← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

روى عنه: أبو رجاء العطاردي، ومضرب، وزرارة بن أوفى، وأبو السوار حسان، وخلق سواهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والله أعلم (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: بعد مقدمة بين يديه في أحكام التيمم على طريق الاختصار، فنقول وبالله التوفيق. التيمم ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو خصيصة خص الله تعالى بها هذه الأمة، زادها الله شرفًا. قال ابن العربي: وفيها حكمتان: إحداهما: أن طهارتهم الأصلية كانت بالماء، فنقل الله منها -عند عدمِها- إلى التراب الذي هو أصل الخِلْقة؛ لتكون العبادة دائرة بين قوام الحياة، وأصل الخلقة. الثانية: أن النفس خلقها الله تعالى على جِبِلَّة، وهي أنها كلما

стр. 492

تركت عنه، وأعرضت، كسلت عنه ونفرت، وكلما تمرنت عليه، واعتادت، أنست به، واستمرت عليه، فلو لم يوظف (١) عليها عند عدم الماء حركة في الأعضاء، وإقبال على الطهور (٢)، لكانت عند وجود الماء تبعد عنها العادة، فتشق عليها العبادة، فشرع الله لها ذلك دائما حتى يكون أنسها به قائما، فالخير عادة، والشر لجاجة. وإذا ثبت أنه قائم مقام الماء، فإنه عامل عمله في إباحة الصلاة، ورفع الحدث؛ فإن الحديث ليس بمعنىً حسيًّ، وإنما هو عبارة عن المنع من الصلاة، فإذا تيمم، وصلى فقد زال المانع، وارتفع حكم الحدث. قال: وهذا هو مذهب مالك ﵀ الذي لا خلاف فيه، وقد قال بلفظه في كتابه، الذي هو نخبته، ولباب علمه: ولا بأس أن يؤم المتيمم للمتوضئين (٣)؛ لأن المتيمم قد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهرَ منه، ولا أتم (٤) صلاةً (٥). وهذا نص. فإن قيل: قد قيل: لا يصلي فرضين بتيمم واحد. قلنا: في ذلك تفصيل مذهبي.

стр. 493

وبالجملة: فيجب أن تعلموا أن الله مدَّ طهارة الماء إلى غاية، وهي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية، وهي وجود الماء، فإذا وجد الماء، ارتفع حكم التيمم، كما إذا وجد الحدث ارتفع حكم الماء. والذي نقول: إن عليه أن يطلب الماء لكل صلاة، فإن وجده، استعمله، وصلى، وإن لم يجده، بقي على حكم التيمم الأول. سمعت الإمام الشيخ أبا الحسن السلمي من أصحاب علي بن نصر بن إبراهيم المقدسي يقول: إذا تيمم للصلاة، فالتيمم قربة مبيحة للمحظور، وهو فعل الصلاة، فلا تتعدى إباحتها؛ كالكفارة في الظهار، فقلت له: إنما هو للطهارة، ورفع المانع؛ كالوضوء بالماء، فقال لي: لو كان كالوضوء بالماء، لما لزمه استعمال الماء إذا وجده بالحدث الأول، فقلت له الكلام المتقدم: وهو: أن الله تعالى مد طهارة الماء إلى غاية هي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية هي وجود الماء، وجرى في ذلك كلام كثير، أصله مبين (١) في كتاب النزهة. انتهى. قلت: وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في حديث: «لَا يَقْبَلُ اللهَ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتىَ يَتوَضَّأَ» بأوعب من هذا. والتيمُّمُ لا يكون إلا في الوجه واليدين إجماعا، سواء كان عن

стр. 494

حدث أصغر، أو أكبر، سواء يتيمم لكل الأعضاء عندنا، أو بعضها عند من يقول به. إذا ثبت هذا، فالتيمم يتعلق بخمسة أطراف: من يجوز له من المحدثين التيمم، وشروط جوازه، وصفة التيمم، وما يتيمم به، وما الصلوات التي يتيمم لها، وتؤدَّى به. أما الطرف الأول: وهو من يجوز له من المحدثين التيمم، فهو: كل محدث حدثًا أدنى أو أعلى، أو أدنى كما تقدم. وأما الطرف الثاني: وهو شروط جوازه، فشرطان: عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله، فإن وجد بعض ما يكفيه من الماء، لم يلزمه استعماله عندنا، وكان كعادم الجملة، وعّلل ذلك أصحابنا: بأن فيه جمعا بين البدل والمبدل منه، وذلك لا يجوز، ولا يجب؛ كصيام بعض الشهرين، وإعتاق بعض الرقبة؛ لأن الله تعالى أوجب الوضوء على المحدث، والغسل على الجنب، ثم نقلنا عند تعذر الماء إلى التيمم، فمن أوجب الجمع بينهما، فقد وضع شرعا مخالفًا للقرآن؛ ولأن الشافعي وافقنا على أن واجد بعض الرقبة لا يعتق ما وجد، ويصوم، وأدلتنا على هذه المسألة مبسوطة في كتب الفقه، وهذا إنما يمشي إذا ثبت أن التيمم بدل من الوضوء، وإلا، فقد ذكر عبد الحق في تهذيب الطالب عن بعض المتأخرين: أنه قال: لا أقول إن التيمم بدل، وإنما أقول: إنه عبادة مستأنفة.

