← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

* التعريف: عبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة -واسمه عبد الله، وإنما سمي خطمة؛ لأنه خطم رجلا على خَطْمَة، وهو مقدم الأنف والفم، فسمي خطمة -ابن جُضَمِ بن مالك بن الأوس، الأنصاري، الخطمي، يكنى: أبا موسى. شهد الحديبية وهو ابن سبع عششرة سنة، توشهد بيعة الروان، واستعمله ابن الزبير على الكوفة، وكان الشعبي كاتبه، وأدرك يزيد بن زيد أبوه النبي ﷺ ، وصحبه، وشهد أحدا والمشاهد بعدها، ومات يزيد قبل فتح مكة. وشهد عبد الله بن يزيد مع علي ﵇ الجمل، وصفين، والنهروان، وسكن الكوفة، ومات زمن ابن الزبير، وكان استعمال ابن الزبير له على الكوفة سنة خمس وستين. روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وعششرون حديثا، أخرج له البخاري حديثين، ولم يخرج له مسلم شيئا، وقد روي له عن البراء بن عازب، عن النبيت ﷺ . روى عنه: محمد بن كعب القرظي، والشعبي، وأبو بردة، وأبو إسحاق السيعي، وزياد بن علاثة.

стр. 842

روى له الجماعة ﵁ (١) (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قوله: «وهو غير كذوب»: قال يحيى بن معين: القائل: «وهو غير كذوب» هو أبو (٣) إسحاق، قال: ومراده: أن عبد الله بن يزيد غير كذوب، وليس المؤراد: أن البراء غير كذوب؛ لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية، ولا يحسن فيه هذا القول. ح: وهذا الذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء، قالوا: بل الصواب أن القائل: (وهو غير كذوب) هو عبد الله بن يزيد، ومراده: أن البراء غير كذوب، ومعناه: تقوية الحديث، وتفخيمه، والمبالغة في تمكينه من النفس، لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه، ونظيره قول ابن مسعود ﵁: «حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق» (٤)، وعن

стр. 843

أبي هريرة مثله، وفي «صحيح مسلم»، عن أبي أبي مسلم الخولاني: حدثنا الحبيب الأمين عوف بن مالك الأشجعي (١)، ونظائره كثيرة، فمعنى الكلا: حدثني البر اء، وهو غير متهم، كما علمت، فثقوا بما أخبركم عنه. قالوا: وقول ابن معين: إن البراء صحابي، فينزه عن هذا الكلام، لا وجه له؛ لأن عبد الله بن يزيد صحابي -أيضا (٢) - معدود في الصحابة انتهى (٣). قلت: تمثيله قوله: وهو غير كذوب بقول ابن مسعود ﵁: وهو الصادق المصدوق، وكذلك ما بعده، ليس بجيد، وكأنه كلام من لم يلم بشيء من علم (٤) البيان أصلا، ومن ذا (٥) الذي لا يفرق بين قولنا: زيد صدوق، وزيد غير كذوب، أو بين قولنا: زيد عاقل، وزيد ليس

стр. 844

بمجنون؟! ألا ترى أن ابن مسعود ﵁ لو قال عوض قوله: وهو الصادق المصدوق، حدثنا رسول الله ﷺ وهو غير كذوب، لوجدت الطبع ينفر، والشعر يَقُفُّ به عند سماعه؟! فإنا نفرق بين إثبات الصفة للموصوف، وبين نفي ضدها عنه (١). والسر في ذلك -والله أعلم-: أن نفي الضد كأنه يقع جوابا لمن أثبته؛ بخلاف إثبات الصفة، فإنه على الأصل، فإذا قلت: جاء زيد العالم، فكأنك قلت: جاء المعروف بالعلم، لا أن ثم منازعا في ذلك، إنما هو كلام خرج في معرض تعريف الذات الموصوفة بالعلم، والله أعلم (٢). فتعرف هذا الأصل في كل ما يرد عليك من هذا الباب. فإن قلت: فقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]،

стр. 845

﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، ونحوه، ما تصنع به؟ قلت: ما ذكرنا في الحديث عبارة الغير عن الغير، بخلاف الآيتين الكريمتين. فإن قلت: وما الفرق بين عبارة المعبر عن نفسه، وعبارة غيره عنه؟ قلت: قد يعبر الإنسان عن نفسه بأشنع الغعبارات وأبشعها إذا أراد التهويل على مخاطبه، والتشنيع عليه، أو (١) التهكم به، وذلك كما يقول النعروف بالصدق والأمانة والعفة -مثلا-: ما أنا بكذاب، ولا خائن، ولا فاسق عند قصده ما ذكرنا (٢)، ولو خاطبه غيره بذلك، لم يحسن، بل يسمج ويقبح جدا. هذا كله إذا قلنا: إن الآيتين لم تخرجا على جواب من ادعى من الكفرة ذلك لو توهم (٣)؛ أعني: الظلم والغفلة، فتإن كانتا خرجتا على جواب ذلك، فلا كلام، وكانتا كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الصمد: ٣] حين ادعوا له الصاحبة والولد -تعالى الله وتقدس عن ذلك علوا كبيرا (٤) -،

