وجوزه ابن حبيب، وأصبغ إذا اجتنب الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهو يقتضي الإباحة مطلقًا، والمحيض عنده اسم مكان؛ كالمبيت، والمقيل: مكان البَيات (١) والقَيْلولة، فيختص (٢) التحريم بالفرج؛ لأنه موضع الحيض، ولأن قوله تعالى:
﴿هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] يقتضي الاعتزال لأجل الأذى، فحيث لا أذى، يجوز (٣)، وما عدا الفرج لا أذى فيه، وأما إباحة أعلاها، فجائزٌ إجماعاً.
ولا يعتد بما نقل عن عبيدة السلماني من قوله: لا يباشر شيئًا منها بشيء منه، فإنه مردود، منكر غير مقبول عند العلماء، حتى قال بعضهم: إنها نزعة يهودية.
قال مالك في «المجموعة»: والنفساء -أيضا- يباشر منها ما فوق الإزار.
فقد تحصل من مجموع ما تقدم: أن مباشرة الحائض على ثلاثة أقسام: قسم جائز باتفاق، وقسم ممتنع باتفاق، وقسم مختلف فيه. فالأول: ما فوق الإزار، وتحت الركبتين.
стр. 562
والثاني: الوطء في الفرج.
والثالث: ما بين السرة والركبة، وقد تقدم أنه حرام عند مالك؛ خلافًا لابن حبيب.
وعند الشافعية في ذلك ثلاثة أوجه:
التحريم، والكراهة، والثالث: التفريق، فإن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويثق من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوة، أو لشدة
ورعه، جاز، وإلا، فلا.
والأصح الأشهر منها: التحريم؛ كما قاله مالك -رحمه الله تعالى-، وبالتحريم -أيضا- قال أبو حنيفة، وسعيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة، وغيرهم.
وممن ذهب إلى الجواز: عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحق بن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود (١).
الرابع: فيه جواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل، واقتضته العادة.
وفيه: أنه لا يلزمها إلا التمكين من نفسها مع ملازمة بيتها.
وفيه: جواز مباشرة الحائض لهذا الفعل كالطاهر، وأن بدنها طاهر إذا لم يلاق النجاسة.
стр. 563
وفيه: أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد، لم يفسد اعتكافُه، ويمكن (١) أن يقاس على الرأس غيرُه من الأعضاء.
وقد يستدل بذلك -أيضا- على أن من حلف لا يخرج من بيت أو غيره، فأخرج يده، أو عضواً من أعضائه: أنه لا يكون حانثًا.
ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على أن خروج بعض الجسد لا يكون كخروج كلِّه، ولا يبعد عندي أن يكون فيه تقوية لقول من يقول: إن الحالف لا يحنث بفعل بعضِ المحلوفِ عليه، والله أعلم (٢).
* * *
стр. 564
الحديث الرابع
٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، وَأَنَّا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ (١)(٢).
стр. 565
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: (يَتَّكئ): مهموزٌ (١).
وفي الصحاح: رجل تكأة مثال همزة: كثير الاتكاء، والتكأة -أيضا-: ما يتكأ عليه، واتكأَ على الشيء، فهو متَّكئٌ، والموضع مُتَّكَأٌ، وقرئ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكًا﴾ [يوسف: ٣١].
قال الأخفش: هو في معنى المجلس. وطعنه حتى أتَّكَأَهُ، على أفعله؛ أي: ألقاه على هيئة المتكئ، وتوكأت على العصا، وأصل التاء في جميع ذلك الواو، وأوكأت فلانا إيكاءً: إذا نصبت [له] مُتَّكأ (٢).
قلت: ومثل التكاة -في كون التاء بدلاً من الواو-: التُّخَمَة، والأصل الوُخَمَة؛ لأنه من توخمتُ، وكذلك التراث؛ لأنه من ورثت، وأمثاله كثيرة، والله أعلم.
الثاني: حَجْر الإنسان، وحِجْره - بالفتح والكسر -، والجمع: الحُجور، وأما الحَرامُ، فبالفتح، والكسر، والضم، وقرئَ بهنَّ في قوله تعالى: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] (٣).
الثالث: فيه جواز قراءة القرآن متكئًا، ومضطجعاً، وقد يؤخذ
стр. 566
ذلك من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وإن كان (١) قد قيل: إن المراد بذلك:
الصلوات (٢)، فيما أظن.
