← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والفرق بين (كاد) و (جعل): أن (كاد) مقاربة ذات الفعل، و (جعل) للأخذ فيه. لكن اختلف في (كاد) إذا دخل عليها حرف النفي، كما هو في قوله: «ما كدت أصلي العصر» هل يكون نفيها نفيا كسائر الأفعال، أو يكون نفيها إيجابا، أو التفرقة بين كون الفعل ماضيا، فيكون للإثبات، أو مضارعا فتكون كسائر الأفعال؟ وتوجيه ذلك وتحريره في كتب النحو. فيخرج قول عمر ﵁: «ما كدت أصليها» على هذا الخلاف. فإن قلنا: إن نفيها إيجاب، فيكون صلى العصر قبل المغرب، وإلا، فبعدها (١). فائدة: يقال كاد النعام يطير، كاد العروس يكون أميرا، كاد القمر يكون نهارا، كادت الشمس تكون ظلا، كاد السيئ الخلق يكون سبعا، كاد البخيل يكون كلبا، كاد الخائف يشرق بالريق، كاد الحريص يكون عبدا، كاد المنتعل يكون راكبا، كاد الفقر يكون كفرا، كاد الحسد يغلب القدر، كاد المريب يقول خذوني، كاد العلماء تكونون (٢) أربابا، كاد المسافر يكون أسيرا، كاد البيان يكون سحرا، كادت الغربة تكون كربة. الثالث: فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، إذا ترتبت على ذلك مصلحة دينية، وهو كثير في القرآن، وقد قيل: إنه ﵊ إنما حلف تطييبا لقلب عمر ﵁؛ لأنه لما شق عليه تأخيرها،

стр. 667

أخبره ﵊ بأنه لم يصلها هو - أيضا -؛ ليتأسى ويتسلى به ﵊، ثم إنه أكد ذلك باليمين؛ ليكون أبلغ في هذا المعنى (١). ق: وقيل: في هذا القَسم إشفاق منه ﷺ من تركها، وتحقيق ذلك: هو أن القسم تأكيد للمقسم عليه، وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع هذا المقسم عليه، حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي تعظيم هذا الترك، وهو يقتضي الإشفاق منه، أو ما يقارب هذا المعنى، انتهى (٢). وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانا؛ لاشتغاله بقتال المشركين، قال (٣): فلما قال له عمر ذلك، تذكر، فقال: «والله ما صليتها». قلت: والنسيان عذر واضح شرعي في تأخير الصلاة، ويكون في هذا النسيان فائدة تقتضي بيان حكم شرعي؛ كما قال ﵊: «إني لأنسى أو أنسى لأسن»، (٤)؛ كما وقع بنومه -عليه

стр. 668

الصلاة والسلام- في حديث الوادي بيان حكم من نام عن الصلاة بالفعل، حتى تظافر على ذلك قوله وفعله ﷺ . ق: وفيه: جواز قول القائل: ما صلينا، خلاف ما يتوهمه قوم (١) من الناس، وإنما ترك النبي ﷺ الصلاة؛ لشغله بالقتال؛ كما ورد مصرحا به في حديث آخر، وهو قوله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى» (٢)، فتمسك به بعض المتقدمين في تأخير الصلاة في حال الخوف إلى حالة الأمن، والفقهاء على إقامة الصلاة في حالة الخوف (٣)، وهذا الحديث ورد في غزاة الخندق، وصلاة الخوف فيما قيل شرعت في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد ذلك. قلت: وقد تقدم التنبيه على هذا. قال: ومن الناس من سلك طريقًا آخر، وهو أن الشغل إن أوجب النسيان، فالترك للنسيان، وربما ادعى الظهور في الدلالة على النسيان، وليس كذلك، بل الظاهر تعلق الحكم بالمذكور لفظًا، وهو الشغل (٤). قلت: وهو كما قال الشيخ رحمه الله تعالى. الرابع: «بطحان»، قيل: إنه واد بالمدينة، واختلف في ضبطه؛ فالمحدثون يقولونه بضم الباء وإسكان الطاء، واللغويون يفتحون الباء

стр. 669

ويكسرون الطاء (١)، ويجوز فيه الصرف وتركه على تأويل المكان أو البقعة (٢). الخامس: قد تقدم أن الحديث مصرح بتقديم الفائتة على (٣) الحاضرة، وتقدم -أيضا - نقل الخلاف بين العلماء في وجوب الترتيب، وعدم وجوبه بما يغني عن الإعادة. لكن يزاد هنا أن يقال: إن ضم إلى هذا الحديث الدليل على تضيق وقت المغرب، كان فيه دليل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت؛ لأنه لو لم يجب، لم تخرج الحاضرة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب، أو نقول: إن فعله ﵊ للوجوب، فبأحد هذين الأمرين يستدل على وجوب الترتيب في الفوائت مع الحاضرة، والله أعلم (٤). السادس: ظاهر قوله: «فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها» يعطي أنهم صلوا معه ﵊ جماعة، فيؤخذ منه التجميع للفوائت، وقد جاء ذلك صريحا في حديث الوادي، والله أعلم.