стр. 495

قال: وأراه إنما قال ذلك؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل منه، ويسد مسده في كل الأحوال، والتيمم لا يقوم مقام الطهارة بالماء، ولا يسد مسدها في كل الأحوال؛ لأنه لا يصلَّى به صلوات، ولا يرفع حدثًا، فهو بخلاف الطهارة بالماء، وإن كان قد تستباح به الصلاة كما تستباح بالطهارة بالماء، فهو بخلافها فيما ذكرنا، فامتنع لذلك أن نسميه بدلاً. انتهى (١). وهو بخلاف خصال الكفارة، فإن كل واحدة تسد مسد الأخرى على الإطلاق، فلا شبه (٢) بينهما، أعني: التيمم، وما قيس عليه من خصال الكفارة، على هذا التقدير، وإن قلنا: إن التيمم بدل من الوضوء، فالظاهر اعتدال القياس، والله أعلم. وأما الطرف الثالث: في صفة التيمم، فهو: أن يضع يديه على الصعيد، ثم يمسح بهما وجهه كله، ويديه إلى المرفقين على المشهور. وقيل: إن اقتصر على مسحهما إلى الكوعين، أجزأه. ع: وقال ابن شهاب: إلى الآباط (٣)، فمن قال: إلى الكوعين، فكأنه بنى على تعليق الحكم بأول الاسم، ويؤيده - أيضا - بحديث

стр. 496

فيه: «وَجْهُكَ وَكَفَّيْكَ» (١). ومن قال: إلى الآباط، بناه على تعليق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذلك أكثر ما ينطلق عليه اسم يد، ويؤكده ما وقع في بعض روايات حديث العقد: أن الراوي قال: فتيممنا إلى الآباط، أو قال: إلى المناكب. وأما من قال: إلى المرافق، فكأنه رده إلى الوضوء لما كان تستباح الصلاة به كما تستباح بالوضوء، والحكم إذا أطلق في شيء، وقيد فيما بينه وبينه مشابهة، اختلف أهل الأصول في رده إليه؛ كهذه المسألة، والعتق في الكفارة على (٢) الظهار، هل يشترط فيها الإيمان، وترد إلى كفارة القتل؟ انتهى (٣). قلت: وقد نقل ح عن أبي سليمان الخطابي: أنه قال: لم يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزمه مسح ما وراء المرفقين (٤). وهذا لا يلتئم مع ما قدمناه من الخلاف في ذلك عن ابن شهاب، فلينظر (٥).

стр. 497

وإذا ثبت هذا، فلا بد من مراعاة الصفة في مسح اليدين على المشهور من مذهبنا، وهي (١): أن يبدأ بيسرى يديه يمسح بها ظاهر اليمنى، مارا إلى المرفق، ثم يعيد على الباطن مارا إلى الكف، وفي اليسرى كذلك. وعلى هذا: هل يمسح كف اليمنى قبل الشروع في اليسرى، أو يشرع فيها إذا وصل إلى الكوع، ثم إذا وصل إليه من الأخرى مسح الكفين بعضهما ببعض؟ قولان لأصحابنا. والمأمور به ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين، فإن اقتصر على ضربة واحدة؛ فالمشهور: لا إعادة عليه في وقت ولا غيره. وقيل: يعيد في الوقت. وقال ابن سيرين: إنه لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة ثانية لكفيه، وثالثة لذراعية، كذا نقله عنه ح، في شرح مسلم (٢). وأما الطرف الرابع، وهو ما يتيمم به: فالمشهور من مذهب مالك -رحمه الله تعالى-: الأرض، وما تصاعد عليها، مما لا ينفك عنها غالبا، فيجزئ عندنا التيمم على الحجر الصَّلْد، والرمل، والسِّباخ، والنورة، والزرنيخ، وجميع أجزاء الأرض، ما دامت على جهتها، ما لم

стр. 498

تغيرها صنعة آدمي بطبخ وغيره (١)، سواء فعل ذلك مع وجود التراب، أو مع عدمه. وقيل: لا يجزئ بغير التراب مطلقًا كما يقوله الشافعي. وخصص ابن حبيب من أصحابنا الإجزاء بعدم التراب. واختلف أصحابنا في التيمم على الثلج والملح والحشيش (٢). ع: والحجة للقولة (٣) المشهورة عن مالك: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، والصعيد ينطلق على الأرض، وقوله ﷺ : «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً» (٤). ويحتج الشافعي، والقولة الشاذة عندنا: بما وقع في أحد (٥) طرق هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : «وَتُرَابُهَا طَهُوراً» (٦)، فذكر التراب (٧). وأما الطرف الخامس، وهو ما يتيمم له: فقال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: كلُّ قُربة لزم التطهيرُ لها بالماء؛ كالصلوات كلها،

стр. 499

ومس المصحف، وغسل الميت، ولا يكاد يتصور في الطواف إلا لمريض، انتهى. قيل: وإنما قال: كل قُربة، ولم يقل: كل ما لزم التطهير له مطلقًا؛ لئلا يدخل فيه وطء الحائض إذا انقطع دمُها؛ لأن الاغتسال له واجب إذا أراد الزوج وطأها، ومع ذلك، لا يتيمم له، وأظن هذا أيضا كلامه، والله أعلم. وهذا ما أردنا من المقدمة. وأما الوجوه، فالأول: المعتزل، المنفرد عن القوم المتنحي (١) عنهم. قال الجوهري: اعتزلَهُ، وتَعَزَّلَهُ بمعنى. قلت: وانعزل أيضا في غير المتعدِّي. والاسم العزلة، يقال: العزلةُ عبادةٌ (٢). واعتزالُه عن القوم استعمالٌ للأدب (٣) والسنة في ترك جلوس الإنسان عند المصلين إذا لم يصلِّ معهم. فإن قلت: لم قال ﷺ للرجل الآخر الذي وجده جالسا: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟» (٤) وهذا إنكار

