← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الظهيرة: الهاجرة مأخوذة (١) من الهَجْر، وهو الترك؛ لترك الناس التصرف حينئذ لشدة الحر، وقيلولتهم فيه، يقال: أتيته حد الظهيرة، وحين قام قائم الظهيرة (٢). وأما العصر: فهو في أصل اللغة: الدهر، وفيه لغتان أخريان: عُصْر مثل قُفْل، وعُصُر مثل عنق، والعصران: الليل والنهار، وكذلك الجديدان، والملوان، والعصران - أيضا -: الغداة والعشي، ومنه سميت صلاة العصر (٣). وقوله: «والشمس نقية»؛ أي: صافية لم تشبها صفرة، ولم تتغير بعد؛ أي: في أول وقتها. وقوله: «والمغرب إذا وجبت»؛ أي: سقطت، والوجوب: السقوط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]؛ أي: سقطت، وفاعل (وجبت) مستتر، وهو الشمس، وهو من المضمر الذي يفسره سياق الكلام؛ نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، ونحو ذلك.

стр. 597

والمغرب هنا: اسم زمان، مفعل من الغروب؛ أي: وقت الغروب، ويحتمل أن يكون مصدرا، والأول أظهر، وتسمى - أيضا -: صلاة الشاهد؛ لطلوع نجم حينئذ يسمى: الشاهد، فنسبت إليه. وقيل: لاستواء الشاهد -وهو الحاضر والمسافر- في عددها؛ أي: إنها لا تقصر، وهذا عندي ضعيف؛ إذ الصبح - أيضا - لا تقصر، وهي لا تسمى: الشاهد، والله أعلم. والأحيان: جمع حين، قال الفارسي: والحين: اسم مبهم يقع على القليل من الزمان، والكثير؛ كقوله: [من الطويل] تَنَاذَرَهَا (١) الرَّاقُونَ مِنْ سُوءِ سُمِّهَا ... تُطَلِّقُهُ حِينًا وَحِينًا تُرَاجِعُ (٢) وقيل: إنه يقع على ستة أشهر. وقيل: على أربعين سنة. وقد تقدم تفسير الغلس قريبا. الثاني: ظاهر الحديث يقتضي عدم الإبراد بالظهر، وهو معارض بقوله (﵊: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (٣)،

стр. 598

وما في معناه من الأحاديث الواردة في ذلك في «الصحيح)؛ كحديث خباب (١)، وغيره، والغالب: أن الجمع بينهما عسر. وقد تعرض ق للجمع بينهما، ولم يأت بمقنع على ما ستراه. فقال: يمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقًا؛ فإنه قد تكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقًا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد، قال: وفيه بُعد. قلت: بل هو بعيد جدا. ثم قال: وقد يقر بما نقل عن صاحب «العين»: أن الهجير والهاجرة: نصف النهار (٢)، فإذا أخذنا بظاهر هذا الكلام، كان مطلقًا على الوقت. قلت: بل ذلك يبعده؛ لاختصاصه بنصف النهار دون ما عداه، ومعلوم أن نصف النهار هو أول الزوال. ثم قال: وفيه وجه آخر: وهو أن الفقهاء اختلفوا في أن الإبراد هل هو رخصة أو سنة؟ لأصحاب الشافعي قولان (٣) في ذلك، فإن قلنا: إنه رخصة،

стр. 599

فيكون قوله ﵊: «أبردوا» أمرا بإباحة، ويكون تعجيله لها في الهاجرة أخذًا بالأشق، والأولى. قلت: وهذا لا يستقيم؛ لأنه ﵊ نبه على علة الإبراد بقوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وإذا كانت العلة تقتضي الإبراد ولا بد، فكيف يكون ترك الإبراد الأولى؟ ثم قال: أو يقول من يرى الإبراد سنة: إن التهجير لبيان الجواز، وفي هذا بعد؛ لأن قوله: «كان» يشعر بالكثرة والملازمة عرفًا (١). قلت: فقد تحصل من مجموع هذا عدم الجمع بين الحديثين على التحقيق، والأشبه عندي أن يكون حديث التعجيل منسوخا بحديث الإبراد؛ كما قاله جماعة من العلماء على ما حكاه ح في «شرح مسلم» وقال آخرون: المختار استحباب الإبراد؛ لأحاديثه، وأما حديث خباب، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد؛ لأن الإبراد أن تؤخر الصلاة بحيث يحصل للحيطان ظل يمشون فيه، والله أعلم (٢). وأما العصر (٣)، فلقوله: «والشمس نقية»، وقد تقدم أن ذلك