стр. 670

بابُ فضلِ صلاة الجماعةِ ووجوبِها الحديث الأول ٥٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (١).

стр. 671

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: لفظ «الجماعة» يحتمل أن يراد به: القوم المجتمهعون في الصلاة، ويحتمل أن يراد به: الاجتماع نفسه، ويكون التقدير (١): صلاة الاجتماع. فعلى الأول: تكون الجماعة صفة لموصوف محذوف؛ أي: القوم الجماعة، ونحو ذلك. وعلى الثاني: لا حذف؛ لوقوعه على المعنى الذي هو الاجتماع، والله أعلم. الثاني: اختلف الرواية في هذا الباب، فجاءت في هذا الحديث: «بسبع وعشرين درجة»، وجاء في الصحيح أيضا: «بخمسة وعشرين جزءا» (٢)، وفي رواية: «بخمس وعشرين درجة» (٣)، وجاء أيضا إثبات التاء مع الدرجة، وحذفها مع الجزء، وهذا على تأويل الجزء بالدرجة، والدرجة بالجزء (٤).

стр. 672

وقد سمع من العرب: جاءته كتابي، فاحتقرها، على تأويل الكتاب بالصحيفة. وقال الشاعر: [الطويل] فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أَتَّقِي ... ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ (١) ويروى: فكان نصيري، لما كان المراد بالشخوص: الجواري، حذف التاء من ثلاثة. وأما الجمع بين العدد، فقد جمع بينهما من أربعة أوجه: الأول: أنه لا منافاة بينها (٢)؛ فإن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد ضعيف، أو باطل عند أكثر أهل الأصول. والثاني: أنه ﵊ أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه تعالى بزيادة الفضل، فأخبر بها. قلت: وهذا يحتاج إلى بيان أن حديث القليل قبل حديث الكثير ولا بد. والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال (٣) المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون؛ بحسب كمال

стр. 673

الصلاة، والمحافظة على هيئتها (١)، وخشوعها، وكثرة جماعتها وفضيلتهم، وشرف البقعة، ونحو ذلك. قلت: وفي هذا نظر. وأما قول من قال: إن الدرجة غير الجزء، وهو الوجه الرابع، فغير مستقيم، وكأنه -والله أعلم- لم يقف، أو لم يستحضر ما في «الصحيحين» من قوله: «خمس وعشرين درجة»، «وسبع وعشرين درجة»، فاختلف العدد مع اتحاد لفظ الدرجة (٢)، فليعلم ذلك (٣). الثالث: وقع (٤) بحث في هذه الدرجات، هل هي بمعنى الصلوات، فتكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين صلاة، أو سبع وعشرين؟ أو يقال: لفظ الدرجة والجزء لا يلزم منه أن تكون بمقدار الصلاة، والأول هو الأظهر؛ لأنه ورد مبينا في بعض الروايات، وكذلك لفظة: (تضاعف) مشعرة بذلك، والله أعلم (٥). الرابع: استدل بهذا الحديث وما في معناه على صحة صلاة الفذ، وأن الجماغعة ليست بشرط، وذلك لما اقتضته صيغة (أَفْعَل) من الاشتراك في الأصل، والتفاضل في أحد الحديثين، وذلك يقتضي

стр. 674

فضيلة صلاة الفذ، وما هو باطل لا فضيلة فيه، لا يقال: إن هذه الصيغة قد ترد مع عدم الاشتراك في الأصل؛ كقولهم: العسل أحلى من الخل؛ لأنا نقول: إن ذلك خلاف الأصل لغة، وأيضا: فإن ذلك إنما يقع عند الإطلاق، وأما التفاضل بزيادة عدد، فيقتضي قطعا أن ثم جزءا معدودا يزيد أجزاء أخر؛ كما إذا قلنا: هذا العدد يزيد على ذلك بكذا وكذا من الآحاد، فلا بد من وجود أصل العدد، وجزء معلوم (١) في الآخر. ويزيد ذلك بيانا قوله ﵊ في الرواية الأخرى: «تزيد على صلاته وحده، أو تضاعف»؛ فتإن ذلك يقتضي وجود شيء يزاد عليه، وعددا يضاعف، والله أعلم (٢). الخامس: المشهور من مذهب مالك ﵀ تساوي الجماعات في الفضيلة، فصلاة ألف -مثلا- كصلاة اثنين. والقول الآخر: تفضل الجماعة الكثيرة على القليلة، وبه قال (٣) الشافعية. وهذا الحديث يدل على (٤) للمشهور [١] من مذهب مالك ﵀، وبيانه: أنه لا مدخل للقياس في الفضائل، فإذا دل الحديث على الفضل بمقدار