стр. 500

لهذه الصورة (١)، وقال لهذا: «يَا فُلَانُ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟»، وهذا كلام لا إنكار فيه، بل فيه حسن الملاطفة والرفق، حتى أخرج كلامه ﵊ له في معرض السؤال عن السبب المقتضي للترك خاصةً من غير لفظٍ يُشعر بإنكارٍ ما ولا إغلاظ، بخلاف الأول. قلت: الرجل الذي أنكر عليه ﷺ -كان في الحَضَر في المسجد، والذي لم (٢) ينكر عليه كان في السفر؛ لأن هذا هو حديث ال وادي، والمصنف لم يورده على الوجه بكماله من بعض الروايات، والسفر مظنة الأعذار؛ من إعواز الماء وغيره، فهو أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر. الثاني: فلان وفلانة: كناية عن الأعلام، ولذلك لا يثنيان، ولا يجمعان من حيث كان الاسم لا يثنى ولا يجمع إلا بعد التنكير (٣)، وهناه: كنايةٌ عن النكرات، والظاهر أنه ﵊

стр. 501

خاطب الرجل بلفظ: يا فلان! ويحتمل أن يكون خاطبه باسمه، ولكن الراوي كَنَّى عنه، إما لأنه نسي اسمه، أو لأمر آخر. الثالث: قوله ﵊: «ما منعك أن تصلي في القوم؟» وقد روي: «مَعَ القَوْمِ»، ومعنى الحرفين مختلف، فإن (في) للظرفية، فكأنه جعل اجتماع القوم ظرفاً خرج منه هذا الرجل، و (مع) وإن كانت ظرفًا، لكن فيها معنى المصاحبة، فكأنه قال: ما منعك أن تصحبهم في فعلهم؟ تنبيه: وقولي: إن (مع) ظرف -أعني: المفتوحة العين-، وأما الساكنة العين، فهي حرف على رأي، والأكثرون على أنها اسم مطلقًا؛ لأن الخليل حكى: جئتُ مِنْ مَعَه، فأدخلوا عليها حرف الجر، وقالوا: جئنا معاً، فنونوا. قال بعضهم، وما يبعد في الإسكان تقوية الحرفية؛ لأنها إذا كانت اسماً مع الإسكان، فقد أسكن المنصوب، ولم يقل به أحد، وإذا قلنا: إنها ظرف، فهي ظرف مكان؛ بدليل وقوعها خبرا عن الجثث في نحو قولنا: زيدٌ مع بَكْر، وظروف الزمان لا تكون إخبارا عن الجثث، فاعرفه. الرابع: قال الجوهري: القوْمُ: الرجال دون النساء، لا واحدَ له من لفظه. قال زهير: [الوافر] وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ

стр. 502

وقال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، ثم قال (١): ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء، وجمعُ القوم: أقوام، وجمعُ الجمع: أقاوم. قال أبو صخر: فَإِنْ يَعْذِرِ القَلْبُ العَشِيَّةَ فِي الصَّبا ... فُؤَادَكَ لا يَعْذِرْكَ فِيهِ الأَقَاوِمُ عنى بالقلب: العقل. وقال ابن السَّكّيت: يقال: أقايِم (٢)، وأقَاوِم. والقوم يذكر: ويؤنث؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كان للآدميين، يذكر ويؤنث؛ مثل: رَهْط، ونَفَر، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦]، فذكّر، وقال: ﴿كَذَّبِتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، فأنث، فإن صُغِّرَتْ، لم يدخل فيها الهاء، وقلت: قُوَيْم، ورُهَيْط، ونُفَير، وإنما يلحق التأنيث فعله، وتدخل الهاء فيما يكون لغير الآدميين؛ مثل: الإبل، والغنم؛ لأن التأنيث لازم له، وأما جمع التكسير مثل، جِمال ومساجد، فإن ذكّر وأنث، فإنما تريد الجمعَ إذا ذَكَّرت، والجماعةَ إذا أَنثت (٣)، انتهى (٤).

стр. 503

الخامس: ق: في شرح الإلمام في هذا الحديث: فيه: الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ؛ لأن هذا المعتزل عن الناس لأجل الجنابة، مع احتمال الحال لوجوه عديدة، وتعينه (١) لبعضها طريقه الاجتهاد، فإنه يحتمل أن يكون لأنه لا يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن الجنب لا يتيمم، وإن تيمم المحدث كما نقل عن بعض الصحابة، ثم إذا لم يتيمم، كان كمن عدم الماء والصعيد، فاحتمل أن يصلي ويقضي، ويصلي ولا يقضي، ولا يصلي ويقضي، ولا يصلي ولا يقضي، كما اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يتعلق بالقضاء لا يعلم لما اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، ويقع احتماله التيمم مع احتماله للتيمم وعدمه، وتعيين المحتملات طريقه الاجتهاد، ولأنه عمل على كونه لم يكن التيمم مشروعا؛ فإن (٢) ذلك قبل نزول الآية؛ لأن (٣) قوله ﵊: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» دليل على تقدم مشروعية التيمم على هذا القول؛ لأن مشروعية التيمم لم تعلم إلا بالآية ونزولها، فالحكم بمقتضاها يقتضي تقدمها، وأخص من هذا: الاجتهاد بحضرة رسول الله ﷺ ، مع إمكان مَنْ يُفتيه (٤).

