وقيل: يرد إشارة، ولا ينبغي لأحد أن يسلم عليه حتى يفرغ.
قالوا: وكذلك لا ينبغي أن يسلم على الملبي، والآكل، والمتغوط.
ويرتب كلمات الأذان ويواليها، فإن نكس، استأنف، وإن فرق يسيرا، بنى، وإن تتفاحش، ابتدأ.
فصل: وشرط المؤذن أن يكون مسلما، عاقلا، ذكرا، فلا يعتد بأذان كافر ولا مجنون، ولا امرأة، ولا يؤذن الصبي، ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع لا يكون فيه غيره، فيؤذن ويقيم.
قال الشيخ أبو بكر: وهو الاختيار.
وإن أذن غير البالغ، جاز.
وحكى المازري في إجزائه قولين: الجواز؛ لأنه ذكر، والنهي؛ لأنه من أمانات الشريعة، وليس من أهلبها.
ومن أذن لقوم، وصلى معهم، فلا يؤذن لآخرين، ولا يقيم، فإن فعل، ولم يعيدوا حتى صلوا، أجزأهم.
وتستحب الطارة في الأذان، والكراهوة في الجنب شديدة، وفي الإقامة أشد.
قال سحنون: لا بأس بأذان الجنب في غير المسجد.
ويستحب أن يكون المؤذن صيتا، وأنكر مالك التطريب، وليكن عدلا عارفا بالمواقيت لتقلده (١) عهدتها.
стр. 737
وإذا تعدد المؤذنون، جاز أن يتراسلوا معا، إلا أن كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، وأن يترتبوا ما لم يكثروا، وذلك بحيث سعة (١) الوقت وضيقه، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد (٢)، أو جماعة مرة واحدة.
ويستحب حكاية المؤذن، وينتهي إلى الشهادتين على المشهور، وقيل: إلى آخره، فيعوض عن الحيعلة الحوقلة، والمشهور حكاية التشهد مرة واحدة، وقول ذلك قبل المؤذن واسع، فإن كان في صلاة، فثلاثة أقوال، ثالثها المشهور: يحكي في النافلة، لا في الفريضة، فرو قال: حي على الصلاة، ففي بطلان صلاته قولان، وجه البطلان: أنها مخاطبة للآدميين، وليس من جنس بقية أذكار الأذان، ووجه الصحة: عموم هذا الحديث، ومن جهة المعنى: أنه لا يقصد بقوله: حي على الصلاة دعاء الناس، بل حكاية ألفاظ الأذان.
ولا يؤذن لجمعة ولا لغيرها قبل الوقت، إلا الصبح؛ فإن المشهور جواز الأذان لها إذا بقي من الليل السدس، وقيل: عند خروج الوقت المختار، وقيل: إذا صليت العشاء. وهو بعيد؛ لإلباسه (٣)
стр. 738
بأذان العشاء، والله أعلم (١).
وهذه كلها مقدمات بين يدي الحديث، ولنرجع إلى الكلام عليه.
قوله: «أمر بلال» (٢): هو بضم الهمزة وكسر الميم؛ أي: أمره بذلك رسول الله ﷺ ؛لأنه الأمر بالشريعة لا يضاف إلا إليه، وقد وعم بعض أهخل العلم: أن الآمر بذلك هو أبو بكر وعمر،.
قال الخطابي: وهذا تأويل فاسد؛ لأن بلالا لحق بالشام بعد موت رسول الله ﷺ ، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله ﷺ . انتهى (٣).
ق: وهو المختار عند أهل الأصول؛ يعني: أن الآمر إنما هو النبي ﷺ ، وكذلك أمرنا ونهينا؛ لأن الظاهر انصرافه إلى من له الأمر الشرعي، ومن يلزم اتباعه، ومن يحتج بقوله، وهو الرسول ﵊، وفي هذا الموضع زيادة على هذا، وهو أن العبادات والتقديرات فيها لا تؤخذ إلا بتوقيف (٤).
стр. 739
والحديث دليل على الإيتار في لفظ الإقامة (١)، وبه قال أكثر أهل العلم، وعليه جرى العمل بالحرمين الشريفين، والحجاز، وبلاد الشام، واليمن، وديار مصر، ونواحي الغرب (٢)، وهو قول الخسن البصري، ومكحول، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، ولم يزل ولد أبي محذورة يفردون الإقامة، ويحكونه عن جدهم.
وقد قيل لأحمد بن حنبل: وكان يأخذ بأذان بلال: أليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: أليس لما علاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه؟ حكاه ابن رافع عن الخطابي.
وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى تثينة الإقامة؛ كالأذان، وتمسكوا بما روي عن عبد الله بن زيد في بعض رواياته من تثنية الإقامة (٣)، وقد روي عنه إفراد الإقامة من طرق (٤).
