قال الشيخ أبو الوليد: فقد قيل: ما وقع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له.
الخامسة: ما يفعله الرجل لمن يحرم عليه قبول هديته؛ كأحد الخصمين للقاضي وشبهه، فهذا تحرم إجابته.
فائدة:
ح (١) قال أصحابنا، وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع: الوليمة للعرس (٢)، والخُرْسُ -بضم الخاء، وبالسين (٣) وبالصاد-: للولادة، والإعذار -بالعين المهملة والذال المعجمة-: للختان، والوكيرة: للبناء، والنقيعة: لقدوم مسافر، مأخوذ من النقع، وهو الغبار، ثم قيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره [له]، والعقيقة: يوم سابع الولادة، والوضيمة -بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة-: الطعام عند المصيبة، والمأدبة -بضم الدال وفتحها-: المتخذ ضيافة بلا سبب، انتهى (٤).
الثالث (٥): قوله ﵊: «قوموا فلأصلي لكم».
ع: في «المشارق»: قوله: «فلأصل (٦) لكم»: الأصيلي: على
стр. 807
الأمر -بغير ياء-، وكذا ابن بكير، كأنه أمر نفسه على جهة العزم على فعل ذلك، قال الله تعلالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وعند ابن وضاح:: «فلأصلي»، بفتح اللام الأولى وإثبات الياء ساكنة (١).
قلت: قال البطليوسي: وكثير من الناس يتوهمه قسما، وذلك غلط؛ لأنه لا وجه للقسم هنا، ولو كان قسما، لقال: فلأصلين -بالنون-، وإنما الرواية الصحيحة: «فلأصل» على معنى الأمر، والأمر إذا كان للمتكلم أةو (٢) الغائب، كان باللام أبدا، وإذا كان للمخاطب، كان باللام، وغير اللام، انتهى.
ثم قال ع: وكذا للقعنبي (٣) في رواية الجوهري عنه.
قلت: زاد ابن قرقول هنا: «فلنصل» -بالنون وكسر اللام الأولى والجزم-؛ كأنه أمر للجميع، انتهى.
ثم قال ع: وفي رواية غيره: «فلأصل» -بكسر اللام- أمر (٤) للجميع، ولنفسه، وعند بعض شيوخنا (٥) ليحيى: «فلأصلي»، بالياء ولام (كي)، قالوا: وهي رواية ليحيى (٦)، وكذا لابن السكن والقابسي
стр. 808
عن البخاري، انتهى (١).
فيه: الصلاة للتعليم، أو لحصول البركة بالاجتماع (٢) فيها، أو بإقامتها في المكان المخصوص، وهو الذي يشعر به قوله: «لكم» (٣).
وفيه: جواز صلاة النافلة في الجماعة اليسيرة، وهو مذهب مالك -أعني: جواز الجمع في النافلة- في موضع هفي، والجماعة يسيرة، وإلا، فالكراهة على المشهور.
دقيقة:
قال بعض العلماء - رحمهم الله تعالى- عند قوله ﵊: «قوموا فلأصلي لكم»: اعلم أن المتعبد له حالتان:
إحداهما: أن يصلي لنفسه قاصدا وجه الله -تعالى-، والإخلاص في العبادة لمن يستحق أن يكون معبودا لذاته، وهو الله، وهذا أعلى مراتب الإخلاص.
الحالة الثانية: أن يأتي بالعبادة ليعلم الجاهلب، فهذا جائز، وهو مستحب، وعلى هذا الحديث يكون سنة، لكن هذا في حقه ﷺ ملتحق بالأول؛ فإنه في حقه ﷺ أبلغ؛ فإنه من باب التبليغ والتعليم الواجب عليه ﷺ ، وأفضل العبادات أداء المفترضات، ويكون فعله ﷺ هذا موصوفا بوصفين:
أحدهما: قصد الفعل على أعلبى أنواع الإخلاص، وةأعلى مراتب التعليمن، فهو موصوف بأحسن الصفات،
стр. 809
ويقرب من هذا تعليم العالم للمتعلم، وإن لم يبلغ تلك المرتبة العلية، انتهى.
الثالث: قوله: «فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس».
ق: أخذ منه: أن الافتراش يطلق عليه: لباس، ورتب على ذك مسألتان:
إجداهما: لو حلف لا يلبس ثوبا، ولم تكن له له نية [لبسه]، فافترشه: أنه يحنث.
قلت: هذا مذهبنا؛ خلافا للشافعية؛ فإنهم قالوا: لبس (١) كل شيء بحسبه، فحلم اللبس في الحديث على الافتراش؛ للقرينة.
والثانية: أن افتراش الحرير لباس له، فيحرم، على أن ذلك -أعني: افتراش الحرير- قد ورد فيه نص يخصه، انتهى (٢).
