والمَيْن: الكذب.
وقال آخر: [الطويل]
أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأَرْضٌ بِهَا هِنْدُ ... وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ (١)
والنأي: البعدُ بعينه.
وقال طَرَفَة بن العبد: [الطويل]
فَمَالِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّي مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ
وقال عنترة: [الكامل]
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
وأقوى: بمعنى: أقفر.
وقال ابن دريد: [الرجز]
مَنْزِلَةٌ مَا خِلْتُهَا يَرْضَى بِهَا ... لِنَفْسِهِ ذُو أَرَبٍ وَلا حِجَا
والأربُ والحِجا: العقل.
حتى إن الشيء يضاف لنفسهِ عند اختلاف اللفظ؛ كما قال ابن دريد أيضا: [الرجز]
فَكُلُّ مَا لاقَيْتُهُ مُغْتَفَرٌ ... فِي جَنْبِ مَا أَسْأَرَهُ شَحْطُ النَّوَى (٢)
стр. 632
والشحطُ (١): وهو النوى؛ أي: البعد.
وهذا كثير جدا لا يكاد يحصى، والله أعلم (٢).
وإذا ثبت الجمع بين الحديثين، ثبت أنها العصر.
وأما ما روي عن مالك ﵀: أنه بلغه أن علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵄ كانا يقولان: الصلاة الوسطى: صلاة
الصبح، قال مالك: وذلك رأيٌ.
فللمخالف أن يجيب عنه بأن يقول: البلاغ في معنى المرسل الذي لا يثبت به حجة عندي.
وأيضا: فقد روينا بالإسناد المتصل إلى علي، وابن عباس ﵄ أنهما قالا: الصلاة الوسطى: صلاة العصر، فيقدم على هذا (٣) البلاغ.
وأيضا: فقد روينا في بعض طرق حديث (٤) علي ﵁ المتقدم: أنه كان يراها الصبح، ثم رجع عنه، والمرجوع عنه لا يكون مذهبا للراجع.
فإن قلت: فقد روى النسائي في سننه من حديث جابر بن زيد،
стр. 633
عن ابن عباس ﵄ قال: أَدْلَجَ رسول الله ﷺ ، ثم عَرَّسَ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، أو بعضها، فلم نصل حتى ارتفعت الشمس، فصلَّى، وهي صلاة (١) الوسطى (٢). وذلك ظاهر في صلاة الصبح.
قلت: يجوز أن يكون قوله: وهي صلاة الوسطى من كلام الراوي، بل هو الظاهر، لا من كلام ابن عباس، سلَّمنا أنه من كلامه، لكن تقدم ما يعارضه من قوله وحديثه، وقد نقل عنه ابن عطية: أنه قرأ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، صلاة العصر) على البدل.
قال: وروى (٣) هذا القول سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ .
قال: وتواتر الحديث عن النبي ﷺ : أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا»، وقال علي بن أبي طالب ﵁: كنا نرى أنها الصبح، حتى قال رسول الله ﷺ يوم
الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر»، فعرفنا أنها العصر (٤).
هذا كله على الرواية في حديث عائشة ﵂: وصلاة العصر، وإلا، فقد قال ابن عطية في تفسيره: وفي مصحف عائشة
стр. 634
-﵂: والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر.
قال: وهو قولها المرويُّ عنها.
قال: ومن روى: وصلاة العصر، فيتأول بأنه عطف أحدى (١) الصفتين على الأخرى، وهما لشيء (٢) واحد؛ كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل (٣).
وإذا ثبت هذا، ارتفع التعارض بين الحديثين من كل وجه، ولم يحتج إلى استدلال على كونها صلاة العصر، والله أعلم.
وأما بقية الأقوال، فتوجيهها مذكور في كشف المغطى المتقدم ذكره، وخشية الإطالة مانعة من ذكره، وبالله التوفيق.
السادس: قوله: «فصلاها بين المغرب والعشاء»؛ أي: بين وقت المغرب والعشاء، ويحتمل أن يكون المراد: صلاها بين صلاة المغرب والعشاء، فيؤخذ من الأول الترتيب، ومن الثاني: عدمه، وهذان الاحتمالان متساويان أو متقاربان؛ إذ اللفظ بظاهره (٤) يعطي تقديم المغرب على العصر، إلا أنه يترجح الأول، أو يتعين بالحديث الآتي في آخر الباب؛ حيث قال فيه جابر: «فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها
стр. 635
المغرب»، فهذا صريح في تقديمها على صلاة المغرب (١)، لكن هل ذلك على طريق الوجوب، أو الندب؟
فيه نظر، وينبغي أن يتخرج على مسألة أصولية، وهي: أن أفعاله ﵊ التي ليست بيانا لمجمَل، هل هي على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو الوقف؟ وقد تقدم مثل هذا.