واختلف مالك، والشافعي في موضع واحد، وهو (٥) قد قامت
стр. 740
الصلاة، فقال مالك: إنه مفرد، وظاهر هذا الحديث يدل له دلالة ظاهرة، وقال الشافعي: إنه مثنى للحديث الآخر، وهو قوله: «فأمر (١) بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة»؛ أي: إلا لفظ: قد قامت الصلاة.
ق: ومذهب مالك مع ما مر قد أيد بعمل أهل المدينة، ونقلهم، وعمل أهل المدينة في مثل هذا أقوى؛ لأن طريقه (٢) النقل، والعادة في مثله تقتضي شيوع العمل، وأنه لو كان تغير، لعلم به.
وقد اختلف أصحاب مالك ﵀ تعالبى- في أن إجماع أهل المدينة حجة مطلقا في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريثقه النقل والانتشار؛ كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، والأوقات، وعدم أخذ الزكماة من الخضروات؟
فقال بعض المتأخرين منهم: والصحيح: التعميم، وما قاله غير صحيح عندنا جزما، ولا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء؛ إذ لم يقم دليل على العصمة على بعض الأمة، نعم ما طريقه النقل، إذا علم اتصاله، وعدم تغيره (٣)، واقتضت الغعادة أن يكون مشروعا من صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه، فالاستدلال به
стр. 741
قوي يرجع إلى أمر عادي، والله أعلم.
وقد استدلوا (١) بهذا الحديث على وجوب الأذان؛ من حيث إنه إذا أمر بالوصف، لزم أن يكون الأصل مأمورا به، وظاهر الأمر الوجوب، انتهى (٢).
قلت: وقد تقدم في حديث عائشة ﵂: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
تحرير هذه المسألة -أعني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وبيان مراتبها السبع بما يغني عن الإعادة.
ح: الحكمة (٣) في إفراد الإقامة وتثنية الأذان: أن الأذان لإعلام الغعائبين، فيكرر؛ ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين، فلا حاجة إلى تكرارها، ولهذا قال العلماء: يكون رفع الصوت في الأذان (٤)، وخفضه في الإقامة، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة؛ لأنه مقصود الإقامة (٥).
قلت: ولا نحتاج نحن إلى اعتذار عن الإقامة؛ إذ هي عندنا
стр. 742
مفردة، ويشكل على الشيخ في هذه التفرقة تثنية التكبير فيها، أتععني: الإقامة، والله أعلم
* * *
* التعريف:
وهب بن عبد الله: هو المشهور، وقيل: وهب بن جابر، وقيل: وهب بن وهب بن مسلم بن جنادة -بضم الجيم وبالنون والدال
стр. 745
المهملة- بن جندل بن صعصعة، والسوائي -بضم السين ممدود-: منسوب إلى سواءة بن عامر بن صعصعة، له صحبة، سكن الكوفة، يقال: قبض النبي ﷺ ولم يبلغ الحلم، وتوفي في ولاية بشر بن مروان، وكان يصحب علي بن أبي طالب ﵁، هكذا ذكره الحافظ أبو علي بن سكن ففي كتابه في الصحابة.
وقال لحافظ أبو محمد عبد الغني في كتابه «الكمال (١) في أسماء الرجال»: أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، ويقال: وهب بن وهب، ويقال: وهب الخير (٢)، من بني جرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وكان من صغار أصحاب النبي ﷺ ، نزل الكوفة، وابتنى بها دارا.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث.
روى عنه: ابنه عون، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق السبيعي.
روى له الجماعة ﵃ (٣).
стр. 746
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: (القبة)، أصلها من البناء، وشبه الأديم وغيره به، والجمع قُبَب وقِباب، وبيت مقبب: جعل فوقه قبة، وهودج مقبب أيضا، والأدم: جمع أديم، وهو مثل أَفيق، وأَفَق، والأَفيق: الجلد الذي يتم دباغه (١).
وقال الأصمعي: الأَفيق: الجلد إذا دبغغ قبل أن يخرز، وهما من الجموع النادرة -أعني: أدما وأَفَقًا-، وقد جمعوهما -أيضا- على (أَفْعِلَتة)، فقالوا: أديم وآدمة، وأفيق وآفقة؛ كرغيف وأرغفة.
قال الجوهري: وربما سمي وجه الأرض أديما، وأنشد: [المنسرح]
يَوْمًا تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ الْ ... عَصْبِ ويَوْمًا أَدِيمُهَا نَغِلَا (٢)
وعمود وعَمَد، كأفيق وأفق.
الثاني: قوله: «فخرج بلال بوضوء»؛ أي: خرج من القبة، ومعه فضل الماء الذي توضأ به ﵊.