قال ابن شاس من أصحابنا: ويحرم المتمحض من الحرير على الرجال، فلا يلبس الرجل منه ثوبا، قال ابن حبيب: ولا يفترشه، ولا يصلي عليه، والله أهعلم (٣).
الرابع: قوله: «فنضحته»: قال الجوهري: النضح: الرش (٤).
стр. 810
قلت: وهو المعروف في اللغة، وقد يطلق على الغسل، والأول أشهر؛ فنضحه للحصير يجوز أن يكون ليلين ويرطب، فيتهيأ الجلوس عليه، ويجوز أن يكون ذلك لشك عرض له في طهارته، ويقوي هذا الثاني كون أبي العمير في البيت معهم، والصبي لا يحترز من النجاسات غالبا، والله أعلم (١).
وهذا مما يدل للمالكية على اعتبار النضح حال الشك، ولنذكر مسائل النضح؛ إذ لها بالحديث تعلق ظاهر.
فنقول: القاعدة عند أصحابنا: أن من شك في إصابة النجاسة، نضح؛ كما لو شك في بعض الثوب يجنب فيه، أو المرأة تحيض فيه، ونحو ذلك.
قال مالك: والنضح من أمر الناس، وهو طهور (٢) لكل ما يشك فيه.
فإن شك في كون المصيب نجاسةن فهل يجب عليه النضح، أو لا يجب؟ فيه قولان، فإن شك فيها، فلا نضح، ولا غسل.
وهل تشترط النية في النضح، أو لا؟ قولان (٣) لمتأخري أصحابنا.
стр. 811
وهل الجسد كالثوب، أو لا؟ قولان، فلو ترك النضح، وصلى، أعادها على المشهور (١).
فائدة لغوية:
يقال: نضح، ونضخ، بالمعجمة وغير المعجمة، قال أبو زيد: وهما سواء، وقال الأصمعي: أصابه نضخ من كذا -يعني: بالمعجمة-، وهو أكثر من النضح (٢).
قلت: وهذا هو الأظهر، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]؛ أي: فورتان بالماء، والفوران أكثر من الرش بلا شك، والله أعلم.
الخامس: قوله: «فصففت أنا واليتيم وراءه»، قال أهل اللغة: اليتيم: جمعه أيتام، ويتامى، وقد يَتِمَ الصبي -بالكسر- ييتَم -بالفتح- يَتْمًا ويُتْمًا، بالتسكين فيهما.
قالوا: واليتم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم.
قال ابن عطية: وحكى الماوردي: أن اليتم يقال في بني آدم: فقد الأم. انتهى (٣).
يقال: أيتمت المرأة، فهي مُوتِمٌ؛ أي: صار أوولاردها يتامى، وكل شيء مفرد يعز نظيره، فهو يتيم، يقال: درة يتيمة، ويَتَّمهم
стр. 812
تيتيما: جعلهم أيتاما (١).
فيه: حجة للجمهور في أن موقف الاثنين وراء الإمام؛ خلافا لابن مسعود ﵁، ومن تابعه؛ فإنهم (٢) قالوا: يكونان هما والإمام صفا واحدا.
وفيه: دليل على الصلاة على الحصير، وسائر ما تنبته الأرض، وهنو مجمع عليه فيما علمت.
وفيه: دليل على أن للصبي موقفا في الصف.
وفيه: أن موقف المرأة خلف موقف الصبي (٣).
وفيه: صحة صلاة الصبي المميز.
وفيه: أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين؛ كنوافل الليل (٤).
السادس: جاء في هذا الحديث: فَعيل وفعول في الصفات من غير مبالغة، وذلك: يتيم، وعجوز، وهما (٥) مما جاء على خلاف القياس، ومثله حصور: للناقة الضيقة الإحليل، وهي التي ضاق مجرى لبنها من ضرعها، وهو كثير، والله أعلم.
стр. 813
السابع: قوله: «ثم انصرف»: الأظهر: أنه أراد الانصراف عن الصلاة، وهو السلام، لا الانصراف عن البيت، ويؤيده قوله ﵊ في الحديث الآخر: «لا تسبقوني بالركوع، ولا بالقيام، ولا بالانصراف» (١)؛ أي: بالسلام (٢)، والله أعلم.
* * *
* التعريف:
ميمونة هذه: بنت الحارث، زوج النبي ﷺ ، وهي بنت الحارث ابن حَزْنِ بن بَحير (١) -بفتح الباء وكسر الحاء المهملة- بن الهُزْمش بن رُوَيْبَة بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية.
تزوجها رسول الله ﷺ سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة سبع.
