* التعريف:
أم سلمة: اسمها هند بنت أمية بن عمرو بن مخزوم، زوج النبي ﷺ ، تزوجها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا، فولدت له بأرض الحبشة زينب، ثم ولدت سلمة، وعمر، ودرة، ثم مات أبو سلمة سنة أربع من الهجرة، وأبو سلمة ابن عمة رسول الله ﷺ ، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب.
وأم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة من المهاجرات، وآخر من مات من أزواج النبي ﷺ على قول بعض العلماء، على ما تقدم.
تزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة أربع، وتوفيت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وقيل: صلى عليها سعيد ابن زيد.
روي لها عن رسول الله ﷺ ثلاث مئة وثمانية وسبعون حديثًا،
стр. 458
اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها.
روى عنها: ابنها عمر، وابنتها زينب, وسعيد بن المسيب, وأبو بكر بن عبد الرحمن, وكريب مولى ابن عباس, وسليمان بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب, وعكرمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
روى لها الجماعة (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قولها: «إن الله لا يستحيي من الحق»: توطئة واعتذار لما ستذكره بعد مما يُستحيي النساء من ذكره غالباً، وهو عند الكتاب والأدباء أصل في المكاتبات والمحاورات، ووجه ذلك: أن تقديم الاعتذار سبب لإدراك النفس المعتذر منه صافياً خالياً عن التعب، بخلاف ما إذا تأخر؛ فإن النفس تستقبل المعتذر عنه بقبحه، ثم يأتي العذر رافعا، وفي الأول يكون دافعا (٢)، ولا يخفى عليك الفرق بين الرافع والدافع، وقريب من هذا عندي: الإعلام بالمكروه قبل وقوعه؛ فإن النفس تتوطن عليه؛ بخلاف ما إذا فاجأ على غفلة - والعياذ بالله-، وإن ذهب بعد ذلك.
стр. 459
وقد اختلف العلماء في معنى قولها: «إن الله لا يستحيي من الحق»، فقيل: معناه: أن الله (١) لا يمتنع من بيان الحق وضرب المثل بالبعوضة وشبهها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وكذا (٢) أنا، لا أمتنع
عن سؤالي عما أنا محتاجة إليه.
وقيل: معناه: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يبيحه.
وقيل: إن سنة الله وشرعه أن لا يستحيا من الحق.
ق: أما تأويله على أن لا يمتنع من ذكره، فقريب؛ لأن المستحيي يمتنع من فعل ما استحيا منه، فالامتناع من لوازم الحياء، فيطلق الحياء
على الامتناع؛ إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم.
وأما قولهم: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يبيحه، فيمكن في توجيهه أن يقال: التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء؛ لأن الأمر بالحياء متعلق
بالحياء، فيصح إطلاق الحياء على الأمر به على سبيل إطلاق المتعلِّق على المتعلَّق، وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء، صح إطلاق عدم الحياء من الشيء على عدم الأمر به.
وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني؛ ليخرج ظاهره عن النصوصية، لا على أنه يجزم بإرادة
стр. 460
المعين، إلا أن يقوم على ذلك دليل.
وأما قولهم: معناه: أن سنة الله وشرعه أن لا يستحيا من الحق، فليس فيه تحرير بالغ؛ فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله تعالى، أو يجعله فعلاً لم يسم فاعله، فإن أسنده إلى الله تعالى، فالسؤال باقٍ بحاله، وغاية ما في الباب: أنه زاد قوله: سنة الله وشرعه، وهذا لا يخلص من السؤال.
وإن بنوا الفعل لما لم يسم فاعله، فكيف نفسر فعلاً بني للفاعل، والمعنيان متباينان، والإشكال إنما ورد على بنائه للفاعل؟
قال: والأقرب أن يجعل في الكلام حذف تقديره: إن الله لا يمتنع من ذكر الحق، والحق هاهنا خلاف الباطل، ويكون المقصود من الكلام: أن تقتدي بفعل الله- في ذلك، وتذكر هذا الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن (١) احتلام المرأة،
انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢).
الثاني: قال أهل العربية: استحيا يستحيي - بياءين -، ويقال أيضا: يستحي - بياء واحدة -، وأصله يستحيي كالأول، فاستثقلت الكسرة تحت الياء الأولى التي هي عين الكلمة، فنقلت إلى الحاء، واستثقلت الضمة على الياء الثانية التي هي لام الكلمة، فحذفت،
فاجتمع ساكنان، فحذفت الأولى فيما يظهر.
стр. 461
قال ابن عطية: وقرأ ابن كثير في بعض الطرق عنه، وابن محيصن، وغيرهما: ﴿يستحي﴾ - بكسر الحاء -، وهي لغةٌ تميم (١)
الثالث: قولها: «إذا هي»: الذي يظهر أن (هي) زائدة لتوكيد المعنى وتحقيقه، وإن كان الأصل عدم الزيادة لوجهين:
أحدهما: أن المعنى على ذلك، ألا ترى أنها لو سقطت، لم يختل أصل المعنى؟
والثاني: أن (إذا) هنا فيها معنى الشرط، وهي لا تليها الأسماء عند البصريين، غير الأخفش، فلا يجوز أن تكون في موضع المبتدأ، ولا يجوز أن تكون فاعلاً بفعل مضمر يفسره ما بعده من باب قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]؛ لأن الفاعل لا يكون
ضميرا منفصلاً بغير واسطة، فتعين زيادتها، نعم، يصح، أن تكون مبتدأ عند الكوفيين والأخفش على أصلهم، وبالله التوفيق.
