إنِّي وَأَسْطارٍ سُطِرْنا سَطْرًا ... لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرًا (١)
انتهى (٢).
وهو مصدر، والاسم: النصرة.
وأما الرعب: فهو الخوف والوجل مما يحاذر في المستقبل، يقال منه: رعبته، فهو مرعوب: إذا فزعته، ولا يقال: أرعبته (٣).
وهذا الرعب - والله أعلم - هو الذي ألقاه الله تعالى في قلوب الكفار في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦].
الثاني: ق: الخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث متقيدة بهذا القدر من الزمان، ويفهم منه أمران:
أحدهما: أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه المسافة.
والثاني: أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها؛ فإنه مذكور في سياق الفضائل والخصائص، ومناسبته (٤) أن لا تذكر الغاية فيه.
وأيضا: فإنه لو وجد أكثر من هذه المسافة لغيره، لحصل الاشتراك (٥)
стр. 527
في الرعب في هذه المسافة، وذلك ينفي الخصوصية، انتهى (١).
قلت: وانظر هل كان ذلك مختصا به في نفسه ﷺ ؛ حتى لو لم يكن هو في معسكر قوم أرسلهم -مثلاً- لم يسبقهم الرعب إلى قلوب أعدائهم، أو ذلك له ولأمته على الإطلاق؟
والظاهر: الأول، وإن كان في بعض الأحاديث: «والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا»: ذكره أحمد بن حنبل في «مسنده» (٢)، فإن صح، ففيه نظر؛ لأن الواقع قد لا يكون كذلك، فإنا نرى من العساكر القوية الشوكة من لا يسبقهم الرعب، فانظر علام يحمل ذلك إن صح الحديث؟ وبالله التوفيق.
الثالث: قوله ﵊: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»: قد تقدم أنه يقال: مسجد، ومسجَد - بكسر الجيم وفتحها -، وقيل: بالفتح اسم لمكان السجود، وبالكسر اسم للموضع (٣) المتخذ مسجدا، هذا أصله في اللغة.
وأما في العرف، فينطلق على الموضع المبني للصلاة التي السجود منها.
стр. 528
والذي ينبغي أن يحمل عليه في الحديث الوضع اللغوي دون الاصطلاحي، وهو موضع السجود في أي مكان كان؛ أي: جعلت الأرض كلها موضع سجود، ولا (١) يختص السجود منها بمكان دون غيره. ق
ق: ويجوز أن يجعل مجازا عن المكان المبني للصلاة؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها، كانت كالمسجد (٢) في ذلك، فأطلاق (٣) اسمه عليها من مجاز التشبيه.
والذي يقرب هذا التأويل: أن الظاهر أنه إنما أريد: أنها موضع للصلاة بجملتها، لا للسجود فقط منها؛ لأنه لم ينقل أن الأمم الماضية كانت تخص السجود وحده بموضع دون موضع (٤).
قلت: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل، من حيث كان موضع السجود بعضا للمسجد العرفي، والله أعلم.
الرابع: قوله ﵊: «وطهورا»: ينبغي أن تعلم أن (فعولاً) المشتق في الكلام؛ إما للمبالغة، وإما لغيرها، فالذي للمبالغة شرطه أن يكون زائدا على معنى فاعل مع مساواته له فيما له من تعد ولزوم؛ كضروب بالنسبة إلى ضارب، وولوج بالنسبة إلى والج.
стр. 529
والذي لغير المبالغة إما بنية مفتتحة دالة على معنى فاعل، مغنية عنه، نحو: عقوق، وحصور للناقة الضيقة الإحليل، وهي التي ضاق مجرى لبنها من ضرعها، وإما دالة على ما يفعل به الشيء؛ كرقوء، وهو ما يرقأ به الدم؛ أي: ينقطع، وأشباهه.
فطهور في الحديث من القسم الأول، وهو الذي للمبالغة، فهو معنى: مطهر؛ لأنه ﷺ ذكره في معرض الخصوصية، ولو كان بمعنى: طاهر (١)، لم تكن فيه خصوصية؛ لأن طهارة الأرض عامة بالنسبة إلى سائر (٢) الأمم.
وقد استدل بهذا الحديث على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض - كما تقدم -؛ للعموم الذي في قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، ومن اشترط التراب، استدل بما جاء في الحديث الآخر: «وجعلت تربتها طهورا» (٣)، وهذا خاص، فينبغي (٤) أن يحمل العام عليه؛ كما يحمل المطلق على المقيد، على القول بذلك، وتختص الطهورية بالتراب.
واعترض على هذا بوجوه:
منها: منع كون التربة مرادفة للتراب، وادعى أن تربة كل مكان:
стр. 530
ما فيه، ترابا كان أو غيره مما يقاربه.
ومنها: أنه مفهوم لقب؛ أعني: تعلق الحكم بالتربة، ومفهوم اللقب ضعيف، لم يقل به إلا الدقاق.