وروي: أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة، وكانت قبل رسول الله ﷺ عند أبي رُهْم -بضم الراء وإسكان الهاء- بن عبد العزى من بني مالك بن حِسْل -بكسر الحاء وإسكان السين-، ويقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، ويقال: إن التي وهبت نفسها هي زينب بنت جحش، ويقال: أم شريك العامرية من بني عامر بن لؤي.
وتزوج النبي ﷺ ميمونة بالمدينة قبل أن يخرج.
وروزى ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة في سفره، في عمروة (٢) القضية، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وكانت أختها أم الفضل تحت العباس، وهي أم عبد الله بن عباس، فهي خالة ابن عباس، وخالد بن الوليد.
روي لها عن رسول الله ﷺ ستة وأربعون حديثا، اتفقا على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة.
стр. 817
روى عنها: ابن عباس، ومولاه كريب، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد، ويزيد بن الأرقم.
توفيت بسَرِفَ، وهو ماء بينه وبين مكة تسعة أميال، وقيل: اثنا عشسشر ميلا، وصلى عليها عبد الله بن عباس، ودخل قبرها هوم ويزيد بن الأرقم، وعبد الله بن شداد، وهم أبناء أخواتها، وعبيد الله الخولاني، وكان يتيما في حجرها، وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين، ودخل النبي ﷺ بها بسرف (١) الموضع الذي توفيت به، وهي آخر من تزوج النبي ﷺ ، وهي آخر أزواجه موتا على المشهور، وقيل: أم سلمة كانت آخرهن موتا، والصحيح الأول، وأما أنها آخرهن زواجا، فلا أعلم فيه خلافا.
روى لها: الجماعة، ﵂ (٢).
فيه: جواز المبيت عند ذوي المحارم، وإن كان ثم زوج.
وقيل: إنه تحرى وقتا لا يكون فيه ضرر للنبي ﷺ ، وهو وقت الحيض.
وقيل: إنه بات عندها؛ لينظر إلى لاة النبي ﷺ .
وفيه: فضل قيام الليل.
وفيه: أن للصبي موقفا في الصف مع الإمام، كما تقدم.
стр. 818
وفيه: أن موقف الواحد مطلقا عن يمينه، صغيرا كان أو كبيرا.
وفيه: أن للإمام أن يدير من خالف الموةقف المشروع.
قال با نبشير من أصحابنا: وتكون الإدارة من وراء الإمام.
وفيه: دليل على أن العمل اليسير في الصلاة مغعتفر (١).
وقوله: «من الليل»: يحتمل أن تكون (من) للتبعيض، ويحتمل أن تكون بمعنى (في)؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: في يوم الجمعة.
* * *
(أما) -مخفف-، لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: التقرير، والتوبيخ، ويسمى: حرف استفتاح، وحرف الاستفتاح: (أما) و (ألا)؛ أي: يستفتح بعدهما اللام، والأصل فيه (ما) النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، فهي كـ (ليس) في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وفي «الصحاح»: (أما) -مخفف- تحقيق للكلام الذي يتلوه؛ كقولك: أما إن زيدا قائم، بمعنى: إنه قائم على الحقيقة، لا على المجاز، وهذا معنى آخر.
وكذا قولهم: أما والله؟ قد ضرب زيد عمرا (١). معناه غير معنى (أما) في الحديث.
وقوله: «يخشى»؛ أي: يخالف، والحديث نص في النهي عن الرفع قبل الإمام في الركوع والسجود، ويقاس عليهما الخفض؛ كالهوي في الركوع والسجود (٢).
ولنذكر شروط الاقتداء، وهي أربعة:
стр. 821
الأول: نية الاقتداء، فإن تابع من غير نية، بطلت (١).
الثاني: أن لا يخالف جنس صلاة المأموم جنس صلاة الإمام؛ كمتنفل يؤم مفترضا، وأجاز ذلك الشافعية.
الثالث: اتحاد الفرض، فلا يصلي ظهرا خلاف من يصلي عصرا، ولا العكس، وغير ذلك، وأجاز ذلك -أيضا- الشافعية.
الرابع: المتابعة والمساوقة، دون المساواة والمسابقة.
وروى ابن حبييب: أن للمأموم أن يفعل مع الإمام معا، إلا الإحرام، والقيام من اثنتين، والصلام، فيفعله بعده، ثم على كلا المذهبين: لا تبطل الصلاة بالمساواة، أو التقدم في شيء من الأفعال سوى الإحرام والسلام.
قال سحنون (٢) في «المجموعة»: هذا قول عبد لعزيز، وقول مالك: إنه يعيد الصلاة، وحيث صححنا، فيؤمر بالعود إلى ما فعله قبل الإمام، حتى يكون فاعلا بعده، ما لم يلحقه الإمام، والله أهلم (٣).