وقد (٢) تقدم أن مذهب مالك ﵀: أنها على الوجوب، فالترتيب عنده يجب في خمس صلوات فما دونهن، أو أربع.
والشافعي يقول: هي على الندب، فالترتيب (٣) عنده مستحب، قلَّت الفوائت أو كثرت، لكن بشرط (٤) أن لا يخرج وقت الحاضرة لصلاة فائتة، بخلاف ما نقول؛ فإن مذهبنا البداية بتقديم الفائتة، وإن خرج وقت الحاضرة على ما تقدم من العدد المذكور.
ولتعلم: أن العلماء اختلفوا في ترتيب الفوائت على ثلاثة مذاهب:
فمذهبنا (٥): الوجوب -على ما تقدم-، وبه قال أبو حنيفة.
ومذهب الشافعي: الاستحباب، وبه قال طاووس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وداود.
стр. 636
والثالث: قول زفر، وأحمد، وهو أن الترتيب واجب، قلّت الفوائت أو كثرت.
قال أحمد: ولو نسي الفوائت، صحت الصلوات التي يصلى بعدها.
وقال أحمد، وإسحاق: ولو ذكر فائتة وهو في حاضرة، أتم التي هو فيها، ثم قضى الفائتة، ثم تجب إعادة الحاضرة (١).
السابع: كان هذا التأخير قبل نزول صلاة الخوف، وسيأتي الكلام عليها في بابها إن شاء الله تعالى.
وهل كان هذا التأخير عمدا، أو نسيانا؟
قيل: إنه أخرها نسيانا؛ لاشتغاله ﵊ بأمر العدو، والله أعلِمَ (٢).
واختلفت الروايات في عدد الصلوات التي أخرها ﵊ في هذا الحديث:
ففي الكتابين: أنها العصر، وظاهره أنه لم يفته غيرها.
وفي الموطأ: أنها الظهر والعصر (٣).
وفي غيرهما: أنه أخر أربع صلوات: الظهر، والعصر (٤)، والمغرب،
стр. 637
والعشاء، حتى ذهب هَوِيُّ من الليل (١)، وقد يمكن الجمع بينهما، بأن يقال: إن وقعة الخندق كانت أياما، فيكون قد وقع هذا في يوم، وهذا في يوم آخر، والله تعالى أعلم.
الثامن: لا يتوهم من قوله في الحديث الآخر: «حتى اصفرت الشمس» مخالفته (٢) للحديث الأول؛ من صلاتها بين المغرب والعشاء؛ لأن الحبس انتهى إلى هذا الوقت، لكن لم تقع الصلاة إلا بعد المغرب؛ كما في الحديث الأول، إما لاشتغاله ﵊ بأسباب الصلاة، أو غيرها؛ مما يصلح أن يكون عذرا في التأخير (٣).
التاسع: فيه دليل على جواز الدعاء على الكفارة بمثل هذا، وإنما تردد ابن مسعود ﵁ بين «ملأ»، و «حشا»؛ لاختلاف معناهما، فإن «حشا» يقتضي التراكم، وكثرة أجزاء المحشو، بخلاف «ملأ»، فلا يكون في ذلك متمسك لمن منع رواية الحديث بالمعنى؛ إذ من شرط الرواية بالمعنى أن لا ينقص معنى أحد اللفظين عن الآخر شيئًا، مع الاتفاق على أن رواية اللفظ أولى، فلعل ابن مسعود ﵁ تحرَّى الأَوْلى، والله أعلم (٤).
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «أعتمَ»؛ أي: دخل في العتمة، وهي الظلمة، يقال: عتم الليل يعتم: إذا أظلم، وقد قيل: إن العتمة اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشفق، قاله الخليل -رحمه الله تعالى- (١)، فأعتم مثل أصبح وأمسى: إذا دخل في الصباح والمساء، وكذلك أظهر: إذا (٢) دخل في الظهر، ومثله في المكان، أنجد، وأتهم، إذا نزل بنجد وتهامة، ونحو ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨] (٣)، وقد تقدم الكلام على كراهة اسم العتمة، وما نقل في ذلك.
الثاني: قوله: «الصلاةَ» منصوب بفعل مضمر، يجوز إظهاره، تقديره: صل الصلاةَ، أو أقم الصلاة، أو افعل الصلاة، ونحو ذلك مما يصح المعنى عليه، وإنما يجوز حذف الفعل والاكتفاء بالاسم إذا دل على الفعل المحذوف دليل حال حذفه، وإلا، لم يجز الحذف، والضابط في هذا الباب أن يقال: الفعل إما أن يكون عليه دليل حال حذفه، أو لا، فإن لم يكن عليه دليل، لم يجز حذفه، ألا ترى أنك لو قلت: زيدا - مثلاً -، لم يدر هل أردت: اضرب زيدا، أو أكرم زيدا، أو غير ذلك.