الرابع: ق: الاحتلام في الوضع: افتعال من الحلْم - بضم الحاء وإسكان اللام -، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حلَم - بفتح اللام -، واحتلَمَ، واحتلمْتُ به، واحتلمْتُه (٢).
قلت: وأما حَلِمَ الأديمُ: إذا تثقب (٣)، فبكسر اللام، وحَلُم: إذا صفَح وتجاوز، بضمهما، والله أعلم.
стр. 462
قال: وأما في الاستعمال والعرف العام، فإنه قد خص هذا الوضع اللغوي ببعض ما يراه النائم، وهو ما يصحبه إنزال الماء، فلو رأى غير ذلك، لصح أن يقال له: احتلم وَضْعاً، ولم يصح عرفًا (١).
الخامس: قوله ﵊: «إذا رأت الماء»: ظاهره بروز ماء المرأة إلى ظاهر الفرج، وهي مسألة خلاف، فذهب بعضهم إلى أنه لا يبرز، وأظنه صاحب «الطراز»، وتبعه الفقيه ناصر الدين بن المنير (٢) ﵀ في ترجيزه للتهذيب، فقال:
إِنْ قُلْتَ كَيْفَ تُنْزِلُ النِّسَاءَ ... وَهُنَّ لَا يَبْدُو لَهُنَّ الماءُ
فَاعْلَمْ بِأَنَّ فَرْجَهَا مَقْلُوبُ ... يَعْرِفُ شَرْحَ ذَلِكَ الطَّبِيبُ
فنقول: إنما يعرف إنزالها بشهوتها خاصة.
وظاهر هذا الحديث يرد هذا المذهب، ويبعد جدا أن تحمل الرؤية هنا على رؤية القلب، وهو علمها بلذتها بانتقال مائها من مكان
стр. 463
إلى مكان آخر من باطن فرجها، والمعروف من المذهب التسوية بينها وبين الرجل في ذلك، والله أعلم.
فائدة: ح في شرح مسلم له: أنها إذا كانت ثيباً، فنزل المني إلى فرجها، ووصل إلى الموضع الذي يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء، وهو الذي يظهر حال قعودها لقضاء الحاجة، وجب عليها الغسل بوصول المني إلى ذلك الموضع؛ لأنه في حكم الظاهر، وإن كانت بكرا لم يلزمها، ما لم يخرج من فرجها؛ لأن داخل فرجها كداخل إحليل الرجل (١).
السادس: ق وقوله ﵊: «إذا رأت الماء»: يحتمل أن يكون مراعاة للوضع اللغوي في قوله: احتلمت؛ فإنا قد بينا أن الاحتلام رؤية المنام كيف كان وضعا، فلما سألت: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ وكانت لفظة احتلمت عامة، خصص الحكم بما إذا رأت الماء، أما لو حملنا لفظة احتلمت على المعنى العرفي، كان قوله: «إذا رأت الماء» كالتوكيد والتحقيق؛ لما سبق من دلالة اللفظ الأول عليه.
ويحتمل أن يكون الاحتلام الذي يحصل به الإنزال على قسمين:
تارة يوجد معه (٢) البروز إلى الظاهر، وتارة لا، فيكون قوله -عليه
стр. 464
الصلاة والسلام-: «إذا رأت الماء» مخصصا للحكم بحالة البروز للظاهر، وتكون فائدة زائدة، ليست لمجرد التوكيد (١).
* * *
ليس في هذا الحديث من الأحكام إلا ما يتعلق بنجاسة المني أو (١) طهارته.
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في شرح الترمذي: اختلف العلماء في المني على أربعة أقوال:
الأول: قال مالك: إنه نجس يجب غسله، وأحمد في إحدى روايتيه.
الثاني: قال أبو حنيفة: إنه نجس يجزئ فركه.
قلت: ونُقل عن (٢) ابن هبيرة: أنه إن كان رطبا، فيغسل، وإن كان يابسا، فيفرك، والفرك - بفتح الفاء -: الدلك، وبكسرها: البُغْض.
الثالث: قال الشافعي: هو طاهر لا غَسْلَ فيه، ولا فركَ إلا على
стр. 467
معنى الاستحباب؛ لقباحة منظره، واستحياءً مما يدل عليه من حالته.
الرابع: قال الحسن بن صالح بن حيي (١): لا يعيد الصلاة من المني في الثوب، ويعيدها من المني في البدن، وإن قَلّ.
قال: وللعلماء فيه طرق من الأثر والنظر:
فأما طريق الشافعي من الأثر: فما تقدم من إنكار عائشة على من غسل ثوبه، وإخبارها: أنها كانت تفركه من ثوب النبي ﷺ ، وهذا شأن الطاهرات.
وأما طريقه من جهة النظر، فمن ثلاثة أبواب:
أحدها: أنه قال: نظرت، فإذا المني يخلق منه البشر، وإذا الطين يخلق منه البشر، فألحقته به، وتحريره: أن يقال في المني: مبتدأ
خلق بشر، فكان طاهرا كالطين.