стр. 600

يقتضي أول الوقت، ويزاد هنا: أن في الحديث دلالة على أن سقوط قرصها علم على دخول الوقت، لكن الأماكن تختلف، فإذا كان في بعض الأمكنة حائل بين الرائي وبين قرصها، لم يكف في ذلك غيبوبة القرص عن العين، بل يستدل على غروبها بطلوع الليل من المغرب؛ لقوله ﵊: والسلام): «إذا غربت الشمس (١) من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم» (٢)، وإن لم يكن ثمّ حائل، فقد قال بعض أصحابنا: إن الوقت يدخل بغيبوبة الشمس وشعاعها المستولي عليها، وقد استمر العمل بصلاة المغرب عقب الغروب، وقد أخذ منه أن وقتها واحد (٣)، وهو المشهور عندنا. وفي المذهب قول آخر: بامتداده حتى مغيب الشفق، وهو الحمرة دون الصفرة، وهو ظاهر كلام مالك ﵀ في «الموطأ» (٤). وأما العشاء الآخرة: فليس في الحديث دليل صريح على تقديمها، ولا تأخيرها، وقد اختلف أصحابنا في ذلك على أقوال أربعة:

стр. 601

ثالثها: الفرق بين حضور الجماعة، فتقدم، أو عدم حضورها، فتؤخر؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. والرابع: التفصيل، فتؤخر في الشتاء ورمضان، وتقدم في غيرهما، وعّلل هذا: بطول الليل في الشتاء، وكراهة الحديث بعدها، ويفهم منه تقديمها في الصيف، وفي رمضان؛ لتشاغل الناس بفطرهم، ونحو ذلك، فقد لا يدرك الناس الصلاة جماعة، لو قدمت، وظاهر مذهب الشافعي ﵀ تقديمها على الإطلاق (١). وأما الصبح، فلقوله: «والصبح (٢) كان النبي ﷺ يصليها بغلس»، والغلس: الظلمة، على ما تقدم. مسألة: تحرير مذهب مالك ﵀ في الأوقات: أن تقديم الصبح والمغرب في أول وقتهما أولى للفذ والجماعة، حتى إذا تعارض أن يصليهما الفذ أول الوقت، أو ينتظر الجماعة، كانت صلاته لهما أول الوقت أفضل من انتظار (٣) الجماعة. وأما الظهر: فالمستحب عند مالك أن تُصلَّى في الصيف والشتاء والفيء ذراع. والعصر: دون ذلك -على المشهور-، وقيل: هي كالظهر، ولا فرق في ذلك بين الفذ والجماعة.

стр. 602

واستحب ابن حبيب تعجيلها يوم الجمعة؛ ليقرب انصراف المنتظرين لها ممن صلى الجمعة. وأما العشاء الآخرة، فقد تقدم ذكر الخلاف فيها، وهذا على طريق الاختصار، وبسط ذلك في كتب الفقه، إلا أنه لا بد هنا من ذكر قاعدتين: إحداهما: قال صاحب «الجواهر»: قال الإمام أبو عبد الله: وجوب الصلاة متعلق (١) عند جمهور المالكية بجميع الوقت. وقيل: بل يتعلق بزمن واحد يسع فعل العبادة، ولكنه غير متعين، وإنما يتعين إذا أوقع المكلف العبادة فيه. وقال القاضي أبو الوليد: إن هذا المذهب هو الجاري على أصول المالكية، وحكي عنه تخريجه على قول أهل المذهب في خصال الكفارة، ثم تعقبه الإمام، وفرق بأن خصال الكفارة متعلق الأحكام، والزمان محل الأفعال، وإذا فرعنا على الأول، ومات المكلف في وسط الوقت قبل الأداء، لم يعصِ، ولو أخر حتى خرج بعض الصلاة من الوقت، فقيل: يكون جميعها أداءً، وقيل: بل القدر الموقع في الوقت فقط (٢).

стр. 603

وثمرة الخلاف: وجوب القضاء على من أخرت صلاة العصر، ثم صلّت منها ركعة مثلاً، فغربت الشمس، ثم حاضت، وعدم وجوبه، وفي ذلك قولان لسحنون، وأصبغ. القاعدة الثانية: من اشتبه عليه الوقت، فليجتهد، ويستدل بما يغلب على ظنه دخوله، فإن خفي عليه ضوء الشمس، فليستدل بالأوراد وأعمال أرباب الصنائع، وشبه ذلك، ويحتاط. قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك: أن من سنة الصلاة في الغيم: تأخير الظهر، وتعجيل العصر، وتأخير المغرب حتى لا يشك في الليل، وتعجيل العشاء، إلا أنه يتحرى ذهاب الحمرة، وتأخير الصبح حتى (١) لا يشك في الفجر، ثم إن وقعت صلاته في الوقت، أو بعده، فلا قضاء عليه، وإن وقعت قبل الوقت، قضى؛ كالاجتهاد في طلب شهر رمضان (٢). قلت: وهذا بخلاف تحري أهل القرى ذبح من يليهم من الأئمة الأربعة؛ فإنهم إن أخطؤوا، وذبحوا قبله أجزأهم؛ للاختلاف في ذلك؛ إذ لم يقل أحد من الأئمة الأربعة (٣)، باشتراط ذبح الإمام في الأضحية إلا مالك رحمه الله تعالى.