стр. 846

ولذلك (١) نفت (لم) المستحيلة؛ أعني: في (٢) قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الصمد: ٣]، والعرب لا تقول: الحجر لم (٣) يطر، بل لا يطير، وإلا، فالجواب ما تقدم، والله أعلم. الثاني: يقال: حنى، يحني، ويحنو، وقد جاء في الرواية الأخرى: «لا يحنو أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد» (٤)، وهما لغتان حكاهما الجوري (٥)، وغيره: حَنَيْتُ، وحنوت، لكن الياء أكثر، ومعنى حنوت الشيء: عطفته، ومله حنيت العود وحنوته: عطفته أيضا (٦). الثالث: فيه: أن السنة أن لا ينحني المأموم للسجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض، إلا أن يعلم من حاله أنه لو أخر إلى هذا الحد، لرفع الإمام من السجود قبل سجوده، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى قريبا.

стр. 847

وفيه أيضا: دليل على طول الطمأنينة من النبي ﷺ ، وقد اختلف أصحابنا في وجوبها، قالوا: ومذهب ابن القاسم أنها سنة (١) في جميع الأركان، وسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله تعالى. الرابع: قوله: «ثم نقع سجودا بعده»: هو بالرفعل على الاستئناف، وليس معطوفا على (يقع) الأول المنصوب بـ (حتى)؛ إذ ليس المعنى على ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 848

الحديث الخامس ٧٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ، فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١).

стр. 849

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: فيه: دليل على مشروعية التأمين للإمام والمأموم، وليس فيه ما يدل على تأمين الفذ، وإن كنت لا أعلم خلافا في جواز تأمينه في الصلاة السرية على ما سيأتي. وقال أبو جحنيفة ﵀: لا يجهر به (١) المصلي، سواء كان إماما أو مأموما، وعنه رواية أخرى: يخفيه الإمام. وأما مالك ﵀، فلم يختلف قوله في تأمين الإمام في الصلاة السرية. قال القاضي أبو الوليد: لم يختلف أصحابنا في ذلك، وعلله بأنه قد عري دعائه من مؤمن عليه غيره. وأما الجهرية، فروى المصريون: لا يؤمن، وروى المدنيون: يؤمن.

стр. 850

واختار القاضي أبو الوليد رواية المدنيين: أنه يؤمن في السر والجهر، ويكون تأمين المأموم مقارنا له معا (١). وقال ابن بكير: يتخير في الجهر، ثم حيث قلنا: يؤمن، فيسر كالمأموم والمنفرد. قال في «الجواهر»: واختار بعض المتأخرين جهر الإمام به. وقال غيره: هو مخير بالجهر والإسرار. الثاني: آمين: في لغتان: أفصحهما وأشهرهما: المد، وتخفيف الميم، وبه دجاءت الروايات. والثانية: أمين -بالقصر وتخفيف الميم-، حكاها ثعلب، وآخرون، وأنكرها جماعة على ثعلب، وقالوا: المعروف المد، وإنما جاءت مقصورة في ضرورة الشعر، وهذا فاسد؛ لأن الشعر الذي جاء فيها ليس من ضرورته (٢) القصر. وحكىة الواحدي لغة ثالثة: آمين بالإمالة والمد وتخفيف الميم، وحكاها عن حمزة، والكسائي. وحكى الواحدي: آمين أيضا -بالمد وتشديد الميم-، قال: روي ذلك عن الحسن البصري، والحسين بن القصار، قال: ويؤيده أنه جاء عن جعفر الصادق أن تأويله: قاصدين إليك، وأنت أكرم من

стр. 851

أن تخيب قاصدا. وحكى لغة التشديد أيضا: ع، وهي شاذة منكرة مردودة، نص ابن السكيت وثعلب وسائر أهل اللغة على أنها من لحن العوام (١). وهو اسم للفعل، ومعناه: اللهم استجب، وهو مبني؛ لوقوعه موقع المبني، وحرك لأجل التقاء الساكنين، وفتح لأجل الياء قبل آخره؛ كما فتحت (أين)، والفتح فيها أقوى؛ لأن قبل الياء كسرة، فلو كسرت النون على الأصل، لوقعت الياء بين كسرتين. وقيل: معناها: ليكن ذلك، وقيل: افعل، وقيل: لا تخيب رجاءنا، وقيل: لا يقدر على هذا غيرك، وقيل: هو طابع الله على عباده يدفع به عنهم الآفات، وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، وقيل: هو اسم الله تعالى، وتقديره: يا آمين. قال أبو البقاء ﵀ في إعرابه: وهذا خطأ؛ لوجهين: أحدهما: أن أسماء الله تعالى لا تعرف إلا تلقيا، ولم يرد به (٢) سمع. والثاني: أنه لو كان كذلك، لبني على الضم؛ لأنه منادى معرفة، أو مقصود، وليس من الأبنية العربية، بل هو من الأبنية العجمية؛ كهابيل، وقابيل، والوجه فيه: أن يكون أشبع فتحة الهمزة، فنشأت