стр. 504

السادس: قوله: «أصابتني جنابةٌ، ولا ماءَ»: لا ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد أن المحدث (١) لا يتيمم؛ لأن مشروعية التيمم كانت متقدمة على زمن إسلام عمران بن حصين (٢) راوي هذا الحديث - كما تقدم -؛ فإنه أسلم عام خيبر، ومشروعية التيمم كانت قبل ذلك في غزاة المريسيع، وهي (٣) واقعة مشهورة، وإنما ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد أن الجنب لا يتيمم، كما ذكر عن عمر، وابن مسعود ﵄، وتكون الملامسة المذكورة في قوله -تعالى-: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، عندهم -أعني: عند من شك في تيمم الجنب -محمولة على غير الجماع؛ لأنهم لو حملوها على الجماع، لكان تيمم الجنب مأخوذًا (٤) من الآية، فلم يقع لهم شك في تيمم الجنب، إلا أن يكون هذا الرجل لم يبلغه نزول الآية، فيحمل على أنه لم يعلم مشروعية التيمم، وفيه بعد، والله أعلم (٥). وقوله: «ولا ماءَ»: هو بفتح الهمزة: اسم لا مبني معها، والخبر محذوف، أي: لا ماء معي، أو عندي، أو موجود، أو نحو ذلك. ق: وفي حذفه بسطٌ لعذره؛ لما فيه من عموم النفي، كأنه نفى

стр. 505

وجود الماء بالكلية؛ بحيث لو وجد بسبب، أو سعي، أو غير ذلك، لحصله، فإذا نفي وجوده مطلقًا، كان أبلغ في النفي، وأعذر له. قال: وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة في تقديرهم في قولنا: لا إله إلا الله: لنا، أو في الوجود، وقال: إن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة؛ فإنها إذا نفيت مقيدة، كان ذلك دليلاً على سلب الماهية مع القيد، وإذا نفيت غير مقيدة، كان نفيا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة (١)، انتفت مع كل قيد، أما إذا نفيت مقيدة بقيد مخصوص، لم يلزم نفيها مع قيد آخر، هذا، أو معناه (٢). قلت: وفي هذا الإنكار عندي نظر، فإن قولن: لا إله في الوجود إلا الله، يستلزم نفي كل إله غير الله تعالى قطعا، فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة، وقد قدره (٣) ابن عطية: لا إله (٤) معبودٌ، أو موجودٌ (٥)، وهو قريب مما تقدم، أو هو هو من حيث المعنى، ولا معنى لهذا الإنكار، وليت شعري ما يقدِّرُ هذا المنكِرُ فيه؛ إذ لا بد من تقدير الخبر، وإلا، أدى ذلك إلى خرم قاعدة عربية مجمَع عليها.

стр. 506

السابع: قوله ﵊: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (١). قال الأزهري: الصعيد في كلام العرب على وجوه: فالتراب الذي على وجه الأرض يسمى صعيدا، ووجه الأرض يسمى صعيدا، والطريق يسمى صعيدا. قال: وقد قال بعض الفقهاء: الصعيد: وجه الأرض، سواء كان عليه التراب، أو لم يكن، ويرى التيمم بوجه الصفاة الملساء جائزا، وإن لم يكن عليها ترابٌ إذا تمسح بها للتيمم، وسمي وجه الأرض صعيدا؛ لأنه صعد على الأرض. ومذهب أكثر الفقهاء أن الصعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]: أنه التراب الطاهر، وجد على وجه الأرض، أو أخرج من باطنها، ومنه قوله : ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، انتهى (٢). ق: في شرح الإلمام: قوله ﵊: «عليك بالصعيد» يحتمل أن تكون الألف واللام فيه للعهد؛ إذ هاهنا صعيد معهود، وهو المكان الذي هم فيه، ويحتمل أن تكون للجنس، فإذا حمل على العهد، دل على جواز التيمم بما هو صعيد حينئذ بذلك المكان، ولا دليل لنا على تعين ذلك الصعيد، مما اختلف فيه من

стр. 507

المسائل، ولا يمكن الاستدلال بهذا عليه. وإن حمل على الجنس، رجع الحال إلى معرفة ما يسمى صعيدا، ويكون الحديث كالآية سواء في أخذ حكم التيمم منه، ولا شك في تناول اللفظ لذلك الصعيد، إما بخصوصه، أو بعمومه. قلت: فتحصيل هذه المسألة: أن ما يتيمم به على ثلاثة أقسام: جائز باتفاق: وهو التراب المنبت الطاهر. ومقابله، وهو التراب النجس. والثالث: مختلف فيه، وهو ما كان طاهرا ليس بتراب؛ كالرمل، والحجر، والجِصِّ، والنورة، ونحو ذلك مما تقدم ذكره، والله أعلم. الثامن: في الحديث دليل صريح على جواز تيمم الجنب، ولم يختلف الفقهاء في ذلك، إلا أنه روي عن عمر، وابن مسعود ﵄: أنهما منعا تيمم الجنب، وقيل: إن بعض التابعين وافقهما، وأظنه الحسن، وقيل: إنهما رجعا عن ذلك. ق: وكأن سبب التردد ما أشرنا إليه من حمل الملامسة على غير الجماع، مع عدم وجود دليل عندهم على جوازه، والله أعلم (١). التاسع: فيما اشتمل عليه الحديث من الفوائد، وذلك مسائل: الأولى: أن على العالم إذا رأى من فعل فعلاً يحتمل أن يسوغ، ويحتمل ألا يسوغ: أن يسأله؛ ليتبين حاله.