стр. 675

معين، مع امتناع القياس، اقتضى ذلك الاستواء في العدد المخصوص. وقد دل الحديث على فضيلة صلاة الجماعة بالعدد المعين، فيدخل تحته كل جماعة، ومن جملتها الجماعة الكبرى (١)، والجماعة الصغرى، والتقدير فيهما واحد بمقتضى العموم. وأما وجه القول الآخر، فحديث ذكره أبو داود، وهو: «صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الرجل» (٢)، الحديث إلى آخره (٣). فصل في ذكر ما يتعلق بصلاة الجماعة من الأحكام على مذهب مالك - رحمه الله تعالى- على طريق الاختصار؛ إذ ذلك مبسوط في كتب الفقه، فنقول: صلاة الجماعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية، وإذا أقيمت، كره التنفل حينئذ، ولا تحصل فضيلتها بأدراك أقل من ركعة، ولا يحتبس الإمام للداخل انتظار إدراكه (٤)، وتستحب إعادة الفذ مع اثنين فصاعدا، لا واحد على المشهور، إلا أن يكون إماما راتبا في المسجد؛ لأنه كالجماعة، ولذلك لا يعيد هو

стр. 676

في إعادة من صلى مع صبي أو أهله قولان. فإن أقيمت وهو في المسجد -أعني: الصلاة التي صلاها وحده-، فالظاهر لزومها كالتي لم يصلها، فإن كان في نفل، أتمها، وإن كان في التي أقيمت، وهي غير المغرب، فإن كان قد عقد منها ركعة، شفعها، وإلا، قطع. وقيل: يشفعها، وإن لم يعقدها كالنافلة، والركعة الثالثة كالأولى، فيشفعها برابعة، إلا أنه يجلس ليسلم على اثنتين إن لم يعقد الثالثة على المشهور، فإن خشي فوات ركعة مع الإمام، قطع في الجميع، والقطع في ذلك بسلام أو مناف. ولا تعاد المغرب ولا العشاء بعد الوتر على المشهور، وقيل: تعاد الصلوات كلها، وهو مذهب الشافعي ﵀، فلو شرع في إعادة المغرب، ثم ذكر قبل أن يعقد الركعة الأولى منها، قطع، فإن عقدها، أضاف إليها أخرى، وسلم، فإن أتمها، فليأت برابعة بالقرب، فإن طال، فلا شيء عليه، وقيل: يعيدها (١) ثالثة. وحيث يؤمر بالإعادة، ففي نيتها أربعة أقوال: فرض، ونفل، وتفويض -وهو المشهور- وإكمال. فعل الفرض، لو تبين فساد الأولى، أجزأته الثانية عند ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا تجزئه؛ لأنه صلى الثانية على جهة السنة، لا على جهة أداء الفريضة.

стр. 677

وقال أشهب: إن كان حين دخوله في الثانية ذاكرا للأولى، فلا تجزئه هذه، وإن لم يكن ذاكرا لها، أجزأته. ولو تبين فساد الثانية، لم تجزئه (١) الأولى، واستشكل هذا؛ إذ الصلاة لا ترتفض بعد فعلها، وعلى غير الفرض بالعكس، إن تبين فساد الأولى، لم تجزئه الثانية، وإن تبين فساد الثانية، أجزأته الأولى. ولا يؤتم (٢) بالمعيد، ويعيد من ائتم به أبدا أفذاذا على المشهور، ولا تعاد صلاة الجماعة مع واحد فأكثر في أخرى. واستثنى ابن حبيب ثلاثة المساجد، وألزم أن يعيد فيها منفردا، فإن أقيمت وهو في المسجد -أعني: من صلى في جماعة-، خرج، ولا يجلس، ولا يصليها، ولا غيرها. ولا تجمع صلاة في مسجد له إمام راتب مرتين، وإمامه وحده كالجماعة، إلا أن يكون (٣) قد جنمع قبله، ويخرج من كان حينئذ في المسجد، فيصلون جماعة في موضع غيره، إلا في ثلاثة المساجد، فيصلون أفذاذا، ولا يخرجون منها إلى غيرها، إذ ذلك أعظم لأجرهم من صلاة الجماعة في غيرها

стр. 678

ولا تترك الجماعة إلا لعذر عام؛ كالمطر، والريح العاصف بالليل، أو خاص؛ كالمريض (١)، والممرض، والخائف من السلطان، أو الغريم وهو معسر، أو كان عليه قصاص مرجو العفو، أو كان عاريا، ونحو ذلك مما يشبه أن يكون عذرا، والله أعلم (٢). * * *

стр. 679

الحديث الثاني ٥٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ: خَمْسةً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ , فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ، لا يُخْرِجُهُ إلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً؛ إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ , وَحُطَّ (٢) (عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى؛ لَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ , اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ , وَلا يَزَالُ (٣) فِي صَلاةٍ؛ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ» (٤).