стр. 640
وإن كان عليه دليل إذا أضمر، ساغ الإضمار، ولا يخلو بعد الإضمار إما أن تجعل الاسم المنصوب عوضا من الفعل المحذوف، أو لا، فإن لم تجعله عوضا منه، جاز إضماره وإظهاره، نحو قول عمر ﵁: الصلاةَ، وكذلك لو رأيت رجلاً آخذًا في أهبة الحج، لقلت: مكةَ والله؛ أي: قصد مكةَ والله.
وإن جعلنا (١) الاسم المنصوب عوضا من الفعل المحذوف، لم يجز إظهار ذلك الفعل؛ لأن فيه جمعا بين العوض والمعوض منه،
إلا أن جعل الاسم المنصوب عوضا من الفعل المحذوف لا يطرد، وإنما جاء ذلك في مواضع تحفظ، ولا يقاس عليها، ومن (٢) ذلك قولهم: مرحبا، وأهلاً وسهلاً، ورحبا، جميع ذلك منتصب بفعل لا يجوز إظهاره، وذلك الفعل المضمر يكون خبرا ودعاء؛ فيكون خبرا إذا
قلت ذلك لمن قصدك؛ أي: صادقت عندي رَحْباً وأهلاً؛ أي: من يقوم لك مقام الأهل، وصادفت عندي رحبا وسعة، وإن قلت ذلك لمسافر، كان الفعل المضمر دعاء، فكأنك قلت: صادفت أهلاً ورحبا؛ أي: لقاك الله رحبا، ولقاك الله من يقوم لك مقام الأهل، وإنما جعلت العرب هذه الأسماء عوضا من الأفعال؛ لكثرة الاستعمال، وأيضا: فإنهم جعلوا هذه الأسماء -وإن كانت منصوبة بالأفعال المضمرة التي ذكرناها-
стр. 641
عوضا من أفعال شتى تكون من لفظ تلك الأسماء، فكان مرحبا عوضا من رحبت، وكذلك سائرها.
ومما يدل على ذلك: أن هذه الأسماء المنصوبة بإضمار فعل لا يجوز إظهاره: أنها تكون مصادر، إلا ما شذ من قولهم: ترباً، وجندلاً، فعدم استعمالهم ذلك في غير المصادر دليل على أنهم قصدوا أن تكون تلك الأسماء قائمة مقام أفعال من لفظها، وكذلك جعل سيبويه ﵀ تربا وجندلاً قائمين مقام: تربتَ، وجندلتَ (١)، ليجري جميع (٢) الباب مجرى واحدا، والله أعلِمَ.
فهذا الضابط ينبهك على كل ما يأتي من هذا الباب في الحديث وغيره، والله المستعان.
الثالث: فيه: دليل على عدم التنشُّف؛ إذ لو تنشفَ ﵊، لم يكن رأسه يقطر، ولا قائل بالفرق بين الرأس والبدن في النشف.
وفيه: دليل على تنبيه الأكابر، إما لاحتمال نسيان، وإما لاستثارة (٣) فائدة منهم.
وفيه: دليل على ما تقدم في باب السواك من أن الأمر للوجوب،
стр. 642
وأن له أن يجتهد في الأحكام، وقد تقدم الخلاف في ذلك في باب السواك - أيضا (١) -.
وفيه: دليل على استحباب تأخير العشاء الآخرة، وقد تقدم ذكر مذاهب العلماء في ذلك، إلا أن قول عمر ﵁ يدل على أن عادته ﵊ التقديم، وأنه لما تغيرت عادته، قال عمر ما قال، والله أعلم.
الرابع: قوله: «رقد النساء والصبيان»؛ أي: ممن حضر المسجد لصلاة الجماعة.
ويحتمل أن يكون المراد: من يخلفه المصلون من النساء والصبيان في البيوت، فهم ينتظرون من خلفهم؛ كأنه أشفق عليهم من طول الانتظار.
ويحتمل أن يكون مراده: تمكن الوقت حتى دخل وقت رقاد النساء والصبيان في العادة غالبا، والله أعلم (٢).
الخامس: من قال بتفضيل تقديم العشاء الآخرة، قال: لو كان التأخير أفضل، لواظب عليه، ولعموم قوله ﵊: «الصلاة على وقتها»، حين سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ على ما تقرر.