الثاني: أنه قال: نظرت المني، فإذا به في الآدميين كالبيض في البهائم، فألحقته به. وتحريره أن يقال في المني: خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أصله، فكان طاهرا كالبيض.
الثالث: أنه قال: حرمة الرضاع إنما هي مشبهة بحرمة النسب، ثم اللبن (٢) الذي يحصل به الرضاع طاهر، فالمني الذي يحصل به النسب أولى.
وأما طريق أبي حنيفة من الأثر، فأحاديث ضعاف، وربما تعلق
стр. 468
بالفرك، وهو ضعيف؛ إذ (١) قال: إنه يجزئ دون الغسل (٢).
وأما طريقه من النظر، فمن بابين:
أحدهما: أنه قال: إن خروج المني يوجب الطهارة، ولا تجب الطهارة إلا عن خارج نجس، وهذا أصل ينفرد به دوننا.
الثاني: أنه قال: إن المني لا يتكلم في أصله، إنما علينا النظر في فصله، وهو ينفصل من مخرج البول، وهو نجس، فإذا مرعلى مجرى نجس، وجب أن ينجس بنجاسة مجراه.
وأما طريق الحسن بن صالح؛ فلأنه رأى الفرك يجرئ في يابسه، فدل ذلك على طهارته، ورأى أن الحديث الصحيح (٣): أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة، غسل ما بفرجه (٤) من الأذى، فدل ذلك على نجاسته.
وأما طريقة مالك في الأثر والنظر، فمهيع، يشارك أبا حنيفة والحسن في بعض الطرق، ويخالفهما في المناقضة.
أما تعويله من جهة النظر، فعلى أنه خارج من مخرج البول، فينجس بنجاسة المجرى، فإن زعموا أن له مخرجا آخر، وتحكموا بنسبة ذلك إلى أهل التشريح، لم يتشعب معهم فيه، وإن كان الدعوى عريضة.
стр. 469
بيد أنا نقول: إنهما عند أصل الثقب يجتمعان، وهو نجس بما (١) يخرج عليه، ولا جواب لهم عن هذا، ولا يصح لأصحاب أبي حنيفة التعلق به، فإن لبن الميتة عندهم طاهر مع نجاسة وعائه، فهو تناقض ظاهر منهم.
وأما تعويله على الأثر، فغسل النبي ﷺ البدن منه والثوب، وهذا دليل على نجاسته؛ فإن الغسل حكم النجاسة
المخصوص بها، وأقرب دليل على الشيء خصيصته التي لا يشارك فيها؛ كالحل (٢) دل على النكاح وجودا وعدما، والملك على البيع نفيا وإثباتا، والنكتة العظمى في ذلك: أن الأحاديث الصحاح ليس فيها أكثر من أن عائشة قالت: «كنت أفركه من ثوب رسول الله
ﷺ »، والمراد: إزالة عينه، فأما الصلاة به كذلك، فليس بمروي عنها (٣)، بل المروي فيها: غسله عنها.
روى القشيري (٤) عن علقمة والأسود جميعا: أن رجلاً نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: «إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تره، نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، فيصلي فيه» (٥). وهذا الرجل الذي أصبح يغسل
стр. 470
ثوبه، لم يكن رأى فيه شيئًا، إنما شك هل احتلم أم لا؟ كما قدمنا (١) من رواية عبد الله بن شهاب الخولاني، ولذلك أنكرت عليه الغسل، ثم أخبرته أنه إنما يجزئه الغسل إذا رآه، فإن لم يره نضحه، وهذا نص في الغسل، ثم قالت بعد: «لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ، فيصلي فيه»، معناه: أفركه وأغسله؛ بدليل رواية سليمان بن يسار عنها، ولولا ذلك لنقض آخر كلامها (٢) أوله، لا سيما وحديث عائشة هذا بزيادة قولها (٣): «ثم يصلي فيه» من رواية علقمة والأسود، والأسود متكلم (٤) عليه؛ فإن القشيري خرجه عن يحيى بن يحيى، عن خالد بن عبد الله، عن خالدٍ -يعني: الحذّاء - (٥)، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، فذكره، وغمزه الدارقطني وغيره، فإذا كان حديث هذه الزيادة مغموزا، فلم يبق إلا حديث الفرك وحده دون زيادة فيه كما بيناه، وهذه هي الغاية في المسألة، انتهى (٦).
قلت: ونقل ح عن الشافعية قولا: بأن مني المرأة نجس، دون مني الرجل، قال: وهو شاذ ضعيف، ثم قال: وقول أشذ منه: إن مني
стр. 471
الرجل والمرأة نجس (١).
هذا حكم مني الآدمي.
فأما غيره (٢)، فأما الكلب والخنزير، وما توّلد من أحدهما، فنجس بلا خلاف أعلمه، وأما غيرهما فعلى قسمين: مأكول، وغير مأكول:
فالمأكول منيه طاهر (٣) إن عّللنا نجاسة (٤) المني بجريانه على مجرى البول؛ لأن بول (٥) ما يؤكل لحمه طاهر عندنا، وإن عّللناها بأن أصله دم، كان نجسا.
