← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تسهيلا للكلفة، ويفتح لهم طريق التكثير للنوافل؛ تعظيما للأجور، انتهى (١). الخامس: قوله: «يوتر على بعيره»: يعني: النبي ﷺ ، لا ابن عمر ﵁، واستدل بذلك على عدم وجوب الوتر؛ للإجماع على أن الفرض لا يقام على الراحلة. قيل: ولا الصلاة على الجنائز (٢)، وإن كان قد اختلف عندنا في فرع، وهو: ما إذا عقلت الدابة، وأديت الفريضة عليها كأدائها بالأرض، على قولين: بالجواز، والكراهة. وقال أبو حنيفة: الوتر واجب، فلا يجوز أدائه على الراحلة، ودليلنا كان واجبا عليه، فقد صح فعله له على الراحلة، فدل على صحته منه عبلى الراحلة، ولو كان واجبا على العموم، لم يصح على الراحلة؛ كالظهر. فإن قالوا: الظهر فرض، والوتر واجب، وبينهما فرق. قلنا: هذا الفرق اصطلاح لكم لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقتضيه شرع ولا لغة، ولو سلم، فاصطلاح لم يحصل فيه أيضا غرضكم (٣). السادس: قوله: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة»؛ أي:

стр. 772

المفروضة، وقوله: «إلا الفرائض» (١): ظاهر في أن الفرض لا يؤدى على الراحلة، وليس بالقوي؛ إذ ليس فيه إلا ترك الفعل، وترك الفعل لا يدل على امتناعه، إلا أن يقال: وجدنا الفريضة يكثر تكرارها على المسافرين، وترك الصلاة على الراحلة دائما مع فعل النوافل عليها مشعر (٢) بالفرق بينهما في الجواز وعدمه، مع ما يتأيد به ذلك من المعنى، وهو أن المفروضات قليلة محصورة، فالنزول لها لا يفوت غرض المسافر، لا سيما وقد شرع فيها البجمع بين الصلاتين، فيقل نزوله لها؛ بخلاف النوافل المرسلة؛ فإنها غير محصوررة، فالنزول لها يؤدي إلى فوات مقصود المسافر، مع اشتغاله بأمور سفره، والله أعلم (٣). * * *

стр. 773

الحديث الثاني ٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ، فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، إذْ جَاءَهُمْ آتٍ , فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ , وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ؛ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ , فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ (١).

стр. 774

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: «بينما الناس»: اعلم: أن (بينما) ظرف زمان منتصب بجوابه، على ما سييبين. والأصل: (بين) زيدت عليه (ما)؛ لتكفه عن خفض ما بعده، وإضافته إليه، والجملة الواقعة بعده لا موضع لها من الإعراب، ودليل أن (ما) كافة: أن العرب لم تخفض ب (بينما) في موضع من المواضع، فإذا قلت: بينما وزيد قائم، قام عمرو، كان الناصب لـ (بينما): قام، والجملة من قولك: زيد قائم، لا موضع لها من الإعراب. ولتعلم: أنه يجوز أن تتلقى (بينما) بـ (إذ)، و (إذا)، فتقول: بينما زيد قائم، إذ قام عمرو؛ كما في الخديث، وبينما الحياة، إذ الموت. قال الشاعر: [البسيط] فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ

стр. 775

وقال في هذه القطعة أيضا: وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ ... إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الْأَعَاصِيرُ (١) فتلقى (بينما) في البيت الأول بـ (إذ)، وفي الثاني بـ (إذا)، وهذا بخلاف (بينا)؛ فإنها لا تتلقى (٢) بـ (إذ)، ولا بـ (إذا)، بل تقول: بينا زيد قائم، جاء عمرو. وقيل: لأن المعنى فيه: بين أثناء الزمان جاء عمرو، ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] بَيْنَا تَعَانُقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ ... يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ فقال: أتيح، ولم يقل: إذا أتيح، وهذا البيت ينشد بجر (تعانقه)، ورفعه، ولم يعرف الأصمعي إلا الجر، فمن جره، فالألف عنده لإشباع الفتحة، إذ الأصل: بين، وتعانقه: مضاف إليه، ومن رفعه، جعل الألف كافة، وتعانقه: مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: بينا تعانقُه الكماة وروغُه واقعان منه. ولتعلم: أنه لا يقع بعد (بينا) إلا جملة، أو مفرد، بشرط أن يكون مصدرا، فالجملة قد تقدم تمثيلها، والمفرد نحو قولك: بينا قيام زيد، قام عمرو، والسبب في ذلك: أنها تستدعي جوابا، فلم يقع لأجل ذلك بعدها إلا ما يعطي معنى الفعل الذي يشبه الجواب، والذي يعطي