ق: ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن في الحديث قرينة زائدة على مجرد تعلق الحكم بالتربة، وهي الافتراق (١) في اللفظ بين جعلها مسجدا، وجعل تربتها طهورا، على ما في الحديث، وهذا الافتراق في هذا السياق قد يدل على الاقتران في الحكم، وإلا، لعطف أحدهما على الآخر نسقًا؛ كما في الحديث الذي ذكره المصنف. انتهى.
ومنها: أن حديث التربة، لو سلِّم أن مفهومه معمول به، لكان الحديث الآخر يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض، أعني: قوله: «مسجدا وطهورا» بمنطوقه، ودلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم (٢).
الخامس: أخذ بعض أصحابنا من هذا الحديث أن لفظ (طهور) يستعمل لا بالنسبة إلى الحدث، ولا الخبث، وقال: إن (٣) الصعيد قد سمي طهورا، وليس بحدث، ولا خبث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، هذا أو معناه، وجعل ذلك جوابا عن استدلال الشافعية على نجاسة فم الكلب بقوله ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل
стр. 531
سبعا» (١) حين قال الشافعية: طهور يستعمل إما عن حدث، أو خبث، ولا حدث على الإناء، فتعين أن يكون عن خبث، فمنع هذا الحصر.
وقال: لفظة طهور تستعمل في إباحة الاستعمال؛ كما في التراب؛ إذ لا يرفع الحدث كما قلناه، فيكون قوله ﵊: «طهور إناء أحدكم» مستعملاً في إباحة استعماله؛ أعني: الإناء كما في التيمم (٢).
قلت: ومنه قول الشاعر:
عِذابِ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ (٣)
إذ لا حدث هناك - أيضا -، ولا خبث، فلا حصر إذن، وهذا إنما يتمشى إذا قلنا: بأن التيمم لا يرفع الحدث، وقد تقرر الكلام على هذه المسألة مستوعبا بما يغني عن الإعادة (٤).
السادس: قوله ﵊: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل»: ق: مما يستدل به - أيضا - على عموم التيمم بأجزاء الأرض؛ لأن قوله: «أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة» (٥) صيغة عموم، فيدخل تحته من لم يجد ترابا، ووجد غيره
стр. 532
من أجزاء الأرض، ومن خص التيمم بالتراب يحتاج (١) أن يقيم دليلاً يخص به هذا العموم، أو يقول: دلّ الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول (٢) بذلك، فمن لم يجد ماءً ولا ترابا، صلى على حسب حاله، فأقول بموجب الحديث: إلا أنه قد جاء في رواية أخرى: «فعنده طهوره ومسجده» (٣)، والحديث إذا جمعت طرقه، فسر بعضها بعضا (٤).
السابع: «أي): اسم مبتدأ فيه معنى الشرط، و (ما): زائدة لتوكيد معنى (٥) الشرط، والجملة التي هي «أدركته الصلاة»: في موضع خفض صفة للرجل، والفاء في «فليصل»: جواب للشرط، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره - والله أعلم -: فيما يقص عليكم، أو فيما فرض عليكم «أيما رجل» الحديث، وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿وَالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، وأشباه ذلك على مذهب سيبويه رحمه الله تعالى، فإن قدره (٦): فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم (٧)، كما تقدم.
وقيل: الخبر ما بعده؛ كما تقول: زيد فاضربه، وكأن الفاء زائدة،
стр. 533
فعلى هذا يكون «فليصل» الخبر، لكن فيه بُعد من حيث إن (أيا) شرط صريح يقتضي الجواب، ولا جواب له هنا إلا الفاء، بخلاف الآيتين؛ فإنهما غير صريحتين في الشرط، فتعين الوجه الأول، وهو حذف الخبر، والله أعلم.
الثامن: هذا العموم؛ أعني: عموم قوله ﵊: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» مخصوص بما استثناه الشرع من المواضع التي تحرم الصلاة فيها؛ كالأماكن المغصوبة، ونحو ذلك، أو تكره؛ كالمزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، والحمام؛ حيث لا يوقن منه بطهارة، ومقابر المشركين، وكنائسهم، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه.
التاسع: وجه اختصاصه ﷺ بذلك: أن من كان قبلنا كانوا - على ما قيل - لا يصلون إلا فيما يتيقنون طهارته من الأرض، كالبيع، والكنائس، وخصصنا نحن بجواز الصلاة في جميع بقاع الأرض، إلا ما تيقنا نجاسته (١)، وما ذكر مع النجاسة آنفًا مما استثني.
العاشر: قد يؤخذ من قوله ﷺ : «فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل»: أنه لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت؛ كما هو مذهب الجمهور، وأنه يضعف قول من يقول: إن التيمم يرفع الحدث، وإن كان هو الذي يقوم عليه الدليل من غير هذا الحديث، كما تقدم تقريره.