стр. 508

الثانية: فيه أن انفراد الإنسان بحضرة المصلين أمر معفي على صاحبه. الثالثة: فيه حسن الملاطفة والرفق في إنكار ما هو منكر، أو محتمل لما هو منكر؛ لإخراجه ﵊ كلامه في معرض السؤال عن السبب المقتضي للترك، على ما تقدم تقريره. الرابعة: فيه أمر الصلاة جماعة. الخامسة: فيه ذكر إبداء العذر لنفي اللوم. السادسة: هذه اللفظة قد تدل على أن الذي عرض للمنعزل هو اعتقاد أن التيمم ليس سائغا للجنب؛ لأنه ﵊ أحاله على الصعيد من غير بيان للتعبد بما يفعله فيه، وصفة تيممه به، ولم يزد على قوله: «عليك بالصعيد»، هذا هو الظاهر من اللفظ، ولو كان غير عالم بكيفية التيمم، وصفة العمل فيه، لوجب بيانه، واحتمال بيانه من غير أن ينفك البيان خلاف ما دل عليه ظاهر اللفظ. السابعة: فيه الاكتفاء في البيان الأحكام الشرعية بما يحصل به المقصود من الإفهام، دون تعيين ما هو صريح في البيان غير محتمل لشيء آخر؛ لقوله ﵊: «عليك بالصعيد». الثامنة: فيه دليل على اعتبار ما دلت عليه القرائن من فهم المقصود في العام والمطلق، إذا اقتضت القرائن تخصيصا أو تقييدا (١)؛ فإن قوله ﵊: «عليك بالصعيد؛ فإنه

стр. 509

يكفيك» لا بد أن يفهم منه: فإنه يكفيك في هذه الحالة، أو في مثل هذه الحالة، ولا يؤخذ (١) منه إطلاق الكفاية، بل يتقيد بما يوجد فيه الشرط، والركن في التيمم. التاسعة: قد يؤخذ من قوله ﵊: «فإنه يكفيك» دليل على عدم القضاء للمسافر المتيمم (٢). العاشرة: في الحديث: الجريان على سنة العادة التي أجراها الله تعالى في خلقه، وعدم التوقف لأجل انخراقها، وأن ذلك غير منعي، ولا ناقص في التوكل، والتوحيد يحرك نظرا كثيرا في مسائل التوكل، والاقتضاب، وما ينافي التوكل في المباشرات للأسباب، وما لا (٣) ينافيه، وله موضع آخر، إلا أن الذي يحتاج إليه هاهنا: هو أن مثل هذا السبب غير مناف، والله أعلِمَ. ولتعلم: أن أكثر هذه الفوائد العشر من كلام ق في شرح الإلمام (٤)، غير أني لخصت بعضها من حيث العبارة خاصة، والله الموفق. * * *

стр. 510

الحديث الثاني ٣٧ - عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ , فَأَجْنَبْتُ , فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ؛ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ , ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ: «إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً , ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ , وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ (١).

стр. 511

* التعريف: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، العنسيُّ، ثم المذحجيُّ، يكنى: أبا اليقظان حليف لبني مخزوم بن يقظة. قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: وممن شهد بدرا عمار بن ياسر. وقال الواقديُّ، وطائفة من أهل (١) العلم بالنسب والخبر: إن ياسرا أبا عمار بن ياسر عربيٌّ قحطاني، مذحجي، من عنس (٢) بن مذحج، إلا أن ابنه عمارا مولى لبني مخزوم؛ لأن أباه ياسرا تزوج أمة لبعض بني مخزوم، فولدت له عمارا، وذلك أن ياسرا والد عمار قدم

стр. 512

مكة مع أخوين له يقال لهما: الحارث، ومالك، في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزوجه أبو حذيفة أمةً له، يقال لها: سمية، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، فمن هنا هو عمار، مولى لبني مخزوم، وأبوه عربي كما ذكرنا، قال ابن عبد البر: لا يختلفون في ذلك. قال أبو عمر: كان عمار وأمه سمية ممن عذب في الله ، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه، واطمأن بالإيمان قلبه، فنزلت فيه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهاجر إلى أرض الحبشة، وصلى القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين، ثم شهد بدرا، والمشاهد كلها، وأبلى ببدر إبلاءً حسنا، ثم شهد اليمامة، فأبلى فيها أيضا، ويومئذ قُطعت أذنه. وكان -فيما ذكر الواقدي- طويلاً، أشهل، بعيدَ ما بين المنكبين. زاد غيره: آدم اللون، أصلع، في مقدم رأسه شعرات، وفي مؤخره شعرات، مجدع الأنف. قال ابن عبد البر: روى سفيان، عن قابوس أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قال: عمار بن ياسر، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قال: أبو

стр. 513

جهل بن هشام. وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ عَمَارًا مُلِئَ إِيماناً إِلىَ مُشَاشِهِ» (١). ومن حديث خالد بن الوليد: أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا، فَقَدْ (٢) أَبْغَضَهُ اللهُ»، قال خالد: فما زلتُ أحبه من يومئذ (٣). وروى عنه ﷺ : أنه قال: «اشْتَاقَتِ الجَنَّةُ إِلَى عَمَّارٍ، وَسَلْمَانَ، وَبِلَالٍ» (٤). وجاء عمار يستأذن على رسول الله ﷺ يوماً، فقال: «مَرْحَبَا باِلطَّيِّبِ المُطَيِّبِ، ائْذَنُوا لَهُ» (٥).