стр. 776

معنى الفعل إنما هو الجملة والمصدر من المفردات، فاعرفه (١). الثاني: «الناس»: قد يكون من الإنس والجن -على ما قاله الجوهري-، قال: وأصله: (أناس)، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضا من الهمزة المحذوفة؛ لأنه لو كان كذلك، لما اجتمع مع المعوض منه في قول الشاعر: إِنَّ الْمَنَايَا يَطَّلِعـ ... ـنَ عَلَى الْأُنَاسِ الْآمِنِينَا (٢) قلت: وهذا خلاف مذهب سيبويه فيما حكي عنه من أنه يقول: الألف واللام فيه عوض من الهمزة، كذا نقله أبو البقاء، ومكي، وغيرهما. وقال بعض النحويين: أصله: الأناس، فسهلت الهمزة، وأبدلت نون من لامك التعريف الساكنة، وأدغمت في النون التي بعدها، فصارت نونا مشددة؛ كما قال تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]، والأصل لكن أنا. واختلف في عينه، هل هي واو، أو ياء؟ والصحيح: الواو؛ بدليل قولهم في التصغير: نُوَيس (٣)، ولو كان من الياء، لقيل: نُيَيْس، أو أُنَيس، إلا أن من قال: العين ياء، قال: أصله نَسْيٌ؛ من نَسِيتُ،

стр. 777

نَسِيتُ [١]، فأخرت العين، وقدمت اللام، فصارت في الحكم نَيْسًا، فصارت (١) الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. قال أبو البقاء: وفيه بعد (٢). قلت: بل هو بعد اشتقاقا وتصريفا على ما ترى. وهو من الأسماء التي لا واحد له من لفظه؛ كالورى، والبشر، والأنام، والخيل، والغنم، والإبل، وما أشبه ذلك. الثالث: «قباء»؛ يذكر ويؤنث، ويمد ويقصر، ولم يذكر الجوهري فيه غير المد (٣)، فمن ذكره، صرفه، ومن أنثه، لم يصرفه، وهو موضع بالحجاز، إلا أنه يحتمل (٤) أن يكون المراد هنا: قباء نفسه، ويحتمل أن يكون المراد: المسجد، وهو الظاهر، والله أعلم. وهو المسجد المؤسس على التقوى، وهو أول مسجد أسس في الإسلام، على ما حكاه البيهقي، قال: وأول من وضع فيه حجرا رسول الله ﷺ ، ثم أبو بكر، ثم عمر، وقال النبيت ﷺ لبني عمرو بن عوف: «وما الطهور الذي أثنى الله عليكم؟»، يعني: قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] الآية، فذكروا الاستنجاء

стр. 778

بالماء مع الأحجار، فقال: «هو ذلكم (١)، فعليكموه» (٢)، أو كما قال، فدل ذلك على أن مسجدهم هو المسجد (٣) الذي أسس على التقوى. وجاء من طريق أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ سئل عنه، فقال: «هو مسجدي هذا» (٤). قال السهيلي: وقد يمكن الجمع بين الحديثين؛ بأن (٥) كل واحد منهما أسس على التقوى، غير أن قولخ تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] يرجح الحديث الأول (لأن مسجد قباء أسس قبل مسجد النبي ﷺ ، غير أن اليوم قد يراد به المدة، والوقت، فيكون المععنى من أول يوم؛ أي: من أول عام من الهجرة، والله أعلم (٦). وروى الترمذي مسندا: أن النبي ﷺ قال لعويم بن ساعدة حين نزلت الآية: «هذا منهم» (٧)؛ يعني: من الذين يحبون أن يتطهروا، والله أعلم.

стр. 779

الرابع: في الحديث: دليل على جواز النسخ، ووقوعه. وفيه: دليل على قبول خبر الواحد. قال الإمام أبو عبد الله المازري: اختلف أهل الأصول في النسخ إذا ورد، متى يتحقق حكمه على المكلف (١)؟ ويحتج لأحد القولين بهذا الحديث؛ لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة، ولم (٢) يعيدوا ما مضى، وهذا دليل على أتن الحكم إنما يستقر بالبلاغ (٣). فإن قيل: كيف استداروا إلى القبلة بخبره، والنسخ في هذا الخبر بواحد؟ قيل: قد قالوا: إن النسخ بالواحد كان جائزا في زمن رسول الله ﷺ ، وإنما منع بعده ﷺ . وقيل: إنما تلا عليهم الآيات التي فيها ذكر النسخ، فتحولوا عند سماع القرآن، فلم يقع النسخ بخبره، وإنما وقع النسخ عندهم بما سمعوا من القرآن (٤). وقال ع: أسد جواب في هذا أن يقال (٥): إن العمل بخبر الواحد