стр. 534
الحادي عشر: قوله ﷺ : «وأحلت لي الغنائم»: الغنائم: جمع غنيمة، وهي والمغنم بمعنى واحد، يقال منه: غنم القوم غنُما -بالضم- لا غير (١).
قال العلماء: كان الأمم قبلنا على ضربين:
منهم: من لم يحل لأنبيائهم جهاد الكفار، فلا غنائم لهم، ومنهم: من أحل لهم ذلك، إلا أنهم كانوا إذا غنموا مالاً، جاءت نار فأحرقته، فلا يحل لهم أن يتملكوا منه شيئًا، وأباح الله لهذه الأمة الغنائم، وطيبها لها (٢).
ق: ويحتمل أن يريد بالغنائم؛ بعض الغنائم، وفي بعض الأحاديث: «وأحل لنا الخمس»، أخرجه ابن حبان (٣)، بكسر الحاء وبعدها باء موحدة (٤).
الثاني عشر: قوله ﵊: «وأعطيت الشفاعة».
ق: الأمثل الأقرب أن تكون الألف واللام في (الشفاعة) للعهد، وهو ما بينه الرسول ﷺ من الشفاعة العظمى التي امتاز بها على سائر الخلق، وهي الشفاعة في إراحة الناس من طول القيام؛ بتعجيل حسابهم؛
كما جاء مبينا في «الصحيح»، وهو المقام المحمود الذي
стр. 535
يحمده فيه الأولون والآخرون من أهل المحشر، ولا خلاف في هذه الشفاعة، ولا تنكرها المعتزلة.
ق: والشفاعات: الأخروية خمس (١):
إحداها: هذه، وقد ذكرنا اختصاص الرسول ﷺ بها، وعدم الخلاف فيها.
وثانيها: الشفاعة في إدخال قوم الجنة دون حساب، وهذه - أيضا - وردت لنبينا ﷺ ، ولا أعلم الاختصاص فيها، ولا عدم الاختصاص.
وثالثها: قوم استوجبوا النار، فيشفع في عدم دخولهم لها، وهذه - أيضا - قد تكون غير مختصة.
ورابعها: قوم دخلوا النار، فيشفع في خروجهم منها، وهذه قد ثبت فيها عدم الاختصاص؛ لما صح في الحديث من شفاعة الأنبياء والملائكة، وقد ورد - أيضا -: الإخوان من المؤمنين.
وخامسها: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها، وهذه - أيضا - لا تنكرها المعتزلة.
فتلخص من هذا: أن من الشفاعات ما علم الاختصاص به، ومنها ما علم عدم الاختصاص به، ومنها ما يحتمل الأمرين، فلا تكون الألف واللام للعموم، فإن كان النبي ﷺ قد تقدم منه إعلام
стр. 536
الصحابة بالشفاعة الكبرى المختص بها التي صدرنا بها الأقسام الخمسة، فلتكن الألف واللام للعهد.
وإن كان لم يتقدم ذلك على هذا (١) الحديث، فلتجعل الألف واللام لتعريف الحقيقة، وتتنزل على تلك الشفاعات؛ لأنه كالمطلق حينئذ، فيكفي تنزيله على فرد.
وليس لك أن تقول: لا حاجة إلى هذا التكلف، فإنه ليس في الحديث إلا قوله ﵊: «أعطيت الشفاعة»، فكل
هذه الأقسام التي ذكرتها قد أعطيها ﷺ ، فليحمل اللفظ على العموم؛ لأنا نقول: هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها ﷺ ، فلفظها - وإن كان مطلقًا -، إلا أن ما سبق في صدر الكلام يدل على الخصوصية (٢).
الثالث عشر: قوله ﵊: «وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة»: ظاهره أو نصه يقتضي اختصاصه ﷺ بهذه الخصلة كغيرها مما تقدم، لكن قد يعارضه أن يقال: إن نوحا ﵊ عمت - أيضا - رسالته أهل الأرض كلهم؛ لأنه حين خروجه من السفينة لم يبق معه إلا من كان مؤمنا، وهو مرسل إليهم، وهم أهل الأرض كلها حينئذ؛ لأن الغرق قد عم جميع الأرض، وعم الماء جميعها على ما طفحت به التفاسير، قاله ابن
стр. 537
عباس، وغيره.
ويجاب عنه: بأن يقال: عموم رسالة نوح ﵊ جاءت بطريق الاتفاق، ولم يكن في أصل البعثة، وإنما وقعت بسبب ما
حدث من انحصار الخلق في الموجودين حينئذ بسبب هلاك غيرهم، وأما نبينا ﷺ ، فعموم رسالته متأصل من أصل البعثة، فحصلت الخاصيةُ (١) له ﷺ ، وزال الاعتراض المذكور، والحمد لله، وأيضا: لم تدم بعده نبوة عامة؛ بخلاف نبوة سيدنا محمد ﷺ (٢).