فإن قلت: لم خص الحمار دون غيره؛ كالكلب والخنزير -مثلا-، وما المناسبة فغي ذلك؟
стр. 822
قلت: المناسبة في ذلك -والله أعلم-: التنبيه بذكر الحمار على البلادة وعدم الفهم؛ لأن المتعاطي لمخالفة إمامه ومسابقتهله في أفعالهع كأنه بلغ (١) هذا المبلغ من البلادة، فناسب بذلك أن يحول رأسه رأس حمار؛ لشبهه به، لا سيما وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب، كما جاء: من تحلم كاذبا، ألزم، وقال ﵊: «أُزمَ أن يكلف عقد شعيرتين، وليس بعاقد» (٢)، كقوله في المصور: «كلف أن ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ» (٣)، وفي الحديث الآخر: «أحيوا ما خلقتم» (٤)، إلى غير ذلك، والله أعلم.
فإن قلت: لم خص الرأس دون غيره؟
قلت: لأأنه به وقعت الجناية.
стр. 823
فإن قلت: لم خص الركوع والسجود دون غيرهما من الأرمان؟
قلت: لأنها آكد أركان الصلاة من حيث كانت غاية للخضوع (١) والتذلل ظاهرا؛ إنما تحصل بهما، فهما محل القرب، «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (٢)، وذلك يناسب الطمأنينة فيهما، فلما عجل حتى سبق الإمام فيهما، وقصر فيما ينبغي التطويل فيه، نهي عن ذلك، ونبه عليه، والله أعلم.
* * *
وهو الحديث الثالث.
* * *
أما حديث أبي هريرة ﵁، فالكلام عليه من وجوه:
الأول: قوله: «إنما جعل الإمام»: لا بد فيه من تقدير محذوف، وهو المفعول الثاني ل (جعل)؛ لأنها هنا بمعنى صير، والتقدير: إنما جعل الإمام إماما (١)، والأول ارتفع لقيامه مقام الفاعل، ومعنى «ليؤتم به»؛ أي (٢): يقتدى (٣) به.
وقد تقدم الكلام على (إنما)، وأنها للحصر صدر هذا الكتاب.
الثاني: الحديث ظاهره في منع صلاة المفترض خلف المتنفل؛ إذ الاختلاف أعم من أن يكون في نية أو غيرها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم.
وظاهر -أيضا- في منع صلاة من يصلي ظهرا، خلف من يصلي
стр. 827
عصرا، أو العكس؛ لحصول الاختلاف المذكور؛ لأنه متى خالفه في قول أو فعل، صدق عليه أنه مخالف، فلا يخرج من ذلك شيء إلا بدليل، ألا تراه ﷺ نبه على الموضع الذي يخالفه فيه، ونص عليه تبيينا له، وهو قوله: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»، فبقي ما عدا ذلك على الأصل، فلا يخرج إلا بدليل.
فإن قلت: ويدخل في هذا النهي -أيضا- إمامة (١) القائم للمريض العاجز عن القيام، وهي صحيحة عندكم، وهذا اختلاف بلا شك.
قلت: إنما يتناول هذا النهي من يمكنه الموافقة، والعاجز عن القيام لا يمكنه موافقة الإمام، فلا يتناوله هذا النهي -والله أعلم-، والشافعي ﵀ وغيره يخالف في ذلك، وحملوا الحديث على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ كالصبح خلف من يصلي الكسوف، والعكس، ونحو ذلك.
الثالث: قد يؤخذ من الحديث عدم قراءة المأموم في الصلاة الجهرية، إذ لم يقل ﵊: وإذا قرأ، فاقرأوا، كما قال: «فإذا كبر فكبروا» إلى آخره، وإنما خصصنا الجدهرية؛ لأنها التي يمكن استعلامها (٢) دون السرية.
الرابع: قوله ﵊: «وإذا قال: سمع الله لمن
стр. 828
حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»: فيه: أن التسميع مختص بالإمام ظاهرا (١).
وقد اختلف أصحابنا في صلاة المسمع، وصلاة المصلي بتسميعه على ثلاثة أقوال للمتأخرين:
الأول (٢): صحة الصلاة؛ لأنه نائب عن الإمام، ففعله كفعله، وعمدتهم: اقتداء أبي بكر ﵁ بالنبي ﷺ واقتداء الناس بأبي بكر، وهذا على أن أبا بكر خرج عن الإمامة (٣)، ولأن العمل استمر في سائر الأمصار على الصلاة بالتسميع.
والقول الثاني: بطلان الصلاة؛ لأنه إنما شرع الاقتداء بالإمام، لا بعوض عنه، كما هو ظاهر الحديث.
والثالث: صحة الصلاة إن أذن الإمام للمسمع، فحينئذ يكون كوكيله، وبطلانها إن لام يأذن؛ إذ لا تصح الوكالة من غير إذن (٤).