стр. 852

الألف، فعلى هذا لا يخرج عن الأبنية العربية، انتهى (١). الثالث: قوله ﵊: «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه»: ع: قيل يعني: وقت تأمينهم ومشاركتهم في الدعاء والتأمين، ويفسره قوله في الحديث الآخر: «وقال الملائكة في السماء: آمين»، وإليه ذهب الداودي، والباجي، قال: وعلى هذا يظهر قول الخطابي: إن الفاء هنا لييست للتعقيب، وإنها للمشاركة؛ إذ (٢) علق الغفران بالموافقة في القول على هذا التأويل. وقيل: من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الصفة؛ من الخشوع والإخلاص، وعلى هذا يحمل قوله في مثل هذا الحديث الذي فيه: «إذا قال: سمع الله لمن حمده» الحديث. وقيل: من وافق دعاؤه دعاء الملائكة. وقيل: المراد بالملائكة هنا: الحفظة المتعاقبون بالليل والنهار، يشهدون الصلاة مع المؤمنين ويؤمنون معهم، ولكن يرد هذا قوله: «في السماء»، وقيل: لا يرده، بل إذا قالها الحاضرون، قالها من فوقهم، حتى ينتهي؟ إلى ملائكة السماء. قلت: وفي هذا الجواب نظر. وقيل: معناه: من وافق استجابة دعائه كما يستجاب للملائكة.

стр. 853

وقيل: من وافق دعاؤه دعاء الملائكة الذين يستغفرون لمن في الأرض؛ لأن في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] الدعاء له ولأهل ملته، ثم قال: «آمين» تأكيدا (١) لإجابة الدعاء جميعه، كما تفعل الملائكة، والوجه الأول أظهر. وقد جاء فيه حديث مفسر لا يحتاج إلى تأويل: أن الله تعالى جعل من ملائكته مستغفرين لمن في الأرض، ومصلين على من صلى على النبي ﷺ ، وـ (٢) داعين لمن ينتظر الصلاة، فلذلك يختص منهم من يؤمن عند تأمين المؤمنين، أو عند دعائهم؛ كما جعل منهم لعانين لقوم من أهل المعاصي، وما منهم إلا له مقام معلوم. ع: وفي قوله: «إذا قال الإمام: ولا الضالين» حجة لقراءة أم القرآن، وكونها ملتزمة للصلاة، وغير منفصلة عنها، وحجة لمن لا يرى السكتة للإمام، ولا قراءة المأمةوم خلفه فيما يجهر فيه؛ لأنه ذكر ما يفعل الإمام والمأموم، فذكر (٣) التكبير للإمام، ثم ذكر بعده تكبير (٤) المأموم، ثم ذكر قراءة الإمام، ولم يذكر للمأموم قراءة، ولو كانت السكتة من حكم الصلاة، لقال: فإذا سكت، فاقرأوا، كما قال: «فإذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين»،

стр. 854

وهو موضع تعليم (١) وبيان. وقد اختلف العلماء في هذه السكتة للإمامن، فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن على الإمام ثلاث سكتات: بعد التكبير، وبعد تمام أم القرآنت، وبعد القراءة؛ ليقرأ من خلفه فيها. وذهب مالك، وأبو حنيفة، وجمهور السلف والعلماء إلى إنكار ذلك في السكتتين الآخرتين، وقد رويت في ذلك أحاديث لا يتفق عليها عند أهل الحديث، انتهى (٢). الرابع: قوله ﵊: «إذا قال الإمام» يعطي أن التأمين ثابت للإمام، معلوم من عادته وشأنه، من حيث كانت (إذا) الشرطية للمحقق، بخلاف (إن)؛ فإنها تكون للمشكوك فيه. وقوله ﵊: «غفر له ما تقدم من ذنبه»: ظاهره يشمل الغائر والكبائر، فإن دل دليل على تخصيص أحدهما، رجع إليه، وإلا، بقينا مع ظاهر الحديث، والله أعلم. * * *

стр. 855

الحديث السادس ٧٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَذَا الْحَاجَةِ , وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ؛ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (١).