وأما غير المأكول تحريما، فيلحق بالكلب والخنزير؛ لأنا إن عللنا النجاسة بمجرى البول، فالبول نجس، وإن عللناها بأن المني دم في الأصل، فذلك موجود - أيضا -، والله أعلم، هذا مذهبنا.
وفي «الروضة» للشيخ ح: وأما مني غير الآدمي: فمني الكلب والخنزير وفرع أحدهما نجس، ومن غيرهما فيه أوجه؛ أصحها: نجس، والثاني: طاهر، والثالث: طاهر من مأكول اللحم، نجس من غيره؛ كاللبن.
стр. 472
قلت: الأصح عند الأكثرين والمحققين الوجه الثاني، انتهى (١).
فصل: المني مشدد، سمي منيا؛ لأنه يمنى، أي: يصب، وسميت (منى)؛ لما يمنى فيها من الدماء، ويقال: أَمْنَى ومَنَى، ومنَّى -بالتشديد -، وبالأولى جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨].
فمنيُّ الرجل -في حال صحته- أبيض ثخينٌ يتدفق في خروجه دفعةً بعد دفعة، يخرج بشهوة ولذة، ويعقب خروجه فتورٌ، ورائحته كرائحة الطَّلْع، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس، كان كرائحة البيض، وقد تفقد بعض هذه الصفات، ويسمى -مع ذلك- منيا بأن يرق ويصفر لمرض، أو يخرج بلا شهوة ولا لذة؛ لاسترخاء وعائة، أو يحمر لكثرة الجماع، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطًا.
قالوا: وخواصه ثلاث:
الأولى: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه.
الثانية: الرائحة كرائحة الطلع، على ما سبق.
الثالثة: الخروج بتدفق.
وكل واحدة من هذه الثلاث إذا انفردت، اقتضت كونه منيا، فإن فقدت كلها، فليس بمني.
وماء المرأة أصفر رقيق، وقد يبيض بفضل قوتها، والله أعلم (٢).
стр. 473
مسألة: فإن خرج عريا عن اللذة، فهل يجب الغسل، أو لا؟ قولان.
فلو قارنته لذة غير معتادة، كالمحتك ينزل، أو المغتسل بماء حار فينزل، وكمن لدغته عقرب، أو ضرب بالسياط، أو بالسيف، فأنزل، فقولان.
وإذا قلنا: لا يجب الغسل، فهل يجب الوضوء؟ قولان.
فلو التذ ثم خرج منه مني بعد ذهاب اللذة جملة، ففي مذهبنا ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث: بين أن يكون عن جماع، وقد اغتسل، فلا يعيد، وضعف القول بالتفرقة.
وعلى وجوب الغسل إن كان قد صلى، ففي وجوب الإعادة قولان.
وإذا قلنا: لا غسل، فهل يؤمر بالوضوء على الوجوب، أو الندب؟ قولان (١).
مسألة: فلو انتبه، فوجد بللاً لا يدري أمنيٌّ أم مذيٌ، وجبَ الغسل على المشهور، ولو رأى في ثوبه احتلاماً، اغتسل، وفي إعادته من أول نوم، أو من أحدثِ نوم، ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن [...] أو لا؟ ففي الأول، وفي الثاني، من [...] (٢).
والمرأة في ذلك كالرجل.
стр. 474
الحديث السابع
٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ , ثُمَّ جَهَدَهَا؛ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (١) , وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (٢).
стр. 475
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الضمير المستتر في (جلسَ)، والضميران البارزُ والمستتر في (جهدَها) للرجل والمرأة، وإن لم يجرِ لهما ذكر، فهو من المضمر الذي يفسره سياق الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وأشباه ذلك، وقد تقدم مثله.
الثاني: (الشُّعَب): جمع شُعْبَة، وهي من الألفاظ المشتركة: واحدة الأغصان، والفُرْقة، يقال: شعبتهم المنيةُ؛ أي: فَرَّقتهم، والرؤبة.
وهي قطعة يشعب بها الإناء، والشعبة - أيضا -: الطائفة من الشيء، وهي القطعة منه (١).
واختلف في المراد بالشعب الأربع في الحديث، فقيل: يداها ورجلاها، وقيل: يداها وفخذاها، وقيل: فخذاها وإسكتاها - بكسر الهمزة وإسكان السين وفتح الكاف -، وهما حرفا شقِّ فرج المرأة، وقيل: نواحي الفرج الأربع، واختار هذا الأخير ع (٢).
стр. 476
وقال ق: الأقربُ عندي أن يكون المراد: اليدين والرجلين، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مَكْنِيًّا عنه بذلك، فاكتفى بما ذكر عن التصريح.
قال: وإنما رجحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس بينهما، وأما إذا حمل على نواحي الفرج، فلا جلوس بينهما حقيقة (١).
الثالث: قوله ﵊: «ثم جهدها»: قال الخطابي: معناه: حفزها، وقال بعضهم: بلغ مشقَّتها، يقال: جَهَدْتُه، وأَجْهَدْتُه: بلغتُ مشقته (٢).