стр. 514

قلت: وفي هذا فائدة أخرى (١)، وهو أن يقال: مرحبا؛ للغائب عنك. وروى الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: ما من أحد من أصحاب النبي ﷺ أشاء أن أقول فيه إلا قلت، إلا عمار بن ياسر؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول-: «ملئ عمار إيمانا حتى أخمص قدميه». وقال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا مع علي صفين في ثمان مئة ممن بايع بيعة الرضوان، قُتل منا ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر، لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد ﵊ يتبعونه كأنه علم لهم، وسمعت عمارا يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم! تقدم، الجنة تحت الأبارقة، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، والله! لو هزمونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر، لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، ثم قال: نحن ضربناكم على تنزيله .. فاليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل (٢) الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق إلى سبي له

стр. 515

قال: فلم أر أصحاب محمد ﷺ قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ. وقال ابن مسعود وطائفة لحذيفة حين احتضر، وقد ذكر الفتنة: إذا اختلف الناس بمن تأمرنا؟ قال: عليكم بابن سمية؛ فإنه لن يفارق الحق حتى يموت، أو قال: فإنه يزول مع الحق حيثما زال. وبعضهم يرفع هذا الحديث. قُتل مع علي ﵁ بصفين، وسنه ثلاث وتسعون سنة، سنة سبع وثلاثين. روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وستون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد. روى له الجماعة (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: يقال: (بعثه)، وابتعثه بمعنى؛ أي: أرسله، فانبعث،

стр. 516

فهو من المطاوع، ومنه: بعثت الناقة أثرتها (١)، وبعثه من منامه؛ أي: أهبه، وبعث الله (٢) الموتى؛ أي: نشرهم ليوم البعث، وأبعث في السير: أسرع فيه (٣). الثاني: (الحاجة) معروفة. قال الجوهري، والجمع (٤) حاج، وحاجات، وحِوَجٌ، وحوائج، على غير قياس، كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكره، ويقول: هو موّلد، وإنما أنكره؛ لخروجه (٥) عن القياس، وإلا، فهو كثير في كلام العرب، والحَوْجاء: الحاجة، يقال: ما في صدري به حوجاء ولا لَوْجاء، ولا شك، ولا مرية، بمعنى واحد (٦). الثالث: قوله: «فأجنبت»: قد تقدم أنه يقال: جَنَبَ، وجَنُبُ - بالفتح والضم -، وأجنب - أيضا -. والتمرغ في الشيء: التمعك فيه، ويقال للموضع المتمرغ فيه: متمرغ، ومَراغ، ومَراغة (٧).

стр. 517

وقوله: «كما تمرغ الدابة»: الأصل: تتمرغ، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا، وهو قياس في كل تاءين اجتمعتا في أول الفعل المضارع، بشرط اتحاد حركتهما، فإن اختلفتا، وجب الإثبات، نحو تتغافر الذنوب، وتتواضع الأمة، وشبه ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (١)، [القدر: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾ [النمائدة: ٢]، وهو كثير، وفي الحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به نفوسها، ما لم تكلم أو تعمل» (٢). الرابع: «الدابة) في أصل اللغة: كل ماشٍ على الأرض، وقد أخرجها العرف عن هذا الأصل، فاستعملها أهل العراق في الفرس خاصة، وأهل مصر في الحمار. وقال الجوهري: وقولهم: أكذب من دب ودرج؛ أي: أكذب الأحياء والأموات (٣). الخامس: ق: كأنه استعمال لقياس، لا بد فيه من تقدم العلم بمشروعية (٤) التيمم، وكأنه لما رأى أن الوضوء خاص ببعض

стр. 518

الأعضاء، وكان بدله - وهو التيمم - خاصا، وجب أن يكون بدل الغسل الذي يعم جميع البدن عاما لجميع (١) البدن. قال أبو (٢) محمد بن حزم الظاهري: في هذا الحديث إبطال القياس؛ لأن عمارا قدر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم الغسل للجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله ﷺ ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكم المنصوص عليه فقط. والجواب عما قال: إن الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من بطلان الخاص بطلان العام، والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر، وهو أن الأصل الذي هو الوضوء قد ألغي فيه مساواة البدل له؛ فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء، فصار مساواة البدل للأصل ملغى في محل النص، وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع. بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلاً على صحة أصل القياس؛ فإن قوله ﵊: «إنما يكفيك» كذا وكذا، يدل على أنه لو كان فعله، لكفاه، وذلك دليل على صحة قولنا: لو كان فعله، لكان مصيبا، ولو كان فعله، لكان قائسا التيمم على الجنابة، للتيمم على الوضوء، على تقدير أن يكون (٣) اللمس المذكور

стр. 519

في الآية ليس هو الجماع؛ لأنه لو كان عند عمار هو الجماع، لكان حكم التيمم مبينا في الآية، فلم يكن (١) يحتاج إلى أن يتمرغ، فإذن فعله ذلك يتضمن (٢) اعتقاد كونه ليس عاملاً بالنص (٣)، بل بالقياس (٤)، وحكم النبي ﷺ بأنه كان يكفيه التيمم على الصورة المذكورة، مع ما بينا من كونه فعل ذلك لفعله بالقياس عنده [لا] بالنص (٥). قلت: وهذا من مستحسنات بحثه رحمه الله تعالى. السادس: قوله ﵊: «أن تقول كذا بيديك» (٦)؛ أي: أن تفعل، فأطلق القول على الفعل مجازا. وقيل (٧): إن العرب أطلقت القول في كل فعل. السابع: قوله: «ثم ضرب بيديه (٨) الأرض ضربة واحدة» دليل على المشهور من مذهب مالك، وهو الإعادة في الوقت عند الاقتصار