وفيه: جواز قراءة القرآن في الموضع القريب من النجاسة؛ كما تجوز الصلاة في المكان الذي بين يدي المصلي وفيه نجاسة؛ كجدار المرحاض، أو القبر، ونحو ذلك.
وفيه: ما تقدم من طهارة الحائض وما يلابسها، ما لم تلحقه نجاسة، وجواز ملابستها - أيضا - كما تقدم.
وفيه: أن بعض القرآن يطلق عليه قرآن؛ لأن الظاهر: أنه ﵊ لم يستكمل الختمة حالَ اتكائه.
وفيه: جواز الاستخدام اللطيف (٣) -كما تقدم-، وإن كان هذا فيه نوع استمتاع أيضا.
وفيه: أن مس المرأة زوجها لغير لذة في الاعتكاف لا يضر.
وفيه: أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ إذ لو لم يكن ثم ما يوهم منعه، لم يحسن التنصيص عليه، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وغير المشهور من مذهب مالك ﵀. والله أعلم.
* التعريف:
معاذة بنت عبد الله العدوية: امرأة صلة بن أَشْيَم (١)، بصريةٌ، كانت من العابدات، روت عن عائشة في غير موضع.
روى عنها: عاصم الأحول، وأبو قِلَابَةَ، وقتادةُ، وإسحقُ بن سويد، ويزيد الرِّشْكُ.
تابعية، روي حديثها في الصحيحين (٢).
стр. 569
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: البال هنا: الحال، والبال أيضا: القلب، يقال: ما يخطر فلان ببالي، والبال: رخاء النفس، يقال: فلان رخي البال، والبال: الحوت (١) العظيم من حيتان البحر.
قال الجوهري: وليس بعربي.
والبالة: وعاء الطيب، فارسيُّ معرب، وأصله بالفارسية بِيْلَه (٢).
الثاني: أجمعوا على أن الحائض والنفساء تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولا اعتداد بخلاف الخوارج على ما سيأتي.
والفرق بينهما من وجهين:
الأول: تكرار الصلاة وكثرتها، وعدم تكرار الصيام في السنة الواحدة.
الثاني: أن قضاء الصلاة قد يؤدي إلى تفويت الحاضرة؛ بخلاف الصوم.
الثالث: اختلف أهل الأصول هل ما تقضيه الحائض والنفساء بالخطاب الأول، وهو مذهب القاضي عبد الوهاب، والحنفية. أو بخطاب جديد؟ وعليه الجمهور، ودليلهم: أن صوم الحائض والنفساء حرام بإجماع، والمحرم لا يكون واجبا، ولو وجب، لأثمت بتأخيره.
стр. 570
استدل القائلون بالوجوب بأمور:
أحدها: عمومات النصوص الدالة على وجوب الصوم.
وثانيها: أنها تنوي قضاء رمضان، فلولا تقدم الوجوب، وإلا، لكان هذا واجبا مبتدأ، فلا حاجة لإضافته إلى رمضان.
وثالثها: أنه مقدر بقدر الفائت من رمضان، فأشبه تقدير قيم المتلفات بها، فيكون بدلاً؛ كالقيمة بدلاً من المتقوم (١)، ويقوم مقام ما تقدم من الوجوب؛ كما تقوم القيمة مقام المتلف، ولذلك سميت قيمةً.
وأجيب عن الأول: بأن ظاهر النصوص معارضة بأدلة العقل القطعية؛ فإن الصوم حرام، راجح الترك، وما كان راجح الترك لا يكون
راجحا قطعا، وكيف يُتصور فيمن مُنع من الفعل أن يُلزم بذلك الفعل، إلا بناء على تكليف ما لا يطاق، وليس واقعا في الشريعة، وإذا تعارضت الظواهر والقواطع، قدمت القطعيات.
وعن الثاني: أن العبادة لا بد لها من نية مخصصة (٢)، مميزة لها عن غيرها، وهذا القضاء ليس نفلاً، ولا كفارة، ولا نذرا، ولا تجدد سببه، فيتعين لإضافته (٣) لذلك السبب؛ فلم يبق له معنى إلا إضافته لرمضان؛ ليتميز عن غيره، لا أنه تقدَّمَه وجوبٌ.
стр. 571
وعن الثالث: أن التعذر في رمضان جعله الشرع سببا لوجوب ما هو قدره، فلذلك تبعه في المقدار، لا لتقدم الوجوب؛ لأن السبب كذلك نصبه الشارع.
قالت الحنفية: لا يرد علينا مصادمة الوجوب والتحريم في زمن واحد؛ لأنا لم نعين زمن الحيض للوجوب، بل قلنا: هو على السعة، بخلاف القاضي عبد الوهاب.