ومن قال بالتأخير: فدليله أن ترك التأخير والملازمة عليه إنما كان لأجل المشقة اللاحقة معه، وخشية أن يفرض عليهم، أو يتوهموا (٣)
стр. 643
إيجابه، فتركه ﵊ كما ترك صلاة التراويح، وعّلل الترك بخشية فرضها عليهم، وقد يعجزون عنها، وقد أجمع على استحبابها بعده ﵊؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهي الافتراض، والله أعلم (١).
السادس: قوله ﵊: «هذه الصلاة في هذه الساعة».
(هذه) الأولى: في موضع المصدر، لوصفها بالمصدر الذي هو الصلاة، ويجوز أن تكون في موضع نصب على المفعولية، إذا استعمل المصدر استعمال الأسماء.
و (هذه) الثانية: في موضع الظرف؛ أعني: أنه بدخول (في) عليه خرج عن الظرفية، والله أعلم.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الألف واللام في «الصلاة» ينبغي أن تكون للعموم ولا بد؛ نظرا إلى العلة في ذلك، وهو التشوش المفضي إلى عدم (١) الخشوع والحضور بين يدي الله ، والإقبال عليه بالكلية، وهذا لا يخص صلاة دون صلاة، وإن كان قد ورد ذلك في صلاة المغرب، وهو قوله ﵊: «إذا وضع العشاء وأحدكم صائم، فابدؤوا به قبل أن تصلوا» (٢)، وهو صحيح، وصح أيضا: «فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب» (٣)؛ إذ ليس يقتضي ذلك حصرا في المغرب؛ ولأن الجائع غير الصائم، قد يكون أتوق إلى الطعام من الصائم، وقد يكون الصائم لا تشوف له إلى الطعام والحالة هذه، فينبغي أن يدور الحكم مع العلة وجودا وعدما، فحيث أمنا التشويش، قدمت الصلاة، والعكس، فلا يختص ذلك بالمغرب، ولا غيرها، على ما تقرر.
стр. 647
ويؤيد ذلك ويوضحه قوله ﵊ في الحديث الآخر: «لا صلاة بحضرة طعام» الحديث، فهذه نكرة في سياق النفي، فتعم، وإن كان هذا العموم مخصوصا بما ذكرناه بمن لا تشوف له إلى الطعام حينئذ (١).
فائدة: قال اللخمي: وصلاة من حضر (٢) الطعام على أربعة أوجه:
إن لم يكن متعلق النفس به، جاز أن يبدأ بالصلاة.
وإن كان متعلق النفس، ولا يعجله عن صلاته، استحب له البداءة بالصلاة، وإن لم يفعل، فلا بأس (٣).
وإن (٤) كان يعجله، فيستحب له الإعادة في الوقت.
وإذا شغل خاطره، فلم يذكر كم صلى، أعاد، وإن ذهب الوقت.
قال صاحب «البيان والتقريب»: لعله يعني: انشغل خاطره في أكثر الصلاة.
قال اللخمي: وكذلك إذا لم يقدر معه على إقامة بعض أركان الصلاة، وكذلك من به حقن، أو قرقرة، أو غثيان، أو نزل به ما يهمه، فإن كان الشيء الخفيف، أو يعجله، وهو يقيم (٥) أركانها وحدودها،
стр. 648
أو شغل قلبه بالشيء الخفيف، وإن شغله حتى لا يدري كيف صلى، فإنه يعيد، ويعيد من ائتم به؛ لأنه بمنزلة من أفسد صلاته متعمدا.
قال (١) ابن شعبان: من صلى بالحقن الذي يشغل مثله، أجزأه، ولا يعيد.
وقد روي أن معاذًا صلى وراء النبي ﷺ ، فوجد بولاً حتى كاد يشغله، فلما انصرف، ذكر ذلك له، فقال ﵊: «إذا وجد أحدكم ذلك، فلينصرف حتى يبول» (٢)، ولم يأمره بالإعادة.
قال ابن يونس: وصفة خروجه إذا أصابه ذلك في صلاته: أن يكون ممسكًا لأنفه كالراعف، وروي ذلك عن النبي (٣) ﷺ .
قال صاحب «البيان والتقريب»: لكن إن نزل كلام ابن شعبان على ما إذا لم يمنعه ذلك من إقامة أركان الصلاة وسننها، فلذلك صحت الصلاة، ولم يأمره بالإعادة.
فأما قوله في «الكتاب»: فإن صلى بذلك، أحببت له أن يعيد أبدا؛ يعني: إذا أخل (٤) ببعض أركان الصلاة، أو شغله في أكثر صلاته عن حضور خاطره، وأحببت هنا بمعنى: الوجوب، لقوله: يعيد أبدا.
وأما من نزل به ما يهمه، وشغله قلبه، وغلب على نفسه:
стр. 649
فإن غلب على ظنه أن ذلك يزول قبل خروج الوقت، أخر الصلاة حتى يذهب ذلك، ما لم يخرج الوقت.