стр. 856

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الحديث دليل على مطلق التخفيف في الصلاة للإمام، والحكم فيه مذكور مع علته، وهي المشقة اللاحقة للمتأمومين إن طول عليهم، إلا أن الصلاة تختلف بالنسبةإلى الطول والقصر في القراءة وما يتبعها من الأركان بعد تكبيرة الإحرام، فأطول الصلاة قراءة عندنا الصبح، والظهر، وأقصرها العصر والمغرب، وأوسطها العشاء الآخرة، فتخفيف كل صلاة بحسبها، وهذا كله ما لم يؤثر المأمومون التطويل، فحينئذ لا يكره؛ كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل مثلا، فإن ذلك، وإن شق عليهم، فقد آثروه، ودخلوا عليه (١). الثاني: الضعيف هنا: يحتمل أن يراد به: النحيف البدن الذي يشق عليه طول القيام والركوع. ويحتمل أن يراد به: الشيخ الكبير، والصغير؛ كما هو مفسر في الحديث (٢) الآتي بعد. وأما السقيم: فهو المريض ليس إلا. وأما ذو الحاجة: فالحاجة أعم من أن توصفف، وينص عليها، وقد كانت الصحابة ﵁ م - ذوي حرف، وأعمال، ومعايش، وزروع يعملون فيها، كما ورد أنهم كانوا أصحاب نواضح وـ (٣) عمال أنفسهم، ﵃.

стр. 857

فائدة: قال الجوهري: الحاجة معروفة، والجمع: حضأجٌ، وحاجات، وَحِوَجٌ، وحوائج على غير قياس؛ كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكره، ويقول: هو مولد، وإنما أنكره؛ لخروجه عن القياس، وإلا فهو كثير في كلام العرب، وينشد: نَهَارُ الْمَرْءِ أَمْثَلُ حِينَ يَقْضِي ... حَوَائِجَهُ مِنَ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ والحَوْجاء: الحاجة، يقال: ما في صدري به حوجاء ولا لوجاء، ولا شك ولا مرية؛ بمعنى واحد. ويقال: ليس في أمرك حويجاء، ولا لويجاء (١) ولا رُوَيْغَة، والله أعلم (٢). الثالث: قوله ﵊: «فليطول ما شاء»: كأنه جاء على طريق المبالغة، وإلا، فالإنسان مأمور بأن لا يطول في الصلاة تطويلا يخرج عن العادة المشروعة، وإن كان وحده، لا سيما المغرب، ألا ترى أنه لو قرأ فيها بالبقرة مثلا، أو ما قاربها، لكان ذلك مكروها (٣). * * *

стр. 858

الحديث السابع ٧٧ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، مِنْ أَجْلِ فُلانٍ؛ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا , فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ , فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ , فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالصَّغِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ» (١).

стр. 859

* التعريف: أبو مسعود: اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة، ويعرف بالبدري، والأمثر على أنه لم يشهد بدرا، ولكنه نزلها، فنسب إليها، وغنم كان قد ذكره البهخاري في البدريين الذين شهدوا بدرا. وشهد أبو مسعود هذا العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم. وقيل: إإن جابار كان أصغرهم، وشهد أبو مسعود -أيضا- أحدا وما بعدها من المشاهد. وتوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، وقيل: في آخر خلافة معاوية، وقيل: في خلافة علي ﵁، وقيل: توفي بعد الستين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، والقولان الأخيران ضعيفان. روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وحديثان، له منها في «الصحيحين» سبعة عشر حديثا، اتفقا منها على تسعة أحاديث، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم سبعة. روى عنه: عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعلقة بن قيس، وعبد الرحمن بن

стр. 860

يزيد النخعي، وغيرهم (١). والرجل الذي قال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان هو كعب بن أبي حَزَّةَ -بفتح الحاء المهملة وتشديد الزاي- (٢)، بن أبي القين، وقيل: حرام، وقيل: سليم، وفلان المشكو منه: هو معاذ بن جبل ﵁.

стр. 861

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: المعروف أن (جاء) يتعدى للمفعول به بنفسه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨]، وأمثاله كثيرة، وهو هنا تعدى بـ (إلى). وقد لا يتعدى أصلا، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]، وأمثاله كثيرة، ويحتمل أن يكون هذا الأخير قد حذف منه المفعول، والتقدير: وقل: جاءكم الحق، وزهق عنكم الباطل، وجاء ربك الخلق المحشورين (١)، ونحو ذلك، فيرجع إلى الأول على هذا التقدير، والله أعلم. الثاني: «إني لأتأخر عن صلاة الصبح»، إلى آخره: فيه: جواز شكاية الأئمة إلى الإمام الأعظم، وذكر حاله وحالهم معه، ولا يكون ذلك من باب الغيبة، على ما تقدم في حديث القبرين. وتخصيص صلاة الصبح؛ لأنها مما تطول فيها القراءة والقيام أكثر من سائر الصلوات، ولأنه وقت السعي لمن له حرفة يبتكر إليها. وقوله: «من أجل فلان»: الظاهر -والله أعلم-: أن لفظ فلان كناية من الراوي، وأن الرجل سماه النبي ﷺ ، وهو من الأدب وحسن التعبير.