وأجيب: بأنه، وإن لم يرد عليهم هذا الإشكال، يرد عليهم أن الواجب الموسع شأنه أن يفعل في أول الوقت إن شاء المكلف، وهذه لو أرادت أن تصوم في زمن الحيض، منعت، فلم يبق للوجوب ظرف إلا بعد الحيض، فهو متفق عليه، فذكر التوسعة مغالطة لا يحصل منها طائل، فيتعين إما مذهب القاضي، أو مذهب المازري بعدم الوجوب مطلقًا، والله أعلم.
الرابع: الحرورية: من ينسب إلى حَروراءَ، وهو موضع، أو قرية بظاهر الكوفة (١).
قال السمعاني: هو على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به (٢).
قال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية، فنُسبوا إليها (٣).
стр. 572
قال غيره: ثم كثر استعماله حتى استعمل في كل خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: أحروريةٌ أنت؟! هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى وكسر الثانية؛ أي: خارجية أنت، وإنما قالت ذلك؛ لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة -على ما تقدم-، فالاستفهام هنا استفهام إنكار، وليس على بابه.
وإنما حسن إنكار عائشة ﵂ على معاذة؛ لأنها أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرَّد، فإن صيغته تشعر بتعجب أو إنكار؛ فلذلك قالت لها: أحرورية أنت؟! فأجابتها بأن قالت: لست بحرورية، ولكني أسأل، أي: أسأل سؤالاً مجرَدًّا عن التعجب والإنكار، لطلب مجرد العلم بالحكمة في ذلك، فأجابتها (١) عائشة ﵂ بالنص، ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أقوى في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة فإنها بصدد المعارضة.
واكتفت عائشة ﵂ في الاستدلال (٢) على سقوط القضاء بكونه لم تؤمر به.
ق: ويحتمل ذلك عندي (٣) وجهين:
أحدهما: أن تكون أخذت إسقاط (٤) القضاء من سقوط الأداء،
стр. 573
ويكون مجرد سقوط الأداء دليلاً على سقوط القضاء، إلا أن يوجد معارض، وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم.
الثاني- وهو الأقرب-: أن يكون السبب في ذلك: أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ فإن الحيض يتكرر، فلو وجب قضاء
الصلاة فيه، لوجب بيانه، وحيث لم يتبين، دلّ على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك قرينة أخرى، وهي الأمر بقضاء الصوم، وتخصيص الحكم به (١).
قلت: وكلا الوجهين حسن جميل، والله أعلم.
الخامس: في الحديث: دليل على ما يقوله أرباب الأصول والحديث: من أن الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو كنا نؤمر بكذا، أو ننهى عن كذا: أن ذلك في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، وإلا، لم تقم الحجة به (٢).
وهذه المسألة على مراتب سبع:
أعلاها: أن يقول الصحابي: سمعت النبي ﷺ ، أو أخبرني، أو
стр. 574
شافهني، وهذا بخلاف ما لو قال: قال النبي ﷺ ؛ لأن قوله: قال، يصدق مع الواسطة، بخلاف ما تقدم.
الثانية: قال -عليه الصلاة؛ والسلام-.
الثالثة: أمر ﵊، أو نهى؛ لأنه يدخله احتمال الوسائط، ويقع الخلل من قبلها مضافًا إلى الخلل الحاصل من اختلاف الناس في صيغتي الأمر والنهي، هل هما للطلب الجازم، أم لا؟ واحتمال آخر: وهو أن ذلك الأمر للكل، أو البعض، وهل دائما، أو غير دائم؟
الرابعة: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فعندنا، وعند الشافعي -رحمه الله تعالى- يحمل على أمره ﵊؛ خلافًا للكرخي.
الخامسة: أن يقول: السنة كذا، فيُحمل عندنا على سنته ﵊؛ خلافًا لقوم.
السادسة: أن يقول: عن النبي ﷺ ، فقيل: يحمل على سماعه هو، وقيل: لا.
السابعة (١): كنا نفعل كذا: يقتضي كونه شرعا؛ لأن مقصود الصحابي: أن يخبرنا بما يكون شرعا، بسبب أنهم كانوا يفعلون ذلك، وأن الغالب اطلاعه ﵊ على ذلك، وتقريره عليه، وذلك يقتضي الشرعية (٢).