стр. 520

على ضربة واحدة؛ لأن الإعادة في الوقت دليل على إجزاء الفعل إذا وقع ظاهرا، ولا يعيده (١)، وقد تقدم ذكر، الخلاف في ذلك في الحديث الأول، وإن كان ورد في حديث آخر: ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين (٢)، قالوا: إلا أنه لا يقاوم هذا الحديث في الصحة، ولا يعارض مثله بمثله. الثامن: قوله: «ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه»: قدم في اللفظ مسح اليدين على مسح الوجه؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد جاء في غير هذه الرواية: «ثم مسح وجهه» (٣)؛ يعني بعد اليدين، و (ثم) للترتيب، فاستدل (٤) بذلك على أن ترتيب اليدين على الوجه ليس بواجب؛ لأنه إذا ثبت ذلك في التيمم، ثبت في الوضوء ضرورة عدم القائل بالفرق بينهما، فاعرفه (٥). التاسع: قوله: «وظاهر كفيه» دليل على الاجتزاء بالكفين، وقد تقدم تقرير الخلاف في المسألة، وتوجيه كل قول بما يغني عن الإعادة. العاشر: فيه: أن [على] من أرسل في أمر عظيم أن يتحفظ

стр. 521

ويتثبت، ولا يشهر ما أرسل فيه إلا إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فعل عمار حيث قال: أرسلني النبي ﷺ في حاجة، ولم يقل: في كذا، فيصرح بما أرسل فيه (١). وفيه من الفقه: أن المتأول المجتهد لا إعادة عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر عمارا بالإعادة، وإن كان قد أخطأ في اجتهاده؛ لأنه إنما ترك هيئة الطهارة (٢). * * *

стр. 522

الحديث الثالث ٣٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ , وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، فَلْيُصَلِّ , وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ, وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي , وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ, وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» (١).

стр. 523

* التعريف: جابر بن عبد الله (١) بن حرام (٢) بن عمرو بن سواد بن سلمة، ويقال: جابر بن عبد الله بن عمر (٣) بن حرام، ولا بد منه. ومن قال في نسبه: عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سلمة، فليس بصحيح؛ إذ ليس في بني سلمة لصلبه سواد، إنما سواد في عقبه، هو سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، والله أعلِم. وهو أنصاري، سلمي، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو طلحة، والأول أصح. وأمه أنيسة بنت غنمة بن عدي بن سنان، أسلمت، وبايعت (٤)، ذكرها ابن سعد في النساء الصحابيات. قدم جابر الشام ومصر، وكان من سكان المدينة، وأبوه عبد الله عَقَبي بدري أحدي، وشهد جابر العقبة الثانية مع أبيه صغيرا، ولم يشهد الأولى، وذكره بعضهم في البدريين، ولا يصح؛ لأنه روي عنه: أنه قال: لم أشهد بدرا، ولا أحدا، منعني أبي، فلما قُتل أبي،

стр. 524

لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط، أخرجه مسلم في «صحيحه» (١). وذكر البخاري: أنه كان ينقل الماء يوم بدر (٢)، فيحتمل أنه كان شهدها وهو صغير بحيث إنه لم يعد من البدريين، ويكون ذلك جمعا بين القولين. وذكر ابن الكلبي: أنه شهد أحدا، ولعله كالأول. وروى عنه [أبو] الزبير: أنه قال: غزا رسول الله ﷺ بنفسه إحدى وعشرين غزوة، شهدت معه منها تسع عشرة غزوة (٣)، فيحتمل أنه لم يحتسب ببدر وأحد؛ لأنه لم يحضرهما، أو لكونه صغيرا، والله أعلِم. وكان من الحفاظ المكثرين في الرواية، وممن طال عمره حتى اتسع الأخذ منه (٤)، وعمي في آخر عمره، ومات وهو ابن أربع وتسعين سنة، واختلف في وفاته، فقيل: في سنة ثلاث وسبعين، وقيل: أربع، وقيل: (٥) ثمان، وقيل: (٦) تسع وسبعين، وقيل: ثمان وستين بالمدينة،

стр. 525

وصلى عليه أبان بن عثمان ابن عفان ﵄، وهو أميرها، ويقال: إنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة ﵁ (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: «نصرت بالرعب»: قال ابن فارس في «مجمله»: النصر: العون، وانتصر الرجل: انتقم، والنصر: الإتيان، يقال: نصرت أرض بني فلان: أتيتها، والنصر: المطر، يقال: نُصرت الأرض، أي: مطرت، والنصر: العطاء، قال (٢): [الرجز]

стр. 526

إنِّي وَأَسْطارٍ سُطِرْنا سَطْرًا ... لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرًا (١) انتهى (٢). وهو مصدر، والاسم: النصرة. وأما الرعب: فهو الخوف والوجل مما يحاذر في المستقبل، يقال منه: رعبته، فهو مرعوب: إذا فزعته، ولا يقال: أرعبته (٣). وهذا الرعب - والله أعلم - هو الذي ألقاه الله تعالى في قلوب الكفار في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦]. الثاني: ق: الخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث متقيدة بهذا القدر من الزمان، ويفهم منه أمران: أحدهما: أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه المسافة. والثاني: أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها؛ فإنه مذكور في سياق الفضائل والخصائص، ومناسبته (٤) أن لا تذكر الغاية فيه. وأيضا: فإنه لو وجد أكثر من هذه المسافة لغيره، لحصل الاشتراك (٥)