стр. 862

الثالث: قوله: «فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط، أشد مما غضب يومئذ»: فيه: الغضب للموعظة، وذلك يكون إما لمخالفة الموعوظ لما علمه، أو (١) التقصير في تعلمه، والله أعلم. وشدة غضبه -عليه الصلاة وةالسلام- إنما هو لفرط الشفقة على أمته، والحرص على تألفهم، وصرف المشقة عنهم، ولا ينافي هذا ما جاء من النهي عن أن يقضي القاضي وهو غضبان؛ لأن النبي ﷺ بخلاف غيره؛ إذ لا يستفزه الغضب، ولا يقول في الغضب والرضا إلا حقا، ولا يحكم إلا بالحق. الرابع: قوله ﵊: «إن منكم منفرين»: هو من باب قوله -عليه الصلاة-: «ما بال أقوام يفعلون كذا؟» من غير مفاجأة بالخطاب لمعين، وإن كان هو معينا عنده ﷺ ؛ كقوله ﵊ في حديث بريرة: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟»، الحديث (٢). ومنه في حديث: «الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله»، الحديث (٣)، ولم يعين مهاجر أم قيس؛ سترا منه ﷺ على فاعل ذلك، ولا يبعد عندي أن يكون ذلك أدخل في الزجر؛ إذ فيه الإع راض منه ﷺ عن مواجهة ذي المخالفة، والإعراض عن المخالف

стр. 863

من أشد العقوبات، لا سيما إعراضه ﷺ . وقد جاء في «سنن أبي داود» باسم المطول، وهو معاذ ﵁ كما تقدم (١) في حديث آخر غير هذا، وهما واقعتان، والله أعلم. قال أبو داود: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيصلي بقومه، فأخر النبي ﷺ مررة (٢) الصلاة، وقال: مرة: العشاء، فصلى معاذ مع النبي ﷺ ثم جاء يؤم قومه، فقرأ البقرة، فاعتزل رجل من القوم، فصلى، فقيل: نافقت، فقال: ما نافقت، فأتى الرجل النبي ﷺ ، فقال: إنا نحن أصحاب نواضح، ونعمل بأيدينا، وإنه جاء وأمنا، فقرأ سورة البقرة، فقال: «يا معاذ! أفتان أنت؟! اقرأ بكذا، اقرأ بكذا». قال أبو الزبير: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، فذكروا لعمرو ذلك، فقال: أراه كما ذكره (٣) (٤). الخامس: قوله ﵊: «فليوجز»؛ أي: فليقصر.

стр. 864

قال أهل اللغة: أوجزت (١) الكلام: قصرته، وكلام موجز، وموجِز -بفتح الجيم وكسرها-، وَوَجْزٌ، ووجيز، والظاهر: أتن الإيجاز والاختصار بالنسبة إلى الكلام مترادفان. وفي «الصحاح»: اختصار الكلام: إيجازه (٢). وقوله ﵊: «فإن من ورائه الكبير، والصغير، وذا الحاجة»: فيه: حضور الصغير المسجد، وقد جاء ذلك أيضا في الحديث الآخر: «إني لأسمع بكاء الصبي، فأتجوز فيها» (٣)، ولكن مذهبنا أنه لا ينبغي أن يدخل الصبي المسجد إلا أن يكون مميزا يعقل الصلاة (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 865

بابُ صفةِ صلاةِ النبيِّ ﷺ - الحديث الأول ٧٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ، سَكَتَ هُنَيْهَةً (١) قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي , أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي، وَبَيْنَ خَطَايَايَ؛ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ؛ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ، وَالْمَاءِ، وَالْبَرَدِ» (٢).

стр. 866

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: ظاهر هذا الحديث ملازمته ﵊ لهذا الدعاء عند الافتتاح؛ لما تقدم من أن (كان) هذه تدل على تكرار الفعل، وملازمته، وأن (كان) قد تستعمل في مطلق العمل، ولكن الأكثر الأول. الثاني: قوله: «هنيهة» (١): هو -بضم الهاء الأولى وفتح النون، على وزن فُعَيلة-، ويروى: «هُنَيَّة» -بتشديد الياء بغير (٢) همز-، وهي تصغير هَنَّة، وأصل هنة: هَنْوَة، فلما صغرت، رد المحذوف، وهو الواو فصار هنيوة، فاجتمعت الياء والوا، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمن الياء في الياء، ومن همزها فقد أخطأ (٣)، والرواية الأولى هي رواية صاحب الكتاب.