стр. 575
وأيضا: فالصحابة - رضوان الله عليهم - يقتضي حالهم أنهم لا يقرون بين أظهرهم إلا ما يكون شرعا، فيكون شرعا.
وأما غير الصحابي، فله - أيضا - مراتب مذكورة في كتب الأصول، والحديث (١)، وإنما ذكرنا ما يتعلق بغرضنا من لفظ هذا الحديث، والله الموفق، وهو المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.
* * *
المختار في اشتقاق لفظ الصلاة: أنها من الدعاء، وعليه أكثر أهل العربية والفقه.
وقيل: لأنها ثانية الشهادتين، وتاليتهما، كالمصلي من السابق في الحلبة، واستضعف.
وقيل: بل هي من الصلوين، وهما عرقان مع الردف.
وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وبه سمي المصلي من الخيل؛ لأن أنفه يأتي ملاصقًا صلَويا السابق، ومنه كتبت بالواو في
المصحف.
وقيل: بل من الرحمة، ومنه صلاة الله على عباده، أي: رحمته.
وقيل: أصلها: الإقبال على الشيء؛ تقربا إليه.
وقيل: معناها (١): اللزوم، من قولهم: صلَى بالنار.
стр. 579
وقيل: الاستقامة، من قولهم: صلَيت العود على النار: إذا قومته، والصلاة تقيم العبد على طاعة الله (١).
وهذا القول ظاهر الفساد، بين الخطأ، لأن لام الكلمة في الصلاة واو، وهي في صليت ياء، وكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية؟ وهذا كما تقدم في باب: الحيض في قول من أخذه من الحوض.
هذا كله إذا كانت اللام من صليت مخففة، وإن كانت مشددة؛ كما نقله الجوهري وغيره من أهل اللغة، وأنشد عليه: [الوافر]
فَلَا تَعْجَلْ بِأَمْرِكَ وَاسْتَدِمْهُ ... فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كَمُسْتَدِيمَ (٢)
فيجوز أن يكون الأصل: صّلوت، فلما وقعت الواو رابعة، قلبت ياءً، على القانون المستمر عند أهل العربية، وكذا من قال: أصليت، وقرئ: ﴿وَيُصَلَّى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٢]-بالتشديد-، قاله الجوهري (٣).
ومن خّفف، فهو من قولهم: صَلِي فلان النار- بالكسر- يصلى صليا، وهذا - أيضا - يحتمل أن الأصل: صَلِوَ، لكن قُلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، فاعرفه.
وقيل: لأنها صلة بين العبد وربه.
стр. 580
وقيل غير ذلك.
وأما المواقيت: فجمع ميقات، والأصل: مِوْقات؛ لأنه من الوقت، فهو كميعاد، وميزان من الوعد والوزن، سكنت الواو، وانكسر ما قبلها، قلبت ياء.
قال الجوهري: وهو الوقت (١) المضروب للفعل، والموضع، يقال: هذا ميقات أهل الشام: للموضع الذي يحرمون منه، ويقول: وقته فهو موقوت: إذا بين للفعل وقتا يفعل فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: مفروضا في الأوقات، والتوقيت: تحديد الأوقات، تقول: وقّته ليوم كذا؛ مثل أجلْته، والموقت: مفعل من الوقت.
قال العجاج:
وَالجَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمِ الْمَوْقِتِ (٢)
انتهى.
* التعريف:
أبو عمرو الشيبانيُّ: تابعي، واسمه سعد (٣) بن إياس، الكوفي، ويقال: البكريُّ، وهو من شيبان بن ثعلبة بن عكاية بن الصعبِ بنِ
стр. 581
الصعب بن علي بن بكر بن وائل.
أدرك الجاهلية، عاش مئة وعشرين سنة، وأدرك زمن النبي ﷺ .
روى عن: عبد الله بن مسعود، وزيد بن أرقم، وأبي مسعود الأنصاري.
روى عنه: الوليد ابن العيزار، والحسن بن عبيد، والحارث بن شبل، والأعمش.
أخرج عنه في الصحيحين ﵁ (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «حدثني صاحب هذه الدار»: فيه الاستغناء بالإشارة عن التصريح بالاسم، وربما كان ذلك أوقع إذا كان المشار إليه معروفًا مميزا؛ لأنه يصير بحيث يوضع اليد عليه، والاسم العلم ربما تطرق إليه الاشتراك، ولهذا - والله أعلم - ذهب بعض النحويين إلى أن
اسم الإشارة أعرف من العلم، وإن كان غير الصحيح من حيث النقل.