وإن (١) غلب على ظنه أن ذلك يلازمه إلى أن يخرج الوقت، فليدافعه ما أمكنه، ويصلي على حاله، فإن صلى، ثم زال في الوقت، استحب له أن يعيد؛ قياسا على من صلى على الدابة خوفًا من سباع، ثم أمن في الوقت، فإنه يعيد؛ بخلاف العدو، والله أعلم، انتهى.
ولتعلم: أن الحديث مخصوص بما إذا كان الوقت يسعهما؛ أعني: الأكل والصلاة، وإلا لو تعارضا، قدمت الصلاة عند جمهور العلماء. وحكى المتولي من الشافعية وجها عن بعض أصحابهم: أنه يقدم الطعام، وإن خرج الوقت ح (٢).
وهذا (٣) ضعيف وباطل؛ لأن القاعدة: أنه (٤) إذا تعارضت مفسدتان، اقتصر على أقلهما فسادا، فالشرع يحافظ على تقليل المفسدة ما
استطاع، ولا شك أن خروج وقت الصلاة أشد مفسدة من ترك الخشوع، هذا ما لا يُتمارى فيه؛ بدليل صلاة الخوف، وصلاة الغريق، والمصلوب، وغيرهم.
وقال أهل الظاهر: إن صلى بحضرة الطعام، فصلاته باطلة؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، والظاهر: أنهم كذلك يقولون في قوله -عليه الصلاة
стр. 650
والسلام-: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (١)، وإن كان الحديث لم يثبت في الصحيح.
وقد نقل عن مالك ﵀: أنه يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعاما خفيفًا.
وذهب بعضهم إلى الاقتصار على ما يكسر سورة الجوع (٢).
وفيه بعد؛ لأنه إذا شرع في الأكل، ورفع يده قبل الشبع، قد يكون ذلك أدعى لتعلق خاطره بالطعام، والله أعلِمَ.
وقد جاء في بعض روايات مسلم أيضا: «إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه» (٣). وفي رواية: «إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب (٤)، ولا تعجلوا عن عشائكم» (٥)، فهذه الأحاديث ترد هذا القول، والله أعلم.
الثاني: أخذ من هذا الحديث: أن وقت المغرب فيه توسعة.
стр. 651
ق: إن أريد به (١) مطلق التوسعة، فهو صحيح، لكن ليس محل الخلاف المشهور، وإن أريد به التوسعة إلى غروب الشفق، ففي هذا الاستدلال نظر؛ فإن بعض من ضيق وقت المغرب جعله مقدرا بزمان يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع، فعلى هذا لا يلزم أن يكون وقت المغرب موسعا إلى غروب الشفق.
على أن الصحيح الذي يذهب إليه: أن وقتها موسع إلى غروب الشفق، وإنما الكلام في وجه الاستدلال من هذا الحديث، انتهى (٢). قلت: والمشهور في مذهب مالك: أن وقتها غير ممتد إلى غروب الشفق.
واستدل به أيضا على عدم وجوب صلاة الجماعة.
وأخذ منه أيضا: دليل تقديم (٣) فضيلة حضور القلب على فضيلة أول الوقت.
وينبغي أن يقاس على حضور الطعام ما كان في معناه مما يؤدي إلى عدم الخشوع؛ كما قيس على قوله ﵊: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (٤) ما في معناه؛ من الجوع، والعطش الشديد، والغم، والفرح، ونحو ذلك.
стр. 652
الثالث: (العشاء): ضد الغداء ممدود، وكذلك العشاء - بكسر العين -: الصلاة، وأما العشا: عشا العين، فمقصور (١)، وهو الذي يرى صاحبه في النهار دون الليل.
و (الأخبثان): البول والغائط، وقد صرح بذلك في بعض الأحاديث.
* * *
وما في معناه من الحديث الثاني:
٥٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قالَ: «لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ, وَلا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (١).
* * *
* والكلام على الحديث الأول من وجوه:
الأول: قوله: «شهد عندي»، (شهد) هنا بمعنى: أعلم، وبين؛ أي: بينوا لي هذا، وأعلموني به.
стр. 655
قال ابن فارس في «مجمله»: فأما قوله -جل ثناؤه-: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فيقال: بين وأعلم، كما يقال: شهد فلان عند القاضي، إذا بين وأعلم لمن الحق، وعلى من هو (١).
ومعنى (مرضيون)؛ أي: عُدول، لا شك في صدقهم ودينهم.
ق: وفي هذا رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت وأكابر الصحابة.
قلت: صدق ﵀.