стр. 747
قيل: ولا ينبغي أن يحمل ذلك على الساقط عن (١) أعضائه ﵊؛ لأنه ليس من عادته أن يتوضأ في إناء يسقط فيه الماء المنفصل عن أضائه، ويجمع ذلك في إناء، بل كان يتوضأ على الأرض ﷺ .
وقد تقدم الكلام على الوضوء والوَضوء -بالفتح والضم-، وهو هنا بالفتح لا غير.
الثالث: قوله: «فمن ناضح ونائل»؛ النضح: الرش، قيل: معناه: أن بعضهم كان ينال منه ما لا يفضل منه شيء، وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره (٢)، وتشهد له الرواية الأخرى في «الصحيح»: «ورأيت بلالا أخرج وضوء، فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا، تمسح به، ومن لم يصب منه، أخذ من بلل يد صاحبه» (٣).
فيه: التبرك بأثر (٤) الصالحين، والتماس خيرهم وبركتهم.
وفيه: شدة تعظيم أصحابه له، وإدجلالهم لمكانه، وعظيم حقه،
стр. 748
وعظيم الحرص على نيل بركته، وهذا كان دأبهم معه ﷺ ، ورضي عنهم أجمعين، وكانوا عنده كأن على رؤوسهم الطير، إذا تكلم أنصتوا، وإذا تنخم، لم تقع إلا في يد رجل منهم، فيدلك بها وجهه، وإذا توضأ، كادوا يقتتلون على وَضوئه، وذلك بعض ما يجب من إعظمه وإجلاله وتمحيض ولائه، وكيف لا، وقد كانوا على شفا حفرة من النار، فأنقذهم منها؟! [الكامل] [١]
وَلَوْ قِيلَ لِلْمَجْنُونِ لَيْلَى وَوَصْلَهَا ... تُرِيدُ أَمِ الدُّنْيَا وَمَا فِي طَوَايَاهَا
لَقَالَ غُبَارٌ مِنْ تُرَابِ نِعَالِهَا أَحبُّ ... إِلَى نَفْسِي وَأَشْفَى لِبَلْوَاهَا
الرابع: الحلة: ثوبان: إزار، ورداء، لا يسمى حلو حتى يكون ثوبين، هذكا قاله أهل اللغة، ومنه الحديث: «أنه رأى رجلا عليه حلة قد ائتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر» (١).
وقال (٢) ابن السِّيْد البطليوسي: ولا يقال: ولا يقال: حلة لثوب واحد، إلا أن يكون له بطانة (٣).
стр. 749
الخامس: قوله: «كأني إلى بياض ساقيه»: لا يقال: قد جاء في صفته ﵊: ليس با؟ لأبيض الأمهق، وإذا نفي عنه البياض، كيف يوصف به؟ لأنا نقول: لم ينف عنه مطلق البياض، لا يخالط شيء من الحمرة، وليس بنير، ولكن كلون الجص ونحوه، هكذا ذكره أهل اللغة (١)، فهذا هو المنفي (٢) عنه، وأما مطلق البياض، فلم ينفى عنه.
فيه دليل على تقصير الثياب، وهو أحد ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ويكون من باب تسمية الشيء بلازمه (٣)؛ إذ يلزم من تقصيرها تطهيرها وصيانتها عما يصل إليها، وقد جاء أنه أتقى وأنقى وأبقى؛ أي: التقصير (٤)، وقد تقدم شيء من هذا المعنى.
السادس: قوله: «فتوضأ، وأذن بلال»: في ظاهره بعض إشكال، وذلك أنه تقدم قوله: «فخرج بلال بوضوء» (٥).
وقد قالوا: إن الوضوء هنا فضلة ماء وضوئه ﷺ ، ولذلك ابتدره
стр. 750
أصحابه، وازدحموا عليه؛ تبركا به -كما تقدم-، وقد جاء مبينا في الحديث الآخر: «فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه» (١)، فكيف يقال بعد هذا: فتوضأ؟
وقد أجيب عن هذا الإشكال، بأن فيه تقديما وتأخيرا، وهذا فاسد؛ لأن التقديم والتأخير -وإن كان خلاف الأصل-، لا يكون مع التكرار جزما.
وأقرب ما يقال في ذلك -والله أعلم-: أن الوضوء الذي خرج به بلال ﵁ يجوز أن يكون فضلة وضوء له ﵊ متقدم، ثم (٢) لما خرج، توضأ لهذه الصلاة التي أذن لها بلال، وهذا أقل تكلفا مما تقدم؛ إذ لايلزم أن يكون الوضوء الذي خرج به بلال لهذه الصلاة ولا بد، ويحتمل أن يكون لها، لكن عرض له ﵊-بعد وضوئه ما أوجب إعادة الوضوء، إما وجوبا؛ كحدث، أو اختيار لتجديد، والله أعلم (٣).