الثاني: سؤاله عن أفضل الأعمال طلب منه لمعرفة أهمها،
стр. 582
وما ينبغي تقديمه منها على غيره عند التعارض؛ ليتأكد القصد إليه، وتستمر (١) المحافظة عليه (٢).
الثالث: الأظهر أن يكون المراد بالأعمال هنا: البدنية دون القلبية؛ لأن من الأعمال القلبية ما هو أفضل من الصلاة وسائر العبادات، وهو الإيمان الذي لا يقاومه شيء على الإطلاق، وقد جاء مصرحا بذلك في الحديث، في رواية: سئل رسول الله ﷺ ، أي: الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (٣)، فيؤخذ من هذا الحديث: أنه أريد به الأعمال مطلقًا؛ قلبية كانت، أو بدنية، وقد تقدم في حديث: «الأعمال بالنيات» الكلام على الأعمال، وهل يتناول أعمال القلوب، أو لا؟ على ما تقرر.
الرابع: ينبغي أن تعلم (٤) أن الأحاديث جاءت مختلفة في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، وأشبه ما أجيب به عن ذلك: أنها منزلة بحسب الأشخاص والأحوال، فيكون أفضلها في حق الشجاع الباسل مثلاً: الجهاد، وفي حق الجبان الفقير: بر الوالدين،
стр. 583
أو الذكر، ونحو ذلك، وفي حق الغني: الصدقة، والبذل الشرعي، ونحو ذلك، وفي حق الفطن النبيل: طلب العلم، وفي حق الحديد الخلق، أن لا يغضب؛ كما جاء في قوله ﵊ للذي قال له: أَوْصِني، فقال له: «لَا تَغْضَبْ» (١)، كأنه - والله أعلم - تسبب في أن لا تغضب؛ فإن الغضب عند شرطه جبلة في الإنسان لا يمكنه دفعه إلا بمقدمات رياضة، أو أمور مقارنة للغضب؛ كالاستعاذة؛ كما في الحديث، أو الانتقال من حال إلى حال؛ كالقائم يقعد أو يضطجع، والجالس يقوم أو يضطجع - أيضا -، أو يصب عليه ماء، أو نحو ذلك، فيكون الأفضل في حق هذا مخالفًا للأفضل في حق غيره؛ بحسب ترجيح المصلحة (٢) التي تليق به (٣)؛ لكن يبقى في النفس شيء من حيث عموم المشروعية في حق كل مكلف، فليتأمل ذلك، والله الموفق.
الخامس: قوله ﵊: «على وقتها»، أي: إيقاعها أداءً لا قضاءً، بل ينبغي أن يكون المراد: أول الوقت، وإن لم يكن في لفظ الحديث ما يشعر بذلك، وإنما ظاهره أن توقع الصلاة أداءً لا قضاء؛ لكنه جاء في سياق السؤال عن الأفضل (٤)، ومعلوم أن
стр. 584
أول الوقت أفضل من التأخير، على تفصيل مذكور في كتب الفقه، ويرجح ذلك ويقويه تصريح الرواية الأخرى بذلك، وهي قوله ﵊: «لأول وقتها» (١)، وقد تقدم أن الحديث إذا جمعت (٢) طرقه، فسر بعضها بعضا (٣)، وأما من حيث المعنى، فإن في ذلك المبادرة لامتثال الأمر، وبراءة الذمة، والخروج عن العهدة، والتأخير بخلاف ذلك.
السادس: البر خلاف العقوق، والمبرة مثله، تقول: بررت والدي - بالكسر - أبره برا، فأنا بر به، وبار، وجمع البر -بالفتح: الأبرار، وجمع البار: البررة، وفلان يبر خالقه، ويتبرره؛ أي: يطيعه، والأم برة بولدها (٤). انتهى. هذا معنى البر في اللغة.
وأما معناه في الشرع، وما يجب منه: فالغالب أنه يعسر ضبطه، وقد أّلف الناس فيه تصانيف مفردة؛ كالطرطوشي، وغيره.
وألخص ما رأيت في ذلك ما قاله ابن عطية في سورة ﴿سبحان﴾ [الإسراء: ١] عند قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
стр. 585
قال: وجملة هذا الباب: أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، وتستحب في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر جهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب؛ لكن يعلل بخوف هلكها عليه ونحوه مما يبيح قطع الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب.
قال: وخالف الحسن في هذا الفصل، فقال: إن منعته أمه من شهود عشاء (١) الآخرة شفقة عليه، فلا يطعها، انتهى (٢).