стр. 604

ووقع لأشهب في «المجموعة»: أرجو لمن صلى العصر قبل القامة، والعشاء قبل مغيب الشفق، أن يكون قد صلى، وإن كان بغير عرفة. وقال ابن القاسم فيها - أيضا -: من جمع بين العشاءين في الحضر من غير ضرورة، أعاد الثانية أبدا، والله أعلم (١). * * *

стр. 605

الحديث الرابع ٤٧ - عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ , فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ , وَيُصَلِّي الْعَصْرَ , ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ؛ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا , وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِئَةِ (١).

стр. 606

* التعريف: سيار بن سلامة: كنيته: أبو المنهال الرياحي - بكسر الراء بعدها ياء باثنتين تحتها- الطهوي، البصري، ورياح بن يربوع بن حنظلة تابعي، سمع أبا هريرة، ونَضْلَةَ بن عبيد، هذا أصح ما قيل فيه، وأشهره. وقيل: نضلة بن عبد الله، ويقال: نضلة بن عائذ - بالذال المعجمة - الأسلمي.

стр. 607

روى عنه: سليمان التيمي، وخالد الحذاء، وشعبة، وحماد بن سلمة. أخرج حديثه في «الصحيحين» ﵁ (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قد تقدم أن (كان) هذه تشعر بالملازمة والاستمرار. وقوله: «المكتوبة»؛ أي: الصلاة المكتوبة، وهي المفروضة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وأفرد لإرادة الجنس، ويصح: المكتوبات، على تقدير: الصلوات المكتوبات، والألف واللام فيها للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها؛ لفهمه من السائل العموم (٢). وليعلم أن الفرض، والواجب، والحتم، والمكتوب، واللازم، ألفاظ مترادفة عند الجمهور. وفرق أبو حنيفة بين الفرض والواجب، فالفرض عنده: ما ثبت بدليل قطعي؛ كالصلوات الخمس، والواجب: ما ثبت بدليل ظني؛ كالوتر. الثاني: للظهر أربعة أسماء: الظهر؛ لما تقدم، والأولى؛ لأنها

стр. 608

أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ ، والهجير، والهاجرة. والهجير والهاجرة: نصف النهار، والهجر - أيضا -، فكأنها سميت باسم الزمان الذي توقع فيه، وهما؛ أعني: الهجير والهاجرة في أصل اللغة: اسم لشدة الحر، ومنه قوله: [الطويل] إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرا (١) أي: اشتد حره وقوي. وأما العصر: فلها اسمان: هذا، والعشي. وأما المغرب: فهذا، والشاهد، على ما تقدم. وأما العشاء الآخرة: فهذا، والعتمة، وإن كان قد كُره تسميتها بالعتمة، وفي الحديث: «لا يغلبنَّكُم الأعراب على اسم صلاتكم العِشاءِ» (٢)؛ أي: إن الأعراب كانوا يسمونها العتمة، لكونهم يعتمون بحلاب الإبل؛ أي: يؤخرونه إلى شدة الظلام، وقد سماها الله -تعالى- في كتابه العزيز بالعشاء، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨].

стр. 609

وورد في الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة، منها: قوله ﷺ : «لو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا» (١). وأجيب عن ذلك بوجوه: إما أنه لبيان الجواز. وإما لعل المكروه أن يغلب عليها اسم العتمة بحيث يهجر تسميتها بالعشاء. وإما لأنه خاطب بذلك من لا يعرف العشاء (٢). وفي هذا الأخيربعد. وأما الصبح: فلها ثلاثة أسماء: هذا، والفجر، والغداة. وقوله: «تدعونها»؛ أي: تسمونها، قال الشاعر: دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يفعل الأخوان (٣) أي: سمتني أخاها.

стр. 610

وقوله: «حين تدحض الشمس» هو بفتح التاء المثناة فوق، وبفتح (١) الحاء أيضا؛ أي: حين تزول عن كبد السماء، وأصل الدِّحْض: الزلق (٢). الثالث: كُره النوم قبلها خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها الاختياري، وهو ثلث الليل على المشهور، وقيل: النصف، أو الضروري، أو خشية نسيانها، وكره الحديث بعدها إما خشية أن ينام عن الصبح بسبب سهره أول الليل، وإما خشية أن يقع في الحديث من اللغط واللغو ما لا ينبغي أن تُختم به اليقظةُ (٣). وهذا العموم؛ أعني: عموم قوله: «والحديثَ بعدها» مخصوص بما استثني من الحديث في العلم وجميع القربات. قالوا: واستُثني - أيضا -: العروس (٤)، والضيفُ، والمسافر، وما تدعو الحاجة إليه من الحديث الذي تتعلق به مصالح الإنسان الدنيوية؛ كالبيع، والشراء، ومثل: خذْ، وكل، ونم، وغير ذلك مما تدعو الضرورة إليه. وبالجملة: فالأَوْلَى بالإنسانِ تقليلُ الكلام ما استطاع، ما لم تتعلق بذلك مصلحةٌ دينية، أو دنيوية، كان في ليل، أو نهار؛ فإن الله

стр. 611

تعالى يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. وقد قال العلماء: إذا استوى الكلام وتركه، فالسنة الإمساك عن الكلام؛ لأنه قد يجر الكلام المباح (١) إلى المكروه، أو المحرَّم، بل هذا هو الأكثر الأغلب في العادة، والله أعلم، والسلامة لا يعدلها شيء (٢). وفي الصحيحين: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا، أو ليصمت» (٣). وقد (٤) قال مالك ﵀: من عد كلامه من عمله، قلّ كلامه (٥). وقيل في الحكمة: إنما جُعل لك لسانٌ واحد، وأذنان؛ ليكون ما تسمع أكثر مما تقول. ويقال: لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب.

