قال: فإذا ثبت طهارة الآدمي مسلِمَا كان أو كافرا، فعرقه، ولعابه، ودمعه، طاهرات، سواء كان محدثًا، أو جنبا، أو حائضا، أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين، وكذلك الصبيان؛ أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة، والله أعلم، انتهى (٢).
قلت: وينبغي أن يكون هذا الخلاف -في طهارة الآدمي ونجاسته بعد الموت-، مختصا بغير الأنبياء، على جميعهم الصلاة والسلام، ولم أر من تعرض لهذا، ولكن (٣) هو الذي يقوى في نفسي؛ لعظيم المرتبة وعلو المنزلة، وشريف المزية على سائر الخلق، والله أعلم.
ومما يوجب القطع بذلك: الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت -على ما نقله القاضي أبو بكر بن العربي-، فلتكن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم- بذلك أولى.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: «كان» هذه التي تدل على الملازمة والتكرار - كما تقدم -، ولتعلم أن قولها: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة» يحتمل أن يكون من باب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أراد (١) الاغتسال، ويحتمل أن يكون اغتسل بمعنى: شرع في الغسل؛ فإنه يقال: فعل إذا فرغ، وفعل: إذا شرع في الفعل أيضا، فإذا حملنا اغتسل على شرع، صح؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع به وقتا للبداية بغسل اليدين، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقت الاستعاذة، هذا معنى كلام ق، وأكثر لفظه (٢)(٣).
стр. 436
الثاني: قولها: «غسل يديه»: يعني: قبل إدخالهما في الإناء، على ما تقرر، ولا خلاف في مشروعية ذلك، وإنما الخلاف بيننا وبين أهل الظاهر في وجوبه، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوعبا في حديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه» بما يغني عن الإعادة.
الثالث: قولها: «وتوضأ وضوءه للصلاة»: فيه: استحباب تقديم أعضاء الوضوء في الغسل؛ كما هو المعروف من مذاهب العلماء.
ق: ما معناه: أنه ينبغي أن يقع البحث في هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو وضوء حقيقة، فيكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إن غسل هذه الأعضاء إنما هوعن الجنابة، وإنما قدمت على بقية الجسد؛ تكريما لها، وتشريفًا، ويسقط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى.
وقد يقول قائل: قولها: «وضوءه للصلاة» مصدر مشبه، تقديره: وضوءًا مثل وضوء الصلاة، فيلزم لأجل ذلك أن تكون هذه الأعضاء مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو كانت مغسولة للوضوء حقيقة، لكان قد توضأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصح التشبيه؛ لأن التشبيه يقتضي تغاير المشبه والمشبه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة، صح التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة.
وجوابه بعد تسليم كونه مصدرا مشبها من وجهين: أحدهما: أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة
стр. 437
بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة مغاير للوضوء بقيد كونه خارج غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقة.
الثاني: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية، شبه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة (١).
قلت: و (٢) هذا بحث حسن، وتنقيح جيد، لكن لا يظهر له فائدة حكمية؛ لأنا متفقون على صحة الغسل، والحالة هذه، سواء اعتقدنا أنه وضوء أجزأ عن غسل، أو غسل لهذه الأعضاء عن الجنابة، والله أعلم.
الرابع: قولها: «ثم يخلل بيديه شعره»: فيه: استحباب التخليل باليدين جميعا، وهل التخليل
بإدخال الأصابع مبلولة فيما بين أجزاء الشعر، أو لا بد من نقل الماء حتى يسمى تخليلاً؟
أشار بعضهم إلى ترجيح نقل الماء؛ لما في مسلم: ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول
الشعر (٣) ورد به على من يقول: إن التخليل بغير نقل الماء.
ح (٤): وذكر النسائي في السنن مايبين هذا، قال: باب تخليل
стр. 438
الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة، فقالت فيه: كان رسول الله ﷺ يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثًا (١) قال: فهذا بين في التخليل بالماء (٢).
الخامس: قولها: «حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته»: يحتمل أن يريد بالظن هنا: اليقين، وقد جاء ذلك كثيرا في كلام العرب، قال الله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]؛ أي: أيقنوا؛ لأنه وقت رفع الشكوك والظنون.