стр. 780

مقطوع به، كما أنم العمل المقطوع بصحته من الكتاب والسنة المتواترة مقطوع به؛ ولأن الدليل الموجب لثبوت الحكم أولا غير الدليل الموجب لنفيه، وثبوت غيره. و (١) إلى جواز النسخ بخبر الواحد مال القاضي أبو بكر، وغيره من المحققين. وفي هذا الخبر بالجملة: قبول خبر الواحد، وعادة الصحابة امتثاله، والوقوف عنده، واعتداد بعضهخم بنقل بعض، وإنهم لم يحتاجوا إلى التوقف حتى سمعوا ذلك عن النبي ﷺ . قال الإمام: وقد ردوا إلى مسألة النسخ المتقدمة مسألة الخلاف في الوكيل إذا تصرف بعد العزل، ولم يعلم، فقالوا: على القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود، ينبغي أن لا تمضى أفعاله بعد العزل، وإن لم يبلغه ذلك، وعلى القول الثاني: تكون أفعاله ماضية بعد العزل ما لم يبلغه العزل (٢). ع: ضعف المحققون من الأصوليين رد هذه المسألة إلى هذا الأصل؛ إذ (٣) حقيقة الخطاب بالتكليف إنما يتعلق بالبلاغ عند المحققين من أئمتنا؛ فإن النسخ إذا ورد، فمن لم يبلغه، كان على المخاطبة بالعبادة الأخرى، وليس في حقه نسخ حتى يبلغه، ومنهم

стр. 781

من قال: يثبت النسخ في حقه، لكن بشرط (١) أن يبلغه. فهو اختلاف في عبارة، كلهم مجمعون على بقائه على الحكم الأول (٢)؛ إذ الجاهل لا يثبت التكليف في حقه بما جهله ولم يبلغه، وهذا من المستحيل. وإنما ذهب إلى النسخ في حقه طائفة من الفقهاء الذين لم يقووا في الأصول، وما قدمناه يرد عليهم. ومسألة الوكيل تعلق بها حق الغير على الموكل، فلهذا توجه الخلاف فيها، ولم يختلف المذهب عندنا في أحكام من أعتق، ولم يعلم بعتقه: أنها أحكام حر فيما بينه وبين الناس، وأما ما (٣) بينه وبين الله -تعالى- فجائزة. ولم يختلف في المعتقة: أنها لا تعيد ما صلت بغير ستر (٤)، وإنما اختلفوا فيمن طرأ عليه مموجب يغير (٥) حكم عبادة، وهو فيها بناء على هذه المسألة، وفعل الأنصار في الصلاة كمسألة الأمة تعتق، فتصلي، ولا تعلم بذلك إلا في الصلاة، هل تبطل صلاتها -وهو قول أصبغ-، أم تصح؟ وهو ظاهر قول ابن القاسم. وكذلك إذا عتقت في نفس الصلاة، وهي مكشوفة الرأس، فإنها

стр. 782

لا تقطع الصلاة، وتتمادى فيها، لكن متى أمكمنها حينئذ من يناولها ما تستر بها رأسها، أو قرب منها تناوله، تعين فعل ذلك عليها، وتمادت؛ وهذا قول أكثر أصحابنا، وهو قول الشافعي، والكوفيين، وجمهور العلماء. ومنها أيضا: المسافر ينوي الإقامة، وهو في الصلاة، أو إمام الجمعة يقدُمُ وال بعزله بعد عقد ركعة، فالأكثر على التمادي في هذه المسائل، والإجزاء؛ لأنه في الصلاة، وتعينت عليه على تلك الحالة الأولى، وقل: يقطعون. ومنها -أيضا-: المتيمم إذا طلع (١) عليه رجل بماء في الصلاة، أو نزل عليه مطر، فإنه يتمادى، ولا يقطع، ولا يقال في هذا: إن أمكنه الماء، توضأ به؛ لأنه عمل كثير مناف للصلاة لا يصح معه التمادي فيها، وهذا قول مالك، والشافعي، والجمهور؛ خلافا للكوفيين، والأوزاعي، في رجوعهما للطهارة بالماء (٢). واحتجوا -أيضا- بهذا الحديث على نسخ السنة بالقرآن؛ لأن صلاة النبي ﷺ أولا لبيت المقدس -على قول أكثرهم- سنة، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون، فأجازه جمهورهم؛ لأن سنة النبي ﷺ حكم من الله -تعالى- على لسان نبيه، مثل حكمه؛ كما بينه في كتابه. وقال بعضهم: لا يدجوز ذلك؛ لأن السنة مبينة للكتاب، وبعيد