стр. 612

وأنشدني بعض الأصحاب (١) لعبد الملك بن موسى الشريشِّي: إِذَا مَا اضْطُرِرْتَ إِلَى كَلِمَةٍ ... فَدَعْهَا وَبَابَ السُّكُوتِ اقْصِدِ فَلَوْ كَانَ نُطْقُكَ مِنْ فِضَّةٍ ... لَكَانَ سُكُوتُكَ مِنْ عَسْجَدِ فنظم هذا المعنى الذي ذكرنا (٢). وقد رأيت في بعض الكتب: أن رجلاً سأل مالكًا ﵀ في مرضه الذي مات فيه، فقال: أوصني، فقال: إن شئت، جمعت لك علم العلماء، وحكم الحكماء، وطب الأطباء في ثلاث كلمات: أما علم العلماء: فإذا سُئِلتَ عمَّا لا تعلم، فقل: لا أعلم. وأما حكم الحكماء: فإذا كنت جليس قوم، فكن أسكتهم، فإن أصابوا، كنت من جملتهم، وإن أخطؤوا، سلمت من خطئهم. وأما طب الأطباء: فإذا أكلت طعاما، فلا تقم إلا ونفسك تشتهيه، فإنه لا يلم بجسدك غير مرض الموت. أو قريبًا من هذا، فنسأل الله العصمة والتأييد، إنه حميد مجيد، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم (٣).

стр. 613

الرابع: قوله: «وكان ينفتل من صلاته (١) ... إلى آخره»: يدل على ما تقدم من تقديم الصبح أول وقتها؛ فإن ابتداء معرفة الإنسان جليسه يكون مع بقاء الغلس (٢). وقوله: «وكان يقرأ بالستين إلى المئة»؛ أي: بالستين من الآي إلى المئة منها، وهذا - أيضا - يدل على التقديم؛ لأنه ﷺ كان يرتل قراءته، ومع ذلك يكون فراغه عند ابتداء معرفة الرجل جليسه، ويركع، وينصرفُ النساءُ متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغَلَس. تنبيه: انظر قوله: «حين يعرف الرجل جليسه»، هل المراد بالجليس هنا: من جرت عادته بمجالسته في غير الصلاة، أو من هو بإزائه في الصلاة عن يمينه، أو شماله خاصة، كائنا من كان؟ والأول أسعد بظاهر اللفظ؛ لأن جليسا (فَعيل) (٣)، وهو من أبنية المبالغة المشعِرة بالتكرار والكثرة، حتى لو لم يرد ذلك، لقيل (٤): من بإزائه، ونحو ذلك، ويختلف المعنى باختلاف ذلك؛ فإن معرفة من جرت عادته بمجالسته كثيرا أسرع قطعا من معرفة غيره. الخامس: فيه: تأدب الصغير مع الكبير عند السؤال.

стр. 614

وفيه: جواز سرعة المفتي بالجواب إذا كان مستحضرا له، عالمًا به؛ لقوله: «فقال»، فأتى بالفاء المعقبة، والله أعلم. * * *

стр. 615

الحديث الخامس ٤٨ - عَنْ عَلِيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «مَلأَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (١) وَبُيُوتَهُمْ نَارًا, كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» (٢). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى؛ صَلاةِ الْعَصْرِ»،

стр. 616

ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (١). وَلَهُ (٢): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ صلاة الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى؛ صَلاةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً» , أَوْ: «حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً» (٣). * * * * الكلام على الحديث من وجوه:

стр. 617

الأول: قوله: (يوم الخندق): أي: في يوم من أيام حفر الخندق، وكان حفر الخندق سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس، ويسمى أيضا: يوم الأحزاب؛ لتحزيب الكفار على رسول الله ﷺ حين أجلى بني النضير، فخرج نفر منهم إلى مكة - شرفها الله تعالى -، فحرضوا قريشا على قتاله ﵊، ثم عادوا إلى غطفان وسُليم، فحرضوهم أيضا، فاجتمع الكل على القتال، فأولئك الأحزاب، فلما أقبلوا نحو المدينة، أشار سلمان ﵁ بالخندق، فحُفِر. الثاني: قوله ﵊ «شغلونا»: هذه هي اللغة الفصحى شغل، وفي لغة رديئة، أشغل. والشغل، قال الجوهري: فيه أربع لغات: شُغْل، وشُغُل، وشَغْل، وشَغَل، والجمع: أشغال (١). الثالث: «الوسطى»: (فُعْلَى) مؤنث الأفعل، وهو الأوسط، وكلاهما لا يستعمل إلا بالألف واللام، أو الإضافة، أو من، ف «الوسطى» على الرواية الأولى؛ صفة، وعلى الثانية؛ بدل صلاة العصر من الصلاة الوسطى (٢)، من باب بدل الكل من الكل، والمعرفة من المعرفة. فائدة: (وس ط) في تركيب لسان العرب عبارة عن أحد معنيين: إما عن الغاية في الجودة، وإما عن معنى يكون ذا طرفين، نسبتهما إلى