الرابع عشر: قوله ﷺ : «أعطيت خمسا» إلى آخر الحديث، لا يقتضي حصر خصوصياته في هذه الخمس، بل يجوز أن يكون له خصائص أخر، وإذا جمعت روايات هذا الحديث، وأضيف بعض ما ذكر فيها من الخصائص إلى بعض، كانت أكثر من خمس.
فإنه قد جاء في رواية لمسلم عدها ستا، منها: قوله ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم» (٣).
стр. 538
وفي رواية: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض» (١).
وجاء: «وفضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا، وأوتيت هذه الآيات: خواتم البقرة من كنز تحت العرش، ولم يعطهن أحد قبلي، ولا يعطهن أحد بعدي» (٢).
وفي رواية: «وختم بي النبيون» (٣).
فقد تحصل من مجموع هذه الروايات عند إضافة بعض هذه الخصائص (٤) إلى بعض: أنها عشر، لا خمس، وهي: النصر بالرعب، وجعل الأرض مسجدا وطهورا، وإحلال الغنائم، والشفاعة العظمى، وعموم الرسالة، وجعل صفوفنا كصفوف الملائكة، وإيتاؤه جوامع الكلم، ومفاتيح خزائن الأرض، وخواتم البقرة، وكونه ﵊ ختم به النبيون، فهذه عشر خصائص بالنسبة إلى
стр. 539
ما رأيناه، ولعلها أكثر من ذلك (١)، ولا حاجة بنا إلى تأويل الحديث برد بعض هذه الخصائص إلى بعض من حيث التداخل، أو غير ذلك؛ لما تقدم من كون اللفظ لا يقتضي حصرا، بل خصائصه ﷺ في الحقيقة - لا تحصى، ومآثره أكثر من أن يحاط بها فتستقصى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وشرف وكرم.
* * *
الحيض أصله: سيلان الدم، قالوا: وله ستة أسماء: الحيض، والطمث، والعراك، والضحك، والإكبار، والإعصار.
وللحائض ثمانية أسماء: حائض، وطامث، وطامس، وعارك، وفارك، وضاحك، ودارس، وكابر.
وهو دم ترخيه المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة.
والاستحاضة: سيلانه في غير أوقاته، وهو يسيل من عرق فمه في أدنى الفرج، يسمى: العاذل - بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة -، يقال: حاضت المرأة حيضا، ومحيضا، ومحاضا، فهي حائض.
قال الفراء: ويقال: حائضة في لغة قليلة، ودرست، وطمثت، ونفست - بفتح النون وكسر الفاء -، وربما فتحت وضمت، وأعصرت، وأكبرت، وضحكت (١).
ع: قيل: أصله من قول العرب: حاضت السَمُّرَة: إذا خرج منها ماء أحمر؛ فكأنه من الحمرة، قال: ولعل السمرة إنما شبهت بالمرأة.
وقيل: الحيض والمحيض: اجتماع الدم هناك، ومنه سمي الحوض؛ لاجتماع الماء فيه (٢).
стр. 543
قلت: قولهم: ومنه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، رده الفارسي رَدًّا عنيفًا، وخطأ قائله من جهة اللفظ والمعنى، فقال: هذا زلل ظاهر؛
لأن الحوض من الواو، ويقال: حُضْتُ، أحوضُ؛ أي: اتخذتُ حوضاً، واستحوض الماء: إذا اجتمع، والحائض تسمى حائضا عند سيلان الدم منها، لا عند اجتماع الدم في رحمها، وكذلك المستحاضة عند استمرار السيلان بها، فإذن أخذُ الحيضِ من الحوض خطأ لفظًا ومعنى (١).
قلت: أما كونه خطأ من جهة اللفظ، فظاهر من حيث اختلاف الاشتقاقين.
وأما من جهة المعنى، ففيه نظر؛ لأن السيلان فرع ثبوت الاجتماع، فهو يجتمع، ثم يسيل، لا يقال حالة اجتماعه: لا تسمى المرأة حائضا حتى يسيل؛ لأنا نقول: إنها تسمى حائضا، إن لم يكن حقيقة، فمجازا، لا سيما والفقهاء يقولون: ما قارب الشيء فله حكمه، وسيلان الدم قريب من اجتماعه، فلا يقطع بالخطأ والحالة هذه. والله أعلم.
والحيض شيء كتبه الله -تعالى- على بنات آدم ﵇، وجعله حفظًا للأنساب، وعلامة يستدل بها على براءة الرحم في الأغلب، وقلنا: في الأغلب؛ لأن الحامل قد تحيض، وقد حده الشيخ أبو عمرو بن الحاجب -رحمه الله تعالى-: بكونه الدمَ الخارجَ بنفسه من فرج الممكِنِ
стр. 544
حملُها عادة، غير زائد على خمسة عشر يَوْمًا، من غير ولادة (١).
وزاد ابن شاس (٢): ولا مرض.
وأحكامه مبسوطة في كتب الفقه.