قال (٣) سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]: من صلى الصلوات الخمس، فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه أدبار الصلوات، فقد شكرهما (٤)، والله أعلم.
السابع: تقديم البر على الجهاد يعطي تعظيم أمره، وتفخيم شأنه؛ لأن مزية الجهاد عظيمة في الشرع، بل القياس يقتضي أن يكون أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الأعمال على قسمين: مقصود في نفسه، ووسيلة إلى غيره، والوسائل تتفاوت بحسب المتوسل إليه، ولما
كان الجهاد وسيلة إلى إعلاء كلمة الدين، وإظهاره على الكفر،
стр. 586
كان بحسب ما توسل إليه (١)، وقد جاء في بعض الأحاديث في ثاني رتبة من الإيمان في قوله: «إيمانٌ بالله، وجهاد في سبيله» (٢)، والله أعلم.
الثامن: أوقع ﵊ البر ثانيا بعد الصلاة؛ كما جاء ثانيا في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وفي قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
التاسع: قوله: «ثم أيُّ»، ينبغي أو يتعين أن لا ينون؛ لأنه موقوف عليه في كلام السائل ينتظر الجواب منه ﵊، والتنوين لا يوقف عليه إجماعا، وإنما نبهت على هذا، وإن كان ظاهرا؛ لأني رأيت كثيرا من المحدثين، أو الأكثر ممن رأيته (٣) ينونه، ويصله بما بعده، وهو خطأ -على ما تقرر-، بل ينبغي أن يقف عليه وقفة لطيفة، ثم يأتي بما بعده، والله أعلم (٤).
العاشر: قوله: «حدثني بهنَّ رسول الله ﷺ »: كأنه تأكيد وتقرير
стр. 587
لما تقدم، إذ لا شبهة ولا ارتياب في أن اللفظ الأول يعطي (١): أنه ﵊ حدثه بذلك.
وأما قوله: «ولو استزدْتُه، لزادني»، فيحتمل أن يريد: لزادني من هذا النوع المذكور؛ أعني: بمراتب الأعمال، وتفضيل بعضها على بعض، ويحتمل أن يريد: لزادني عما أسأله من حيث الإطلاق فيه على سعة علمه ﷺ .
الحادي عشر: فيه: جواز تكرار (٢) السؤال، والاستفتاء عن مسائل شتى في وقت واحد.
وفيه: رفق العالم، وصبره على السائل، والله أعلم.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قد تقدم أن (كان) هذه تعطي الملازمة والاستمرار على الشيء؛ أي: من عادته ﵊ أن يصلي الصبح في هذا الوقت.
ومعنى (يشهد) هنا: يحضر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: حضره.
(والنساء): من الجمع الذي لا واحد له من لفظه؛ إذ الواحد امرأة، وله نظائر كثيرة.
الثاني: (التلفع): التلحف بالشيء والالتفاف به، فيقال: تلفع الرجل بالثوب، والشجر بالورق إذا اشتمل به، وتغطى، ومنه قول الشاعر: [المنسرح]
لَمْ تَتَلَفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِهَا ... دَعْدُ وَلَمْ تُغْذَ دَعْدُ فِي الْعُلَبِ (١)
وروي: «متلففات» -بتكرير الفاء-، رواه يحيى بن يحيى في
стр. 590
«الموطأ» (١) والأكثرون على متلفعات بالعين، وهما متقاربان، إلا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس (٢).
والمروط: أكسية مربعة من صوف أو خز، وقيل: سداها شعر، الواحد: مِرْط - بكسر الميم وسكون الراء المهملة -.
والغلس: الظلمة آخر الليل، والتغليس: السير بغلس، يقال منه: غلسنا الماء؛ أي: وردناه بغلس، وكذلك إذا فعلنا الصلاة بغلس، فالغلس (٣) والغبش متقاربان؛ لكن يفترقان من أن الغلس آخر الليل، والغبش قد يكون في أول الليل، وفي آخره (٤).
وأما الغبس - بالسين المهملة - فلون كلون الرماد.
قال ابن فارس: الأغبس: لون كلون الرماد، والأغبس من ألوان
стр. 591
الخيل الذي يسمى (١): السَّمَنَّد (٢).
الثالث: قولها: «ما يعرفهن أحد من الغلس»، وفي «الموطأ»: «ما يُعرفن من الغلس» على البناء للمفعول.