стр. 618

الطرفين من جهتهما سواء، وذلك يكون بالعدد، والزمان، والمكان. الرابع: اختلف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] على أقاويل تنيف على العشرة، على ما ستراه: فقيل: صلاة الصبح، وقيل: الظهر، وقيل: العصر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء الآخرة، وقيل: الجمعة، وقيل: الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الأيام، وقيل: جميع الصلوات الخمس، وقيل: الصبح والعصر، وقيل: الصبح والعشاء الآخرة، وقيل: مبهمة في الخمس إبهام الساعة في يوم الجمعة، وليلة القدر في رمضان، واسم الله الأعظم في سائر أسمائه تعالى، وشبه ذلك؛ لأنه أبعث على المحافظة على جميعها؛ إذ في إبهامها وترك تعيينها حث على الإتيان بجميعها، فكان أولى بها من التعيين المفضي إلى إهمال ما سواها. وقيل: صلاة الجماعة، وقيل: الوتر، وقيل: صلاة الخوف، فهذه أربعة عشر قولاً (١). تفصيل هذه الأقوال، ونسبتها إلى قائليها، وتوجيه ما أمكن توجيهه منها: أما أنها الصبح: فمن (٢) نُقل عنه ذلك: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد،

стр. 619

والربيع بن أنس، ومالك بن أنس (١)، والشافعي، والجمهور من أصحابه، وغيرهم ﵃. وأما أنها الظهر: فممن (٢) نقل ذلك عنه: زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبو سعيد الخدري، وعائشة، وعبد الله بن شداد، ورواية عن أبي حنيفة. وأما أنها العصر: فممن (٣) نقل ذلك عنه: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعبيدة السلماني، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وابن المنذر، وابن حبيب من أصحابنا، وغيرهم. قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم (٤). وقال الماوردي: وهو مذهب جمهور التابعين (٥). وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر (٦). وقال ابن عطية في «تفسيره»: وعلى هذا القول جمهور الناس،

стр. 620

وبه أقول (١). وقال الإمام أبو عبد الله المازري (٢)، وغيره: هذا مذهب الشافعي؛ لصحة الحديث فيه، وإنما نص على أنها الصبح؛ لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر (٣)، ومذهبه اتباع الحديث (٤). قلت: وقد صنف شيخنا شرف الدين الدمياطيُّ -رحمه الله تعالى- في أن مذهب الشافعي أنها العصر مجلدا سماه: «كشف المغطَّى في تبيين الصلاة الوسطى»، أجاد فيه وأحسن، وأوضح فيه وبيَّن، فليقف عليه من أراد تحصيل هذه المسألة. وأما أنها المغرب: فقد روي ذلك عن قبيصة ابن ذؤَيب، وقتادة، على اختلاف عنه. وأما أنها صلاة العشاء الآخرة: فحكي عن علي بن أحمد النيسابوري، وغيره. وأما أنها الجمعة: فحكاه الماوردي في تفسيره الملقب ب «النكت» عن آخرين، ونسبه ابن ظفر إلى بعض المتأخرين، وحكاه - أيضا - الحافظ المقدسي.

стр. 621

وأما أنها الجمعة في يوم الجمعة، والظهر في سائر الأيام، فذكره أبو بكر محمد بن مقسم في «تفسيره»، وعزاه إلى علي بن أبي طالب - ﵁. وأما أنها جميع الصلوات الخمس: فقال النقاش أيضا في «تفسيره»: ثم زعمت طائفة خرجت عن الأقاويل المشهورة: أن معنى الصلاة الوسطى، هي: الصلوات الخمس، وهي الوسطى من الدين، كما جاء عن النبي ﷺ ، أنه قال: «بني الإسلام على خمس» (١)، قالوا: فهي الوسطى من الخمس، وهذا القول يروى عن معاذ، وابن حنبل، وعبد الرحمن بن غنم، والله تعالى أعلم بحقيقته. وقال الحافظ أبو الحسن المقدسي: قيل: إنها الصلوات الخمس؛ لأنها وسط الإسلام؛ أي: خياره، وكذلك قال عمر ﵁: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (٢)؛ لأن تاركها كافر مطلقًا على قول بعض العلماء، فيكون قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] على هذا عاما في المفروضات والمندوبات، ثم خص المفروضات بمزيد المحافظة؛ تأكيدا لها بالوجوب، وتشريفًا لها بالإفراد بالذكر؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وكقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].