стр. 783

قضاء المبين ونسخه وحكمه على المبين. وقالوا في صة القبلة: إنما هي نسخ قرآن بقرآن، وإن الأمر أولا كان بتخيير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ثم نسخ باستقباله القبلة. وقيل: بل صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس كان بعد ورود المدينة بأمر الله -تعالى-، ففرت بذلك اليهود، ثم صرف إلى الكعبة. وكما اختلفوا هنا، كذلك (١) اختلفوا في نقيضه، وهو نسخ القرآن بالسنة، فذهب الأكثر إلى جوازه عقلا وسمعا، وأجازه بعهم عقلا، وقال: لم يوجد شرعا، ومنعه بعضهم عقلا. وفي هذه القصة: دليل على صجحة نسخ الأحكام، وهو مما اسجتمع عليه كافة المسلمين، إلا طائفة من المبتدعة لا يعبأ بها لم تقل به في، ووافقت القنائية من اليهود [فيه] (٢). قلت: قوله: كافة المسلمين، ممتنع عند الجمهور؛ أعني: إضافة (كافة) إلى ما بعدها، وقد اشتهر رد العلماء على من استعمل (كافة) غير منصوب (٣)؛ كالحريري، وابن نباتة الخطيب، والزمخشري، والقاضي كثيرا ما يستعملها.

стр. 784

ولنذكر بقية ما اختلف فيه من أحكام النسخ، وما اتفق عليه مختصرا؛ ليكمل تحرير هذه المسألة؛ إذ لم يذكر ع غير القسمين المتقدمين: نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة. فنقول -وبالله التوفيق-: أجمع على نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بمثلها، وبالكتاب، وبالسنة المتواترة. ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه؛ كنسخ الذبيح ﵇. ويجوز النسخ لا إلى بدل؛ كنسخ آية الصدقة، أعني: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] الآية. ويجوز نسخ الأخف بالأثقل؛ كنسخ عاشوراء برمضان. ويجوز نسخ الخبر إذا كان متضمنا لحكم عندنا، خلافا لمن جوزه مطلقا، ولمن منعه مطلقا، وهو أبو علي، وأبو هاشم، وأكثر المتقدمين، وفيه تفصيل مذكور في كتب الأصول. ويجوز نسخ ما قال فيه: افعلوا، أبدا، على خلاف في هذا كله. وأما الإجماع، فلا ينسخ، ولا ينسخ به، هكذا في «المحصول» (١). وقال السيف الآمدي: كون الإجماع يُنسخ الحكم الثابت به: نفاه الأكثرون، وجوزه الأقلون، وكون الإجماع ناسخا: منعه الجمهور، وجوزه بع المعتزلة، وعيسى بن أبان (٢)، والله أعلم.

стр. 785

الخامس: قوله: «وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها»، روي: «فاستقبلوها» (١) -بكسر الباء- على الأمر، وبفتحها: على الخبر، والكسر أصح وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده. السادس: قد يؤخذ منه: جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، أو بالقرب منه؛ لأنه كان يمكن أن يقطعوا الصلاة، وأن يبنوا (٢)، فرجحوا البناء، وهو محل اجتهاد (٣). قلت: وفيما قاله نظر (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 786

الحديث الثالث ٦٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَساً حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ , فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ , فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ , وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ - يَعْنِي: عَنْ يَسَارِ الْكَعْبَةِ-، فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ فَقَالَ: لَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ، لَمْ أَفْعَلْهُ (١). * * *

стр. 787

* التعريف: أنس بن سيرين: أمو محمد، ويحيى، ومعبد، وخالد، وحفصة (١)، أولاد سيرين، كنيته: أبو حمزة. قيل: إنه لما ولد، ذهب به إلى أنس بن مالك، فسماه: أنسا، وكناه: أبو حمزة، ويقال: أبو موسى، وقيل: أبو عبد الله، مولى أنس بن مالك الأنصاري، تابعي، سمع ابن عمر، وأنس بن مالك. روى عنه: ابن عون، وخالد الحذاء، وهمام (٢)، وحماد بن زيد. مات بعد أخيه محمد، سنة عشر ومائة، ونهو ابن ست وثمانين سنة. أخرج حديثه في «الصحيح» (٣). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: ح: قوله: «فلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام»، هكذا هو في جميع نسخ مسلم. قال: وكذا نقله ع عن جميع الروايات ل «صحيح مسلم».

стр. 788

قال: وقيل: إنه وهم، وصوابه: قدم من الشام؛ كما جاء في «صحيح البخاري»؛ لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام. قال: ورواية مسلم صحيحة، ومعناه: تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام، وإنما حذف ذكر الرجوع؛ للعلم به (١). ق: وقوله: «من الشام»، هو الصواب في هذا الموضع، فاتفقا على ذلك. الثاني: قوله: «لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله، لم أفعله»: هو راجع إلى الصلاة إلى غير القبلة فقط، وهو الذي سئل عنه لا غير (٢). فعلى هذا: لا يؤخذ منه: أنه ﵊ صلى على الحمار، بل قد غلط الدارقطني وغيره مَن (٣) نُسِبَ ذلك إليه، قال: وإنما المعروف في صلاته ﵊ على راحلته، أو على البعير. والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس؛ كما ذكرهع مسلم، ولذلك لم يذكر البخاري حديث عمرو بن يحيى المازني المشعر بصلاته -عليه السلاة والصلام- على الحمار (٤).