стр. 680

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله ﵊: «صلاة الرجل في الجماعة» (١): هو في المرأة كذلك، حين يندب لها الخروج إلى المسجد؛ لأن وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعا (٢)، وهو مثل قوله ﵊: «من أعتق شركا له في عبد» (٣)، «من صلى كذا ...»، «من فعل كذا .. فله كذا» (٤)، كله يتساوى فيه النساء والرجال بغير نزاع، والله أعلم. والألف واللام في (الرجل) ليست لتعريف ماهية الرجولية، بل

стр. 681

هي للعموم من حيث المعنى، كما عم قوم الرجال والنساء في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وإن كان لفظ (قوم) خاصا بالرجال دون النساء، والله أعلم. الثاني: قوله ﵊: «تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه»، المراد -والله أعلم-، صلاته في بيته وفي سوقه (١) منفردا، هذا هو الصواب، وإن كان قد قيل غيره، فإذا صلى في بيته أو في سوقه جماعة، حصل له هذا القدر من التضعيف إن شاء الله تعالى. نعم، رفع الدرجات، وحط الخطيئات مشروط بالمشي إلى المسجد، فمن فعل ذلك، حصل له ذلك، ومن لا، فلا. وأما التضعيف المذكور، فحاصل لصلاة الجماعة على الإطلاق، ويدل عليه حديث ابن عمر الذي قبل هذا الحديث، وهو قوله ﵊: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، فرتب هذا الحكم على مطلق صلاة الجماعة، من غير زيادة على ذلك (٢). الثالث: إحسان الوضوء: هو الإتيان به بفروضه وسننه وفضائله، والله أعلم، ويحتمل أن يكون المراد بإحسانه: الإتيان بفروضه ليس إلا، والأول أظهر.

стр. 682

الرابع: قد يستلوح من قوله ﵊: «ثم خرج» عدم التقييد بالفورية، حتى لو توضأ تراخى خروجه لعذر، أو غير (١) عذر، لم يكن ذلك منقصا لأجره، والله أعلم، ولا؟ أبعد أن يكون عدم التراخي أولى، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] شامل لهذا وغيره من أنواع الخير، والله أعلم. الخامس: قوله ﵊: «لا يخرجه إلا الصلاة»، ظاهرره، أو نصه اشتراط الخروج للصلاة، لا لأمر زائد عليها، حتى لو خرج لها، ولأمر آخر من غير العبادات، لم يحصل له رفع الدرجات، ولا حط الخطيئات، ونظيره حج من يخلط الحج بالتجارة أو غيرها من الأسباب الدنيوية، فإنه ليس كمن محض الخروج للحج، وكذلك الجهاد، وسائر العبادات. وفي رواية: «لا ينهزه إلا الصلاة» (٢)، بفتح الياء والهاء، وبالزاي؛ أي: لا ينهضه أو لا يقيمه، وهي معنى قوله في الحديث الآخر: «لا يريد إلا الصلاة»، وما أحسن إسناد الفعل إلى الصلاة هاهنا، وجعلها هي المخرجة له، حتى كأنه لفرط (٣) محافظته عليها، ورجاء ثوابها مجبر (٤) على خروجه إليها، وكأن الصلاة هي الفاعلةَ الخروج، لا هو.

стр. 683

السادس: كان القياس يقتضي أن يجوز في خطوة ثلاثة أوجه: الضم، والكسر، والفتح، كما هو في (جَذوة) وأشباهها، وقد قرئ بها؛ أعني: الأوجه الثلاثة في (جذوة) في السبع، على ما أصله أهل اللغة من أن كل ما كان على فَعْلَة لامه واو بعدها تاء التأنيث، جاز فيه (١) ثلاثة أوجه، لكنهم قالوا: الخطوة -بفتح الخاء-: هي الفَعْلَة، وبضمها: ما بين قدمي الماشي، وهي في هذا الموضع مفتوحة الخاء؛ لأن المراد: فعل الماشي، والله أعلم (٢). السابع: الدرجة: واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، والدُّرَجة -بضم الدال مثال (٣) الْهُمَزَة -لغة في الدرجة، وهي المرقاة، قاله الجوهري (٤). وانظر: هل الدرجة هنا على ظاهرها محسوسة؛ أي: رفعت له درجة في الجنة، فعلا منزله فيها، أو رفعت رتبته عند الله تعالى، فتكون معنوية؟ وهذا من الأشياء التي لا يقدم على القطع بها إلا لتوقف (٥) من الشارع، وأما حط الخطيئة، فكأنه ظاهر في محورها من صحيفة السيئات، والله أعلم بحقيقة ذلك.

стр. 684

الثامن: انظر: هل الملائكة الذين يصلون عليه هم الحفظة، أو غيرهم، أو هم وغيرهم؟ لم أقف في ذلك على شيء. فائدة تصريفية: الملائكة: جمع ملك: اسم لخلق من صفوة الله تعالى، وهو مشتق من الألوكة التي هي الرسالة، وكان أصله مألكا، بوزن مَعْفَلٍ (١)، فحول إلى ملأك بوزن مَفْعَلٍ، ثم سهلت همزته بعد التحريك بنقل حركتها إلى اللام الساكنة، فسقطت الهمزة، فبقي ملكا، كما ترى، ووزنه معْفَل (٢)، فلما جمعوه، ردوا الهمزة، وتركوه محولا، فقالوا: ملائكة، ووزنه معافلة، ولو ردوه إلى أصله قبل التحويل، لقالوا: مآلكة، والله أعلم (٣). التاسع: (ما) من قوله -عليه السلاة والسلام-: «ما دام في مصلاه» مصدرية ظرفية، أي: مدة دوام كونه في مصلاه، وكذلك (ما) من قوله: «ما انتظر الصلاة»؛ أي: مدة انتظار الصلاة. وقوله: «اللهم صل عليه، اللهم ارحمه»؛ أي: تقول: اللهم صل عليه (٤)، والقول يحذف كثيرا في كلام العرب، قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]؛ أي:

стр. 685

يقولون: سلام عليكم، وقد تقدم الكلام على (اللهم) مستوفًى بما يغني عن الإعادة. العاشر: قوله ﵊: «ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة»، (في) هنا لمجاز الظرف؛ إذ الصلاة لا تكون ظرفا للمصلي حقيقة، فما ظنك بمن هو في حكم المصلي؟ والله أعلم. * * *

стр. 686

الحديث الثالث ٥٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ , وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا؛ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَتُقَامَ , ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ , ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (١).

стр. 687

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الثقل: ضد الخفة، تقول منه: ثقل الشيء ثِقَلًا؛ مثل: صغر صغرا، فهو ثقيل، والثَّقَل -بالتحريك-: متاع المسافر وحَشَمه، ويقال: وجدت ثقلة في جسدي؛ أي: ثِقَلًا وفتورا، حكاه الكسائي، وثَقِلَةُ القوم -بكسر القاف-: أثقالهم، وأثقلت المرأة، فهي مُثْقِلٌ؛ أي: ثقل حملها في بطنها، قال الأخفش: صارت ذات ثقل؛ كما يقال: أَتْمَرْنَا؛ أي: صرنا ذوي تمر، وقولهم: ألقى عليهم مثاقيله؛ أي: مأونته (١). فقد تحصل من هذا أن الثقل يستعمل حقيقة، وذلك في الأجسام، ومجازا، وذلك في المعاني، ومنه قوله ﵊: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة

стр. 688

الفجر» (١)؛ أذ الصلاة ليست بجسم. ويؤخذ منه؛ أعني: قوله ﵊: «أثقل الصلاة على المنافقين»: أن الصلوات (٢) كلها ثقيلة عليهم؛ لما تمهد من أن «أفعل» للمشاركة والتفضيل، لا بد من حصول ثقل في غيرهما، حتى يكون العشاء والصبح أثقل عليهم منها، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] دليل على ذلك (٣). وهذا كله في صلاة الجماعة، وإن لم تذكر؛ لقوة السياق الدال على ذلك، ألا ترى إلى قوله: «لأتوهما (٤) ولو حبوا»، «ولقد هممت» إلى قوله: «لا يشهدون الصلاة»، كل ذلك مشعر بأن المقصود حضورهم إلى جماعة المسجد، وإنما كانت هاتان الصلاتان أثقل على المنافقين من غيرهما؛ لقوة الداعي إلى ترك حضور الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور. أما العشاء، فلأنها وقت الإيواء إلى البيوت، والاجتماع مع الأهل، واجتماع ظلمة الليل، وطلب الراحة من متاعب السعي بالنهار. وأما الصبح، فلأنها في وقت لذة النوم، فإن كانت في زمن البرد، ففي وقت شدته؛ لبعد العهد بالشمس؛ لطول الليل، وإن كانت

стр. 689

في زمن الحر، فهو وقت البرد والراحة من أثر حر الشمس؛ لقرب العهد بها، فلما قوي الصارف عن الفعل، ثقلت على المنافقين. وأما المؤمن الكامل الإيمان، فهو عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة، لا سيما إن استحضر حديث: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (١)، ونحو ذلك من الأحاديث، فتصير هذه الأمور الشاقة على المنافق سائقة للمؤمن، وداعية له إلى الفعل، كما كانت صارفة للمنافق، ولهذا قال ﵊: «و (٢) لو يعلمون ما فيهما»؛ أي: من الأجر والثواب، «لأتوهما ولو حبوا» (٣). الثاني: المنافق: عبارة عنمن أظهر الإيمان، وأبطن الكفر، وهو مشتق من النافقاء، وهي أحد جحر (٤) اليربوع، وذلك أنه يكتمها (٥)، ويظهر غيرها، وهي موضع (٦) ترفقه، فإذا أتي من قبل القاصعاء وهو

стр. 690

الجحر الذي يقصع فيه؛ أي: يدخل، ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي: خرج، يقال منه: نفق اليربوع تنفيقا، ونافق؛ أي: أخذ في نافقائه (١). فكذلك (٢) المنافق كتم خلاف ما أظهر، كما كتم اليربوع النافقاء، وأظهر القاصعاء، والله أعلم. الثالث: قد تقدم أن صلاة الجماعة في غير الجنمعة سنة مؤكدة عند الجمهور، وذهب عطاء، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وابن خزيمة، وداود إلى أنها فرض عين؛ أخذا بظاهر هذا الحديث. فإن من قال: إنها فرض كفاية يقولون له: قد قام فرض الكفاية بفعل النبي ﷺ ومن معه، ومن قال: إنها سنة، يقولون له: لا يقتل أحد بترك السنن، فتعين أن تكون فرضا على الأعيان. وأجاب الجمهور عنه؛ بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين، وسياق الحديث يقتضيه؛ فإنه لا يظن بالمؤمنين من الصحابة ﵃ التخلف والتقاعد عن صلاة الجماعة مع النبي ﷺ ، وفي مسجده. ويشهد له أيضا: ما جاء في الصحيح: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين، لشهد العشاء» (٣)، وهذه

стр. 691

ليست صفة للمؤمنين، لا سيما أكابر المؤمنين، وهم الصحابة. قالوا: وإذا كانت في المنافقين، كان التحريق للنفاق، لا لترك الجماعة، فبطل الدليل على العينية (١) (٢). ع: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين، وأما المنافقون، فقد كان النبي ﷺ معرضا عنهم، عالما بطوياتهم، كما أنه لم يعترضهم في التخلف، ولا عاتبهم معاتبة كعب وأصحابه من المؤمنين (٣). ق: وأقول: هذا إنما يلزم إذا كان ترك معاقبة المنافقين واجبا على الرسول ﵊، فحينئذ يمتنع أن يعاقبهم بهذا التحريق. وأما أن نقول ترك عتاب (٤) المنافقين وعقابهم كان مباحا للنبي ﷺ مخيرا فيه، فعلى هذا لا يتعين أن يحمل هذا الكلام على المؤمنين؛ إذ يجوز أن يكون في المنافقين لجواز معاقبته ﵊ لهم (٥)، وليس في إعراضه ﵊ عنهم بمجرده، ما يدل على وجوب ذلك عليه، ولعل قوله -عليه الصلاة والسىلام-: عند ما طلب منه قتل بعضهم: «لا يتحدث الناس أن محمدا

стр. 692

يقتل أصحابه» (١) مشعرا بما ذكرنا من التخيير؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك قتالهم، لكان الجواب بذكر المانع الشرعي، وهو أنه لا يحل قتلهم. ومما يشهد لمن قال: إن ذلك في المنافقين -عندي-: سياق الحديث من أوله، وهو قوله ﵊: «أثقل الصلاة على المنافقين»، ووجه آخر في تقرير كونه في المنافقين (٢)؛ أن نقول: هم الرسول ﷺ بالتحريق يدل على جوازه، وتركه التحريق يدل على جواز هذا الترك، فإذن يجتمع جواز التحريق وجواز تركه في حق هؤلاء القوم، وهذا المجموع لا يكون في المؤمنين فيما هو حق من حقوق الله تعالى (٣). قلت: ويقوي ذلك أيضا: ما في أبي داود عن ابن مسعود ﵁: ولقد رأيتنا و (٤) ما يتخلف عنها إلا منافق بين النفاق، ولقد رأيتنا وإن الرجل ليهادى (٥) بين الرجلين حتى يقام في الصف، الحديث (٦).

стр. 693

ع: والحديث حجة على داود، لا له؛؟ لأن النبي ﷺ هم، ولم يفعل؛ ولأنه لم يخبرهم: أن من تخلف عن الجماعة، فصلاته غير مجزئة، وهو موضع البيان (١). قلت: ومما يرد قول (٢) داود: ما تقدم من قوله ﷺ : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، وما تقرر من أن (أفعل) للمشاركة والتفضيل، فلولا أن في صلاة الفذ فضيلة، لما ساغ أن يقال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ؛ لعدم المشاركة على ما تقدم تمهيده؛ إذ لا يجوز أن يجتمع (٣) في الصلاة الواحدة الفضيلة وعدم الإجزاء. وبهذا أيضا يستدل على الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- في إحدى الروايتين عنه: أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان (٤)، غير شرط في صحة الصلاة؛ إذ لا تجتمع (٥) الفضيلة والإثم في صلاة واحدة، مع ما قيل من أن الغالب أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها.

стр. 694

وأيضا فقد اختلف في هذه الصلاة التي هم النبي ﷺ بالمعاقبة عليها: فقيل: العشاء، وقيل: الجمعة، وقد وردت المعاقبة على كل واحدة منهما مفسرة في الحديث، وفي بعض الروايات: العشاء (١)، والفجر، فإذا كانت هي الجمعة، والجماعة شرط فيها، لم يتم الدليل على وجوب الجماعة مطلقا في غير الجمعة. ق: وهذا يحتاج إلى أن ينظر في تلك الأحاديث التي بينت فيها تلك الصلاة؛ أنها الجمعة، أو العشاء، أو الفجر. فإن كانت أحاديث مختلفة، قيل بكل واحد منها. وإن كانت (٢) حديثا واحدا اختلف فيها، فقد يتم هذا الجواب؛ إن عدم الترجيح بين بعض تلك الروايات وبعض، وعدم إمكان أن يكون الجمع مذكورا، ترك بعض الرواة بعضه؛ بأن يقال: النبي ﷺ أراد إحدى الصلاتين -أعني: الجمعة، أو العشاء- مثلا، فعلى تقدير أن تكون هي الجمعة، لا يتم الدليل، وعلى تقدير العشاء، يتم، فإذن (٣) تردد الحال، وقف الاستدلال. وما ينبه عليه هاهنا: أن هذا الوعيد بالتحريق إذن ورد في صلاة معينة، وهي العشاء، أو الجمعة، أو الفجر، فإنما يدل على وجوب

стр. 695

الجماعة في هذه الصلاة، فمقتضى (١) مذهب الظاهرية أن لا يدل على وجوبها في غير هذه الصلوات؛ عملا بالظاهر، وترك اتباع المعنى، اللهم إلا أن يأخذ قوله -عليه الصلاة والسلاىم- «أن آمر بالصلاة فتقام» على عموم الصلاة، فحينئذ يحتاج في ذلك إلى اعتبار لفظ الحديث وسياقه، وما يدل عليه، فيحمل (٢) لفظ الصلاة عليه، إن أريد التحقيق وطلب الحق، والله أعلم انتهى (٣). قلت: وأما ما روى أبو داود عن ابن أم مكتوم: أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني؛ أي: لا يوافقني ولا يساعدني، فهل [لي] رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «فهل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «لا أجد لك رخصة» (٤)، فمؤول على أنه لا رخصة لك؟ إن طلبت فضل الجماعة؛ وأنك (٥) لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال.

стр. 696

الرابع: قيل؟: في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. وقال بعضهم: أجمع على منع العقوبة في غير المتخلف عن الصلاة، والغال (١) من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع منع تحريق متاعهما (٢). وقوله ﵊: «ثم آمر رجلا فيصلي (٣) بالناس»: فيه: دليل استخلاف الإمام عند عروض الحاجة، وإنما هم بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأن ذلك الوقت تتحقق مخالفتهم وتخلفهم (٤). وفيه: جواز الانصراف عند إقامة الصلاة لعذر (٥). وفيه: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره: أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر، اكتفي به (٦) عن الأعلى (٧). وقوله ﵊: «فأحرق عليهمم بيوتهم بالنار»:

стр. 697

ظاهره: أنه أراد قتلهم، وحرقهم بالنار، إذ لو لم يرد ذلك، لقال: فأحرق بيوتهم، ولم يقل: عليهم، وهو يقوي ما تقدم من أن المراد بهم المنافقون؛ إذ المؤمن لا يقتل لترك صلاة الجماعة إجماعا. وانظر وجه الجمع بين هذا الحديث، وحديث النهي عن التعذيب بالنار؛ فتإنه ﵊ لا يهم إلا بما يجوز، وقد تقرر أن المعنى على قصد تحريقهم، وقتلهم بالتحريق، لا تحريق البيوت خاصة، إلا أن تقول: إن حديث النهي عن التعذيب بالنار ناسخ لهذا الحديث، فتحتاج إلى دليل يدل على ذلك؛ إذ النسخ على خلاف الدليل، والله أعلم. * * *

стр. 698

الحديث الرابع ٥٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ، فَلا يَمْنَعُهَا. قَالَ: فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهُ! لَنَمْنَعَهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ , فَسَبَّهُ سَبّاً سَيِّئاً , مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ , وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَقُولُ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ!! (١).