стр. 867

الثالث: قوله: (رأيت سكوتك»: روايتنا في بضم (١) التاء من رأيت، وهي من رؤية القلب لا العين. فيه: الحصر على تتبع أقوال الإمام وأفعاله من حركة وسكون، وهذا كان دأب الصحابة ﵃ معه ﵊؛ محافظة على الاقتداء به، وذلك من نعم الله على هذه الأمة؛ إذ هم الذين نقلوا الشريعة إلينا، ولو تساهلوا في ذلك لاختل النظام. وتسمية ذلك سكوتا: مجاز (٢)؛ إذ لم يسكت ﵊، وإنما المراد هنا: السكت على الجهر، وهو في الحقيقة لا يسمى سكوتا؛ إنما الساكت من ترك الكلام مطلقا، ألا ترى أنه يقال: قرأ سرا، وتكلم سرا. ويوضح ذلك قوله: ما تقول؟ ولم يقل: هل تقول؟ والسؤال بهل قبل السؤال بما؛ كما كان السؤال بأو قبل السؤال بأم في نحو قولك: أزيد في الدار، أو عمرو؟ على ما هو مقرر في كتب العربية، ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم؛ كما ورد في استدلالهم على إسرار (٣) القراءة باضطراب لحيته ﵊.

стр. 868

الرابع: قوله ﵊: «اللهم»: قد تقدم الكلام عليه بما يغني عن الإعادة، ولكن يزاد هنا أن يقال: المقصود بها: نداء الله تعالى، وتجيء حشوا بعد عموم، حثا للسامع على حفظ القيد المذكور بعدها، أو تنبيها على أنه بمثابة يستغفر التارك له؛ كقولك: أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنع مانع لا تقدر على دفعهخ، ولألزمنك أبدا، اللهم إلا أن تكره مني شيئا. وفي كلا م الحريرير: وما قيل في المثل الذي سار سائره: خير العشاء سوافره، إلا ليعجل التعشي، ويجنب أكل الليل الذي يعشي، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع (١). فأنت تراه في مثله هذا لا يكاد يفارق حرف الاستثناء، وإنما ذكؤرت هذا هنا، فإن كان لا يمس بمعنى الحديث؛ ليشتمل الكتاب على جملة معناها، وتكميلا لما تقدم (٢). الخانس: قوله ﵊: «باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»: كأن المراد بالمباعدة هنا أحد أمرين: إما ترك المؤاخذة بها، وإما المنع من وقوعها، والعصمة منها، وهذا منه ﷺ إما أن يكون قصدا للتعليم، وإما إظهارا لحال العبودية، وإلا، فهو ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والثاني: أظهر؛ إذ لو قصد التعليم، لجهر به، ولا يبعد عندي أن

стр. 869

يكون ذلك دعاء لأمته ﷺ . ق: وفيه مجازان: أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة والمباعدة في الزمان والمكان في الأصل. الثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية؛ فإن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس المراد هاهنا: البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد: الإزالة بالكلية. قلت: قيل: ومثله قوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، والمراد: التبري تمنه. ثم قال: وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب، المقصود منه: ترك المؤاخذة، لأأو العصمة. وقوله ﵊: «اللهم نقني من خطاياي» إلى قوله: «من الدنس»: كما تقدم؛ مجاز عن زوال الذنوب وأثثرها، ولما كان ذلك أظهر في الثوب الأبيض من غيره من الألوان، وقع التشبيه به. وقوله: «اللهم اغسلني» إلى آخره: يحتمل أمرين بعد كونه مجازا كما ذكرنا: أحدهما: أن يكون المراد هنا: التعبير بذلك عن غاية المحو؛ أعني: بالمجموع؛ فإن الثوب الذي تكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء منقية، يكون في غاية النقاء.

стр. 870

الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذه الأشياء مجازا عن صفة يقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فكل واحدة من هذه الصفات -أعني: العفو، والمغفرة، والرحمة- لها أثر في محو الذنوب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالا على معنى فرد [مجازي]، وفي الوجه الأول: ينظر إلى أفراد الألفاظ، وتجعل (١) جملة الفعل دالة على غاية المحو للذنب، والله أعلم. انتهى (٢). وقوله: «بالثلج والماء البارد»: ع: استعارة للمبالغة في التنظف من الذنوب. قلت: وروي: «من الدرن»، وروي: «من الوسخ»، وكلها مترادفة، أو متقاربة، وروي: «بالثلج والبرد». وـ «ماء البارد»: ع: وقوله: «ماء البارد: من إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقولك: مسجد الجامع (٣). قلت: وانظر تخصيص الماء البارد دون السَّخْن، وإن كان السخن أذهب للوسخ من البارد (٤).