стр. 789

الثالث: قوله: «من ذا الجانب»: فيه: العمل بالإشارة، وكأنه أمر متفق عليه -والله أعلم- في مسائل شتى، منها: طلاق الأخرس، وما يفعم عنه في بيعه وشرائه، وغير ذلك، وكذلك غير الأخرس إذا قال: أنت طالق، وأشار بثلاث أصابع، أو اثنتين بالنسبة إلى ظاهر أمره، أما إذا كانت له نية، فأمر آخر، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. الرابع: قوله: «رأيتك تصلي لغير القبلة»: فيه: التلطف والرفق في إنكار ما خفي على المنكر، حتى أخرج في معرض الخبر المحض. وفي جواب أنس: بيان مشروعية الاقتداء به ﷺ في أفعاله وأقواله، وهكذا كانت عادة الصحابة في الغالب أن يجيبوا باتباعه ﵊ من غير إبداء معنى؛ إذ إبداء المعنى عرضة للاعتراض؛ كما تقدم في قول عائشة ﵂ حين سألتها معاذة: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١)، فأجابتها بالنص دون المعنى، والله أعلم. * * *

стр. 790

بابُ الصُّفوفِ الحديث الأول ٦٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ» (١).

стр. 791

المراد بتسوية الصفوف: اعتدالُ القائمين بها على سمتٍ واحد، وسدُّ الفُرَج فيها، كلاهما كلاهما مطلوب بلا خلاف، وفي «أبي داود»: قال رسول الله ﷺ : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟»، قلنا: وكيف تصف الملائكة عنتد ربها؟، قال: «يتمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف» (١). وفيها -أيضا-: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم»، قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه (٢). وفيه -أيضا-: كان النبي ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم (٣).

стр. 792

وفيها -أيضا-: «ومن وصل صَفًّا وصله الله، ومن قطع صَفًّا قطعه الله» (١). وفيها -أيضا-: عن رسولِ الله ﷺ ، قال: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناقِ، فوالذي نفسي بيده! إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف، كأنها الحذف» (٢). قلتُ: الحذف - بفتح الحاء (٣) المهملة والذال المعجمة -: غَنَم سود صغار من غنم الحجاز. قال الخطابي: ويقال: أكثر ما تكون بالحجاز (٤). فهذه الأحاديث كلها تدل على طلب الأمرين جميعا؛ أعني: اعتدال القائمين في الصف، وسدَّ الخلل الكائنة فيه، والظاهر: أنه طلب ندب لاوجوب؛ لأنه-﵊-قال: «فإنَّ ذلك من تمام الصلاة»، وتمام الشيء أمرٌ زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقق

стр. 793

إلا به اصطلاحا مشهورا، وإن كان قد ينطلق في بعض الوضع على بعض الحقيقة، ولكن المشهور في الاصطلاح: الأول، ولم يذكر ﵊ أنه من وادجبات الصلاة، ولا من أركانها، والله أعلم (١). * * *

стр. 794

الحديث الثاني ٦٨ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (١): «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لِيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (٢). وَلِمُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا , حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ , حَتَّى رَأَى (٣) أَنْ قَدْ عَقَلْنَا, ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ فَرَأَى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ؛ فَقَالَ: «عِبَادَ اللَّهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (٤).

стр. 795

* التعريف: النعمان بن بشر: -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجم- ابن سعد (١) بن ثعلبة بن جُلاس -بضم الدجيم وتخفيف اللام- بن زيد بن ماتلك بن ثعلبة بن كعب بن خزرج الأكبر. أمه: عمرة بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة. قال الواقدي: ولد على رأس أربعةو عشر شهرا من الهجرة، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ ، وقيل: بعد سنة، أو أقل من سنة، وقيل: ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثمان سنين، وقيل: بست سنين، والأول أصح؛ لأن الأكثر يقولون: ولد هو وعبد بن الزبير عام اثنين من الهجرة. قيل: عبد الله بن الزبير أول مولود

стр. 796

ولد بعد الهجرة من المهاجرين، والنعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة. روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وأربعة عشر حديثا. روى عنه: ابنه محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعامر الشعبي، وعروة بن الزبير، وأبو إسحاق السبيعي (١)، وعبيد الله لبن عبد الله بن عتبة. قتل بالشسام في أول (٢) في سنة أربع وستين بقرية من قؤرى حمص يقال (٣) لها: جرب بنفسار (٤)، وقيل: قتل بمرج راهط. روى له الجماعة (٥).