ع: وقيل: إنما يجوز ذلك في مثل الأعياد، والجنائز، غير الفرائض التي يجتمع لها الناس.
стр. 829
وقيل: يجوز في هذا، وفي الجمعات؛ لضرورات (١) كثرة الجموع.
وقيل: إنما يجوز ذلك إذا بصوت وطيء غير متكلف، فإن تكلف (٢)، أفسد على نسفه، وعلى من ائتم به (٣).
وفيه -أيضا-: دليل على أن قول: ربنا ولك الحمد، مختص بالمأموم، وهو مذهبنا.
وقال الشافعية: كل من الإمام والمأموم والفذ يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فيجمع بينهما.
الخامس: قيل: معنى «سمع الله لمن حمده»: أجاب الله دعاء من حمده.
وقيل: المراد بها: الحث على التحميد (٤).
وهذا لا ينافي الأول؛ لأنا إذا أخبرناأن الحمد سبب في إجابة الدعاء، كان ذلك حاثا لنا على التحميد في الدعاء وغيره.
ع: يظهر لي أن تردد قول مالك في اختيار جواب هذا بـ: ربنا لك الحمد، وـ: ولك الحمد؛ إنما كان لاختلاف الآثار بذلك، أو على التردد بين المعنيين المتقدمين، فإذا جعلنا «سمع الله لمن
стр. 830
حمده»، بمعنى الحث على الحمد، كان الوجه في الجواب: «ربنا لك الحمد» دون واو؛ لأنه مطابق لما حث عليه، وامتثال لما ندب إليه، وعلى التلأويل الآخر: الأولى إثبات الواو؛ لأنه يتضمن تأكيد الدعاء الأول وتكراره بقوله: «ربنا»؛ أي: استجب لنا، واسمع حمدنا، ثم يأتي بالعبادة التي دعا بالاستجابة لقائلها، وهو الحمد، فنقول: «ولك الحمد» (١).
وقيل: معنى ذلك: على إلهامنا ذلك، واستعمالنا له.
قلت: والمترجح عندنا إثبات الواو، والله أعلم.
فائدة:
ينبغي أن نتعلم: أن ما جاء من الدعاء بصيغة الخبر؛ نحو (٢): سمع الله لمن حمده، وغفر الله ذنوبنا، ورضي الله عنا، وصلى الله على محمد وسلم، ونحو ذلك، قد قيل فيه: إنه من باب تللتفاءل بإجابة الدعاء؛ وكأنه وقع، واستجيب، وأخبر عن وقوعه، وقد تقدم الكلام على سر مجيء الأمر بصيغة الخبر، والعكس.
السادس: قوله ﵊: «فإذا كبر، فكبروا»؛ أي: إذا قال: الله أكبر، فقولوا كذلك.
وقد اختلف العلماء في معنى (الله أكبر)، فقيل: معناه (٣): الله أكبر
стр. 831
من كل شيء.
وأبى ذلك آخرون، وقالوا: إنما يقع التفاضل بين متقاربين في الشيء، ومتشاركين فيه، والله يتعالى عن ذلك، وإنما معنى (أكبر): الكبير.
قال هؤلاء: وقد جاء (أفعل) بمعنى اسم الفاعل؛ كقولهم: أهون بمعنى: هين، قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هين.
وقال الفرزدق: [الكامل]
إِنَّ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ (١)
أراد: أعز: عزيز، وأطول: طويل.
قال الزجاج: وهذا غير منكر، وقد جاء على نمط كلام العرب في المبالغة في الوصف، ولم (٢) يرد به النمفاضلة، والمعنى: الله أكبر كبير؛ كما يقال (٣): أعز عزيز.
وقيل: معناه: الله أكبر من أن يشرك به، أو يذكر بغير المدح والتمجيد والثناء الحسن.
قال صاحب «التحرير في شرح مسلم»: هذا أحسن الأقوال؛ لما فيه من زيادة المعنى.
стр. 832
وأما قولهم: «الله أكبر كبيرا»، فعلى تقدير: كبرت كبيرا (١)(٢).
ولتعلم: أن مذهب مالك ﵀: أنه لا يجزىء من التكبير إلا الله أكبر، لا غيره (٣).
وبه قال أحمد، وداود.
وقال الشافعي ﵀، والجمهور: يجزىء: الله الأكبرُ.
واتفقوا على عدم انعقاد الصلاة بقوله: الله أجلُّ أو أعظمُ، و (٤) الله الكبير، ونحو ذلك.
حاشا أبي حنيفة؛ فإنه قال: تنعقد الصلاة بكل ذِكْرٍ يُقصد به (٥) تعظيم الله تعالى، ووافق على (٦) أنه لا تنعقد الصلاة ب: يا ألله ارحمني، أو اللهمَّ اغفرلي، أو بالله أستعينُ.