الثاني: قوله: «نهى عن الصلاة بعد الصبح»؛ أي: بعد أن تصلى الصبح، وكذلك القول في العصر؛ فإن الأوقات المكروهة قسمان:
قسم تتعلق الكراهة فيه بالفعل؛ بمعنى: أنه إن تأخر الفعل، لم تكره الصلاة، ألا ترى أنه يجوز التنفُّل قبل الصلاتين المذكورتين، ويكره بعدهما، وإن كان مذهبنا كراهة التنفل عند طلوع الفجر، لكنه إن لم يصل [سنَّة] الفجر حتى صلى الصبح، لم يصلها حتى تطلع الشمس. والشافعي يخالفنا في كلتا المسألتين: أعني: التنفل، وصلاة الفجر بعد صلاة الصبح لمن لم يصلها؛ أعني: ركعتي الفجر.
وقسم تتعلق الكراهة فيه بالوقت؛ كطلوع الشمس قبل ارتفاعها قيد رمح فصاعدا، ووقت الاستواء عند من يقول به، وينبغي هنا أن يكون الحكم معلقًا بالوقت؛ إذ لا بد من أداء صلاة الصبح وصلاة
стр. 656
العصر، فتعين (١) أن يكون المراد: بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، كما تقدم.
ق: وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وعن بعض المتقدمين والظاهرية خلاف فيه من بعض الوجوه.
ولتعلم: أن صيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع، فالأولى حملها على نفي الفعل الشرعي، لا الوجودي، فيكون قوله: «لا صلاة بعد الصبح» نفيا للصلاة الشرعية، لا الحسية، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظاهر: أن الشارع يطلق ألفاظه على عرفه، وهو
الشرعي.
وأيضا: فإنا إذا حملناه على الفعل (٢) الحسي، وهو غير منتف، احتجنا إلى إضمار لتصحيح اللفظ، وهو الذي يسمى: دلالة الاقتضاء، وينشأ النظر في أن اللفظ يكون عاما ومجملاً، أو ظاهرا في بعض المحامل.
أما إذا حملناه على نفي الحقيقة الشرعية، لم يحتج إلى إضمار، فكان أولى.
ومن هذا البحث نطلع على كلام الفقهاء: «لا نكاح إلا بوليِّ» (٣)،
стр. 657
فإنك إن حملته على الحقيقة الحسية، وهي غير منتفية عند عدم الولي حسا، احتجت إلى الإضمار (١)، فحينئذ يضمر بعضهم: الصحة، وبعضهم: الكمال، وكذلك قوله ﵊: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (٢)، انتهى (٣).
الثالث: يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت، وصفت، والظاهر: أنه في الحديث بضم التاء رباعي، وهكذا هو في نسختي المسموعة المقابلة على أصل عليه خط المصنف -رحمه الله تعالى-.
وقد أشار إلى ذلك ع في إكماله (٤).
وقد يفسر بالحديث الآخر: «حتى ترتفع الشمس» (٥)، والارتفاع فيه زيادة على مجرد الطلوع؛ لأنها (٦) عند الارتفاع تظهر، وتصفو، فعلى هذا لا يكون مجرد طلوعها وظهورها يبيح الصلاة حينئذ.
وقد ورد في الصحيح أيضا: نهيُه ﵊ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وعند اصفرارها
стр. 658
حتى تغرب (١).
وبالجملة: قد (٢) أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها (٣)، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل، والسنن التي لها سبب؛ كتحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، والجنازة، وقضاء الفوائت.
ومذهب مالك، والشافعي: جواز قضاء الفوائت فيها.
وخالف في ذلك أبو حنيفة؛ أخذًا بظاهر هذا العموم (٤)؛ أعني: قوله: «لا صلاة» الحديث، وهو يعارض بقوله ﵊: «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكر»، (٥)، وفي بعض الروايات:
стр. 659
«لا وقت لها إلا ذلك» (١)، فكل واحد من الحديثين عام من وجه، خاص من وجه؛ فحديث «لا صلاة» خاص في الوقت، عام في الصلاة، وحديث: «من نام عن صلاة» عكسه، بقيد كون الصلاة فائتة (٢)، فاعرفه.
وأما النوافل والسنن التي لها سبب، فكرهها مالك في هذين الوقتين؛ أعني: بعد الصبح، وبعد العصر، ولم يكرهها الشافعي، وفي بعضها تفصيل، واختلاف مذكور في كتب الفقه.
وأما علة كراهة الصلاة في هذه الأوقات المذكورة: فهي ما جاء أنها: «تطلع بين قرني شيطان»، الحديث (٣).
واختلف في المراد بقرني الشيطان:
فقيل: إن له قرنين على ظاهره، ورجحه بعض المتأخرين.