وقال الشاعر: [الطويل]
فقلت لهم: ظنوا بألفي ... سراتهم بالفارسي المسرد (٣)
أي: أيقنوا، وهو كثير، وأظن أنه قد جاء العكس؛ أعني: العلم بمعنى الظن، ويحتمل أن يكون الظن هنا على بابه؛ لأنه يكتفى بالظن في هذا الباب، فيحمل على ظاهره.
وقولها: «أروى»: هو من الري الذي هو خلاف العطش، وهو مجاز في ابتلال الشعر بالماء، والمقصود بالإرواء هنا: إيصال الماء إلى جميع الجلد، والظاهر: أنه لا يصل إلى جميع الجلد إلا وقد ابتلت أصول الشعر، أو الشعر كله (٤).
стр. 439
السادس: قولها: «ثم غسل سائر جسده»: غّلط الحريري في «درة الغواص» من استعمل سائرا بمعنى: الجميع، ووهمه، واستدل على ذلك بحديث غيلان، الذي قال فيه ﷺ وفارق سائرهن (١)؛ أي: من بقي بعد الأربع اللاتي تختارهن، قال: ولما وقع سائر في هذا الموضع بمعنى: الباقي الأكثر، منع بعضهم من استعماله بمعنى: الباقي الأقل.
قال: والصحيح أنه يستعمل في كل باق قل أو كثر؛ لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث: «إذا شربتم فاسأروا» (٢)؛ أي: أبقوا في الإناء بقية ماء؛ لأن المراد به: أن يشرب الأقل، ويبقي الأكثر، وإنما ندب إلى التأدب بذلك؛ لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم، وملأَمة عند العرب.
قال: ومما يدل أن «سائرا» بمعنى باق: ما أنشده سيبويه: [الطويل]
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه .... وسائره باد إلى الشمس أجمع (٣)
стр. 440
قال: ويشهد لذلك أيضا، قول الشنفرى [الطويل]
لا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر ... إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري (١)
فعنى كل شاعر بلفظه (سائر) ما بقي من جثمانه بعد إبانة رأسه، والجسد للبدن، وهوه من الألفاظ المشتركة، والجسد أيضا: الزعفران نحوه من الصبغ، وهو من الدم أيضا، قال النابغة: [البسيط]
وما هريق على الأنصاب من جسد (٢)
والجسد: أيضا: مصدر قولك: جسِد به الدم يجسد: إذا لصق به، والله أعلم (٣).
السابع: أجمع المسلمون على جواز تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد كما هو نص الحديث، وكذلك تطهر المرأة بفضل الرجل، وأما تطهر الرجل بفضلها، فهو جائز عندنا، وعند الشافعي، وأبي حنيفة،
стр. 441
وجماهير العلماء، سواء خلت به، أو لم تخل.
قال أصحاب الشافعي: لا كراهة في ذلك؛ للأحاديث الصحيحة الواردة به، وذهب أحمد بن
حنبل، وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته، لا يجوز للرجل استعمال فضلها وروي عن عبد الله بن سرجس، والحسن البصري، وروي عن أحمد كمذهبنا، وروي عن الحسن وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقًا (١).
والمختار: ما قاله الجماهير؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في تطهره ﷺ مع أزواجه، وكل واحد منهما
مستعمل لماء صاحبه، ولا تأثير للخلوة.
وقد ثبت في الحديث الآخر: أنه ﷺ اغتسل بفضل بعض أزواجه رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأصحاب السنن، قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح (٢).
ح: وأما الحديث الذي جاء بالنهي، وهو حديث الحكم بن عمرو (٣)، فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
стр. 442
أحدها: أنه ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، منهم: البخاري، وغيره.
والثاني: أن المراد: النهيُ عن فضل أعضائها، وهو المتساقط منها، وذلك مستبعد.
الثالث: أن النهي للاستحباب، والأفضل، والله أعلم (١).