السابع: قوله: «فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا»: هاهنا: ظرف مكان، ويتصل بآخرها حرف الخطاب (٤)، فيقال: هناك، زيدت عليه هاء التنبيه؛ كزيادتها على اسم الإشارة، نحو: هذا، وهاهنا، مبني؛
стр. 751
لتضمنه معنى حرف الإشارة تقديرا؛ إذ لاوجود له لفظا، وفيها ثلاث لغات: ضم اهاء وتخفيف النون؛ كما هو في الحديث، وفتح الهاء مع تشديد النون وكسرها مع ذلك، وهو أقلها، ومثلها من ظروف المكان المشار بها، ثم بفتح التاء، لكنها لا يشار بها إلا لما بعد من الأمكانة، بخلاف هنا؛ فإنها لما قرب خاصة.
و «يمينا وشمالا»: يدل من قوله: «هاهنا وهاهنا»، ويجوز أن يكونا منصوبين بإضمار؛ أعني: مفعولين على السعة.
فيه: دليل على استدارة المؤذن للإسماع عند الدعاء إلى الصلاة، وهو وقت التلفظ بالحيعلتين، وقوله: يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح بين وقت الاستدارة، وأنه وقت الحيعلتين، وقد جوز مالك دورانه للإسمالع مطلقا فيما يظهر من كلام ع.
قال ع: ويكون مستقبل القبلة بقدميه، وهو اختيار الشافعي (١).
وفيه: دليل على الاكتفاء في السترة بمثل غلظ العنزة.
وفيه: دليل على [أن] المرور من وراء السترة غير ضار.
وقوله: «ثم ركزت له عنزة»؛ أي: غرزت في الأرض، والعنزة (٢) قيل: هي عصا في طرفها زُجٌّ، وقيل: هي الحربة الصغيرة (٣).
فيه: دليل على استحباب وع السترة بين يدي المصلي عند
стр. 752
خوف المرور، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بأبسط من هذا في باب: المرور بين يدي المصلي، إن شاء الله تعالى.
الثامن: قوله: «ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة» يريد: أنه كان اجتماعه بالنبيت ﷺ بمكة (١)، فلم يزل يصلي ركعتين حتى أتى المدينة، وقد جاء ذلك مصرحا به في الرواية الأخرى التي (٢) قال فيها: «أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة حمراء من أدم» (٣)، وهذه الرواية المبينة لتلك تشتمل على زيادة فائدة أخرى؛ فإنه في الرواية المبهمة يجوز أن يكون اجتماعه به ﵊ في طريقه إلى مكة قبل وصوله إليها، وعلى هذا يشكل (٤) قوله: «فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة»، من حيث إن السفر يكون له نهاية يوصل إليها قبل الرجوع، وذلك مانع من القصر عند بعضهم، أما إذا تبين أنه كان الاجتماع بمكة، فيجوز أن تكون صلاة الظهر التي أدركها ابتداء الرجوع، ويكون قوله: «حتى رجع إلى المدينة» انتهاء الرجوع، هذا معنى كلام ق، وأكثر لفظه (٥).
فيه: دليل على راجحية القصر على الإتمام حال السفر، أما كونه
стр. 753
دليلا على وجوب القصر، فلا، إلا على من يقول: إن أفعاله ﵊ على الوجوب، وسيأتي الكلام على حكم القصر في بابه إن شاء الله تعالى.
فائدة:
المدينة: مشتقة من قولهم: مَدَنض بالمكان: إذا أقام به، فهي (فَعيلة)، وتجمع (١) على مدائن بالهمز، وعلى مُدُن أيضا، وَمَدَن، بالتخفيف، والتثقيل، وقيل: إنها (مَفْعِلَة) من دِنْتُ: إذا ملكت.
قال الجوهري: وسألت أبا علي الفَسَوي عن همز مدائن، فقال: فيه قولان: من جعله (فعيلة) من قولك: مدن بالمكان: إذا أقام (٢) به، همزه، ومن جعله (مفعلة) من قولك: دِينَ؛ أي: مُلِك، لم يهمزه كما لم يهمز معايش، وإذا نسبت إلى مدينة الرسول ﵊، قلت: مَدَني، وإلى مدينة منصور (٣)، قلت: مَدِيني، وإلى مدائن كسرى: مَدائني؛ للفرق بين النسب؛ لئلا تختلط، وأما مدين قرية شعيب ﵊، فالنسب إليها مَدْيَني -بسكون الدال- على القياس (٤).