قال الباجي في «منتقاه»: يحتمل أمرين:
أحدهما: لا يُعرف أرِجالٌ هن أم نساء من شدة الغلس، إنما يظهر للرائي أشباحهن خاصة، قال ذلك الداودي (٣).
ويحتمل - أيضا -: أن يريد: لا يعرف من هن من الناس من شدة الغلس، وإن عرف أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن، ولو كن غير سافرات، لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن، لا الغلس.
إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن، أحد أمرين:
إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده، لكنهن أَمِنَّ أن تُدرَك صورهن من شدة الغلس، فأبيح لهن كشف وجوههن (٤).
الرابع: الحديث دليل لمالك، والشافعي، وأحمد، على تقديم الصبح في أول وقتها؛ لانصرافهن بعد الصلاة بغلس، لا سيما مع
стр. 592
ما روي من طول قراءته ﷺ في صلاة الصبح، وخالف في ذلك أهل الكوفة، فقالوا: الإسفار بها أفضل، متمسكين بما ورد من قوله ﵊: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر» أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١).
وفي حديث رافع بن خديج: «أصبحوا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجوركم «أو: «أعظم للأجر» (٢).
وقال الترمذي: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح.
وأجاب بعضهم: بأن ذلك محمول على تحقق طلوع الفجر عند خفائه في مبدأ طلوعه.
وحمله بعض الشافعية على الليالي المقمرة، التي يصبح فيها القمر، فإن الفجر يخفى فيها غالبا؛ لغلبة نور القمر عليه (٣).
وفي هذا الجواب نظر، من حيث إن أفعل التي للمفاضلة تقتضي المشاركة والتفضيل، فيلزم منه: أنه إذا صلى قبل الإسفار بالفجر أن
стр. 593
يكون للمصلي حينئذ أجر عظيم، لا أعظم، وليس الأمر كذلك؛ لأنه إذا لم يتبين له الفجر، لا يجوز له أن يصلي حينئذ، ومن صلى في وقت تحرم عليه فيه الصلاة، كيف يكون له أجر، فضلاً عن كونه عظيما؟! إلا أن يقال: إن (أعظم) هنا، بمعنى: عظيم؛ كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]: إنه بمعنى: هين، وأشباه ذلك، فيكون المعنى: أسفروا بالفجر، فإنه عظيم أجركم، وذلك بسبب التثبت والتبين (١) لطلوع الفجر على طريق التحقيق، والله أعلم.
الخامس: فيه دليل على خروج النساء للمساجد لصلاة الصبح، وينبغي أن تقاس عليها العشاء الآخرة؛ لكونها في معناها من حيث وجود الظلمة فيهما، وهذا كله بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وليس في الحديث ما يدل على كونهن عُجَّزًا، أو شواب.
وقد كره بعضهم للشواب الخروج لذلك، وهو الأليق بزماننا، وقد قال بعض العلماء: لا تخرج المرأة إلا بخمسة شروط:
أن يكون ذلك لضرورة.
وأن تلبس أدنى ثيابها.
وأن لا يظهر عليها ريح الطيب.
وأن يكون خروجها في طرفي النهار.
стр. 594
وأن تمشي في أطراف الطريق دون وسطه، أو قريبًا من هذا، والله أعلم.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الظهيرة: الهاجرة مأخوذة (١) من الهَجْر، وهو الترك؛ لترك الناس التصرف حينئذ لشدة الحر، وقيلولتهم فيه، يقال: أتيته حد الظهيرة، وحين قام قائم الظهيرة (٢).
وأما العصر: فهو في أصل اللغة: الدهر، وفيه لغتان أخريان:
عُصْر مثل قُفْل، وعُصُر مثل عنق، والعصران: الليل والنهار، وكذلك الجديدان، والملوان، والعصران - أيضا -: الغداة والعشي، ومنه سميت صلاة العصر (٣).
وقوله: «والشمس نقية»؛ أي: صافية لم تشبها صفرة، ولم تتغير بعد؛ أي: في أول وقتها.
وقوله: «والمغرب إذا وجبت»؛ أي: سقطت، والوجوب: السقوط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]؛ أي: سقطت، وفاعل (وجبت) مستتر، وهو الشمس، وهو من المضمر الذي يفسره سياق الكلام؛ نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، ونحو ذلك.
стр. 597
والمغرب هنا: اسم زمان، مفعل من الغروب؛ أي: وقت الغروب، ويحتمل أن يكون مصدرا، والأول أظهر، وتسمى - أيضا -: صلاة الشاهد؛ لطلوع نجم حينئذ يسمى: الشاهد، فنسبت إليه.