وقال أبو يوسف: تنعقد بألفاظ التكبير (٧)؛ كقوله: الله أكبر، والله الكبيرُ (٨)، فلو قال: الله، أو الرحمنُ، واقتصر عليه، فعن أبي حنيفة روايتان.
وحجة الشافعي: قوله-﵊: «مفتاح الصلاةِ
стр. 833
الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (١)، والتكبير يشتمل على: الله أكبر، والله أكبر.
وأورد عليه: أنه ينبغي أن تنعقد بقوله: الله أكبر، وبقوله: الله الكبير، كما قال أبو يوسف، وإذا منع هذا، لزم الاتباع وتعين، ونزل الخبر عليه (٢).
فإن قلت: وما الفرق بين أكبر، والأكبر من جهة المعنى تنكيرا أو تعريفا (٣)؟
قلت: قال الشيخ أبو بكر الأبهري - رحمه الله تعالى-: إذا دخل الألف والله على أكبر صار نعتا، كمصير الكبير، ويبقى المبتدأ بلا خبر.
قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وفي هذا الكلام نظر؛ فإنه لا يمتنع أن يكون الأكر خبرا؛ لأن خبر المبتدأ قد يكون معرفة، إلا أنه قد صار محتملا للنعت والخبر، فكيف يقوم ذلك مقام: الله أكبر، الذي تعين (٤) فيه أن أكبر خبر، والفرع لا يلحق بالأصل إلا إذا ساواه، أو زاد عليه، فلعل الشارع ما جعل قوله: «الله أكبر» عقدا للصلاة، إلا
стр. 834
لتعيين (١) أن أكبر خبر.
قال الأبهري: ثم إن قوله: «الله أكبر» معناه: أكبر من كل شيء، فهو أبلغ ما يكون من المدح، وإذا قلنا: الأكبر، لم يبقى ذلك المعنى؛ إذ لا يجوز الجمع بين الألف واللام و (من) في أفعل التفضيل.
وإذا قلت: الأكبر، جاز أن يكون معه من يشاركه في الكِبَر، وإذا قلت: أكبر، لم يكن له نظير.
قلت: وفي هذا نظر؛ فإن صيغة (أفعل) التي للمفاضلة تقتضي بوضعها المشاركة في أصل الشيء، والزيادة عليه، كان فيها الألف واللام، أو لم يكن؛ كقولنا: زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل، وكذا مع الإضافة في نحو: زيد أفضل القوم. فتأمله.
ثم قال: وأما أصحاب أبي حنيفة فقولهم أقرب من قول غيرهم، قال صاحب «البيان والتقريب»: يعني: أقرب من قول الشافعي، وأبي يوسف، فإنهما لم يطردا القياس في كل لفظ معناه التعظيم، ولم يقتصرا على ما ورد، وقول أبي حنيفة بعد ذلك ضعيف؛ لأنه استعمل القياس في عبادة لا يعقل معناها.
قال صاحب «البيان والتقريب»: ثم المعنى الذي استنبطوه من التكبير، وقاسوا به، ليس من معاني الشرع، بل هو راجع إلى تفسير معنى اللفظ، فلا يصح القياس معه، ولو تنزلنا على صحة ما قالوه،
стр. 835
للزمهم أن تنعقد الصلاة بقوله: اللهم اغفر لي وارحمني، وهو لا تنعقد عندهم بذلك.
تنبيه:
فإن قلت: ما الحكمة في تقديسم هذا القول أمام فعل الصلاة؟ أعني: قول: الله أكبر.
قلت: قيل: الحكمة فيه تنبيه المصلي على معنى هذه الحكمة، التي معناها: أنه الموصوف بالجلال، وكبر الشأن، وأن كل شيء دون جلاله وسلطانه حقير، وأنه جل وتقدس عن شبه المخلوقين والفانين، ولشغل المصلي خاطره بمقتضى هذه اللفظتة، ويستحقر أن يذكر معه غيره، أو يحدث نفسه بسواه -جل اسمه-، وأن من انتصب لعبادته، وتمثل بين يديه، أكبر من كل شيء يشتغل به، أو يعرض بذكر عما هو قد تفرغ له من طاعته.
ولتعلم: أن حق الكلام في هذا الوجه أن يكون ثالثالثا لا سادسا، على ما جرت به (١) عادتنا من تتبع ألفاظ الحديث على الترتيب، ولكن سبحان من لا يسهو ولا يغفل، جل وتعالى.