وللمدينة عشرة أسماء: المدينة، والدار؛ لأمنها والاستقرار بها،
стр. 754
وطابة، وطيبة، وفي «صحيح مسلم»: أن النبي ﷺ قال: «إن الله -تعالى- سمى المدينة طابة» رواه جابر (١)، وطايب، ومسكينة، وجابرة، ومجبورة، ويثرب، ومدد.
وقد جاء لها من الأسماء غير ذلك في كتاب «أخبار النواحي» لابن المنجم (٢)، عدة أسماء، رواها عن رسول الله ﷺ ، وعن غيره، فمن أراد استيعابها (٣)، نظره هناك إن شاء الله تعالى.
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الحديث دليل صريح على مشروعية الأذان لصبح قبل طلوع الفجر، وهو حجة على أبي حنيفة، ومن قال بقوله؛ من أنه لا يؤذن لها إلا بعد طلوع الفجر، ومن جهة المعنى: أنها تدرك الناس على حالة يحتاجون فيها إلى التهيؤ الزائد على تهيؤ سائر الصلوات؛ لأنهم حينئذ إما نيام أو من آثار النوم، ومنهم الجنب وغيره، هذا هو الغالب من حال العموم، فلو لم يؤذن لها إلا بعد الفجر، لفات أكثر الناس فضيلة الوقت، أو الوقت كله، لا سيما من يعسر عليه الاستبراء أو الوضوء، أو من يحتاج إلى الاغتسال حينئذ، فكان تقديم الأذان قبل الفجر منبهة للمصلي (١) للاستداد والتهيؤ بالطهارة حينئذ؛ ليطلع الفجر وقد تهيؤوا للصلاة في أول الوقت، والله أعلم.
وقد تقدم ذكر الأقوال الثلاثة في مذهبنا في وقت الأذان للصبح في أول حديث من هذا الباب.
وفيه: دليل على جواز أذان الأعمى.
стр. 757
وفيه: جواز تقليد الأعمى للبصير في الوقت، أو جواز اجتهاده فيه؛ فإن ابن أما مكتوم لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر، وذلك إما سماع من بصير، أو اجتهاد، وقد جاء في الحديث: «وكان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، أصبحت» (١)، فهذا يدل علىى رجوعه إلى البصير، ولو لم يرد ذلك، لم يكن في هذا اللفظ دليل على جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد الأمرين مبهما (٢)، لا يدل على الواحد منهما معينا (٣).
وفيه: دليل على اتخاذ مؤذنين في مسجد (٤) واحد، والحديث غير مشعر بالزيادة على ذلك، ونقل بعض أصحاب الشافعي ﵁: أن الزيادة على أربعة تكره، واستضعفه بعض المتأخرين، وكأن وجه الكراهة (٥) عند القائل بها: أنه ﵊ لم يزد على أربعة مؤذنين: بلال، وابن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبي محذورة، إلا أن بلالا كان الملازم (٦) له في القيام بوظيفة الأذان حضرا وسفرا، فكره الزيادة على ذلك لهذا المعنى، والله أعلم (٧).
стр. 758
وفيه: دليل على تكرار الأذان لصلاة الصبح قبل الوقت، وبعده.
وفيه: ترجيح الترتيب إذا اجتمعوا، دون التراسل، على ما مر.
الثاني: (الباء) في «بليل» بمعنى: (في)، وهو (١) أحد معانيها العشرة، ومنه قولهم: زيد بالبصرة؛ أي: في البصرة، هذا في ظرف المكان، وذاك (٢) في ظرف الزمان.
الثالث: قوله: «فكلوا واشربوا» إلى آخره: اعلم: أن أكل، وأمر، وأخذ، ثلاثتها حذفت العرب في الأمر همزاتها على غير قياس، هكذا قال أهل العربية، ولا يبعد عندي أن يكون لذلك وجه من القياس، وذلك أن إثبات الهمزة فيها يؤدي حالة الأمر إلى اجتماع همزتين: همزة الوصل التي في مثل اضرب، والهمزة التي هي في الكلمةن واجتماع الهمزتين مستثقل أو مرفوض، ويوضح ذلك أنه إذا سقطت همزة الوصل، ثتت فاء الكلمة، قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]، لما استغني عن همزة الوصل؛ لاتصال الهموة الساكنة التي هي فاء الكلمةبما قبلها، وهو الواو، ثبتت فاء الكلمة، ولم تحذف، فليعلم ذلك.
ومعنى الأمر بالأكل والشرب هنا: أن المراد به الصائمون لرمضان، أو غيره، والصائم يحل له الأكل والشرب ما لم يطلع
стр. 759
الفجر، فإذا طلع الفجر، حرم ذلك عليه، ولما كان بلال يؤذن قبل الفجر، جاز الأكل والشرب حينئذ، ولما كان ابن أم مكتوم لا يؤذن إلا بعد انفجار الفجر، جعل النبي ﷺ أذانه غاية للمنع من الأكل والشرب، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فجعل (حتى) غاية للتبيين.