* * *
* التعريف:
ميمونة بنت الحارث - زوج النبي ﷺ ، ابن حزن بن بحير (١) -، بفتح الباء الموحدة بعدها حاء مكسورة - بن الهُزمِ (٢) بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية.
تزوجها رسول الله ﷺ سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة سبع.
وروي: أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة، وكانت قبل رسول الله ﷺ عند أبي رهم (٣) بن عبد العزى من
стр. 445
بني مالك بن حسل.
ويقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي ﷺ .
ويقال: إن التي وهبت نفسها هي زينب بنت جحش.
ويقال: أم شريك العامرية، من بني عامر بن لؤي.
وتزوج النبي ﷺ ميمونة قبل أن يخرج.
وروي عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة في سفره في عمرة القضية، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وكانت أختها أم الفضل تحت العباس، وهي أم عبد الله بن عباس، فهي خالة ابن عباس، وخالد بن الوليد.
روي لها عن رسول الله ﷺ ستة وأربعون حديثًا، اتفقا على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة.
روى عنها: ابن عباس، ومولاه كُريب، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وإبراهيم بن عبد الله ابن معبد، ويزيد بن الأصم.
توفيت بسرف، وهو ماء بينه وبين مكة تسعة أميال، وقيل: اثنا عشر ميلاً، وصلى عليها عبد الله بن عباس، ودخل قبرها هو، ويزيد بن الأصم، وعبد الله بن شداد، وهم أبناء أخواتها، وعبيد الله بن شداد، وكان يتيما في حجرها.
وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين.
стр. 446
ودخل النبي ﷺ بها في سرف الموضع الذي توفيت فيه، وهي آخر من تزوج بها النبي ﷺ ، وهي آخر أزواجه موتا، على المشهور.
وقيل: إن أم سلمة كانت آخرهن موتا، والصحيح الأول، وأما أنها آخر هن زواجا، فلا نعلم فيه خلافًا.
روى لها الجماعة، ﵂ (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قولها: «وضوء الجنابة»: هو بفتح الواو، وقد تقدم أن الوضوء- بفتح الواو- هل هو اسم لمطلق الماء، أو للماء مضافًا إلى الوضوء؟
ق: وقد يؤخذ من هذا اللفظ: أنه اسم لمطلق الماء؛ فأنها لم تضفه إلى الوضوء، بل إلى الجنابة (٢).
كأنه يريد: أنه لو كان إنما يطلق على الماء مضافًا إلى الوضوء، لم تضفه للجنابة، والذي يظهر لي: أن الوضوء - بالفتح -: هو الماء
стр. 447
المعد للطهارة من حيث الجملة، وضوءًا كان، أو جنابة، والله أعلم.
الثاني: قولها: «فأكفأ»؛ أي: قلب، واختلف: هل يستعمل رباعيا وثلاثيا بمعنى واحد، أو كفأت -ثلاثيا- بمعنى: قلبت، وأكفأت -رباعيا - بمعنى: أملت، وهو مذهب الكسائي وغيره (١).
الثالث: يقال: يمين ويمنى، ويسار ويسرى، وهما مؤنثان.
«ومرتين وثلاثًا» منصوبان على الظرف، والعامل فيهما: أكفأَ.
الرابع: قال الجوهري: الفرجُ العورة (٢).
وفي هذا التفسير نظر؛ فإنه يلزم منه أن يقع الفرج على السوءتين: القبل والدبر؛ إذ هما عورة بلا خلاف، والمعروف أن الفرج مختص
بالقبل، ومنه قوله ﷺ : «من أفضى بيده إلى فرجه، فليتوضأ» (٣).
والاستُ: الدُّبر، ومنه حديث أبي هريرة ﵁: فَخَرَرْتُ لاستي (٤)، فتأمله.
ق: والبدايةُ بغسل الفرج لإزالة ما علَقَ به من أذى، وينبغي أن
стр. 448
يغسل في ابتداء الغسل من الجنابة؛ لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء، فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصر على غسلة واحدة لإزالة النجاسة، والغسل عن الجنابة، فهل يكتفى بذلك، أم لا بد من غسلتين؛ مرة للنجاسة، ومرة للطهارة عن الحدث؟
فيه خلاف لأصحاب الشافعي ﵀، ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، وقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة؛ من حيث إن الأصل عدم غسله ثانيا (١).
الخامس: قولها: «ثم ضرب يده بالأرض»: كأنه من المقلوب، والأصل: ضرب الأرض بيده؛ لأن اليد هي الآلة، والباء لا تدخل إلا على الآلة، كضربت بالعصا، وخطت بالإبرة، وكتبت بالقلم، وأشباه ذلك، وقد جاء القلب كثيرا في كلامهم، قالوا: عرضت الناقة على الحوض، والأصل: عرضت الحوض على الناقة، وقالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي، والأصل: أدخلت رأسي في القلنسوة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ أي: العصبة تنوء بالمفاتيح لثقلها، على ما قيل (٢)، والله أعلم.
وضربه ﷺ يده بالأرض والحائط؛ لإزالة ما عساه علق باليد من الرائحة، مبالغة في التنظيف.
стр. 449
السادس: قولها: «ثم تمضمض واستنشق»: قد تقدم تفسير المضمضة والاستنشاق، وذكر أحكامهما، وذكر اختلاف العلماء في وجوبهما، وأن الصحيح: أنهما سنتان في الوضوء والغسل، لا واجبتان، وليس في الحديث ما يدل على وجوبهما.
وليس لقائل أن يقول: إن مطلق أفعاله ﷺ تدل على الوجوب؛ لأن (١) المختار: أن فعله ﷺ لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب، وليس الأمر بالغسل من الجنابة من قبيل المجلات، والله أعلم.
السابع: قولها: «ثم تنحى، فغسل رجليه»: قد يقتضي ظاهره تأخير غسل الرجلين عن إكمال الوضوء، وهو (٢) أحد الأقوال الثلاثة في مذهبنا (٣).
قال الإمام أبو عبد الله المازري: استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل الرجلين إلى آخر غسله من الجنابة؛ ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، وأخذ ذلك من حديث ميمونة هذا، وليس فيه تصريح، بل هو محتمل؛ لأن قولها: «توضأ وضوءه للصلاة»، الأظهر فيه إكمال وضوئه، وقولها آخرا: «تنحى، فغسل رجليه» يحتمل أن يكون لما نالهما من تلك البقعة (٤).
стр. 450
وقال ع: ظاهر قوله في الأحاديث إتمام الوضوء، وإليه نحا ابن حبيب من أصحابنا، قال: يتوضأ وضوءه كله.
وروي عن مالك: ليس العمل على تأخير غسل الرجلين، وليتم وضوءه في أول غسله، فإن أخرهما، أعاد عند الفراغ وضوءه.
وروي عنه: أن تأخيرهما واسع.
قال (١): وفي تنحيه لغسل رجليه حجة في أن التفريق اليسير غير مؤثر في الطهارة. انتهى (٢).
قلت: هذه الحجة إذا قلنا: إنه لم يكمل وضوءه، وإلا، إن قلنا: إنه أكمله فلا حجة.
وبالجملة: ففي المسألة لأصحابنا ثلاثة أقوال - كما تقدم -، التأخير، وعدمه، وهو المشهور، والثالث: التفريق بين أن يكون الموضع نظيفًا،
فلا يؤخر، أو وسخا فيؤخر،
ع: ولم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، فقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه انتهى (٣).
وانظر الفرق بينه وبين الوضوء؛ فإنه لم يتحرر (٤) لي.
стр. 451
الثامن: قولها: «فأتيته بخرقة، فلم يردها»: أخذ الشافعي من هذا الحديث كراهة التنشف، والظاهر: أنه لا دليل له في ذلك؛ لأنه ﷺ جعل ينفض الماء بيده، والنفض في معنى التنشف، أو هو هو؛ لأن كل واحد منهما إنما هو إزالة الماء عن البدن، وأما رده الخرقة أو المنديل، فقيل: واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو غير ذلك (١).
قال الإمام المازري: وأما تنشيف الماء عن الأعضاء في الطهارة، فلا خلاف أنه لا يحرم، ولا يستحب، ولكن هل يكره ذلك؟ للصحابة فيه ثلاثة أقوال:
فروي عن أنس بن مالك: أنه قال: لا يكره في الوضوء والغسل، وبه قال مالك، والثوري، وحجتهم: ما رواه قيس بن سعد بن عبادة: دخل علينا (٢) رسول الله ﷺ ، فوضعت له الغسل، فاغتسل، فأتيته بملحفة، فالتحف، فرأيت الماء والورس على كتفيه.
وروى معاذ: أنه ﵊ كان يمسح وجهه بطرف ثوبه، فدل ذلك على أنه لا يكره.
وروي (٣) عن ابن عمر: أنه كرهه، وبه قال ابن أبي ليلى، وإليه مال أصحاب الشافعي، وحجتهم ظاهر حديث ميمونة، ولأنه أثر
стр. 452
عبادة، فيكره قلعه (١)؛ كدم الشهيد، وخلوف فم الصائم، على أصل من نهى عنه.
وروي عن ابن عباس: أنه يكرهه في الوضوء دون الغسل، وحجته: ما روي أن أم سلمة ناولته الثوب ليتنشف به، فلم يأخذه،
وقال: «إني أحب أن يبقى علي أثر الوضوء» (٢)، ولم يثبت عنده في الغسل دليل قاطع على الكراهة (٣).
ع: يحتمل أن يكون رده للمنديل لمعنى رآه فيه، أو لاستعجاله للصلاة، أو تواضعا، أو خلافًا لعادة أهل الترفه، ويكون الحديث الآخر في أنه كانت له خرقة يتنشف بها عند الضرورة وشدة البرد؛ ليزيل برد الماء عن أعضائه ﷺ (٤).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قال ابن بشير: لا خلاف أن الجنب مأمور بالوضوء قبل النوم، وهل الأمر بذلك واجب، أو ندب؟ في المذهب قولان.
قلت: وكأن القول بالوجوب، انفرد به أصحابنا - والله أعلم - مع داود الظاهري.
قال: وقد ورد عنه ﷺ : أنه أمر الجُنب بالوضوء، وبين الأصوليين خلاف في أوامره ﷺ هل تحمل على الوجوب، أو على الندب؟
قلت: أمره للجنب بالوضوء جاء في حديث صحيح أيضا، وهو قوله ﷺ : «توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم» لما سأله عمر ﵁: أنه تصيبه الجنابة من الليل (١).
ق: و [ليس] في حديث ابن عمر متمسك للوجوب؛ فإنه وقف إباحة الرقاد على الوضوء، فإن هذا الأمر ليس للوجوب، ولا للاستحباب؛ فإن النوم من حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب، فإذاً هو للإباحة، فتتوقف الإباحة على الوضوء، وذلك هو المطلوب (٢).
الثاني: اختُلف (٣) في علة أمره بالوضوء، فقيل: لينشط للغسل،
стр. 455
وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين خشية الموت في المنام.
وتظهر فائدة هذا الختلاف في التعليل في فرعين:
أحدهما: لو فقد الجُنب الماء، لم يؤمر بالتيمم إن عّللنا بالنشاط، وعلى التعليل الآخر: يتيمم.
والثاني: الحائض هل تؤمر بالوضوء، أم لا؟ فعلى النشاط: لا، وعلى التعليل الآخر: نعم (١).
الثالث: لفظة «نعم» يعبر عنها النحاة بأنها لفظة (٢) عدة وتصديق.
زاد الجوهري: وجواب الاستفهام، وربما ناقض ب «لا» إذا قال:
ليس لي عندك وديعة، فقولك: نعم، تصديق له، لا تكذيب، ونعم - بكسر العين - لغة فيه، حكاها الكسائي ﵀ (٣).
* * *
* التعريف:
أم سلمة: اسمها هند بنت أمية بن عمرو بن مخزوم، زوج النبي ﷺ ، تزوجها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا، فولدت له بأرض الحبشة زينب، ثم ولدت سلمة، وعمر، ودرة، ثم مات أبو سلمة سنة أربع من الهجرة، وأبو سلمة ابن عمة رسول الله ﷺ ، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب.