стр. 871

تذنيب: قيل في الفرق بين الخطيئة والإثم: إن الخطيئة فيما بين العبد وربه، والإثم فيما بين المخلوقين، وفيه نظر؛ فإنه قد كثر إطلاق الفقهاء اسم الإثم على من أخرج الصلاة عن وقتها، وكذلك يقولون فيمن أفطر في الفرض متعمدا، وغير ذلك من العبادات، وهي فيما بين العبد وربه، فليتأمل ذلك. فائدة تصريفية: اعلم: أن «خطايا) أصله عند الخليل: خَطَائِءُ، فالهمزة الأولى بدل من الياء الزائدة في خطيئة، والهمزة الثانية هي لام الفاعل، ووزنه فعائل، فاستثقل الجمع بين همزتين في كلمة، فقدمت الياء الزائدة بعد الهمزة التي هي (١) لام الفعل، فصار خطائي الهمزة بعدها ياء، ثم أبدلت الياء ألفا، بدلا لازما مسموعا من العرب في هذا البناء من الجمع، وإذا أبدل من الياء ألفا، لزم أن يبدل من كسرة الهمزة التي قبلها فتحة؛ إذ الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، فلما انفتحت الهمزة، صارت خطاءًا، اجتمع ألفان بينهعما همزة، فأبدل من الهمزة ياء، فصار خطايا، فوزنها فَعَالى، محول (٢) من فعالي، مقلوب من فعائل. وسيبويه يرى أن لا قلب فيه، ولكنه أبدل من الهمزة الثانية التي هي للم الفعل ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها ألفا على ما تقدم

стр. 872

في مذهب الخليل، فوزنه عنده فعالى محول (١) من فعائل، والله أعلم (٢). * * *

стр. 873

الحديث الثاني ٧٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ , وَالْقِرَاءَةَ بـ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، وَكَانَ إذَا رَكَعَ؛ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ , وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً , وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً , وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: التَّحِيَّةَ (١) , وَكَانَ يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ (٢) الْيُمْنَى , وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ , وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيمِ (٣).

стр. 874

اعلم: أن المصنف ﵀ سها في إيراد هذا الحديث في هذا الكتاب: فإنه مما انفرد به مسلم عن البخاري، وشرط الكتاب تخريج الشيخين (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قولها ﵂: «يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة» هكذا رويناه، و (القراءة) (٢)، بالنصب، وضم الدال من (الحمد) لا غير؛ أي: يبتدئ الصلاة بالتكبير، ويبتدئ القراءة بالحمد لله رب العالمين، وعلى هذا لا تعارض بين حديث أبي هريرة وهذا الحديث؛ لأنه يجوز أن يكون المعنى: ﵊ يسكت السكوت المذكور بعد التكبير، ثم يبتدئ القراءة بـ: الحمد لله رب العالمين. وأما إن روي لفظ القراءة بالخفض، تعارضا؛ إذ لا يبقى المعنى: أنه يبتدئ الصلاة بالتكبير، وبـ: الحمد لله رب العالمين، فيكون (والقراءة) معطوفا على قولها: (بالتكبير)، ولا سكوت ثم، ولا ذكر، فتكون

стр. 875

الصلاة قد ابتدئت بشيئين بتكبير وقراءة، لا غير، ولا يلزم ذلك على النصب؛ لما تقدم (١). الثاني: قد تقدم الكلام في تعيين اللفظ الذي تنعقد به الصلاة، وذكر اختلاف العلماء في ذلك قريبا في حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» بما يغني عن الإعادة، لكن الكلام هنا في الدليل على وجوب تكبيرة الإحرام على ما قاله الجمهور، فنقول (٢): اختلف في الإحرام، هل هو ركن، أو شرط؟ فقال مالك، والشافعي: هو ركن. وقال الحنفيون: هو شرط. قال الإمام أبو عبد الله المازري (٣): الذي حكاه أصحابنا البغداديون: أن تكبيرة الإحرام جزء.

стр. 876

وكان شيخنا عبد الحميد يرى أن فائدة الخلاف في ذلك ما ذكره سحنون: أن المأموم (١) النتاظر إلى عورة إمامه في الصلاة متعمدا تبطل صلاته، فإذا قيل: إن تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة، بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه في حين إحرامه، وإن قيل: ليست من نفس الصلاة، لم تبطل. قال الإمام: والذي عندي: أن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على وقت العبادة إن كان شرطا، وعدم صحة تقديمه إن كان ركنا، إذ لا يشترط في إيقاع شرط العبادة المؤقتة دخول الوقت؛ كالطهارة، انتهى (٢). وقال بعض متأخري الشافعية: تظهر فائدة الخلاف فيما لو كبر وفي يده نجاسة، فلأقاها في أثناء التكبير، أو شرع في التكبير قبل ظهور زوال الشمس، ثم ظهر الزوال قبل فراغها، فلا تصح صلاته عندنا في الصورتين، وتصح عنده؛ كستر العورة (٣). ثم قال الإمام: ودليل كونها جزءا من الصلاة: حديث الأعرابي، لما قال: يا رسول الله! علمني؛ أي: علمني (٤) الصلاة، فأنمره بالتكبير (٥)،