قال ابن عطية: والمراد به فيما قال جميع العلماء: بياض النهار، وسواد الليل، وهو نص قول النبي ﷺ لعدي بن حاتم في حديثه المشهور (١).
قلت: الحديث: أن عدي بن حاتم ﵁ قال: عمدت إلى عِقالين أبيض وأسود، فجعلتهما تحت وسادي (٢)، فكنت أقوم من الليل، فأنظر إليهما، فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت، غدوت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فضحك، وقال: «إن كان وسادك لعريضا» (٣)، وروي: «إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياض النهار، وسواد الليل» (٤).
стр. 760
قال ابن عطية: واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك، فقال الجمهور -وبه أخذ الناس، ومضت عليه الأمصار والأعصار، ووردت به الأحاديث الصحاح-: ذلك الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك، وهو مقتضى حديث ابن مسعود، وسمرة بن جندب.
وروي عن عثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم: أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق، وعلى رؤوس الجبال.
وذكر عن حذيفة: أنه قال: تسحرت مع رسول الله ﷺ ، وهو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (١).
وروي عن علي بن أبي طالب: أنه صلى الصبح بالناس، ثم قال: الآن تبين (٢) الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٣).
قال الطبري: ومما قادهم إلى هذا القول: أنهم يرون أن الصوم
стр. 761
إنما هو في النهار، والنتهار عندهم من طلوع الشمس؛ لأن آخره غروبها، فكذلك أوله طلوعها (١).
وحكى النقاش عن الخليل بن أحمد: أن النهار من طلوع الفجر، ويدلك (٢) على ذلك قوله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، والقول في نفسه صحيح.
قال: وقد ذكرت حجته في تفسير قوله تعالى: وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
قال: وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، ومن أكل وهو يشك هل طلع الفجر أم لا؟ فعليه عند مالك القضاء، انتهى (٣).
واختلف في اسم ابن أم مكتوم، فقيل: عمرو بن قيس، وقيل: عبد الله (٤)، والله تعالى أعلم.
* * *
قد تقدم ذكر الخلاف في حكاية الأذان، هل يحكي إلى آخر الشاهدتين، أو إلى آخره، وتبدل الحيعلة بالحوقلة، ويقال: الحولقة.
وتقدم (١) أيضا: هل يحكي إذا كان في الصلاة، أو لا؟
وأن في مذهبنا ثلاثة أقوال: ثالثها المشهور: يحكيه في النافلة دون الفريضة.
قال المازري: وهذه الأقوال الثلاثة التي في المذهب هي -أيضا- بين العلماء (٢).
فإن قلت: ما المناسبة في جواب الحيعلة بالحوقلة؟
قلت: قيل: إنه لما دعاهم إلى الحضور، أجبوه بقولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ أي: لا قدرة لنا على المحاولة في تحصيل ذلك، ولا قوة (٣) عليه إلا بالله؛ أي: بعزته وتأييده، وقد علمت بذلك عدم الترادف بين (٤) الحول والقوة، فالحول: الاعتماد في تحصيل الشيء، والمحاولة له، والقوة: القدرة عليه.
стр. 764
فإن قلت: لفظة (مثل) تقتضي المشابهتة في جميع الأوصاف، ولا يراد بذلك هنا؛ أعني: قوله ﵊: «فقولوا مثل ما يقول»: المشابهة من كل وجه، حتى في رفع الصوت ونحو ذلك.
قلت: المراد: تلفظوا بمثل ما يلفظ به المؤذن من أذكار الأذان من غير تعرض (١) لرفع صوت، ولا خفضه، وإذا حصل هذا التلفظ، حصلت المماثلة في جميع صفات الأذان بلا إشكال، ألا ترى أنه حيث لم تمكن المماثلة في وضوئه ﵊ في جميع صفاته، أتى ب «نحو» التي هي للمقاربة دون المماثلة، فقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا»، ولم يقل: مثل وضوئي، لتعذر مماثلة وضوئه ﵊ من جميع الوجوه على ما تقدم من بيان ذلك، فاعرفه (٢).
* * *
وَلِلْبُخَارِيِّ: إِلَّا الْفَرَائِضَ (١).