ع: والأَوْلى هنا أن يكون جهد؛ أي: بلغ جهدَه في عمله فيها، والجهد: الطاقة، والاجتهاد منه، وهي إشارة إلى الحركة وتمكّن صورة العمل، وهو نحو من قول من قال: حَفَزَها؛ أي كدَّها بحركته، وإلا فأيُّ مشقة تبلغ بها في ذلك؟
وقال ابن الأنباري: جَهَدْتُ الرجلَ: إذا حملته على أن يبلغ مجهوده، وهو أقصى قوته، ولعله - أيضا - من هذا؛ أي: طلب منها مثل ما فعل، وهي بمعنى قوله في الحديث الآخر: «إِذَا خَالَطَ» (٣)،
стр. 477
وهي كناية عن مبالغة الجماع، ومغيب الحشفة، واختلاط العضوين.
والخِلاط: الجماع، قاله الحربي، وخالطها: جامَعَهَا.
وقال الخطابي: الجهدُ: من أسماء النكاح (١).
قلت: فعلى قول الخطابي لا يكون قوله ﵊: «إذا جَلسَ بينَ شُعبها الأربع، ثم جهدَها» كنايةً عن النكاح، بل هو صريح، ولم أر هذا القول -أعني: قول الخطابي - في شيء من دواوين اللغة المشهورة، وأكثر ما قال الجوهري وغيره مما رأيت: الجاهد: الشهوان (٢)، فإن كان أخذَه من هذا، فلا دليلَ له فيه؛ إذ الشهوان فَعْلان؛ من الشهوة، وهو أعمُّ من أن يكون للنكاح أو غيره، وليس من باب عَيْمان لمشتهي اللبن جداً، ولا قَرِمٍ لمشتهي اللحم جداً، فإن ذلك مخصوص بهما، والله أعلم.
الرابع: المقصود من الحديث: وجوب الغسل بالجماع، وإن لم ينزل، وهذا هو الحكم عند الجمهور، ولم يذهب إلى غير ذلك إلا داودُ الظاهريُّ.
ق: وخالفه بعضُ الظاهرية، ووافقَ الجماعة.
ومستند الظاهري: قوله ﵊: «إنما الماءُ مِنَ الماءِ» (٣)، وقد جاء في الحديث: إنما كان الماءُ من الماء رخصةً في
стр. 478
أول الإسلام، ثم نُسخ، ذكره الترمذي (١)، انتهى (٢).
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀: وقد روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين-: أنهم لم يروا غُسلاً إلا من إنزال الماء، ثم رُوي أنهم رجعوا عن ذلك، حتى روي عن عمر: أنه قال: من خالفَ في ذلك، جعلتُهُ نكالاً.
واختلف الفقهاء في وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل، وما خالف في ذلك إلا داودُ، ولا يُعبأ به؛ فإنه لولا الخلاف ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري لذلك، وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحد علماء الدين، ومن أجلّ علماء المسلمين معرفةً وعدلاً، وما بهذه المسألة خفاءً؛ فإن الصحابة اختلفوا فيها، ثم رجعوا عنها، واتفقوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وإن لم يكن إنزال.
هذا مالك قد روى عن عثمان رجوعَه وعن أبي بن كعب، وقد روى أبو موسى أن الصحابة اختلفوا، وأسندوا أمرهم إلى عائشة، وقد
ثبت أن النبي ﷺ سئل عن ذلك، فأحال على فعله مع عائشة، وهذا يدل على أن فعله في الدين متبع، وهي مسألة بديعة من أصول الفقه، والعجبُ من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وحديث عثمان وأُبي في نفي الغسل إلا بالإنزال،
стр. 479
وحديث عثمان ضعيف؛ لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعلم يرويه عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن الحسين، لم يسمعه من يحيى، وإنما نقله له قال يحيى بن أبي كثير.
وكذلك أدخله البخاري عنه بصفة المقطوع، وهذه علة، وقد خولف حسين فيه عن يحيى، فرواه عنه غيره موقوفًا على عثمان، ولم يذكر
فيه النبي ﷺ ، وهذه علة ثانية.
وقد خولف أيضا فيه أبو سلمة، فرواه زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن زيد بن خالد: أنه سأل خمسة أو أربعة من أصحاب النبي ﷺ ، فأمروه بذلك، ولم يرفعه، وهذه علة ثالثة.
وكم من حديث ترك البخاريُّ إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بحديث اجتمعت فيه؟!
وحديث أُبي- أيضا - يَضْعُفُ التعلق (١) به؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم، مما كان أقوى منه.
ويحتمل قول البخاري: الغسل أَحْوَطُ، يعني: في الدين من باب حديثين تعارضا، فقدَّم الذي يقتضي الاحتياطَ في الدين، وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو الأشبه بإمامة الرجل وعلمه، والله أعلم (٢).
مسألة: قال ابن العربي ما معناه: إذا غاب الذَّكَرُ في فرج امرأة غير متلذذ، أو أدخلته هي بيدها مرغوما، أو استدخلته وهو نائم، وجب
стр. 480
عليهما الغسلُ لمغِيبِ الحشفة، وكذا لو أدخله في دبر أو فرج البهيمة (١)،
أو في فرج ميتة.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل في هذه والتي قبلها.
ولا يعاد غسل الميتة عندنا إن كانت غُسلت قبل ذلك، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وكذلك لو استدخلت المرأة ذكر بهيمة، فهو كوطء البهيمة.
فإن غيب بعض الحشفة، أو قدرَ دونها من مقطوعها، فلا غسل.