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قول عائشة ﵂: «أن فاطمة بنت أبي حُبيش سألت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله!» ولم تقل: سألت رسول الله ﷺ ، كما قالته السائلة يحتمل أمرين:
أحدهما: أن ذلك خشية تكرير اللفظ الواحد؛ فإنه مستهجَنٌ في العادة غالبا.
والثاني: أن فيه إثبات النبوة والرسالة بالتصريح دون التضمين، وشبيه بهذا ما جاء في الصحيح من قوله ﵊ عند النوم: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، حتى أمر القائل: وبرسولِكَ الذي أرسلتَ أن يقول: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (٣)، وإن كان قد قيل في هذا الأخير: إنه تحرز ممن أُرسل من الملائكة؛ فإن أحدهم رسولٌ، لا نبي، والله أعلم.
стр. 545
الثاني: قولُها: «أُستحاض»: قد تقدم معنى الاستحاضة، والماضي منه استُحيضت المرأة -مبنيا للمفعول لا غير-، فهو من باب: حُمَّ، وزُهِيَ؛ مما لا يُستعمل إلا مبنيا للمفعول (١)، والأصل: أُسْتَحْيَضُ، فنقلت حركة (٢) الياء إلى الحاء الساكنة قبلها، فتحركت الياء في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فانقلبت ألفًا، كما هو في: يُقال ويُباع، ونحوِ ذلك، والأصلُ منه: الحاء، والياء، والضاد، والزوائد اللاحقة للمبالغة؛ كقَرَّ، واستقَرَّ، وأعشبَ المكانُ، واعْشَوْشَبَ، وأشباهِ ذلك.
الثالث: قولها: «فلا أَطهر»: نفيٌ للطهارة على طريق المبالغة؛ لأنَّ (لا) تنفي المستديم، بخلاف (لن)؛ فإنها تنفي ما قرب.
قال ابن خطيب زملكا: وسرُّ ذلك: أن الألفاظ مشاكلة للمعاني، و (لا) آخرُها ألف، والألف يمكن امتداد الصوت به؛ بخلاف النون؛ فإنها - وإن طال اللفظ بها - لا يبلغ طوله مع (لا)، فطابق كلُّ لفظ معناه.
قلت: ولا يُلتفت إلى قول الزمخشري في «مفصَّله»: إن (لن) لتأكيد ما تُعطيه (لا) من نفي المستقبل (٣)؛ لأنه مبنيٌّ على مذهبه في الاعتزال استدراجا إلى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ونحو
стр. 546
ذلك، وهذه المسألة مبسوطة في كتب علم البيان، وإنما قصدنا التنبيه على القاعدة من حيث الجملة.
إذا ثبت هذا، فالمراد بالطهارة هنا - والله أعلم -: اللغويةُ، وهي النظافةُ، وكنت بها عن عدم النظافة من الدم؛ لأن الطهارة -وإن كانت (١) يراد بها استعمال المطهر-، فيقال للوضوء: طهارة، وكذلك الغسل، ويراد بها أيضا الحكم الشرعي المرتب على استعمال المطهر (٢)، فيقال لمن ارتفع حدثه: هو على طهارة، فلا ينبغي أن تُحمل على استعمال المطهر؛ لأن النساء لم يكنَّ يستعملنَ المطهر في ذلك الوقت، وهي غير عالمة بالحكم الشرعي؛ لأنها جاءت تسأل عنه، فتعين حملُه على الوضع اللغوي، كما تقدم، والله أعلم (٣).
الرابع: قولها: «أفأدع الصلاة؟»: هو كلام من تقرر عنده مانعية الحيض للصلاة؛ كما أجمع عليه السلف والخلف، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج.
وقد حكي عن بعض السلف: أنه استحب للحائض إذا دخل وقت الصلاة؛ أن تتوضأ، وتستقبل القبلة، وتذكر الله تعالى، وأنكره بعضهم (٤).
стр. 547
وكأنه إنما أنكر لكونه لم يرد فيه شيء من الشارع، وإلا، فكان ذلك إشارة إلى بذل الوسع في نهاية ما تقدر (١) عليه.
وهو شبيه بما نقل عن الشيخ أبي عمرو بن الحاجب -رحمه الله تعالى-: أنه لما سُجن كان إذا أظلته الجمعة، تهيأ لها بالغسل والطيبِ، وغير ذلك من سننها (٢)، ثم يمشي إلى باب السجن، فإذا رد، قال: اللهم إن هذا نهاية ما أقدر عليه، أو كلاماً ذا معناه.
ولكن المعوَّلَ عليه الوقوف مع السنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة ﵃ أجمعين.
الخامس: قوله ﵊: «لا، إنَّ ذلك عِرْقٌ»: هو بكسر الكاف من «ذلك»؛ لأنه يخاطب امرأة.
فيه: دليل على جواز الصلاة بالجرح، أو القرحِ السائِل دمُه وقيحُه، كما يقوله أصحابنا، ما لم يكثر فيستحب (٣) غسلُه، وقد صلى عمر ﵁ وجرحُه يَثْعَبُ دماً (٤).