* * *
اعلم: أن الاستقبال استفعال من المقابلة، وهذه الصيغة -أعني: استفعل- تكون لطلب الفعل غالبا؛ نحو: استحقه، واستعمله، واستعجله، إذا طلب حقه وهعمله، وعجلته، ويكون من التحول؛ نحو: استتيست الشاة، واستنوق الجمل: إذا صارت فيه لين وضعف، واستحجر الطين، وتكون للإصابة على صفة، نحو: استعظمته، واستسمنته، واستجدته، أي: أصبته عظيما، وسمينا، وجيدا، وتكون
стр. 767
بمنزله فعل؛ نحو: قر، واستقر، وعلا قرنه، واستعلاه (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: معنى «يسبح» هنا: يصلي النافلة، وربما أطلق التسبيح على مطلق الصلاة، وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] بصلاة الصبح، وصلاة التعصر.
والسُبحة: التطوع من الذكر والصلاة، تقول: قضيت سبحتي.
وروي: أن عمر ﵁ جلد رجلين سبحا بعد العصر؛ أي: صليا (٢).
وقد يعبر عنها -أيضا- بالسجود؛ كما قالت حفصةة في الصبح: كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر (٣)، تعني: ركعة بسجدتيها؛ كما عبر عنها أيضا بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ (٤)﴾ [الإسراء: ٧٨]، والله أعلم.
وعبر عنها -أيضا- بالدعاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أي: صلاتكم.
والتسبيح حقيقة: التنزيه، وهو قول: سبحان الله، فإطلاق التسبيح على الصلاة إما من باب (٥) إطلاق البعض على الكل، وإما لأن
стр. 768
المصلي منزه لله بإخلاص العبادة له وحده، والتسبيح والتنزيه (١)، فيكون ذلك من مجاز الملازمة؛ لأن التنزيه يلزم الصلاة المخلصة لله -تعالى- وحده (٢).
وكذلك التعبير عنها بالسجود، إما لأنه بعضها، وإما أنه ملازم لها، كذلك الدعاء إما لاشتمالها عليه باعتبار اللغة، وإما لأنه بعضها.
الثاني: «الراحلة»: الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول، قال الجوهري: ويقال: الراحلة: المركب من الإبل، ذكرا كان أو أنثى (٣).
قلت: فيكون كالبعير في وقوعه على الجمل والناقة -على أحد (٤) القولين-، وربما هو الصحيح، وكالشاة في وقوعها على الذكر، والإنسان (٥) في وقوعه على الرجل والمرأة، وإن كان قد سمع إنسانة في المرأة؛ سمعته من بعض شيوخنا (٦) -رحمهم الله تعالى-.
الثالث: قوله: «حيث كان وجهه» في (حيث): ست لغات:
стр. 769
الحركات الثلاث مع الياء والواو (١)، وهي مبنية؛ لخروجها عن نظائرها من ظروف المكان؛ إذ لا تضاف؛ أعني: حيث، إلا للجمل غالبا، بخلاف سائر ظروف المكان، فإنها تضاف للمفردات، وبنيت على حركة؛ للاتقاء الساكنين، وكانت الحركة ضمة؛ لأنها حركة لا تكون لها في (٢) حال إعرابها، وأما الكسر، فعلى أصل التقاء الساكنين، على ما هو مقرر في كتب النحو، وأما الفتح، فطلب للتخفيف؛ لأن قبل الآخر ياء، والله أعلم.
وقوله: «حيث كان وجهه»؛ أي (٣): إلى القبلة، وغيرها.
الرابع: قوله (٤): «يومئ برأسه»؛ أي: يشير به للركوع والسجود؛ إذ لا يسجد على الراحلة، وهذا بخلاف السفينة؛ فإنه يستدير معها حيث استدارت؛ لإمكان ذلك فيها؛ بخلاف الراحلة، هذا هو المشهور من مذهبنا، وقال ابن حبيب: هما سيان؛ أعني: الراحلة، والسفينة.
ولتععلم: أتن التنفل على الراحلة مشروط بسفر تقصر فيه الصلاة، ولا يجوز ذلك في السفر القصير، وهو الذي لا تقصر فيه الصلاة
стр. 770
على ما تقرر (١)، ولا يجوز في الحضر؛ خلافا للشافعي؛ فإنها أجازها في السفر القصير.
وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: يجوز التنفل على الدابة في البلد.
وهو محكي عن أنس بن مالك، وأبي يوسف صاحب أبير حنيفة (٢).
ثم إذا أومأ الراكب، جعل السجود أخفض من الركوع -على ما قاله الفقهاء-؛ ليكون البدل على وفق المبدل منه، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، ولا على نفيه، بل اللفظ يدل على أنه لم يأت بحقيقة الركوع والسجود إن حمل قوله: «يومئ على الركوع والسجود معا، وهو الظاهر، والله أعلم.
قال صاحب «الجواهر»: وصوب الطريق بدل من القبلة في دوام الصلاة، فلا يصرف وجهه عن (٣) قبلته.