فإن أولجه في دُبر خنثى مشكل، فالغسل، وإن أولجه في قُبله، فقد خرج على من تيقَّن (٢) الطهارة، وشك في الحدث.
فلو لفَّ خِرقة على ذَكَره فأولجه في فرج امرأة، فثلاثة أقوال: ثالثها - وهو الأشبه (٣) بمذهبنا -: يفرق بين خفة الخرقة، فيجب، وكثافتها، فلا يجب.
مسألة: لو انتقل المني، ولم يظهر، لم يوجب غسلاً، خلافًا لأحمد.
مسألة: لو جومعت بكر (٤)، فحملت، وجب الغسلُ عليها؛ لأن المرأة لا تحمل حتى تُنزل.
стр. 481
قال ابن العربي: أفادناها شيخنا الفهري ﵀ (١).
وهذا كله في البالغين، فلو عدم البلوغ فيهما، أو في أحدهما، فإن كانا غير بالغين، فقال ابن بشير: مقتضى المذهب: أن لا غسل، وقد
يؤمران به على جهة الندب، وأما إن وطئ الصغير كبيرةً، فلا يجب عليها الغسل إلا أن تُنزل، وقيل: يجب.
وإن وطئ الكبيرُ صغيرةً ممن تؤمر بالصلاة، فهل تغتسل الصغيرة، أو لا (٢)؟ قولان.
فلو جامع فيما دون الفرج، فأنزل، فوصل الماء إليه، فإن أنزلت وجب الغسل، وإن لم تنزل، ولم تلتذَّ، لم يجب، وإن التذَّت، ولم يظهر منها إنزال، فقولان:
وجوب الغسل؛ لأن التذاذها قد يحصل به (٣) الإنزال، ولا يبرز، وغالب حالها الإنزال عند ذلك.
قال الشيخ أبو إسحق: وهو الاختيار؛ للاحتياط (٤).
قال القاضي أبو الوليد: وهو عندي قول مالك.
والقول الثاني: نفيُ الغسل، وهو تأويلُ قول ابن القاسم عن مالك، والله أعلم (٥).
وَفِي لَفْظٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثاً (١).
قال ﷺ : الرجل (٢) الذي قال: مايكفيني: هو الحسنُ بن محمدِ ابن عليِّ بن أبي طالب أبوه (٣) ابن الحنفية.
* * *
стр. 484
* التعريف:
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المدني، كنيته أبو جعفر كما ذُكر، سمع جابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي رافع، وسعيد بن المسيب.
روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، ومخول بن راشد (١)، ومعمر ابن يحيى، وابنه جعفر، والأوزاعيُّ، وعمرو بن دينار.
مات سنة أربعَ عشرةَ ومئة، وهو يومئذ ابن ثلاث وسبعين، وقيل: ابن ثمان وخمسين سنة، تابعي، أخرج حديثه في الصحيحين، ﵁ (٢).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الجمهور على عدم التحديد في الوضوء والغسل، وإنما ذلك على حسب حال المستعمِل، وعادته في الاستعمال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فأمر بالغسل مطلقًا، ولم يقيده بمقدار معين، وعلى نحو ذلك روي: أنه ﷺ قال: «لا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ حَتَّى يَغْسِلَ
стр. 485
وَجْهَهُ وَبَدَنَهُ»، الحديث. ولم يعلِّقه بحدِّ،
وروي: أن الرجال والنساء كانوا يغتسلون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد، وهذا يفيد سقوط التحديد؛ إذ الحدُّ لا يثبت في ذلك إلا من الشرع، وليس في ذلك شرع؛ ولأنه لو كان في ذلك حد لا يجزئ دونه، للزم منه الحرجُ العظيم، والمشقة الشديدة؛ لِمَا عُلم من اختلاف عادات الناس في استعمالهم، وتفاوتها، فمنهم من يكفيه اليسيرُ؛ لاقتصاده ورفقه، واعتدالِ بشرته، ومنهم لا يكفيه إلا الكثير؛ لإسرافه وخرقه، فلو كان في ذلك حدٌّ موقوت، لوجب أن يفارق كل إنسان عادته، وأن يستعمل من يكفيه دون ذلك الحد زيادة على ما يحتاج إليه، وأن يقتصر من لا يتمكن من أداء الواجب إلا بأكثر مما قدر له على ما لا يمكن معه أداء الواجب، وهذا فاسد، فبطل التقدير، لذلك قال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: ومن الناس من حُكي عنه: أنه لا يجوز الاقتصار في الوضوء على أقلَّ من مُدٍّ، وفي الاغتسال على أقلِّ من صاع؛ لورود الخبر بذلك.
(قلت: ظاهرُ كلام القاضي يقتضي أن هذا القول بالتحديد خارج المذهب، وليس كذلك، بل هو منقول في مذهب مالك ﵀
تعالى - (١).
قال: وهذا لا معنى له؛ لأن ذلك إنما ورد على أنه إخبار عن القَدْر الذي كان يكفيه ﷺ ، لا أنه حد لا يجزئ دونه، وإنما قصد به التنبيه على فضيلة الاقتصاد، وتركِ الإسراف.
стр. 486
قلت: وانظر نقل (١) ح الإجماعَ على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر في شرح مسلم له (٢)، مع ما تقدم من نقل الخلاف في ذلك، والله أعلم.