стр. 797

* ثم الكلاىم على الحديث من وجوه: الأول: الظاهر: أن (اللام) في: «لتسون صفوفكم»، جواب قسم محذوف؛ والتقدير: والله! لتسون صفوفكم؛ أي: الواقع، ولا بد: أحد الأمرين؛ من تسوية الصفوف، أو (١) وقوع المخالفة بين الوجوه، وقد جاء ذلك مصرحا به في الحديث المتقدم في «السنن»، وهو قوله ﵊: «والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم». ع: وقوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم»: يحتمل أنه كقوله: «أن يحول (٢) الله صورته صورة حمار» (٣)، فيخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ، أو يخالف بوجه من لم يقم صفه، ويغير صورته عن وجه من أقامه، أو يخالف باختلاف بصورها في المسخ والتغير (٤) (٥). ق: أما الوجه الأول: وهو قوله: فيخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ، فليس فيه محافظة ظاهرة على مقتضى لفظة (بين)، والأليق بهذا المعنى أن يقال: يخالف وجوهكم عن كذا، إلا أن يراد:

стр. 798

المخالفة بين وجوه من مسخ، ومن لم يمسخ، فهذا (١) الوجه [الثاني]، وأما الوجه الأخير، ففيه [محافظة على معنى «بين»، إلا أنه ليس فيه] محافظة قوية (٢) على قوله: «وجوهكم»؛ فإن تلك المخالفة مخالفة بعد المسخ، وليست تلك [صفة] وجوههم [عند المخالفة بالفعل] (٣). الثاني: «القداح»: جمع قِدح -بكسر القاف وسكون الدال-، وهو السهم قبل أن يراش ويركب نصله (٤)، وهو تمثيل حسن جدا؛ فإن السهام يطلب في تسويتها التحرير، وحسن الاستقامة (٥)؛ كي لا تطيش عند الرمي، فلا تصيب الغرض، فشبه تسوية الصفوف بها، وقد تقدم أنهم كانوا يتحاذون بالأقدام والمناكب، وقد كان بعض أئمة السلف يوكلون رجالا يسوون الصفوف (٦). وقوله: «حتى رأى أن قد عقلنا»؛ أي: فهمنا ما أمرنا به من التسوية، وسكنا بعد الاضطراب، فكأنه كان ﵊

стр. 799

يراعيهم في التسوية، ويراقبهم، إلى أن علم أنهم عقلوا المقصود منه، وامتثلوه، فكان ذلك غاية لمراقبتهم وتكلف مراعاة إقامتهم (١). الثالث: قوله: «حتى كاد أن يكبر» إلى آخر الباب، الأصل (٢) في (كاد): أن تستعمل بغير (أن)، وقد جاء ذلك قليلا، قال الشاعر: [الرجز] قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ الْبِلَى أَنْ يَمْصَحَا (٣) وهي عكس (عسى) في ذلك؛ إذ الأكثر فيها أن تستعمل ب (أن)، وحذف (أن) منها (٤) قليل، ومنه قوله: [الوافر] عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتُ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ (٥) والسر في ذلك مذكور في كتب النحو. فيه: جواز كلام الإمام بعد الإقامة، وقبل الإحرام، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور؛ لحاجة تنزل من أمر الصلاة وغيرها بعد تمام الإقامة؛ خلافا لأبي حنيفة في أنه يجب عليه تكبيرة الإحرام إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وقد اختلف العلماء في جواز الكلام حينئذ

стр. 800

وكراهته، وقال اللخمي من أصحابنا: إن طال ذلك، أعادها؛ يعني: الإقامة (١)، والله أعلم (٢). * * *

стр. 801

الحديث الثالث ٦٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ , فَأَكَلَ مِنْهُ , ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ»، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا؛ قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ , فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ , فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَصَفَفْتُ (١) أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ , وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ (٢).

стр. 802

وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ؛ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ , وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا (١). قال صاحب الكتاب: اليتيمُ: قيل: هو ضُميرة جدُّ حُيَيِ بن عبد اللهِ بن ضُمَيْرَةَ. * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الصحيح المعروف-: ضم الميم من (مليكة)، وفتح

стр. 803

اللام مصغرا-، وروي فتح الميم وكسر اللام. روى مسلم في «صحيحه» هذا الحديث، عن إسحاق بن عبد الله، وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁: أن جدته مليكة، فالهاءفي (جدته) تعود على إسحاق، فمليكة جدة إسحاق أم أبيه على الصحيح، قاله ابن عبد البر (١)، فعلى هذا كان ينبغي للمصنف أن يذكر إسحاق، فإنه لما أسقط ذكره، تعين أن تكون جدة أنس. وقال غير ابن عبد البر: إنها جدة أنس، فعلى هذا لا يحتاج إلى ذكر إسحاق، وعلى كل حال، فالأحسن إثباته. قيل: هي أم سليم، وقيل: أم حرام (٢). الثاني: في الحديث: دليل على عظم تواضعه ﷺ ، وإجابة دعوة داعيه. وفيه: دليل إجابة الداعي لغير الوليمة. ولتعلم أن الدعوات خمس: الأولى: وليمة النكاح، ويؤمر بإتيانها إلا من عذر.