السادس: قوله ﵊: «قدرَ الأيامِ التي كنتِ تحيضين فيها»: فيه: دليل لقولِ مَنْ يقول من أصحابنا: إن
стр. 548
المستحاضة تقتصر على عادتها من غير استظهار، ولهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
العادة خاصة -كما تقدم-؛ فإنه ﷺ ردها إلى العادة، ولم يأمرها باستظهار (١).
الثاني: العادة، والاستظهار بثلاثة أيام.
الثالث: خمسة عشر يَوْمًا.
وبالجملة: فالحُيَّضُ ضربان: مبتدأة، ومعتادة.
فالمبتدأة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه إلى انقطاعه، وذلك تمام خمسة عشر يوما على المشهور عندنا، وقيل: تجلس قدر أيام لداتها،
وهنَّ (٢) ذوات أسنانها من أهلها وغيرهن، فإن زاد على ذلك، فإن اعتبرنا الخمسة عشر، اغتسلت، وصلت، وكانت مستحاضة، وإذا (٣) اعتبرنا أيام لداتها، استظهرت بثلاثة أيام ما لم يجاوز خمسة عشر يوما، وقيل: من غير استظهار.
وأما المعتادة: فعن مالك فيها روايتان:
أشهرهما: بناؤها على عادتها، وزيادة ثلاثة أيام.
والأخرى: جلوسُها إلى آخر الحيض، ثم تعملان على التمييز
стр. 549
إن كانتا من أهله، فإن عدمتا التمييز، صلتا أبدا، ولم تعتبرا لعادة.
وحكم المستحاضة عندنا حكم الطاهر اتفاقًا، غير أنه يستحب لها أن تغتسل عند انقطاع دم استحاضتها، وأن تتوضأ لفعل كل صلاة ما لم يشق عليها ذلك (١).
وأما وطؤها: فالجمهور على جوازه حال جريان الدم؛ كذا حكاه ابن المنذر في كتابه الإشراف له، ثم قال: وبه نقول.
قال: وروينا عن عائشة ﵂: أنها قالت: لا يأتيها زوجها؛ وبه قال النخعي والحكم، وكرهه ابن سيرين.
وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها (٢).
وعنه رواية: أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العَنَتَ.
ودليل الجمهور: ما روى عكرمة عن حَمْنَةَ بنتِ جحش ﵂: أنها كانت مستحاضة، وكان زوجُها يجامعها، رواه أبو داود، والبيهقي، وغيرهما بإسناد حسن (٣).
قال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها
стр. 550
زوجها إذا صلَّت، الصلاة (١) أعظم (٢).
ولأن المستحاضة كالطاهر في الصلاة، والصوم، وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع بتحريمه (٣).
فائدة: المستحاضات في زمن رسول الله ﷺ خمس:
حَمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ، أختُ زينبَ بنتِ جحشٍ زوجِ النبيِّ ﷺ .
الثانية: أمُّ حَبيبة، ويقال: حَبيب، بغير هاء (٤).
الثالثة: فاطمةُ بنتُ أبي حُبيش هذه، القرشيةُ (٥) الأسديةُ.
الرابعة: سَهْلَةُ بِنْتُ سُهيل (٦)، القرشيةُ العامرية (٧).
الخامسة: سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ زوجُ النبيِّ ﷺ (٨).
وقد ذكر بعضهم أن زينبَ بنتَ جحش استُحيضت، والمشهور خلافُه، وإنما المستحاضةُ أختُها.
стр. 551
قال أبو عمر: والصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا تستحاضان جميعاً (١).
السابع: اختار بعضهم، وأظنه الخطابي في قوله ﵊ في رواية: «ليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي»: كسرَ (٢) الحاء، أي الحالة المألوفة المعتادة (٣).
والحيضة: - بالفتح-: المرةُ من الحيض (٤)، وظاهر تعلق الحكم بالإقبال والإدبار، يشعر بأنها مميزة، ضرورة كونها لا بد لها من علامة
تعرف بها إقبال الحيضة وإدبارها، فإقبالها: بدء الدم الأسود مثلاً، وإدبارها إدبار ما هو بصفة الحيض.
стр. 552
ويحتمل أن تكون معتادة، وتكون علامة الإقبال: وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها: انقضاء أيام العادة (١).
الثامن: استُشكل ظاهر قوله ﵊: «فاغسلي عنك الدم وصلِّي»؛ إذ لم يأمرها بالغُسل، حتى حمل بعضُهم هذا الإشكال (٢) على أن جعل الإدبار انقضاء أيام الحيض والاغتسال، وجعل قوله: «فاغسلي عنك الدم» محمولاً على دم يأتي بعد الغسل.