وقالوا: معناه: أنه يدلي (٤) رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار في هيئة الساجدين له في الصورة، وحينئذ (٥) يكون له ولشيعته تسلط ظاهر، وتمكن من أن يلبسوا على
стр. 660
المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشياطين (١)، والله أعلم.
وقيل: القرنان: حزبه، وأتباعه، وقيل: قوته، وغلبته، وقيل: انتشاره، وفساده.
فعلى الأول: القرنان حقيقة، وعلى ما عداه يكون (٢) مجازا (٣).
وأما الحديث الثاني:
فأبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر - بالباء الموحدة والجيم - وهو خدرة (٤) بن عوف بن الحارث بن الخزرج، كذا نسبه ابن الكلبي، وخليفة بن خياط فيما حكى عنه الرشاطي، وكذلك -أيضا - نسبه ابن إسحاق، وأبو عمر ابن عبد البر في ترجمة أبيه مالك (٥).
غير أن ابن إسحاق قال في عبيد بن الأبجر: عبد، مكبرا، ونسبه ابن سعد: فأسقط عبيد الأول، وكذا نسبه أبو عمر في باب: أبي سعيد، قال الرشاطي: وصوابه ما ذكره ابن الكلبي، والله أعلم.
стр. 661
وقد اختلف في اسمه، فقيل: سعد -كما قدمناه-، وقال ابن هشام: اسمه: سنان، وكذا قال ابن الحذاء، عن يزيد بن أبي حبيب، والأول هو المشهور.
وأمه: أنيسة بنت أبي خارجة عمرو بن قيس بن مالك، أسلمت، وبايعت.
وهو مشهور بكنيته، والخُدْرُ: قبيلة من الأنصار.
توفي أبو سعيد هذا بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: ثلاث وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة أربع وتسعين، والأول هو المشهور، والقول الأخير وهم ظاهر، والله أعلم.
وذكره الحافظ ابن زبر (١): في سنة أربع وسبعين، وكان أبو سعيد من نجباء الأنصار، وفضلائهم، ومن حفاظ الصحابة وعلمائهم، حفظ عن النبي ﷺ سننا كثيرة، وروى عنه علما جما.
روى عنه من الصحابة: زيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يسار، وغيرهم.
استصغر يوم أحد، فرد، واستشهد أبوه يوم أحد، وغزا مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة.
стр. 662
روي (١) له عن رسول الله ﷺ ألف حديث، ومئة وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستة وأربعين حديثًا، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، ومسلم باثنين وخمسين حديثًا.
روى له الجماعة ﵁ (٢).
وليس فيه زيادة على الحديث الذي قبله، إلا امتداد الكراهة إلى ارتفاع الشمس، قيل: وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول عنه صفرة الشمس أو حمرتها، وهو مقدر بقيد رمح أو رمحين (٣).
وقيد: بكسر القاف، ليس إلا، وإنما ضبطه -وإن كان ظاهرا-؛ لأني رأيت (٤) بعض الفقهاء يغلط فيه، فيفتح القاف.
стр. 663
قال صاحب «الكتاب» ﵀: وفي الباب: عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن الخطاب (١).
وقد تقدم الكلام على التعريف بهم، أو أكثرهم بما يغني عن الإعادة، ﵃ أجمعين.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قد تقدم معنى قوله: (يوم الخندق).
وفي الحديث: دليل على جواز سب كفرة الحربيين؛ لتقريره ﵊ عمر على ذلك، ولم يعين السب في الحديث،
فيحمل على ما لا فحش فيه؛ إذ هو اللائق بمنصب عمر ﵁ (١).
وفيه: الاعتناء بأمر الصلاة، وشدة المحافظة عليها؛ كما هو الواجب على كل أحد، لا سيما الصحابي.
الثاني: (جعل)، و (كاد) من أفعال المقاربة، وقد تقدم أنها ترفع الاسم، وتنصب الخبر، وأن خبرها لا يكون -غالبا- إلا فعلاً مضارعا فيه ضمير يعود على اسمها؛ كقوله: / «جعل يسب»، وقول عمر: ما كدت أصليها، وبذلك تتميز عن كان، وإن اشتركتا في رفع الاسم ونصب الخبر.
стр. 666
والفرق بين (كاد) و (جعل): أن (كاد) مقاربة ذات الفعل، و (جعل) للأخذ فيه.
لكن اختلف في (كاد) إذا دخل عليها حرف النفي، كما هو في قوله: «ما كدت أصلي العصر» هل يكون نفيها نفيا كسائر الأفعال، أو يكون نفيها إيجابا، أو التفرقة بين كون الفعل ماضيا، فيكون للإثبات، أو مضارعا فتكون كسائر الأفعال؟
وتوجيه ذلك وتحريره في كتب النحو.