стр. 804

قال القاضي أبو الوليد: نص مالك ﵀، وأكثر العلماء: على وجوب (١) إتيان طعام الوليمة لمن دعي إليها، قال: وصفة الدعوة التي تجب لها الإجابة: أن يلقى صاحب العرس الرجل، فيدعوه، أو يقول لغيره: ادع لي فلانا، فيعينه، فإن قال له: ادع (٢) من لقيت، فلا بأس على من دعي لمثل هذا أن يتخلف، انتهى (٣). وهل يلزم الأكل من لزمته الإجابة؟ قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ﵀: ولتجب إذا دعيت إلى وليمة العرس إذا لم يكن هناك لهو مشهور، ولا منكر بين، وأنت في الأكل بالخيار (٤). فظاهر هذا، أو نصه: عدم وجوب الأكل. وقال القاضي أبو الحسن: مذهبنا: أن الوليمة غير واجبة، والإجابة إليها غير واجبة، ولكن تستحب. ثم إنما يؤمر بالإجابة -على القولين جميعا-: إذا لم يكن في الدعوة منكر، ولا فرش حرير، ولا في الجمع من يتأذى بحضوره وبمجالسته من السفلة الأراذل (٥) الذي تزري به مجالستهم، ولا زحام، ولا إغلاق باب دونه.

стр. 805

فقد روى ابن القاسم: هو في سعة إذا تخلف لأجل ذلك، وكذلك إن كان على جدار الأرض صور أو ساتر، ولا بأس بصور الأشجار، فإن كان هناك لعب ولهو، وكان خفيفا مباحا غير مكروه، لم يرجع، وحضر. وحكى ابن وهب: لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعا فيه لهو. قال القاضي أبو بكر: والحق همو الأول، فأما لهو غير مباح؛ كالعود، والطنبور، والمزهر المربع، فلا تجاب الدعوة معه، ومن أتاها، فوجد اللهو المحظور، فليرجع، ولا يتركحضور الدعوة بعذر الصوم، بل يحضر، ويمسك، ويكره فيها نثر السكر واللووز عندنا (١). الثانية: ما يفعله الرجل للخاص من إخوانه وجيرانه على حسن العشرة وإرادة الألفة، فيستحب إتيانها. الثالثة: ما سوى ذلك؛ مما يفعل على جري العادات دون مقصد مذموم، فتجوز الإجابة في ذلك. الرابعة: ما يقصد به قصد مذموم من التطاول، وابتغاء المحمدة والشكر، وما أشبه ذلك، فلا ينبغي إجابتها، لا سيما لأهل الفضل والهيئات؛ لأن إجابتهم إلى مثل هذه الأطعمة إضاعة للتصاون، وإخلاق للهيئة ت (٢) عند دناة الناس، وسببب لإذلال أنفسهم.

стр. 806

قال الشيخ أبو الوليد: فقد قيل: ما وقع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له. الخامسة: ما يفعله الرجل لمن يحرم عليه قبول هديته؛ كأحد الخصمين للقاضي وشبهه، فهذا تحرم إجابته. فائدة: ح (١) قال أصحابنا، وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع: الوليمة للعرس (٢)، والخُرْسُ -بضم الخاء، وبالسين (٣) وبالصاد-: للولادة، والإعذار -بالعين المهملة والذال المعجمة-: للختان، والوكيرة: للبناء، والنقيعة: لقدوم مسافر، مأخوذ من النقع، وهو الغبار، ثم قيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره [له]، والعقيقة: يوم سابع الولادة، والوضيمة -بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة-: الطعام عند المصيبة، والمأدبة -بضم الدال وفتحها-: المتخذ ضيافة بلا سبب، انتهى (٤). الثالث (٥): قوله ﵊: «قوموا فلأصلي لكم». ع: في «المشارق»: قوله: «فلأصل (٦) لكم»: الأصيلي: على