ق: والجواب الصحيح: أن هذه الرواية -وإن لم يذكر فيها الغسل-، فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة، قال فيها: «وَاغْتَسِلِي» (٣). وفي الحديث: دليل على نجاسة دم الحيض، وعلى تحريم صلاة الحائض، وعدم قضائها؛ إذ لم يأمرها به، وذلك مجمَع عليه.
* * *
هذا (١) الحديث مغلوط فيه، قيل: إنه سقط بين قوله: «فأمرها أن تغتسل» وبين قوله: «لكل صلاة»: فكانت تغتسل لكل صلاة، فيكون أصل الحديث هكذا: «فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة»، فليس فيه أمر منه ﷺ لها بالغسل لكل صلاة البتة، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة من عند نفسها، لا أنها مأمورة بذلك، وهكذا هو عند مسلم.
وفي «البخاري»: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تغتسل، وقال: «هذا عرق»، فكانت تغتسل لكل صلاة، فسقط منه حينئذ قوله: «فكانت تغتسل لكل صلاة»، وهكذا هو في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي، وقال بعده ما قال مسلم: قال الليث: ولم يذكر ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ أمر
стр. 555
أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شيء جعلته هي (١).
فثبت بهذا كله أنه ليس في الصحيحين، ولا أحدهما: أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة.
وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود (٢)، والبيهقي، وغيرهما: أن النبي ﷺ أمرها بالغسل، فليس فيها شيء ثابت، فقد بين البيهقي وغيره ضعفها (٣)، وإنما صح من ذلك ما تقدم من أمره ﷺ بمطلق الغسل، دون أن تغتسل لكل صلاة.
وهكذا قال الشافعي -رحمه الله تعالى-، ولفظه: وإنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه
أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشك - إن شاء الله تعالى- أن غسلها كان تطوعا غير ما أُمرت به، وذلك واسع، والله أعلم (٤).
وقد روي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعلي، وابن عباس ﵃: أنهم قالوا بوجوب الغسل على المستحاضة لكل صلاة.
وروي أيضا عن عطاء بن أبي رباح، وجاء ذلك أيضا في رواية ابن إسحاق خارج الصحيح.
لكن حمله الجمهور على مستحاضةٍ ناسيةٍ للوقت والعدد، يجوز
стр. 556
في مثلها أن ينقطع دمها عند وقت كل صلاة.
ودليل الجمهور: أن وجوب الغسل إنما يكون بالشرع، ولم يصح في ذلك حديث، فلا وجوب، بل جاء في الحديث المتقدم: «اغتسلي
وصلِّي»، ولم يأمرها بتكرار الغسل لكل صلاة، ولو كان واجباً، لأمرها به، والله أعلِمَ (١).
وهذا الخلاف - والله أعلم - ينبني على مسألة أصولية: وهو أن الأمر هل يقتضي التكرار، أو لا؟ والله أعلم (٢).
* * *
* الكلام على هذا الحديث من وجوه:
الأول: أنه يدل على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، فقد تقدم الكلام عليه في باب الغسل من الجنابة.
الثاني: (كِلا) و (كِلْتا) لفظهما مفرد، ومعناهما التثنية، هذا مذهب البصريين، وهما عند الكوفيين مثنيان لفظًا ومعنى.
ودليل البصريين: قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف:]، ولم يقل: أتتا، وقول الشاعر: [الوافر]
كِلا يَومَيْ أُمامةَ يَوْمُ صَدٍّ ... وَإِنْ لَمْ نَأْتها إِلَاّ لِمَامَا (١)
стр. 559
فإذا ثبت هذا، فالحمل على لفظها أكثر، ويجوز الحمل على معناها، وقد جمع الشاعر بين اللغتين في قوله: [البسيط]
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُمَا ... قَدْ أقلَعا وَكِلَا أَنْفَيْهِمَا رَابِي (١)
والألف في «كلا» منقلبة عن واو، والتاء في (كلتا) كذلك، وليست للتأنيث؛ إذ تاء التأنيث لا تكون قبلَها إلا فتحة، أو ألف، ولأنها لو كانت زائدة، لكان وزنها فِعْتَلاً، وفِعْتَل (٢) ليس في الكلام، والكلام عليها مبسوط في كتب النحو، وإنما أردنا التنبيه على ذلك من
حيث الجملة (٣).
تنبيه: لا ينبغي أن يُستدل للبصريين بقول عائشة ﵂: كلانا جُنُب؛ لأن جنباً في اللغة المشهورة يكون للواحد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث، بلفظ واحد، كما تقدم.
الثالث: فيه جواز مباشرة الحائض، وكانت اليهود إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، فسأله ﷺ بعض أصحابه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال النبي ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَا النِّكَاحَ» (٤)، وانعقد الإجماعُ على
стр. 560
تحريم الوطء في الفرج، حكاه القاضي عبد الوهاب، وغيره (١).
وما تحت الفرج حرام عند مالك، إما لظاهر الآية؛ بناءً على أن المحيض اسم زمان، أو مصدر، أو سدا للذريعة، أو للأحاديث الواردة في ذلك.
منها: حديث ميمونة: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهنَّ حُيَّضٌ» (٢).
قال أبو الجهم: الإزار: من السرة إلى الركبتين.
قال ابن القصار: لأنه موضع الإزار.
وفي أبي داود: قال معاذ: سألت رسول الله ﷺ عَمَّا يَحِلُ للرجل من امرأته وهي حائض، فقال: «ما فوق الإزار» (٣).
وفي أبي داود - أيضا -: كان رسول الله ﷺ يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزارُها يبلغ أنصافَ الفخذين، أو (٤) الركبتين (٥).
стр. 561
وجوزه ابن حبيب، وأصبغ إذا اجتنب الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهو يقتضي الإباحة مطلقًا، والمحيض عنده اسم مكان؛ كالمبيت، والمقيل: مكان البَيات (١) والقَيْلولة، فيختص (٢) التحريم بالفرج؛ لأنه موضع الحيض، ولأن قوله تعالى:
﴿هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] يقتضي الاعتزال لأجل الأذى، فحيث لا أذى، يجوز (٣)، وما عدا الفرج لا أذى فيه، وأما إباحة أعلاها، فجائزٌ إجماعاً.
ولا يعتد بما نقل عن عبيدة السلماني من قوله: لا يباشر شيئًا منها بشيء منه، فإنه مردود، منكر غير مقبول عند العلماء، حتى قال بعضهم: إنها نزعة يهودية.
قال مالك في «المجموعة»: والنفساء -أيضا- يباشر منها ما فوق الإزار.
فقد تحصل من مجموع ما تقدم: أن مباشرة الحائض على ثلاثة أقسام: قسم جائز باتفاق، وقسم ممتنع باتفاق، وقسم مختلف فيه. فالأول: ما فوق الإزار، وتحت الركبتين.
стр. 562
والثاني: الوطء في الفرج.
والثالث: ما بين السرة والركبة، وقد تقدم أنه حرام عند مالك؛ خلافًا لابن حبيب.
وعند الشافعية في ذلك ثلاثة أوجه:
التحريم، والكراهة، والثالث: التفريق، فإن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويثق من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوة، أو لشدة
ورعه، جاز، وإلا، فلا.
والأصح الأشهر منها: التحريم؛ كما قاله مالك -رحمه الله تعالى-، وبالتحريم -أيضا- قال أبو حنيفة، وسعيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة، وغيرهم.
وممن ذهب إلى الجواز: عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحق بن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود (١).
الرابع: فيه جواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل، واقتضته العادة.
وفيه: أنه لا يلزمها إلا التمكين من نفسها مع ملازمة بيتها.
وفيه: جواز مباشرة الحائض لهذا الفعل كالطاهر، وأن بدنها طاهر إذا لم يلاق النجاسة.
стр. 563
وفيه: أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد، لم يفسد اعتكافُه، ويمكن (١) أن يقاس على الرأس غيرُه من الأعضاء.
وقد يستدل بذلك -أيضا- على أن من حلف لا يخرج من بيت أو غيره، فأخرج يده، أو عضواً من أعضائه: أنه لا يكون حانثًا.
ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على أن خروج بعض الجسد لا يكون كخروج كلِّه، ولا يبعد عندي أن يكون فيه تقوية لقول من يقول: إن الحالف لا يحنث بفعل بعضِ المحلوفِ عليه، والله أعلم (٢).
* * *
стр. 564
الحديث الرابع
٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، وَأَنَّا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ (١)(٢).
стр. 565
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: (يَتَّكئ): مهموزٌ (١).
وفي الصحاح: رجل تكأة مثال همزة: كثير الاتكاء، والتكأة -أيضا-: ما يتكأ عليه، واتكأَ على الشيء، فهو متَّكئٌ، والموضع مُتَّكَأٌ، وقرئ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكًا﴾ [يوسف: ٣١].
قال الأخفش: هو في معنى المجلس. وطعنه حتى أتَّكَأَهُ، على أفعله؛ أي: ألقاه على هيئة المتكئ، وتوكأت على العصا، وأصل التاء في جميع ذلك الواو، وأوكأت فلانا إيكاءً: إذا نصبت [له] مُتَّكأ (٢).
قلت: ومثل التكاة -في كون التاء بدلاً من الواو-: التُّخَمَة، والأصل الوُخَمَة؛ لأنه من توخمتُ، وكذلك التراث؛ لأنه من ورثت، وأمثاله كثيرة، والله أعلم.
الثاني: حَجْر الإنسان، وحِجْره - بالفتح والكسر -، والجمع: الحُجور، وأما الحَرامُ، فبالفتح، والكسر، والضم، وقرئَ بهنَّ في قوله تعالى: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] (٣).
الثالث: فيه جواز قراءة القرآن متكئًا، ومضطجعاً، وقد يؤخذ