فيخرج قول عمر ﵁: «ما كدت أصليها» على هذا الخلاف.
فإن قلنا: إن نفيها إيجاب، فيكون صلى العصر قبل المغرب، وإلا، فبعدها (١).
فائدة:
يقال كاد النعام يطير، كاد العروس يكون أميرا، كاد القمر يكون نهارا، كادت الشمس تكون ظلا، كاد السيئ الخلق يكون سبعا، كاد البخيل يكون كلبا، كاد الخائف يشرق بالريق، كاد الحريص يكون عبدا، كاد المنتعل يكون راكبا، كاد الفقر يكون كفرا، كاد الحسد يغلب القدر، كاد المريب يقول خذوني، كاد العلماء تكونون (٢) أربابا، كاد المسافر يكون أسيرا، كاد البيان يكون سحرا، كادت الغربة تكون كربة.
الثالث: فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، إذا ترتبت على ذلك مصلحة دينية، وهو كثير في القرآن، وقد قيل: إنه ﵊ إنما حلف تطييبا لقلب عمر ﵁؛ لأنه لما شق عليه تأخيرها،
стр. 667
أخبره ﵊ بأنه لم يصلها هو - أيضا -؛ ليتأسى ويتسلى به ﵊، ثم إنه أكد ذلك باليمين؛ ليكون أبلغ في هذا المعنى (١).
ق: وقيل: في هذا القَسم إشفاق منه ﷺ من تركها، وتحقيق ذلك: هو أن القسم تأكيد للمقسم عليه، وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع هذا المقسم عليه، حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي تعظيم هذا الترك، وهو يقتضي الإشفاق منه، أو ما يقارب هذا المعنى، انتهى (٢).
وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانا؛ لاشتغاله بقتال المشركين، قال (٣): فلما قال له عمر ذلك، تذكر، فقال: «والله ما صليتها».
قلت: والنسيان عذر واضح شرعي في تأخير الصلاة، ويكون في هذا النسيان فائدة تقتضي بيان حكم شرعي؛ كما قال ﵊: «إني لأنسى أو أنسى لأسن»، (٤)؛ كما وقع بنومه -عليه
стр. 668
الصلاة والسلام- في حديث الوادي بيان حكم من نام عن الصلاة بالفعل، حتى تظافر على ذلك قوله وفعله ﷺ .
ق: وفيه: جواز قول القائل: ما صلينا، خلاف ما يتوهمه قوم (١) من الناس، وإنما ترك النبي ﷺ الصلاة؛ لشغله بالقتال؛ كما ورد مصرحا به في حديث آخر، وهو قوله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى» (٢)، فتمسك به بعض المتقدمين في تأخير الصلاة في حال الخوف إلى حالة الأمن، والفقهاء على إقامة الصلاة في حالة الخوف (٣)، وهذا الحديث ورد في غزاة الخندق، وصلاة الخوف فيما قيل شرعت في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد ذلك.
قلت: وقد تقدم التنبيه على هذا.
قال: ومن الناس من سلك طريقًا آخر، وهو أن الشغل إن أوجب النسيان، فالترك للنسيان، وربما ادعى الظهور في الدلالة على النسيان، وليس كذلك، بل الظاهر تعلق الحكم بالمذكور لفظًا، وهو الشغل (٤).
قلت: وهو كما قال الشيخ رحمه الله تعالى.
الرابع: «بطحان»، قيل: إنه واد بالمدينة، واختلف في ضبطه؛ فالمحدثون يقولونه بضم الباء وإسكان الطاء، واللغويون يفتحون الباء
стр. 669
ويكسرون الطاء (١)، ويجوز فيه الصرف وتركه على تأويل المكان أو البقعة (٢).
الخامس: قد تقدم أن الحديث مصرح بتقديم الفائتة على (٣) الحاضرة، وتقدم -أيضا - نقل الخلاف بين العلماء في وجوب الترتيب، وعدم وجوبه بما يغني عن الإعادة.
لكن يزاد هنا أن يقال: إن ضم إلى هذا الحديث الدليل على تضيق وقت المغرب، كان فيه دليل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت؛ لأنه لو لم يجب، لم تخرج الحاضرة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب، أو نقول: إن فعله ﵊ للوجوب، فبأحد هذين الأمرين يستدل على وجوب الترتيب في الفوائت مع الحاضرة، والله أعلم (٤).
السادس: ظاهر قوله: «فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها» يعطي أنهم صلوا معه ﵊ جماعة، فيؤخذ منه التجميع للفوائت، وقد جاء ذلك صريحا في حديث الوادي، والله أعلم.
стр. 670
بابُ فضلِ صلاة الجماعةِ ووجوبِها
الحديث الأول
٥٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (١).