السابع: قوله ﵊: «وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون»: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:
فأخذت طائفة بظاهر هذا الحديث، فأجازوا صلاة القادر على القيام خلف الإمام العاجز عن القيام جالسا، تعلقا بما في كتاب
стр. 836
مسلم: فصلى جالسا، وصلينا وراءه جحلوسا (١)، وفي الحديث الآخر: فأشار إليهم: أن اجلسوا (٢)، وكأنهم جعلوا متابعة الإمام عذرا في إسقاط القيام.
وذهب الشافعي والجمهور: إلى أن المأموم القادر على القيام، لا تصح صلاته خلف الإمام العاجز عن القيام إلا قائما، واحتجوزا بأن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا، وأبو بكر والناس خلفه قياما، قالوا: وهو آخر الأمر منه ﷺ ، وهذا أحد القولين عندنا.
والثاني: منع ذلك، وهو المشهور؛ تعلقا بقوله ﵊: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا» (٣)، وهذا الحديث، وإن كان قد احتج به أصحابنا لهذا القول؛ أعني: حديث (٤): «لا يؤمن أحد بعدي جالسا»، فهو حديث لا تكاد تقوم به حجة؛ لأنه رواه الدارقطني
стр. 837
عن جابر بن يزيد الجعفي -بضم الجيم وسكون العين المهملة-، عن الشعبي: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا»، وهذا مرسل، وجار بن يزيد، قالوا فيه: متروك، ورواه أيضا مجالد -بالجيم واللام-، عن الشعبي، وقد استضعف مجالد، وقد قواه ع بفعل الخلفاء، فقال بعد ما ذكر الحديث: و (١) بفعل الخلفاء بعده، وأنه لم يؤمن أحد منهم قاعدا، وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي ﷺ ، فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده، وهو يقوي (٢) لين هذا الحديث (٣).
ق: وأما استدلاله بترك الخلفاء الإمامة عن قعود، فأضعف؛ فإن ترك الشيء لا يدل على تحريمه، ولعلهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين، وإن كان الاتفاق حاصلا على مرجوحية صلاة القاعد بالقائم، وأن الأولى تركه، وذلك كاف في سبب تركهم الإمامة من قعود.
وقوله: تشهد بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده: ليس كذلك؛ لما بيناه من أن الترك للفعل لا يدل على تحريمه (٤).
قلت: وما قاله ق ظاهر لا شك فيه، والظاهر أنه ليس لأصحابنا في ذلك حجة إلا ما قاله ابن القاسم: من أن عمل أهل المدينة على
стр. 838
ذلك -أعني: عدم الائتمام بالقاعد-، وفيه ما قاله ق من أن ترك الشيء لا يدل على تحلاريمه، فلا يتم لهم الاحتجاج، والله أعلم.
واختلف أصحابنا -أيضا- في جواز ائتمام الجالس العاجز عن القيام بمثله.
فروى عيسى عن ابن القاسم في «العتبية»: لا بأس أن يؤمهم في الفريضة؛ لأن حالهم قد استوت؛ كما لو أطاقوا القيام كلهم، وبه قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن عبد الحكم.
ع: وهو مشهور مذهبنا.
وروى سحنون عن ابن القاسم: لا يؤمهم؛ لأن هذا عاجز عن القيام؛ كما لو لم يقدر إلا على الاضطجاع، فإنه لا يؤم من ساواه فيه.
وقد روى عيسى عن ابن القاسم: لا يؤم المضطجع.
ع: قيل: هذه الرواية وهم، وهو كما قيل، وإنما وهم فيه من سمع النهي عن إمامة الجالس، فأخذ بعمةم اللفظ فيه، وحمله في كل حال (١).
وإذا قلنا: لا يؤم المريض العاجز عن القيام مثله، فوقع ذلك.
فقال ابن القاسم: تجزئ الإمام، ويعيد من ائتم بته؛ لأن الإمام قد أتى بصلاته على الوجه المأمور؛ من الانفراد، وترك الاقتداء بغيره، ومن ائتم به، فقد ائتم بمن ليس بإمام، فعليه الإعلادة؛ كما لو ائتمت امرأة بامرأة.
стр. 839
وفي المسألة فروع مذكورة في كتب الفقه المطولة.
والكلام على حديث عائشة ﵂ مثل الكلام على حديث أبي هريرة ﵁، وما فيه من الزيادة، فقد (١) حصل التنبيه عليه، وبالله التوفيق.
* التعريف:
عبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة -واسمه عبد الله، وإنما سمي خطمة؛ لأنه خطم رجلا على خَطْمَة، وهو مقدم الأنف والفم، فسمي خطمة -ابن جُضَمِ بن مالك بن الأوس، الأنصاري، الخطمي، يكنى: أبا موسى.