стр. 527

في الرعب في هذه المسافة، وذلك ينفي الخصوصية، انتهى (١). قلت: وانظر هل كان ذلك مختصا به في نفسه ﷺ ؛ حتى لو لم يكن هو في معسكر قوم أرسلهم -مثلاً- لم يسبقهم الرعب إلى قلوب أعدائهم، أو ذلك له ولأمته على الإطلاق؟ والظاهر: الأول، وإن كان في بعض الأحاديث: «والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا»: ذكره أحمد بن حنبل في «مسنده» (٢)، فإن صح، ففيه نظر؛ لأن الواقع قد لا يكون كذلك، فإنا نرى من العساكر القوية الشوكة من لا يسبقهم الرعب، فانظر علام يحمل ذلك إن صح الحديث؟ وبالله التوفيق. الثالث: قوله ﵊: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»: قد تقدم أنه يقال: مسجد، ومسجَد - بكسر الجيم وفتحها -، وقيل: بالفتح اسم لمكان السجود، وبالكسر اسم للموضع (٣) المتخذ مسجدا، هذا أصله في اللغة. وأما في العرف، فينطلق على الموضع المبني للصلاة التي السجود منها.

стр. 528

والذي ينبغي أن يحمل عليه في الحديث الوضع اللغوي دون الاصطلاحي، وهو موضع السجود في أي مكان كان؛ أي: جعلت الأرض كلها موضع سجود، ولا (١) يختص السجود منها بمكان دون غيره. ق ق: ويجوز أن يجعل مجازا عن المكان المبني للصلاة؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها، كانت كالمسجد (٢) في ذلك، فأطلاق (٣) اسمه عليها من مجاز التشبيه. والذي يقرب هذا التأويل: أن الظاهر أنه إنما أريد: أنها موضع للصلاة بجملتها، لا للسجود فقط منها؛ لأنه لم ينقل أن الأمم الماضية كانت تخص السجود وحده بموضع دون موضع (٤). قلت: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل، من حيث كان موضع السجود بعضا للمسجد العرفي، والله أعلم. الرابع: قوله ﵊: «وطهورا»: ينبغي أن تعلم أن (فعولاً) المشتق في الكلام؛ إما للمبالغة، وإما لغيرها، فالذي للمبالغة شرطه أن يكون زائدا على معنى فاعل مع مساواته له فيما له من تعد ولزوم؛ كضروب بالنسبة إلى ضارب، وولوج بالنسبة إلى والج.

стр. 529

والذي لغير المبالغة إما بنية مفتتحة دالة على معنى فاعل، مغنية عنه، نحو: عقوق، وحصور للناقة الضيقة الإحليل، وهي التي ضاق مجرى لبنها من ضرعها، وإما دالة على ما يفعل به الشيء؛ كرقوء، وهو ما يرقأ به الدم؛ أي: ينقطع، وأشباهه. فطهور في الحديث من القسم الأول، وهو الذي للمبالغة، فهو معنى: مطهر؛ لأنه ﷺ ذكره في معرض الخصوصية، ولو كان بمعنى: طاهر (١)، لم تكن فيه خصوصية؛ لأن طهارة الأرض عامة بالنسبة إلى سائر (٢) الأمم. وقد استدل بهذا الحديث على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض - كما تقدم -؛ للعموم الذي في قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، ومن اشترط التراب، استدل بما جاء في الحديث الآخر: «وجعلت تربتها طهورا» (٣)، وهذا خاص، فينبغي (٤) أن يحمل العام عليه؛ كما يحمل المطلق على المقيد، على القول بذلك، وتختص الطهورية بالتراب. واعترض على هذا بوجوه: منها: منع كون التربة مرادفة للتراب، وادعى أن تربة كل مكان:

стр. 530

ما فيه، ترابا كان أو غيره مما يقاربه. ومنها: أنه مفهوم لقب؛ أعني: تعلق الحكم بالتربة، ومفهوم اللقب ضعيف، لم يقل به إلا الدقاق. ق: ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن في الحديث قرينة زائدة على مجرد تعلق الحكم بالتربة، وهي الافتراق (١) في اللفظ بين جعلها مسجدا، وجعل تربتها طهورا، على ما في الحديث، وهذا الافتراق في هذا السياق قد يدل على الاقتران في الحكم، وإلا، لعطف أحدهما على الآخر نسقًا؛ كما في الحديث الذي ذكره المصنف. انتهى. ومنها: أن حديث التربة، لو سلِّم أن مفهومه معمول به، لكان الحديث الآخر يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض، أعني: قوله: «مسجدا وطهورا» بمنطوقه، ودلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم (٢). الخامس: أخذ بعض أصحابنا من هذا الحديث أن لفظ (طهور) يستعمل لا بالنسبة إلى الحدث، ولا الخبث، وقال: إن (٣) الصعيد قد سمي طهورا، وليس بحدث، ولا خبث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، هذا أو معناه، وجعل ذلك جوابا عن استدلال الشافعية على نجاسة فم الكلب بقوله ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل
следующие страницы →