стр. 622

وأما أنها الصبح والعصر جميعا: فذهب إليه القاضي أبو بكر الأبهري من أصحابنا، على ما نقله شيخنا شرف الدين الدمياطي -رحمه الله تعالى- في كشف المغطى. وأما أنها الصبح والعشاء الآخرة: فذكره ابن مقسم في «تفسيره»، ونسبه إلى أبي الدرداء ﵁، لقوله ﷺ : «لو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا» (١)، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة فيهما. وأما أنها مبهمة غير معينة: فهو قول الربيع بن خيثم (٢)، ويحكى عن سعيد بن المسيب، ونافع، وشريح، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم-. وأما أنها صلاة الجماعة: فحكاه الماوردي في «نكته»؛ لقوله ﷺ : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا» (٣)، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في ذلك. وأما أنها الوتر: فهو اختيار الشيخ أبي الحسن علي بن محمد السخاوي المقرئ النحوي -رحمه الله تعالى-، متمسكًا بأن المعطوف غير المعطوف عليه، وزعم أن الأمر بالمحافظة وقع على الصلوات الخمس، وبالمحافظة على الصلاة الوسطى وقع على صلاة أخرى من غيرهن، وليس لنا صلاة أخرى خارجة عنهن إلا الوتر، وذكر الأحاديث الواردة في فضل الوتر تقوية لما ذهب إليه.

стр. 623

وأما أنها صلاة الخوف: فلم أعلم قائله على التعيين، غير أن الشيخ شرف الدين ﵀ قال في كشف المغطى المذكور: حكاه لنا من يوثق به من أهل العلم؛ لقوله -تعالى- بعد (١): ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩]، وذكر وجه الدليل من الآية من ثلاثة أوجه، في بعضها أو كلها نظر، لا نطول بذكرها. قال الشيخ شرف الدين ﵀: وقيل: إنها صلاة عيد الأضحى؛ حكاه لنا من وقف عليه في بعض الشروح المطولة. قال: وذهب آخرون إلى أنها صلاة عيد الفطر (٢)، حكاه لنا أيضا المشار إليه في صلاة الأضحى، قال: وذاكرت فيها أحد شيوخي الفضلاء، فقال: أظنني وقفت على قول من ذهب إلى أنها صلاة الضحى، ثم تردد فيه، فإن ثبت هذا القول، فهو تمام سبعة عشر قولاً. قال الشيخ: وكان شيخنا الحافظ أبو محمد المنذري ﵀ يقول (٣): في المراد «بالوسطى»، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أوسط الصلاة مقدارا. والثاني: أنها أوسطها محلاًّ.

стр. 624

والثالث: أنها أفضلها، وأوسط كل شيء أفضله. فمن قال: الوسطى: الفُضْلى، جاز لكل ذي مذهب أن يدعيه، ومن قال: مقدارا، فهي المغرب (١)؛ لأن أقلها ركعتان، وأكثرها أربع، ومن قال: محلاً، ذكر كل أحد (٢) مناسبة يوجه بها قوله. قال الشيخ شرف الدين: وحكى ابن مقسم، عن ابن المسيب: أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ هكذا مختلفين في الصلاة الوسطى، وشبك بين أصابعه (٣). وقال النقاش: قال أنس ﵁: ما اختلفوا في شيء، ما اختلفوا في الصلاة الوسطى، وشبك بين أصابعه. وأما التابعون، والمفسرون، والمتأولون؛ فعلى مثل اختلاف الصحابة فيها، وليس من الصلوات الخمس صلاة إلا قيل فيها: إنها الصلاة الوسطى، انتهى. قلت: وبالجملة: فقد قال غير واحد من العلماء: إن أصح هذه الأقوال قول من قال: إنها العصر، أو الصبح (٤)، ومال كثيرون إلى ترجيح قول من قال: إنها العصر (٥)؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك

стр. 625

-على ما تقدم-، ثم الآثار، ثم ما ورد فيها من الاختصاص والفضل، ودل على شرف وقتها في شرعنا وشرع من قبلنا. وأما ما روي عن (١) عائشة ﵂: أنها أملَت على كاتبها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ثم قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ (٢). وروي عن حفصة بنت عمر ﵂ نحوه (٣)، والعطف يدل على التغاير، فلا يعارض ما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة؛ لأنه لا حجة فيه من حيث كانت القراءة الشاذة لا توجب علما، ولا عملاً، قال ابن العربي: باتفاق الأمة. قلت: قوله: باتفاق الأمة فيه نظر؛ فإن الشيخ أبا الوليد الباجيَّ ﵀ قال في المنتقى في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ما معناه: إن العلماء اختلفوا