وقيل: لاستواء الشاهد -وهو الحاضر والمسافر- في عددها؛ أي: إنها لا تقصر، وهذا عندي ضعيف؛ إذ الصبح - أيضا - لا تقصر، وهي لا تسمى: الشاهد، والله أعلم.
والأحيان: جمع حين، قال الفارسي: والحين: اسم مبهم يقع على القليل من الزمان، والكثير؛ كقوله: [من الطويل]
تَنَاذَرَهَا (١) الرَّاقُونَ مِنْ سُوءِ سُمِّهَا ... تُطَلِّقُهُ حِينًا وَحِينًا تُرَاجِعُ (٢)
وقيل: إنه يقع على ستة أشهر.
وقيل: على أربعين سنة.
وقد تقدم تفسير الغلس قريبا.
الثاني: ظاهر الحديث يقتضي عدم الإبراد بالظهر، وهو معارض بقوله (﵊: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (٣)،
стр. 598
وما في معناه من الأحاديث الواردة في ذلك في «الصحيح)؛ كحديث خباب (١)، وغيره، والغالب: أن الجمع بينهما عسر.
وقد تعرض ق للجمع بينهما، ولم يأت بمقنع على ما ستراه.
فقال: يمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقًا؛ فإنه قد تكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقًا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد، قال: وفيه بُعد.
قلت: بل هو بعيد جدا.
ثم قال: وقد يقر بما نقل عن صاحب «العين»: أن الهجير والهاجرة: نصف النهار (٢)، فإذا أخذنا بظاهر هذا الكلام، كان مطلقًا على الوقت.
قلت: بل ذلك يبعده؛ لاختصاصه بنصف النهار دون ما عداه، ومعلوم أن نصف النهار هو أول الزوال.
ثم قال: وفيه وجه آخر: وهو أن الفقهاء اختلفوا في أن الإبراد هل هو رخصة أو سنة؟
لأصحاب الشافعي قولان (٣) في ذلك، فإن قلنا: إنه رخصة،
стр. 599
فيكون قوله ﵊: «أبردوا» أمرا بإباحة، ويكون تعجيله لها في الهاجرة أخذًا بالأشق، والأولى.
قلت: وهذا لا يستقيم؛ لأنه ﵊ نبه على علة الإبراد بقوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وإذا كانت العلة تقتضي الإبراد ولا بد، فكيف يكون ترك الإبراد الأولى؟
ثم قال: أو يقول من يرى الإبراد سنة: إن التهجير لبيان الجواز، وفي هذا بعد؛ لأن قوله: «كان» يشعر بالكثرة والملازمة عرفًا (١).
قلت: فقد تحصل من مجموع هذا عدم الجمع بين الحديثين على التحقيق، والأشبه عندي أن يكون حديث التعجيل منسوخا بحديث الإبراد؛ كما قاله جماعة من العلماء على ما حكاه ح في «شرح مسلم» وقال آخرون: المختار استحباب الإبراد؛ لأحاديثه، وأما حديث خباب، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد؛ لأن الإبراد أن تؤخر الصلاة بحيث يحصل للحيطان ظل يمشون فيه، والله أعلم (٢).
وأما العصر (٣)، فلقوله: «والشمس نقية»، وقد تقدم أن ذلك
стр. 600
يقتضي أول الوقت، ويزاد هنا: أن في الحديث دلالة على أن سقوط قرصها علم على دخول الوقت، لكن الأماكن تختلف، فإذا كان في بعض الأمكنة حائل بين الرائي وبين قرصها، لم يكف في ذلك غيبوبة القرص عن العين، بل يستدل على غروبها بطلوع الليل من المغرب؛ لقوله ﵊: والسلام): «إذا غربت الشمس (١) من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم» (٢)، وإن لم يكن ثمّ حائل، فقد قال بعض أصحابنا: إن الوقت يدخل بغيبوبة الشمس وشعاعها المستولي عليها، وقد استمر العمل بصلاة المغرب عقب الغروب، وقد أخذ منه أن وقتها واحد (٣)، وهو المشهور عندنا.
وفي المذهب قول آخر: بامتداده حتى مغيب الشفق، وهو الحمرة دون الصفرة، وهو ظاهر كلام مالك ﵀ في «الموطأ» (٤).
وأما العشاء الآخرة: فليس في الحديث دليل صريح على تقديمها، ولا تأخيرها، وقد اختلف أصحابنا في ذلك على أقوال أربعة: