← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أي: أصغوا، واستمعوا. الثاني: قد تقدم أنه يقال: امرأة ومرأة -بالهمز-، ومراة -بغير همز-، وتقدم (١) -أيضا-: أنه يقال: مسجِد ومسجَد -بكسر الجيم وفتحها- ومسيِد (٢) على ما تبين ثَم. الثالث: الحديث نص صريح في النهي عن منع النساء من المساجد عند استئذانهن الأزواج، وينبغي أن يحمل عليه إذن السيد لأمته، لكن قيل: إن النهي هنا نهي تنزيه لا تحريم. وقد اشترط العلماء في خروج النساء شروطا، قد يوجد أكثرها في الحديث: أن لا تكون متطيبة، ولا متزينة، بل تلبس أدنى ثيابهان وأن يكون ذلك في أطراف النهار. وفي كتاب «مسلم»: «لا تمنعوا النساء الخروج إلى المساجد بالليل» (٣)، وأن لا تكون ممن يفتتن بها، وأن لا تكون ذات خلخال يسمع صوته، وأن تأخذ أطراف الطريق دون وسطه؛ كي لا تختلط بالرجال، وأن لا يخاف في طريقها مفسدة، وينبغي أن يزاد: وأن لا ترفع صوتها في (٤) غير ضرورة، وأن لا يظهر منها ما يجب ستره.

стр. 702

وبالجملة: فمدار هذا كله على المعنى، فما اقتضاه المعنى من المنع، جعل خارجا عن الحديث، وخصص به العموم (١). فإن (٢) لم يكن لها زوج، ولا سيد، فهل يجوز لها الخروج عند اجتماع هذه الشروط، أم لا؟ وهل يحرم منعهن، أو لا؟ لم أقف فيه على نص لأصحابنا، وهل يحرم منعهن أو لا؟ (٣)، وفي بعض كتب الشافعية تحريم المنع، وهو الظاهر؛ لأنهت يلزم من النهي عن منعهن إباحة الخروج لهن؛ لأنه لو كان ممتنعا، لم ينه الرجال عن منعهن منه (٤)، وقد حمل بعضهم قول عائشة ﵂ في «الصحيح»: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده، لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (٥)؛ على هذا (٦) تعني: إحداث حسن الملابس، والزينة، والطيب. ق: وقيل: إن في الحديث دليلا على أن للرجل منع امرأته من الخروج إلا بإذنه، وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى

стр. 703

المساجد، وأن ذالك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد. فقد (١) يعترض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند أهل الأصول (٢). قلت: ولقائل أن يقول: إن المسجدية معنى مناسب؛ بمافيها من كونها محلا للعبادة، فلا يمنع القاصدات من التعبد فيها، ومفهوم اللقب إنما ضعف؛ لعدم رائحة التعليل فيه، والتعليل هنا موجود، فلا يكون ذالك من مفهوم اللقب، فسقط هذا الاعتراض. قال: ويمكن أن يقال في هذا: إن منع الرجال من الخروج مشهور معتاد، وقد قُرروا عليه، وإنما علق الحكم بالمساجد؛ لبيان محل الجواز، وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم، فيبقى ما عداه على المنع، وعلى هذا، فلا يكون منع الرجل للخروج (٣) امرأته لغير المسجد مأخوذا من تقييد الحكم بالمسجد. ويمكن أن يقال فيه (٤) وجه آخر: وهو أن قوله ﵊: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (٥) مناسبة تقتضي الإباحة؛

стр. 704

أعني: كونهن إماء الله بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله، ولهذا كان التعبير بإماء الله أوقع (١) في النفس من التعبير بالنساء لو قيل، وإذا كان مناسبا، أمكن أن يكون علة الجواز، فإذا انتفى، انتفى الحكم؛ لأن الحكم يزول بزوال علته. وأخذ من إنكار عبد الله بن عمر على ولده، وسبه إياه: تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرا في تغيير المنكر، وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم عنده بما لا ينبغي. وقوله: «فقال بلال بن هعبد الله» هذه رواية ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله. وفي رواية ورقاء بن عمر، عن مجاهد، عن ابن عمر: فقال ابن له يقال له: واقد (٢)، لعبد الله أبناء منهم: بلال، ومنهم: واقد. انتهى (٣). وفي رواية: فزبره (٤)، قال صاحب «الأفعال» (٥): زبرت الكتاب:

стр. 705

كتبته، والشيء: قطعته، والرجل (١)، والبئر: طويتها بالحجارة؟ (٢). وفي رواية: فضرب في صدره (٣). وفي أيضا: نفي التحسين والتقبيح العقلي، وإثبات أن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، دون ما خبث في النفس والطبع، والله أعلم. * * *

стр. 706

الحديث الخامس ٥٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ , وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ , وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ , وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ (١). وَفِي لَفْظِ: فَأَمَّا الْمَغْرِبُ، وَالْعِشَاءُ، وَالْجُمُعَةُ؛ فَفِي بَيْتِهِ (٢). [ص: ٦٢] وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 707

كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ؛ وَكَانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا (١). * * * اعلم: أن هذا الحديث يتعلق الكلام فيه بأحكام السنن الرواتب قبل الفرائض، وبعدها، وسر مشروعيتها، وغير ذلك، وقد تكلم ق

стр. 708

على ذلك كلاما حسنا اقتضى الحال عندي أن أذكره بنصه، وأزيد عليه ما حضرني؛ لتكمل الفائدة فيه إن شاء الله تعالى. قال ﵀ في تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب. أما في التقديم، فلأن الإنسان يشتغلب بأمور الدنيا وأسبابها، فتتكيف النفس من ذلك بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة، والخشوع فيها الذي هو روحها، فإذا قدمت السنن على الفريضة؟، تأنست النفس بالعبادة، وتكيفت بحالة تقرب من الخشوع فيدخل (١) في الفرض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم يقدم السنة؛ فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه، لا سيما إذا كثر؟، أو طال، وورود الحالة المنافية لما قبلها قد تمحو أثبر الحالة السابقة، أو تضعفه. وأما السنن المتأخرة، فقد ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض، فإذا وقع الفرض، ناسب أن يكون بعده ما يجبر خللا فيه إن وقع. وقد اختلفت الأحاديث في أعداد ركعات الرواتب فعلا وقولا، واختلفت مذاهب الفقهاء في الاختيار لتلك الأعداد، والمروي عن مالك ﵀: أنه لا يوقت في ذلك.

стр. 709

قال ابن القاسم صاحبه: وإنما يوقت في هذا أهل العراق. قال: والحق -والله أعلم- في هذا الباب؛ أعني: -ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى التطوعات والنوافل المرسلة-: أن كل حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه الأعداد، أو (١) هيئة من الهيئات، أو نافلة من النوافل، يعمل به في استحبابه. ثم تختلف مراتب ذلك المستحب، فما كان الدليل دالا على تأكده؛ إما بملازمته فعلا، أو بكثرة فعله، وإما بقوة دلالة اللفظ على تأكد الحكم فيه، وإما بمعاضدة حديث آخر له، أو أحاديث فيه بعلو مرتبته في الاستحباب. وما نقص عن ذلك، كان بعده في الرتبة، وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة، فإن كان حسنا، عمل به، إن لم يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة الثانية، أعني: الصحيح الذي لم يدم عليه، أو لم يؤكد اللفظ في طلبه. وما كان ضعيفا، لا يدخل في حيز الموضوع، فإن أحدث شعارا في الدين، منع منه، وإن لم يحدث، فهو محل نظر. يحتمل أن يقال: إنه مستحب؛ لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير، واستحباب الصلاة. ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت، أو بالحال، والهيئة، والفعل المخصوص، يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه

стр. 710

بخصوصه، وهذا أقرب، والله أعلم. وهاهنا تنبيهات: الأول: إنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن يعمل به؛ لدخوله تحت العمومات، فشرطه: أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات، مثاله: الصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب، لم يصح فيها الحديث، ولا حسن، فمن أراد فعلها إدراجا لها (١) تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات، لم يستقم؛ لأنه قد صح أن النبي ﷺ نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام، وهذا أخص من العمومات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة. الثاني: إن هذا الاحتمال الذي قلاناه؛ من جواز إدراجه تحت العمومات، نريد به: في الفعل، لا في الحكم، باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج دليلا شرعيا عليه ولا بد؛ بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت، ولا بتلك الهيئة، فهذا (٢) الذي قلنا باحتماله. الثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثاله: ما أحدثه الروافض من عيد ثالث سموه: عيد الغدير (٣)، وكذلك

стр. 711

الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على شيء لم يثبت شرعا، وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يحدث فيها أمرا آخر لم يرد به الشرع، زاعما أنه يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم؛ لأن الغلب على العبادات (١) التعبد، ومآخذها التوقيف، وهذه الصورة حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل، فهو أقوى في المنع، وأظهر من الأول. ولعل مثال ذلك: ما ورد من رفع اليد في القنوت؛ فإن قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقا، فقال بعض الفقهاء برفع اليد في القنوت؛ لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل الذي يقتضي استحباب رفع اليد في الدعاء. وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد بالقنوت (٢)، كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء. الرابع: ما ذكرناه من المنع، تارة يكون منع تحريم، وتارة يكون منع كراهة، ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشارع من

стр. 712

التشديد في الابتداع بالنسبة إلى ذلك الجنس، أو التخفيف، ألا ترى أنا إذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بأمور الدنيا لم تساو البدعة المتعلقة بأمور الأحكام الفرعية؟ ولعنلها -أعني: البدع المتعلقة بأمور الدنيا- لا تكره أصلا، بل كثير منها يجزم فيه بعدم الكراهة، وإذا (١) نظرنا إلى البدع المتعلقة بالأحكام الفرعية لم تكن مساوية للبدع المتعلقة بأصول (٢) العقائد، فهذا ما أمكن ذكره في هذه المواضع، مع كونه من المشكلات القوةية؛ لعدم الضبط فيه (٣) بقوانين (٤) تقدم ذكرها للسابقين. وقد تباين الناس في هذا الباب تباينا شديدا، حتى بلغني أن بعض المالكية -قلت: وأظن أبا القاسم الحسن بن الحباب (٥) ﵀ تعاالى- مر في ليلة من إحدى ليلتي الرغائب- أعني: التي في رجب، أو التي في شعبان بقوم يصلونها، وقوم عاكفين على محرم، فحسن حال العاكفين على المحرم على حال المصلين لتلك الصلاة، وعلل ذلك: بأن العاكفين على المحرم عالمون بأنهم مرتكبون للمعصية، فيرجى لهم الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة -مع امتناعها عنده- يعتقدون أنهم في طاعة، فلا يتوبون ولا يبستغفرون.

стр. 713

قلن: ومثل ذلك ما يفعله بعض جهلة الفقراء من السماع لآلات الباطل، وحضور الشباب (١) المرد الحسان الوجوه، الفتانين في الغالب، وربما كان القوال (٢) منهم -أعني: من الشباب (٣) -، وسجود بعضهم لبعض، والرقص بالتثني والانعطاف، والصراخ المزعج، وربما كانت النسوان مشرفات عليهم، أو مختلطات بهم في هذه الحال، معتقدين أنهم في ذلك من المطيعين لله تعالى، متقربين إليه بذلك، فهؤلاء -أيضا- أولى بأن يقال فيهم: إن من عكف على محرم أخف حالا منهم؛ لما تقدم، والله أعلم. ثم قال: والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء. قال: وميل المالكية إلى هذا الثاني، وورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع، ألا ترى أن ابن عمر ﵄ قال في صلاة الضحى: إنها بدعة؛ لأنه لم يثبت عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة؛ لتخصيصها بالوقت، وكذلك (٤) قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره: إنها بدعة، ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء.

стр. 714

وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن المغفل لابنه في الجهر بالبسملة: إياك والحدث (١)، ولم ير إدراجه تحت دليل عام. قلت: قوله: في الجهر بالبسملة: ليس النهي عن مجرد الجهر، بل النهي عن زيادة البسملة في أول الفاتحة؛ لأن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا لم يكونوا يقرؤون بها؛ كما جاء مصرحا به في «الصحيح» (٢)، والله أعلم. ثم قال: وكذلك ما جاء عن ابن مسعود ﵁ فيما خرجه الطبراني بسنده عن قيس بن أبي حازم، قال: ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه، فأخبروني، قال: فأخبروه، فجاء عبد الله متقنعا، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى (٣) من هدي (٤) محمد ﷺ وأصحابه، يعني: وإنكم لمتعلقون بذنب ضلالة (٥)، وفي (٦) رواية: لقد جئتم ببدعة، أو

стр. 715

لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما (١). فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيل الذكر، على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات (٢). الخامس: ق: ذكر المصنف حديث ابن عمر (٣) في باب: صلاة الجماعة، وليس (٤) تظهر له مناسبة، فإن كان أراد أن قول ابن عمر: «صليت مع رسول الله ﷺ ، معناه: أنه اجتمع معه في الصلاة، فليست الدلالة على ذلك قوية؛ فإن المعية مطلقا أعم من المعية في الصلاة، وإن محتملا. ومما يقتضي أنه لم يرد ذلك: أنه أورد عقبه حديث عائشة ﵂: أنها قالت: لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتب الفجر. وهذا لا تعلق له بصلاة الجماعة، انتهى (٥).

стр. 716

قلت: وهذا اعتراض (١) صحيح كما قال الشيخ - رحمه الله تعالى-. * * *

стр. 717

الحديث السادس ٥٩ - عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ على شيءٍ منَ النَّوافِلِ أَشَدَّ تَعاهُدَاً منْهُ على ركْعَتَي الفَجْرِ (١). وفي لفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتا الفَجْرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها» (٢).

стр. 718

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: النوافل: جمع نافلة، وأصلها في اللغة: عطية التطوع، والنافلة أيضا: ولد الولد (١). والتعاهد: المحافظة على الشيء، وتجديد العهد به، والتعهد مثله. قال الجوهري: وتعهدت فلانا، وتعهدت ضيعتي، وهو أفصح من (٢) تعاهدته؛ لأن التعاهد إنما يكون بين (٣) اثنين (٤). الثاني: في الحديث دليل على تأكد ركعتي الفجر. وفيه: أنهما غير واجبتين؛ لقول عائشة ﵂: من النوافل، خلافا للحسن القائل بوجوبهما على ما نقله ع (٥)، مع قول الأعرابي: هل علي غيرها؟ وقوله ﵊: «لا، إلا أن تطوع» (٦).

стр. 719

وقد اختلف أصحابنا فيها، هل هي سنة، أو رغيبة؟ الثالث: قوله ﵊: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، قيل: معناه: خير من متاع الدنيا. قلت: وفي هذا التفسير نظر؛ فإنه قد جاء في الحديث الآخر: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله» الحديث (١) (٢)، و «خير» هنا: أفعل التفضيل، وهي تقتضي (٣) المشاركة في الأصل والزيادة (٤)؛ كما تقرر، ولا مشاركة بين فضيلة ركعتي الفجر ومتاع الدنيا المخبر عنه؛ لأنه ملعون، ويبعد أن يحمل كلام الشارع على ما شذ من قولهم: العسل أحلى من الخل، إلا أن يقال: إن المعنى: ما يحصل من نعيم ثواب ركعتي الفجر في الدار الآخرة خير من جميع ما يتنعم (٥) به في الدنيا، فترجع المفاضلة إلى ذات النعيم الحاصل في الدارين، لا إلى نفس ركعتي الفجر، ومتاع الدنيا، والله أعلم.

стр. 720

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام تاج الدين الفاكهاني أبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي المولود بالإسكندرية سنة ٦٥٤ هـ المتوفى بها سنة ٧٣١ هـ - رحمه الله تعالى - يطبع لأول مرة كاملا محققا على ثلاث نسخ خطية [المجلد الثاني] تحقيق ودراسة نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة من المحققين

стр. 721

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 722

رِيَاضُ الأَفْهَامِ فِي شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ

стр. 723

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٧ - ١٣ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالِب سوريا - دمِشق ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بِيروت ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) www.daralnawader.com

стр. 724

بابُ الأَذانِ الحديث الأول ٦٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ , وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ (١).

стр. 725

قال أهل اللغة: أصل الأذان: الإعلام، والأذان للصلاة (١) معروف، ويقال (٢): أذان، وتأذين، وأذين، هكذا ذكره الهروي في «غريبه». وقال: قال (٣) شيخي: الأذين: المؤذن المعلم بأوقات الصلاة، فَعيل، بمعنى: مُفَعِّل. قال الأزهري (٤): أَذَّنَ المؤذن تأذينا، وأذانا؛ أي: أعلم الناس بوقت الصلاة، فوضع الاسم موضع المصدر. قال: وأصله من الأذن، كأنه يلقى في آذان (٥) الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة (٦). فائدة نفيسة: ع: اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعية من العقليات والسمعيات.

стр. 726

فأوله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: الله أكبر، وهذه اللفظة -مع اختصار لفظها- دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين. ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة (١) لنبينا ﷺ ، وهذه قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد؛ لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد كملت (٢) العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه . ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة، فجعلها (٣) عقب إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها من جهة النبي ﷺ ، لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة؛ من البعث، والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام. ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة؛ للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان،

стр. 727

وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ثوابه، انتهى (١). قال العلماء: الأصل في الأذان: ما روى عبد الله بن عمر ﵁ (٢) قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلوات، ليس ينادى بها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا بلال! قم فناد بالصلاة» رواه البخاري، ومسلم (٣). قال ع: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها (٤). قلت: وهذا متعين؛ لحديث عبد الله بن زيد الآتي الآن، وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري ﵁، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل، ليضرب به للناس (٥) لجمع الصلاة، طاف بي طائف

стр. 728

وأنا نائم، رجل يحمل ناقوسا بيده (١)، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، فقال (٢): أولا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال (٣): تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر (٤)، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة (٥)، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: فلما أصبحت، أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها رؤيا حقٍّ -إن شاء الله تعالى-، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به؛ فإنه أندى منك صوتا» (٦)، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع بذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق! لقد رأيت مثل

стр. 729

ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : «فلله الحمد»، رواه أبو داود بإسناد صحيح (١). وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داود، وقال: حسن صحيح، وقال في آخره: «ففله الحمد». وذلك أثبت. ح: وهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أولا، ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبي ﷺ بعد ذلك (٢) إما بوحي، وإما باجتهاده ﷺ على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له ﷺ ، وليس هو عملا بمجرد المنام، هذا ما لا يشك فيه بلا خلاف، والله أعلم. قال الترمذي: ولا يصح لعبد الله بن زيد بن عبد ربه هذا عن رسول الله ﷺ شيء غير حديث الأذان، وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. ذاك له أحاديث كثيرة في «الصحيحين» (٣). فائدة: ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشاء: إظهار شعار (٤) الإسلام، وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة (٥).

стр. 730

قد اختلف العلماء في حكم الأذان والإقامة، والذي نقله العراقيون عن مذهبنا: أنهما سنتان، وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي ﵄. ونقل جماعة من متأخري الأندلسين والقرويين: أن الأذان فرض كفاية على كل أهل بلد، فإن تركوه، أثموا، وقوتلوا عليه إن امتنعنا عن (١) فعله، وإن فعله أحدهم، سقط عن سائرهم. قالوا: وهذا الوجوب لإقامة شعار (٢) الإسلام. قالوا: وهو مع ذلك سنة مؤكدة في مساجد الجماعات ومواضع الأئمة، وحيث يوجد الدعاء للصلاة. واختار القاضي أبو الوليد: أنه واجب على الكفاية في المساجد وجماعات الراتبة، وعلل الوجوب بوجهين، إقامة الشعار، وتعريف الأوقات؛ إذ لا يجوز إهمالها. وقال أحمد بن حنبل: الأذان والإقامة على أهل الأمصار فرض على الكفاية، إذا قام بهما بعضهم، أجزأ عن جميعهم. ع: وظاهر قول مالك في «الموطأ» أنه على الوجوب في الجماعتا والمساجد -يعني: الأذان-، وقال به بعض أصحايبهنا أنه فرض على الكفاية، وهوة قول بعض أصحاب الشافعي. وقال الأوزاعي، وداود في آخرين: هو فرض، ولم يفصلوا.

стр. 731

وروى الطبري عن مالك: إن ترك أهل المصر الأذان عامدين، أعادوا الصلاة. وذهب بعضهم، ومعظم أصحابنا: إلى أنه سنة، والأول هو الصحيح؛ لأن إقامة السنن الظاهرة واجبة على الجملة (١) حتى لو ترك ذلك أهل بلد، لجوهدوا حتى يقيموها. وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا أن الأذان واجب في الجملة على أهل المصر (٢)؛ لأنه شعار الإسلام (٣)، قال بعض شيوخنا: أما لهذا الوجه، ففرض على الكفاية، وهو أكثر مقصود هذا (٤) الأذان؛ إذ كان ﵊ إذا غزا، فإن سمع أذانا، أمسك، وإلا أغار، فإذا قام به على هذا الوجه واحد في المصر، وظهر الشعار، سقط الوجوب. وبقي المعنى الثاني لتعريف الأوقات، وهو المحكي فيه الخلاف عن الأئمة، والذي اختلف لفظ مالك وبعض أصحابه في إطلاق الوجوب عليه. فقيل: معناه: وجوب السنن المؤكدة، كما جاء في غسل الجمعة، والوتر، وغيرهما.

стр. 732

وقيل: هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية؛ إذ معرفة الأوقات فرض، وليس كل أحد يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض، وتأويل هذا قول الآخرين: سنة؛ أي: ليس من شرط صحة الصلاة؛ كقولهم في ستر العورة وإزالة النجاسة، انتهى (١). قال ابن هبيرة: واتفق الأئمة الأربعة: على أن النساء لا يشرع في حقهن الأذان، ولا يسن، ثم اختلفوا في الإقامة، هل تسن في حقهن أم لا؟. فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا تسن لهن الإقامة. قلت: وقال ابن القاسم (٢) صاحب مالك: إن أقمن، فحسن (٣). ثم قال: وقال الشافعي: تسن لهن، والله أعلم (٤). فصل: وقد اختلف العلماء أيهما أفضل، الأذان، أو الإمامة؟ فقال الإمام أبو عبد الله المازري: احتج من قال بأن الإمامة أفضل بأنه كان ﷺ يؤم، ولم يكن يؤذن، وما كان ﷺ يقتصر على الأدنى ويترك الأعلى، واعتذر عن ذلك: بأنه ﷺ ترك الأذان؛ لما يشتمل عليه من الشهادة له بالرسالة، والتعظيم لشأنه، فترك ذلك إلى غيره.

стр. 733

وقيل: إنما ترك ذلك؛ لأن فيه الحيعلة، وهو الأمر بالإتيان إلى الصلاة، فلو أمر في كل صلاة بإتيانها، لما استخف أحد ممن سمعه التأخر (١)، وإن دعته الضرورة إليه، وذلك مما يشق. وقيل أيضا: لأنه كان ﷺ في شغل عنه بأمور المسلمين، وعن مراعاة أوقاتهم، وقد قال عمر ﵁: لو أطقت الأذان مع الْخِلِيفى، لأذنت (٢). والخليفى: الخلافة. ع: وذهب أبو جعفر الداودي إلى معنى قول عمر في هذا: أنه في أذان الجمعة؛ لأن الأذان إنما يكون بين يدي الإمام فيها، والإمامة للخليفة، فلا يتقدم الأذان لذلك. قال: هذا معنى (٣) كلام الداوودي. انتهى كلام ع (٤). قلت: وقد ذكر ابن العربي في «القبس» (٥): أنه ﵊ أذن، ولفظه: أذن النبي ﵊، وأقام، وصلى، فتعين الكل بفعله، ثم سقط الوجوب في الأذان عن الفذ، إلى آخر كلامه.

стр. 734

فصل: قال أصحابنا: ومشروعية الأذان في حق المصلين جماعة في مفروضة مؤداة قصدا (١) الدعاء إليها. فقولنا: جماعة، تحرز من الفذ (٢)، وإن كان المتأخرون استحبوا الأذان للمسافر، وإن كان منفردا لحديث أبي سعيد. وقولنا: في مفروضة، تحرز مما عداها من النوافل والسنن. وقولنا: مؤداة، تحرز من الفائتة؛ فإنه لا يؤذن لها؛ لأن ذلك يزيدها فوتا (٣). وقولنا: قصد الدعاء إليها، تحرز من جماعة لا يريدون دعاء غيرهم إليهم، والفذ كذلك. وقد قيل: إن أذنوا، فحسن، فقيل: اختلاف، وقيل: بل لا يؤمرون بالأذان كما تؤمر به الأئمة في مساجد الجماعات، وإن أذنوا، فهو ذكر، والذكر لا ينهى عنه من أراده، لا سيما إذا كان من جنس المشروع، فليس ذلك باختلاف. واختلف في الأذان للصلاة إذا جمعت على ثلاثة أقوال: فقيل: بأذان واحد وإقامتين، وقيل: بإقامتين بلا أذان، وثالثها المشهور: يؤذن لكل واحد منهما، ويقام. وأما الإقامة، فمشروعة في كل فرض عموما؛ أداء كانت أو

стр. 735

قضاء، حتى النساء على المشهور كما تقدم. واستحسن إسرار المنفرد بالإقامة. ويرفع المؤذن صوته بالتكبير ابتداء على المشهور، ويقول بعد الشهادتين (١) مثنى أخفض منه، ولا يخفيهما (٢) جدا، ثم يعيدهما رافعا صوته أكثر من الأولى، وهو الترجيع ويثني: الصلاة خير من النوم في الصبح على المشهور، وهو التثويب، ومشروعيته في أذان الصبح على العموم. وحكي عن مالك - رحمه الله تعالى-: أنه قال: من كان في ضيعة متنحيا عن الناس أرجو أن يكون من تركها في سعة. ويفرد: قد قامت الصلاة، على المشهور، فتكون عشر كلمات. والقيام والاستقبال مأمور بهما في الأذان. وأنكر مالك أذان القاعد إلا من عذر، فيؤذن لنفسه، وقيل: بالجواز؛ لأنه ذكر. ويجوز راكبا، ولا يقيم إلا نازلا على المشهور. ولم يسمع الأذان إلا موقوفا، غير معرب في مقاطعه؛ بخلاف الإقامة. ولا يتكلم في الأذان، ولا في الإقامة، ولا يرد سلاما، ولو بالإشارة؛ بخلاف الصلاة.

стр. 736

وقيل: يرد إشارة، ولا ينبغي لأحد أن يسلم عليه حتى يفرغ. قالوا: وكذلك لا ينبغي أن يسلم على الملبي، والآكل، والمتغوط. ويرتب كلمات الأذان ويواليها، فإن نكس، استأنف، وإن فرق يسيرا، بنى، وإن تتفاحش، ابتدأ. فصل: وشرط المؤذن أن يكون مسلما، عاقلا، ذكرا، فلا يعتد بأذان كافر ولا مجنون، ولا امرأة، ولا يؤذن الصبي، ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع لا يكون فيه غيره، فيؤذن ويقيم. قال الشيخ أبو بكر: وهو الاختيار. وإن أذن غير البالغ، جاز. وحكى المازري في إجزائه قولين: الجواز؛ لأنه ذكر، والنهي؛ لأنه من أمانات الشريعة، وليس من أهلبها. ومن أذن لقوم، وصلى معهم، فلا يؤذن لآخرين، ولا يقيم، فإن فعل، ولم يعيدوا حتى صلوا، أجزأهم. وتستحب الطارة في الأذان، والكراهوة في الجنب شديدة، وفي الإقامة أشد. قال سحنون: لا بأس بأذان الجنب في غير المسجد. ويستحب أن يكون المؤذن صيتا، وأنكر مالك التطريب، وليكن عدلا عارفا بالمواقيت لتقلده (١) عهدتها.

стр. 737

وإذا تعدد المؤذنون، جاز أن يتراسلوا معا، إلا أن كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، وأن يترتبوا ما لم يكثروا، وذلك بحيث سعة (١) الوقت وضيقه، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد (٢)، أو جماعة مرة واحدة. ويستحب حكاية المؤذن، وينتهي إلى الشهادتين على المشهور، وقيل: إلى آخره، فيعوض عن الحيعلة الحوقلة، والمشهور حكاية التشهد مرة واحدة، وقول ذلك قبل المؤذن واسع، فإن كان في صلاة، فثلاثة أقوال، ثالثها المشهور: يحكي في النافلة، لا في الفريضة، فرو قال: حي على الصلاة، ففي بطلان صلاته قولان، وجه البطلان: أنها مخاطبة للآدميين، وليس من جنس بقية أذكار الأذان، ووجه الصحة: عموم هذا الحديث، ومن جهة المعنى: أنه لا يقصد بقوله: حي على الصلاة دعاء الناس، بل حكاية ألفاظ الأذان. ولا يؤذن لجمعة ولا لغيرها قبل الوقت، إلا الصبح؛ فإن المشهور جواز الأذان لها إذا بقي من الليل السدس، وقيل: عند خروج الوقت المختار، وقيل: إذا صليت العشاء. وهو بعيد؛ لإلباسه (٣)

стр. 738

بأذان العشاء، والله أعلم (١). وهذه كلها مقدمات بين يدي الحديث، ولنرجع إلى الكلام عليه. قوله: «أمر بلال» (٢): هو بضم الهمزة وكسر الميم؛ أي: أمره بذلك رسول الله ﷺ ؛لأنه الأمر بالشريعة لا يضاف إلا إليه، وقد وعم بعض أهخل العلم: أن الآمر بذلك هو أبو بكر وعمر،. قال الخطابي: وهذا تأويل فاسد؛ لأن بلالا لحق بالشام بعد موت رسول الله ﷺ ، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله ﷺ . انتهى (٣). ق: وهو المختار عند أهل الأصول؛ يعني: أن الآمر إنما هو النبي ﷺ ، وكذلك أمرنا ونهينا؛ لأن الظاهر انصرافه إلى من له الأمر الشرعي، ومن يلزم اتباعه، ومن يحتج بقوله، وهو الرسول ﵊، وفي هذا الموضع زيادة على هذا، وهو أن العبادات والتقديرات فيها لا تؤخذ إلا بتوقيف (٤).

стр. 739

والحديث دليل على الإيتار في لفظ الإقامة (١)، وبه قال أكثر أهل العلم، وعليه جرى العمل بالحرمين الشريفين، والحجاز، وبلاد الشام، واليمن، وديار مصر، ونواحي الغرب (٢)، وهو قول الخسن البصري، ومكحول، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، ولم يزل ولد أبي محذورة يفردون الإقامة، ويحكونه عن جدهم. وقد قيل لأحمد بن حنبل: وكان يأخذ بأذان بلال: أليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: أليس لما علاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه؟ حكاه ابن رافع عن الخطابي. وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى تثينة الإقامة؛ كالأذان، وتمسكوا بما روي عن عبد الله بن زيد في بعض رواياته من تثنية الإقامة (٣)، وقد روي عنه إفراد الإقامة من طرق (٤). واختلف مالك، والشافعي في موضع واحد، وهو (٥) قد قامت

стр. 740

الصلاة، فقال مالك: إنه مفرد، وظاهر هذا الحديث يدل له دلالة ظاهرة، وقال الشافعي: إنه مثنى للحديث الآخر، وهو قوله: «فأمر (١) بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة»؛ أي: إلا لفظ: قد قامت الصلاة. ق: ومذهب مالك مع ما مر قد أيد بعمل أهل المدينة، ونقلهم، وعمل أهل المدينة في مثل هذا أقوى؛ لأن طريقه (٢) النقل، والعادة في مثله تقتضي شيوع العمل، وأنه لو كان تغير، لعلم به. وقد اختلف أصحاب مالك ﵀ تعالبى- في أن إجماع أهل المدينة حجة مطلقا في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريثقه النقل والانتشار؛ كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، والأوقات، وعدم أخذ الزكماة من الخضروات؟ فقال بعض المتأخرين منهم: والصحيح: التعميم، وما قاله غير صحيح عندنا جزما، ولا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء؛ إذ لم يقم دليل على العصمة على بعض الأمة، نعم ما طريقه النقل، إذا علم اتصاله، وعدم تغيره (٣)، واقتضت الغعادة أن يكون مشروعا من صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه، فالاستدلال به
следующие страницы →