стр. 626

في القراءة الشاذة، هل تجري مجرى خبر الواحد، أو لا؟ على ثلاثة أقوال، ثالثها: الفرق بين أن يسند، أو لا يسند، وصحح عدم العمل بها، واختاره (١). وهذا لا يلتئم مع ما نقله ابن العربي -رحمه الله تعالى-. وقال بعض متأخري الشافعية -وأظنه ح-: مذهبنا: أن القراءة الشاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ﷺ ؛ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنا، لا يثبت خبرا، انتهى (٢). هذا مع أن حديث عائشة ﵂ في أفراد مسلم، وحديث علي متفق عليه. وأيضا: ثبوت الواو رواه واحد، وإسقاطها رواه جماعة، تقرب روايتهم من حد التواتر، بل قد زعم بعض السلف أنها تواتر. وأيضا: ظاهر حديثها يحتمل التأويل، وحديث علي ﵁ نص صريح لا يحتمل التأويل. وأيضا: ليس في حديث علي ما يخالف التلاوة القطعية التي قامت بها الحجة، وحديثها يخالفها. وأيضا: فقد روي عن البراء بن عازب ﵁، قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر)، فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله ، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ

стр. 627

الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقال له رجل: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله تعالى. صحيح عالٍ انفرد به مسلم، فرواه في مسنده الصحيح، وقال فيه: هي إذن صلاة العصر (١). فقد تعارض حديث البراء وحديث عائشة ﵂ في هذه الرواية، فيتساقطان، ويتعين المصير إلى حديث علي ﵁، على أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث عائشة ﵂ من وجهين: أحدهما: أن تكون الواو زائدة كما جاءت زائدة في كتاب الله تعالى، وغيره من كلام الفصحاء في غير ما موضع، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]، وقاله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّيْنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]، معناه فيما حكي عن الخليل: يصدون عن سبيل الله، والواو فيه مُقْحَمة، ومثله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨]، وكذلك: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٤]، أي: ناديناه، وقال الأخفش والكوفيون في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]: إن الجواب (فتحت أبوابها). ولا اعتبار بما ذكره بعض ضعفة النحويين: من أنها واو الثمانية، على ما قررناه في «شرح رسالة ابن أبي زيد»، أعان الله على إكماله.

стр. 628

ومن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ أي: انتحى بنا (١). وقال آخر: [الكامل] حَتَّى إِذَا قَمِلَتْ بطونُكمُ ... وَرَأَيْتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا وَقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ... إِنَّ اللَّئِيمَ الْعَاجِزُ الخِبُّ (٢) أي: قلبتم لنا، ومعنى قملت: كبرت. والوجه الثاني: وهو المختار عند محققي النحاة ﵏: أن الواو ليست بزائدة، وأن العطف جاء للتنويه والتعظيم، ويكون من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، كما عطف المطلق على المقيد (٣) في قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، إلى غير ذلك من الآيات (٤).

стр. 629

قال (١) الزمخشري عند قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]: إن قلت: كيف قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ قلت: الدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص، فجيء بالعام، ثم عطف عليه الخاص؛ إيذانا بفضله؛ كقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (٢)، ومنه بيت الحماسة: [الطويل] أَكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجاً ولَبَانَهُ ... إِذَا مَا اشْتَكَى وَقْعَ الرِّمَاحِ تَحَمْحَمَا (٣) فعطف لبانه على الصحيح من الرواية -وهو صدره- على (٤) دعلج، وهو اسم فرس، ومعلوم أن الفرس لا يكر دون صدره، فعطف البعض على الكل الذي هو داخل فيه، لما كان الصدر يلتقي به، وتقع به المصادمة، فأعاده لهذه الفائدة، وكقول الآخر: [المتقارب] إِلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ (٥)

стр. 630

فعطف (ليثِ الكتيبة، وابنِ الهمام) على (الملكِ القرمِ)، وهو هو في المعنى؛ لما فيه من الزيادة في مدحه، والتنويه بذكر أبيه. فإن قلت: قد حصل التخصيص والتنويه في العطف الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فوجب أن يكون الثاني، وهو قوله: (وصلاة العصر) مغايراً (١) له، وأن الوسطى ليست العصر، إذ الشيء لا يعطف على نفسه. قلت: العطف الأول لما ذكر، والثاني: جاء توكيدا وبيانا لما اختلف اللفظان، كما حكى سيبويه: مررت بأخيك وصاحبك، والصاحب هو الأخ (٢). وقال أبو دؤاد (٣) الإيادي: [الخفيف] سُلِّطَ المَوْتُ والمَنُونُ عليهِمْ ... فلَهُمْ في صَدَى المَقَابِرِ هامُ (٤) والمنون: الموت. وقال عديُّ بن زيد العباديُّ: وَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ ... فَأَلْفَى قَوْلهَا كَذِباً وَمَيِناَ (٥)

стр. 631

والمَيْن: الكذب. وقال آخر: [الطويل] أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأَرْضٌ بِهَا هِنْدُ ... وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ (١) والنأي: البعدُ بعينه. وقال طَرَفَة بن العبد: [الطويل] فَمَالِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّي مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ وقال عنترة: [الكامل] حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ وأقوى: بمعنى: أقفر. وقال ابن دريد: [الرجز] مَنْزِلَةٌ مَا خِلْتُهَا يَرْضَى بِهَا ... لِنَفْسِهِ ذُو أَرَبٍ وَلا حِجَا والأربُ والحِجا: العقل. حتى إن الشيء يضاف لنفسهِ عند اختلاف اللفظ؛ كما قال ابن دريد أيضا: [الرجز] فَكُلُّ مَا لاقَيْتُهُ مُغْتَفَرٌ ... فِي جَنْبِ مَا أَسْأَرَهُ شَحْطُ النَّوَى (٢)