وأم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة من المهاجرات، وآخر من مات من أزواج النبي ﷺ على قول بعض العلماء، على ما تقدم.
تزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة أربع، وتوفيت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وقيل: صلى عليها سعيد ابن زيد.
روي لها عن رسول الله ﷺ ثلاث مئة وثمانية وسبعون حديثًا،
стр. 458
اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها.
روى عنها: ابنها عمر، وابنتها زينب, وسعيد بن المسيب, وأبو بكر بن عبد الرحمن, وكريب مولى ابن عباس, وسليمان بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب, وعكرمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
روى لها الجماعة (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قولها: «إن الله لا يستحيي من الحق»: توطئة واعتذار لما ستذكره بعد مما يُستحيي النساء من ذكره غالباً، وهو عند الكتاب والأدباء أصل في المكاتبات والمحاورات، ووجه ذلك: أن تقديم الاعتذار سبب لإدراك النفس المعتذر منه صافياً خالياً عن التعب، بخلاف ما إذا تأخر؛ فإن النفس تستقبل المعتذر عنه بقبحه، ثم يأتي العذر رافعا، وفي الأول يكون دافعا (٢)، ولا يخفى عليك الفرق بين الرافع والدافع، وقريب من هذا عندي: الإعلام بالمكروه قبل وقوعه؛ فإن النفس تتوطن عليه؛ بخلاف ما إذا فاجأ على غفلة - والعياذ بالله-، وإن ذهب بعد ذلك.
стр. 459
وقد اختلف العلماء في معنى قولها: «إن الله لا يستحيي من الحق»، فقيل: معناه: أن الله (١) لا يمتنع من بيان الحق وضرب المثل بالبعوضة وشبهها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وكذا (٢) أنا، لا أمتنع
عن سؤالي عما أنا محتاجة إليه.
وقيل: معناه: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يبيحه.
وقيل: إن سنة الله وشرعه أن لا يستحيا من الحق.
ق: أما تأويله على أن لا يمتنع من ذكره، فقريب؛ لأن المستحيي يمتنع من فعل ما استحيا منه، فالامتناع من لوازم الحياء، فيطلق الحياء
على الامتناع؛ إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم.
وأما قولهم: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يبيحه، فيمكن في توجيهه أن يقال: التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء؛ لأن الأمر بالحياء متعلق
بالحياء، فيصح إطلاق الحياء على الأمر به على سبيل إطلاق المتعلِّق على المتعلَّق، وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء، صح إطلاق عدم الحياء من الشيء على عدم الأمر به.
وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني؛ ليخرج ظاهره عن النصوصية، لا على أنه يجزم بإرادة
стр. 460
المعين، إلا أن يقوم على ذلك دليل.
وأما قولهم: معناه: أن سنة الله وشرعه أن لا يستحيا من الحق، فليس فيه تحرير بالغ؛ فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله تعالى، أو يجعله فعلاً لم يسم فاعله، فإن أسنده إلى الله تعالى، فالسؤال باقٍ بحاله، وغاية ما في الباب: أنه زاد قوله: سنة الله وشرعه، وهذا لا يخلص من السؤال.
وإن بنوا الفعل لما لم يسم فاعله، فكيف نفسر فعلاً بني للفاعل، والمعنيان متباينان، والإشكال إنما ورد على بنائه للفاعل؟
قال: والأقرب أن يجعل في الكلام حذف تقديره: إن الله لا يمتنع من ذكر الحق، والحق هاهنا خلاف الباطل، ويكون المقصود من الكلام: أن تقتدي بفعل الله- في ذلك، وتذكر هذا الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن (١) احتلام المرأة،
انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢).
الثاني: قال أهل العربية: استحيا يستحيي - بياءين -، ويقال أيضا: يستحي - بياء واحدة -، وأصله يستحيي كالأول، فاستثقلت الكسرة تحت الياء الأولى التي هي عين الكلمة، فنقلت إلى الحاء، واستثقلت الضمة على الياء الثانية التي هي لام الكلمة، فحذفت،
فاجتمع ساكنان، فحذفت الأولى فيما يظهر.