الثاني: الصاع: أربعة أمداد، والمدُّ: رِطلٌ وثلثٌ بالبغدادي، والرطل: مئة وثلاثون درهمًا، أو ثمانية وعشرون وثُلث، فالصاع وزناً: خمسة أرطال وثُلث، هذا المعروف المشهور، وعند الشافعية وجه شاذ: أن الصاع ثمانية أرطال، والمدَّ رطلان (٣).
وقد أُجمع على النهي عن الإسراف في الماء، وإن كان على شاطئ البحر، وهل ذلك على الكراهة أو التحريم؟ الأظهرُ أنه على الكراهة، والله أعلم.
الثالث: قوله: «يكفي»: هو - بفتح الياء -، و «أوفى» يحتمل أن يكون بمعنى: أطولَ، ويحتمل أن يكون بمعنى: أكثرَ، فالأول: يرجع إلى الصفة، والثاني: يرجع إلى الكمية.
وقوله: «وخيراً منك»: هو بالنصب معطوف على (مَنْ) الذي هو مفعول يكفي (٤)، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والله أعلم.
стр. 487
وقوله: «فأَمَّنَا فِي ثوب»: بيان لمشروعية ذلك، وعدم كراهته (١)، وقد قال ﵊ «وَأَيُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟» (٢)، والله
أعلم.
* * *
التيممُ في اللغةً: القصدُ، قال تعالى: ﴿وَلاءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]؛ أي: قاصديه.
وهو في الشرع: القصدُ إلى الأرض، ومسح الوجه واليدين منها (١)، عندنا.
وعند الشافعي: القصدُ إلى التراب الطاهر (٢).
وهو مصدرُ: تَيَمَّمَ؛ كالتعلُّم لتعلَّم.
قال الأزهري: يقال: تَيَمَّمْتُ فُلَاناً، وَيَمَّمْتُهُ، وأَمَّمْتُهُ وَتَأَمَّمْتُهُ إذا قصدتُه، وأصلُه من الأَمِّ، وهو القصدُ (٣).
قال الإمام المازري: ومنه قوله: [الطويل]
سَلِ الرَّبْعَ أَنَّى يَمَّمَتْ أُمُّ أَسْلَمَا ... وَهَلْ عَادَةٌ لِلرَّبْعِ أَنْ يَتَكَلَّمَا (٤)
التعريف: هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبدِ نُهْم - بضم النون وسكون الهاء، وآخره ميم - ابن سالم بن غَضِرَةَ - بالغين
стр. 490
المعجمة والضاد المكسورة - ابن سلول - بالسين المهملة المفتوحة - ابن حُبْشِيَّة - بالحاء المهملة المضمومة، والباء الموحدة الساكنة، والشين المعجمة المكسورة وبعدها ياء باثنتين تحتها مشددة وآخره هاء - ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة، الخزاعيُّ، الكعبي، يكنى: أبا نُجَيْد، بنون مضمومة وجيم مفتوحة.
أسلم عمران بن حصين هو وأبو هريرة (١) عام خيبر، وهي سنة سبع من الهجرة، وكان من فضلاء الصحابة المشهورين.
روي: أنه كان يرى الحفظة، وأنه يسلم عليه بكرة وعشيا، وكان قد سكن البصرة، وكان قاضيا، استقضاه عبد الله بن عامر، فأقام بها أياما، ثم استعفاه فعفاه، ومات بها في سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية.
وكان الحسن البصري يحلف بالله ما قَدِمَهَا -يعني: البصرة- راكبٌ خيرٌ من عمران بن حصين.
وقال محمد بن سيرين: أفضل من بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ عمران بن حصين.
روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وثمانون حديثًا، اتفقا منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة (٢).
стр. 491
روى عنه: أبو رجاء العطاردي، ومضرب، وزرارة بن أوفى، وأبو السوار حسان، وخلق سواهم.
روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والله أعلم (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
بعد مقدمة بين يديه في أحكام التيمم على طريق الاختصار، فنقول وبالله التوفيق.
التيمم ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو خصيصة خص الله تعالى بها هذه الأمة، زادها الله شرفًا.
قال ابن العربي: وفيها حكمتان:
إحداهما: أن طهارتهم الأصلية كانت بالماء، فنقل الله منها -عند عدمِها- إلى التراب الذي هو أصل الخِلْقة؛ لتكون العبادة دائرة بين قوام الحياة، وأصل الخلقة.
الثانية: أن النفس خلقها الله تعالى على جِبِلَّة، وهي أنها كلما
стр. 492
تركت عنه، وأعرضت، كسلت عنه ونفرت، وكلما تمرنت عليه، واعتادت، أنست به، واستمرت عليه، فلو لم يوظف (١) عليها عند عدم الماء حركة في الأعضاء، وإقبال على الطهور (٢)، لكانت عند وجود الماء تبعد عنها العادة، فتشق عليها العبادة، فشرع الله لها ذلك دائما حتى يكون أنسها به قائما، فالخير عادة، والشر لجاجة.
وإذا ثبت أنه قائم مقام الماء، فإنه عامل عمله في إباحة الصلاة، ورفع الحدث؛ فإن الحديث ليس بمعنىً حسيًّ، وإنما هو عبارة عن المنع من الصلاة، فإذا تيمم، وصلى فقد زال المانع، وارتفع حكم الحدث.