стр. 807

الأمر -بغير ياء-، وكذا ابن بكير، كأنه أمر نفسه على جهة العزم على فعل ذلك، قال الله تعلالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وعند ابن وضاح:: «فلأصلي»، بفتح اللام الأولى وإثبات الياء ساكنة (١). قلت: قال البطليوسي: وكثير من الناس يتوهمه قسما، وذلك غلط؛ لأنه لا وجه للقسم هنا، ولو كان قسما، لقال: فلأصلين -بالنون-، وإنما الرواية الصحيحة: «فلأصل» على معنى الأمر، والأمر إذا كان للمتكلم أةو (٢) الغائب، كان باللام أبدا، وإذا كان للمخاطب، كان باللام، وغير اللام، انتهى. ثم قال ع: وكذا للقعنبي (٣) في رواية الجوهري عنه. قلت: زاد ابن قرقول هنا: «فلنصل» -بالنون وكسر اللام الأولى والجزم-؛ كأنه أمر للجميع، انتهى. ثم قال ع: وفي رواية غيره: «فلأصل» -بكسر اللام- أمر (٤) للجميع، ولنفسه، وعند بعض شيوخنا (٥) ليحيى: «فلأصلي»، بالياء ولام (كي)، قالوا: وهي رواية ليحيى (٦)، وكذا لابن السكن والقابسي

стр. 808

عن البخاري، انتهى (١). فيه: الصلاة للتعليم، أو لحصول البركة بالاجتماع (٢) فيها، أو بإقامتها في المكان المخصوص، وهو الذي يشعر به قوله: «لكم» (٣). وفيه: جواز صلاة النافلة في الجماعة اليسيرة، وهو مذهب مالك -أعني: جواز الجمع في النافلة- في موضع هفي، والجماعة يسيرة، وإلا، فالكراهة على المشهور. دقيقة: قال بعض العلماء - رحمهم الله تعالى- عند قوله ﵊: «قوموا فلأصلي لكم»: اعلم أن المتعبد له حالتان: إحداهما: أن يصلي لنفسه قاصدا وجه الله -تعالى-، والإخلاص في العبادة لمن يستحق أن يكون معبودا لذاته، وهو الله، وهذا أعلى مراتب الإخلاص. الحالة الثانية: أن يأتي بالعبادة ليعلم الجاهلب، فهذا جائز، وهو مستحب، وعلى هذا الحديث يكون سنة، لكن هذا في حقه ﷺ ملتحق بالأول؛ فإنه في حقه ﷺ أبلغ؛ فإنه من باب التبليغ والتعليم الواجب عليه ﷺ ، وأفضل العبادات أداء المفترضات، ويكون فعله ﷺ هذا موصوفا بوصفين: أحدهما: قصد الفعل على أعلبى أنواع الإخلاص، وةأعلى مراتب التعليمن، فهو موصوف بأحسن الصفات،

стр. 809

ويقرب من هذا تعليم العالم للمتعلم، وإن لم يبلغ تلك المرتبة العلية، انتهى. الثالث: قوله: «فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس». ق: أخذ منه: أن الافتراش يطلق عليه: لباس، ورتب على ذك مسألتان: إجداهما: لو حلف لا يلبس ثوبا، ولم تكن له له نية [لبسه]، فافترشه: أنه يحنث. قلت: هذا مذهبنا؛ خلافا للشافعية؛ فإنهم قالوا: لبس (١) كل شيء بحسبه، فحلم اللبس في الحديث على الافتراش؛ للقرينة. والثانية: أن افتراش الحرير لباس له، فيحرم، على أن ذلك -أعني: افتراش الحرير- قد ورد فيه نص يخصه، انتهى (٢). قال ابن شاس من أصحابنا: ويحرم المتمحض من الحرير على الرجال، فلا يلبس الرجل منه ثوبا، قال ابن حبيب: ولا يفترشه، ولا يصلي عليه، والله أهعلم (٣). الرابع: قوله: «فنضحته»: قال الجوهري: النضح: الرش (٤).

стр. 810

قلت: وهو المعروف في اللغة، وقد يطلق على الغسل، والأول أشهر؛ فنضحه للحصير يجوز أن يكون ليلين ويرطب، فيتهيأ الجلوس عليه، ويجوز أن يكون ذلك لشك عرض له في طهارته، ويقوي هذا الثاني كون أبي العمير في البيت معهم، والصبي لا يحترز من النجاسات غالبا، والله أعلم (١). وهذا مما يدل للمالكية على اعتبار النضح حال الشك، ولنذكر مسائل النضح؛ إذ لها بالحديث تعلق ظاهر. فنقول: القاعدة عند أصحابنا: أن من شك في إصابة النجاسة، نضح؛ كما لو شك في بعض الثوب يجنب فيه، أو المرأة تحيض فيه، ونحو ذلك. قال مالك: والنضح من أمر الناس، وهو طهور (٢) لكل ما يشك فيه. فإن شك في كون المصيب نجاسةن فهل يجب عليه النضح، أو لا يجب؟ فيه قولان، فإن شك فيها، فلا نضح، ولا غسل. وهل تشترط النية في النضح، أو لا؟ قولان (٣) لمتأخري أصحابنا.
следующие страницы →