стр. 632

والشحطُ (١): وهو النوى؛ أي: البعد. وهذا كثير جدا لا يكاد يحصى، والله أعلم (٢). وإذا ثبت الجمع بين الحديثين، ثبت أنها العصر. وأما ما روي عن مالك ﵀: أنه بلغه أن علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵄ كانا يقولان: الصلاة الوسطى: صلاة الصبح، قال مالك: وذلك رأيٌ. فللمخالف أن يجيب عنه بأن يقول: البلاغ في معنى المرسل الذي لا يثبت به حجة عندي. وأيضا: فقد روينا بالإسناد المتصل إلى علي، وابن عباس ﵄ أنهما قالا: الصلاة الوسطى: صلاة العصر، فيقدم على هذا (٣) البلاغ. وأيضا: فقد روينا في بعض طرق حديث (٤) علي ﵁ المتقدم: أنه كان يراها الصبح، ثم رجع عنه، والمرجوع عنه لا يكون مذهبا للراجع. فإن قلت: فقد روى النسائي في سننه من حديث جابر بن زيد،

стр. 633

عن ابن عباس ﵄ قال: أَدْلَجَ رسول الله ﷺ ، ثم عَرَّسَ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، أو بعضها، فلم نصل حتى ارتفعت الشمس، فصلَّى، وهي صلاة (١) الوسطى (٢). وذلك ظاهر في صلاة الصبح. قلت: يجوز أن يكون قوله: وهي صلاة الوسطى من كلام الراوي، بل هو الظاهر، لا من كلام ابن عباس، سلَّمنا أنه من كلامه، لكن تقدم ما يعارضه من قوله وحديثه، وقد نقل عنه ابن عطية: أنه قرأ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، صلاة العصر) على البدل. قال: وروى (٣) هذا القول سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ . قال: وتواتر الحديث عن النبي ﷺ : أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا»، وقال علي بن أبي طالب ﵁: كنا نرى أنها الصبح، حتى قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر»، فعرفنا أنها العصر (٤). هذا كله على الرواية في حديث عائشة ﵂: وصلاة العصر، وإلا، فقد قال ابن عطية في تفسيره: وفي مصحف عائشة

стр. 634

-﵂: والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر. قال: وهو قولها المرويُّ عنها. قال: ومن روى: وصلاة العصر، فيتأول بأنه عطف أحدى (١) الصفتين على الأخرى، وهما لشيء (٢) واحد؛ كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل (٣). وإذا ثبت هذا، ارتفع التعارض بين الحديثين من كل وجه، ولم يحتج إلى استدلال على كونها صلاة العصر، والله أعلم. وأما بقية الأقوال، فتوجيهها مذكور في كشف المغطى المتقدم ذكره، وخشية الإطالة مانعة من ذكره، وبالله التوفيق. السادس: قوله: «فصلاها بين المغرب والعشاء»؛ أي: بين وقت المغرب والعشاء، ويحتمل أن يكون المراد: صلاها بين صلاة المغرب والعشاء، فيؤخذ من الأول الترتيب، ومن الثاني: عدمه، وهذان الاحتمالان متساويان أو متقاربان؛ إذ اللفظ بظاهره (٤) يعطي تقديم المغرب على العصر، إلا أنه يترجح الأول، أو يتعين بالحديث الآتي في آخر الباب؛ حيث قال فيه جابر: «فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها

стр. 635

المغرب»، فهذا صريح في تقديمها على صلاة المغرب (١)، لكن هل ذلك على طريق الوجوب، أو الندب؟ فيه نظر، وينبغي أن يتخرج على مسألة أصولية، وهي: أن أفعاله ﵊ التي ليست بيانا لمجمَل، هل هي على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو الوقف؟ وقد تقدم مثل هذا. وقد (٢) تقدم أن مذهب مالك ﵀: أنها على الوجوب، فالترتيب عنده يجب في خمس صلوات فما دونهن، أو أربع. والشافعي يقول: هي على الندب، فالترتيب (٣) عنده مستحب، قلَّت الفوائت أو كثرت، لكن بشرط (٤) أن لا يخرج وقت الحاضرة لصلاة فائتة، بخلاف ما نقول؛ فإن مذهبنا البداية بتقديم الفائتة، وإن خرج وقت الحاضرة على ما تقدم من العدد المذكور. ولتعلم: أن العلماء اختلفوا في ترتيب الفوائت على ثلاثة مذاهب: فمذهبنا (٥): الوجوب -على ما تقدم-، وبه قال أبو حنيفة. ومذهب الشافعي: الاستحباب، وبه قال طاووس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وداود.
следующие страницы →