ق: وكأن السبب في التنفل على البراحلة: تيسر تحصيل النوافل على العباد، وتكثيرها؛ فلإإن ما ضيق طريقه قل، وما اتسع طريقه سهل، فاقتضت رحمة الله -تعالى- بالعباد
أن يقلل الفرائض عليهم؛
стр. 771
تسهيلا للكلفة، ويفتح لهم طريق التكثير للنوافل؛ تعظيما للأجور، انتهى (١).
الخامس: قوله: «يوتر على بعيره»: يعني: النبي ﷺ ، لا ابن عمر ﵁، واستدل بذلك على عدم وجوب الوتر؛ للإجماع على أن الفرض لا يقام على الراحلة.
قيل: ولا الصلاة على الجنائز (٢)، وإن كان قد اختلف عندنا في فرع، وهو: ما إذا عقلت الدابة، وأديت الفريضة عليها كأدائها بالأرض، على قولين: بالجواز، والكراهة.
وقال أبو حنيفة: الوتر واجب، فلا يجوز أدائه على الراحلة، ودليلنا كان واجبا عليه، فقد صح فعله له على الراحلة، فدل على صحته منه عبلى الراحلة، ولو كان واجبا على العموم، لم يصح على الراحلة؛ كالظهر.
فإن قالوا: الظهر فرض، والوتر واجب، وبينهما فرق.
قلنا: هذا الفرق اصطلاح لكم لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقتضيه شرع ولا لغة، ولو سلم، فاصطلاح لم يحصل فيه أيضا غرضكم (٣).
السادس: قوله: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة»؛ أي:
стр. 772
المفروضة، وقوله: «إلا الفرائض» (١): ظاهر في أن الفرض لا يؤدى على الراحلة، وليس بالقوي؛ إذ ليس فيه إلا ترك الفعل، وترك الفعل لا يدل على امتناعه، إلا أن يقال: وجدنا الفريضة يكثر تكرارها على المسافرين، وترك الصلاة على الراحلة دائما مع فعل النوافل عليها مشعر (٢) بالفرق بينهما في الجواز وعدمه، مع ما يتأيد به ذلك من المعنى، وهو أن المفروضات قليلة محصورة، فالنزول لها لا يفوت غرض المسافر، لا سيما وقد شرع فيها البجمع بين الصلاتين، فيقل نزوله لها؛ بخلاف النوافل المرسلة؛ فإنها غير محصوررة، فالنزول لها يؤدي إلى فوات مقصود المسافر، مع اشتغاله بأمور سفره، والله أعلم (٣).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «بينما الناس»: اعلم: أن (بينما) ظرف زمان منتصب بجوابه، على ما سييبين.
والأصل: (بين) زيدت عليه (ما)؛ لتكفه عن خفض ما بعده، وإضافته إليه، والجملة الواقعة بعده لا موضع لها من الإعراب، ودليل أن (ما) كافة: أن العرب لم تخفض ب (بينما) في موضع من المواضع، فإذا قلت: بينما وزيد قائم، قام عمرو، كان الناصب لـ (بينما): قام، والجملة من قولك: زيد قائم، لا موضع لها من الإعراب.
ولتعلم: أنه يجوز أن تتلقى (بينما) بـ (إذ)، و (إذا)، فتقول: بينما زيد قائم، إذ قام عمرو؛ كما في الخديث، وبينما الحياة، إذ الموت.
قال الشاعر: [البسيط]
فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ
стр. 775
وقال في هذه القطعة أيضا:
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ ... إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الْأَعَاصِيرُ (١)
فتلقى (بينما) في البيت الأول بـ (إذ)، وفي الثاني بـ (إذا)، وهذا بخلاف (بينا)؛ فإنها لا تتلقى (٢) بـ (إذ)، ولا بـ (إذا)، بل تقول: بينا زيد قائم، جاء عمرو.
وقيل: لأن المعنى فيه: بين أثناء الزمان جاء عمرو، ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل]
بَيْنَا تَعَانُقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ ... يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
فقال: أتيح، ولم يقل: إذا أتيح، وهذا البيت ينشد بجر (تعانقه)، ورفعه، ولم يعرف الأصمعي إلا الجر، فمن جره، فالألف عنده لإشباع الفتحة، إذ الأصل: بين، وتعانقه: مضاف إليه، ومن رفعه، جعل الألف كافة، وتعانقه: مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: بينا تعانقُه الكماة وروغُه واقعان منه.
ولتعلم: أنه لا يقع بعد (بينا) إلا جملة، أو مفرد، بشرط أن يكون مصدرا، فالجملة قد تقدم تمثيلها، والمفرد نحو قولك: بينا قيام زيد، قام عمرو، والسبب في ذلك: أنها تستدعي جوابا، فلم يقع لأجل ذلك بعدها إلا ما يعطي معنى الفعل الذي يشبه الجواب، والذي يعطي