стр. 699

وَفِي لَفْظٍ: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» (١). * * *

стр. 700

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: (استأذن): استفعل من الإذن، يقال: أذن له في الشيء إذنا -بكسر الهمزة وسكون الذال- يقال: إيذن لي على الأمير، واستأذن لي -أيضا-، ومنه حديث: «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع» (١)، ويكون أذن -أيضا- بمعنى: علم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأذن له -بكسر الذال- أَذَنًا -بفتح الهمزة والذال-: استمع منه، ومنه حديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن» (٢). وقال قعنب بن أم صاحب: إِنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا ... عَنِّي، وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا صُمٌّ إِذا سَمِعُوا خَيْلاًا ذُكِلاْتُ بِهِ ... وَإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهُمْ أَذَنُوا (٣)

стр. 701

أي: أصغوا، واستمعوا. الثاني: قد تقدم أنه يقال: امرأة ومرأة -بالهمز-، ومراة -بغير همز-، وتقدم (١) -أيضا-: أنه يقال: مسجِد ومسجَد -بكسر الجيم وفتحها- ومسيِد (٢) على ما تبين ثَم. الثالث: الحديث نص صريح في النهي عن منع النساء من المساجد عند استئذانهن الأزواج، وينبغي أن يحمل عليه إذن السيد لأمته، لكن قيل: إن النهي هنا نهي تنزيه لا تحريم. وقد اشترط العلماء في خروج النساء شروطا، قد يوجد أكثرها في الحديث: أن لا تكون متطيبة، ولا متزينة، بل تلبس أدنى ثيابهان وأن يكون ذلك في أطراف النهار. وفي كتاب «مسلم»: «لا تمنعوا النساء الخروج إلى المساجد بالليل» (٣)، وأن لا تكون ممن يفتتن بها، وأن لا تكون ذات خلخال يسمع صوته، وأن تأخذ أطراف الطريق دون وسطه؛ كي لا تختلط بالرجال، وأن لا يخاف في طريقها مفسدة، وينبغي أن يزاد: وأن لا ترفع صوتها في (٤) غير ضرورة، وأن لا يظهر منها ما يجب ستره.

стр. 702

وبالجملة: فمدار هذا كله على المعنى، فما اقتضاه المعنى من المنع، جعل خارجا عن الحديث، وخصص به العموم (١). فإن (٢) لم يكن لها زوج، ولا سيد، فهل يجوز لها الخروج عند اجتماع هذه الشروط، أم لا؟ وهل يحرم منعهن، أو لا؟ لم أقف فيه على نص لأصحابنا، وهل يحرم منعهن أو لا؟ (٣)، وفي بعض كتب الشافعية تحريم المنع، وهو الظاهر؛ لأنهت يلزم من النهي عن منعهن إباحة الخروج لهن؛ لأنه لو كان ممتنعا، لم ينه الرجال عن منعهن منه (٤)، وقد حمل بعضهم قول عائشة ﵂ في «الصحيح»: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده، لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (٥)؛ على هذا (٦) تعني: إحداث حسن الملابس، والزينة، والطيب. ق: وقيل: إن في الحديث دليلا على أن للرجل منع امرأته من الخروج إلا بإذنه، وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى

стр. 703

المساجد، وأن ذالك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد. فقد (١) يعترض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند أهل الأصول (٢). قلت: ولقائل أن يقول: إن المسجدية معنى مناسب؛ بمافيها من كونها محلا للعبادة، فلا يمنع القاصدات من التعبد فيها، ومفهوم اللقب إنما ضعف؛ لعدم رائحة التعليل فيه، والتعليل هنا موجود، فلا يكون ذالك من مفهوم اللقب، فسقط هذا الاعتراض. قال: ويمكن أن يقال في هذا: إن منع الرجال من الخروج مشهور معتاد، وقد قُرروا عليه، وإنما علق الحكم بالمساجد؛ لبيان محل الجواز، وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم، فيبقى ما عداه على المنع، وعلى هذا، فلا يكون منع الرجل للخروج (٣) امرأته لغير المسجد مأخوذا من تقييد الحكم بالمسجد. ويمكن أن يقال فيه (٤) وجه آخر: وهو أن قوله ﵊: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (٥) مناسبة تقتضي الإباحة؛

стр. 704

أعني: كونهن إماء الله بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله، ولهذا كان التعبير بإماء الله أوقع (١) في النفس من التعبير بالنساء لو قيل، وإذا كان مناسبا، أمكن أن يكون علة الجواز، فإذا انتفى، انتفى الحكم؛ لأن الحكم يزول بزوال علته. وأخذ من إنكار عبد الله بن عمر على ولده، وسبه إياه: تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرا في تغيير المنكر، وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم عنده بما لا ينبغي. وقوله: «فقال بلال بن هعبد الله» هذه رواية ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله. وفي رواية ورقاء بن عمر، عن مجاهد، عن ابن عمر: فقال ابن له يقال له: واقد (٢)، لعبد الله أبناء منهم: بلال، ومنهم: واقد. انتهى (٣). وفي رواية: فزبره (٤)، قال صاحب «الأفعال» (٥): زبرت الكتاب:

стр. 705

كتبته، والشيء: قطعته، والرجل (١)، والبئر: طويتها بالحجارة؟ (٢). وفي رواية: فضرب في صدره (٣). وفي أيضا: نفي التحسين والتقبيح العقلي، وإثبات أن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، دون ما خبث في النفس والطبع، والله أعلم. * * *
следующие страницы →