شهد الحديبية وهو ابن سبع عششرة سنة، توشهد بيعة الروان، واستعمله ابن الزبير على الكوفة، وكان الشعبي كاتبه، وأدرك يزيد بن زيد أبوه النبي ﷺ ، وصحبه، وشهد أحدا والمشاهد بعدها، ومات يزيد قبل فتح مكة.
وشهد عبد الله بن يزيد مع علي ﵇ الجمل، وصفين، والنهروان، وسكن الكوفة، ومات زمن ابن الزبير، وكان استعمال ابن الزبير له على الكوفة سنة خمس وستين.
روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وعششرون حديثا، أخرج له البخاري حديثين، ولم يخرج له مسلم شيئا، وقد روي له عن البراء بن عازب، عن النبيت ﷺ .
روى عنه: محمد بن كعب القرظي، والشعبي، وأبو بردة، وأبو إسحاق السيعي، وزياد بن علاثة.
стр. 842
روى له الجماعة ﵁ (١)(٢).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «وهو غير كذوب»: قال يحيى بن معين: القائل: «وهو غير كذوب» هو أبو (٣) إسحاق، قال: ومراده: أن عبد الله بن يزيد غير كذوب، وليس المؤراد: أن البراء غير كذوب؛ لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية، ولا يحسن فيه هذا القول.
ح: وهذا الذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء، قالوا: بل الصواب أن القائل: (وهو غير كذوب) هو عبد الله بن يزيد، ومراده: أن البراء غير كذوب، ومعناه: تقوية الحديث، وتفخيمه، والمبالغة في تمكينه من النفس، لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه، ونظيره قول ابن مسعود ﵁: «حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق» (٤)، وعن
стр. 843
أبي هريرة مثله، وفي «صحيح مسلم»، عن أبي أبي مسلم الخولاني: حدثنا الحبيب الأمين عوف بن مالك الأشجعي (١)، ونظائره كثيرة، فمعنى الكلا: حدثني البر اء، وهو غير متهم، كما علمت، فثقوا بما أخبركم عنه.
قالوا: وقول ابن معين: إن البراء صحابي، فينزه عن هذا الكلام، لا وجه له؛ لأن عبد الله بن يزيد صحابي -أيضا (٢) - معدود في الصحابة انتهى (٣).
قلت: تمثيله قوله: وهو غير كذوب بقول ابن مسعود ﵁: وهو الصادق المصدوق، وكذلك ما بعده، ليس بجيد، وكأنه كلام من لم يلم بشيء من علم (٤) البيان أصلا، ومن ذا (٥) الذي لا يفرق بين قولنا: زيد صدوق، وزيد غير كذوب، أو بين قولنا: زيد عاقل، وزيد ليس
стр. 844
بمجنون؟! ألا ترى أن ابن مسعود ﵁ لو قال عوض قوله: وهو الصادق المصدوق، حدثنا رسول الله ﷺ وهو غير كذوب، لوجدت الطبع ينفر، والشعر يَقُفُّ به عند سماعه؟! فإنا نفرق بين إثبات الصفة للموصوف، وبين نفي ضدها عنه (١).
والسر في ذلك -والله أعلم-: أن نفي الضد كأنه يقع جوابا لمن أثبته؛ بخلاف إثبات الصفة، فإنه على الأصل، فإذا قلت: جاء زيد العالم، فكأنك قلت: جاء المعروف بالعلم، لا أن ثم منازعا في ذلك، إنما هو كلام خرج في معرض تعريف الذات الموصوفة بالعلم، والله أعلم (٢).
فتعرف هذا الأصل في كل ما يرد عليك من هذا الباب.
فإن قلت: فقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]،
стр. 845
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، ونحوه، ما تصنع به؟ قلت: ما ذكرنا في الحديث عبارة الغير عن الغير، بخلاف الآيتين الكريمتين.
فإن قلت: وما الفرق بين عبارة المعبر عن نفسه، وعبارة غيره عنه؟
قلت: قد يعبر الإنسان عن نفسه بأشنع الغعبارات وأبشعها إذا أراد التهويل على مخاطبه، والتشنيع عليه، أو (١) التهكم به، وذلك كما يقول النعروف بالصدق والأمانة والعفة -مثلا-: ما أنا بكذاب، ولا خائن، ولا فاسق عند قصده ما ذكرنا (٢)، ولو خاطبه غيره بذلك، لم يحسن، بل يسمج ويقبح جدا.
هذا كله إذا قلنا: إن الآيتين لم تخرجا على جواب من ادعى من الكفرة ذلك لو توهم (٣)؛ أعني: الظلم والغفلة، فتإن كانتا خرجتا على جواب ذلك، فلا كلام، وكانتا كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الصمد: ٣] حين ادعوا له الصاحبة والولد -تعالى الله وتقدس عن ذلك علوا كبيرا (٤) -،