قال: وهذا هو مذهب مالك ﵀ الذي لا خلاف فيه، وقد قال بلفظه في كتابه، الذي هو نخبته، ولباب علمه: ولا بأس أن يؤم المتيمم للمتوضئين (٣)؛ لأن المتيمم قد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهرَ منه، ولا أتم (٤) صلاةً (٥). وهذا نص.
فإن قيل: قد قيل: لا يصلي فرضين بتيمم واحد.
قلنا: في ذلك تفصيل مذهبي.
стр. 493
وبالجملة: فيجب أن تعلموا أن الله مدَّ طهارة الماء إلى غاية، وهي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية، وهي وجود الماء، فإذا وجد الماء، ارتفع حكم التيمم، كما إذا وجد الحدث ارتفع حكم الماء.
والذي نقول: إن عليه أن يطلب الماء لكل صلاة، فإن وجده، استعمله، وصلى، وإن لم يجده، بقي على حكم التيمم الأول.
سمعت الإمام الشيخ أبا الحسن السلمي من أصحاب علي بن نصر بن إبراهيم المقدسي يقول: إذا تيمم للصلاة، فالتيمم قربة مبيحة للمحظور، وهو فعل الصلاة، فلا تتعدى إباحتها؛ كالكفارة في الظهار، فقلت له: إنما هو للطهارة، ورفع المانع؛ كالوضوء بالماء، فقال لي: لو كان كالوضوء بالماء، لما لزمه استعمال الماء إذا وجده بالحدث الأول، فقلت له الكلام المتقدم: وهو: أن الله تعالى مد طهارة الماء إلى غاية هي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية هي وجود الماء، وجرى في ذلك كلام كثير، أصله مبين (١) في كتاب النزهة. انتهى.
قلت: وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في حديث: «لَا يَقْبَلُ اللهَ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتىَ يَتوَضَّأَ» بأوعب من هذا.
والتيمُّمُ لا يكون إلا في الوجه واليدين إجماعا، سواء كان عن
стр. 494
حدث أصغر، أو أكبر، سواء يتيمم لكل الأعضاء عندنا، أو بعضها عند من يقول به.
إذا ثبت هذا، فالتيمم يتعلق بخمسة أطراف: من يجوز له من المحدثين التيمم، وشروط جوازه، وصفة التيمم، وما يتيمم به، وما الصلوات التي يتيمم لها، وتؤدَّى به.
أما الطرف الأول: وهو من يجوز له من المحدثين التيمم، فهو: كل محدث حدثًا أدنى أو أعلى، أو أدنى كما تقدم.
وأما الطرف الثاني: وهو شروط جوازه، فشرطان: عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله، فإن وجد بعض ما يكفيه من الماء، لم يلزمه استعماله عندنا، وكان كعادم الجملة، وعّلل ذلك أصحابنا: بأن فيه جمعا بين البدل والمبدل منه، وذلك لا يجوز، ولا يجب؛
كصيام بعض الشهرين، وإعتاق بعض الرقبة؛ لأن الله تعالى أوجب الوضوء على المحدث، والغسل على الجنب، ثم نقلنا عند تعذر الماء إلى التيمم، فمن أوجب الجمع بينهما، فقد وضع شرعا مخالفًا للقرآن؛ ولأن الشافعي وافقنا على أن واجد بعض الرقبة لا يعتق ما وجد، ويصوم، وأدلتنا على هذه المسألة مبسوطة في كتب الفقه، وهذا إنما يمشي إذا ثبت أن التيمم بدل من الوضوء، وإلا، فقد ذكر عبد الحق في تهذيب الطالب عن بعض المتأخرين: أنه قال: لا أقول إن التيمم بدل، وإنما أقول: إنه عبادة مستأنفة.
стр. 495
قال: وأراه إنما قال ذلك؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل منه، ويسد مسده في كل الأحوال، والتيمم لا يقوم مقام الطهارة بالماء، ولا يسد مسدها في كل الأحوال؛ لأنه لا يصلَّى به صلوات، ولا يرفع حدثًا، فهو بخلاف الطهارة بالماء، وإن كان قد تستباح به الصلاة كما تستباح بالطهارة بالماء، فهو بخلافها فيما ذكرنا، فامتنع لذلك أن نسميه بدلاً. انتهى (١).
وهو بخلاف خصال الكفارة، فإن كل واحدة تسد مسد الأخرى على الإطلاق، فلا شبه (٢) بينهما، أعني: التيمم، وما قيس عليه من خصال الكفارة، على هذا التقدير، وإن قلنا: إن التيمم بدل من الوضوء، فالظاهر اعتدال القياس، والله أعلم.
وأما الطرف الثالث: في صفة التيمم، فهو: أن يضع يديه على الصعيد، ثم يمسح بهما وجهه كله، ويديه إلى المرفقين على المشهور.
وقيل: إن اقتصر على مسحهما إلى الكوعين، أجزأه.
ع: وقال ابن شهاب: إلى الآباط (٣)، فمن قال: إلى الكوعين، فكأنه بنى على تعليق الحكم بأول الاسم، ويؤيده - أيضا - بحديث