стр. 877

وكل ما ذكره له في تعليمه هو من نفس الصلاة. قال غيره: وفي هذا (١) الاستدلال بهذا الحديث نظر؛ فإن في لفظ الحديث الذي ذكره أشياء ليست من نفس الصلاة، بل من شروطها، فإنه قال: «إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر» (٢). قال الإمام: وأيضا: فإن شرط العبادة يصح انفصاله عنها؛ حتى لا يكون بينهما اتصال؛ كالطهارة، فلو كان الإحرام شرطا، لصح انفصاله عنها. قيل: وهذا أيضا ضعيف؛ فقد يكون الشرط لا يفارق الصلاة؛ كستر العورة، واستقبال القبلة. واحتج من بقال: إنها شرط بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، والفاء للتعقيب، والذكر: التكبير (٣)، والصلاة معطوفة عليه بالفاء، فهو غيه. والجواب عن ذلك: أنه ليس المراد بالذكر هنا تكبيرة الإحرام بالإجماع، قبل خلاف المخالف، كذا نقله بعض المتأخرين، وإن كان

стр. 878

الزمخشري بدأ به، فقال: فصلى صلاة العيد، وذكر اسم ربه، فكبر تكبيرة الافتتاح، وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة؛ لأن الصلاة معطوفة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه . ثم قال: عن ابن عباس: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه، فصلى له،. وعن الضحاك: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى: ١٥]: في طريق المصلى، فصلى صلاة العيد، انتهى (١). قال غيره: ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا النية. وبالجملة: فالآية خارجة عن النصوصية على ما ادعوه، وإذا تطرق إليها الاحتمال، سقط بها الاتدلال. احتجوا -أيضا- بقوله ﵊: «تحريمها التكبير» (٢)، والمضاف غير المضاف إليه. والجواب: أنه قد يضاف البعض إلى الدجملة؛ طكا تقول: رأس زيد، فلا حجة فيه (٣)، مع أن في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تكلم الناس فيه من جهة حفظه خاصة (٤)، وقد قال فيه الترمذي:

стр. 879

صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من جهة حفظه (١). احتجوا -أيضا (٢) - بالقياس، فقالوا: (ذكر) لم يتعقبه جزء من الصلاة، فلا يكون منها؛ كالخطبة. قلنا (٣): يقابله: عبادة افتتحت بالكبير، وليس (٤) منها؛ كالأذان، وقياسنا أخص، ويكفي في الرد عليهم حديث معاوية بن الحكم السلمي، لما فسر له النبي ﷺ الصلاة، فقال: (إنما هو التكبير والسبيح وقراءة القرآن» (٥)، فجعل التكبير منها. وإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء هل تنعقد الصلاة بالنية بغير لفظ، أو لا تنعقد إلا باللفظ؟ فروى ابن المنذر عن ابن شهاب: أنه قال في رجل نوى الصلاة، ورفع يديه، ولم يحرم: إن الصلاة تجزئه. وقال بعض الناس: إن ابن شهاب، وابن المسيب يريان تكبيرة الإحرام سنة، وأنكر ذلك عنهما آخرون، وقالوا: إنهما يريانها سنة في

стр. 880

حق المأموم خاصة. قال الإمام -وإليه أشار ابن المواز-: إذ قال: ويلم يختلف في الفذ والإمام، وإنما اختلف في المأموم، قال بعض أصحابنا: ووجه القول بأنه لا يشترط لفظ في انعقاد الصلاة: القياس على الحج والعمرة، وهو ضعيف؛ إذ إنما يتعمل القياس في مسكوت عنه، وقد وردت الأوامر من الرسول ﵊ بالتكبير. وقال بقية العلماء: لا تنعقد الصلاة إلا بلفظ، ثم اختلفوا بعد ذلك على أربعة أقوال: الأول: أنها لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر، وهو قول مالك، وأحمد. والقول الثاني: أنها تنعقد -أيضا- بقوله: الله أكبر، ولا تنعقد بغيرهما، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وداود، وإسحاق. القول الثالث: أنها لا تنعقد إلا بالتكبير، كيفما كان التكبير، فلو قال: الله الكبير، انعقدت، وهو قول أبي يوسف. والقول الرابغع: تنعقد بذكر كل اسم لله تعالى على وجه التعظيم؛ كقوله: الله أعظم، والله عظيم، أو جليل، وكذلك: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، وهو قول أبي حنيفة، فإن قال: الله، أو الرحمن، من غير قصد، فعنه: فيه روايتان لأبي الحسن بن زياد: أنها تنعقد بذلك.
следующие страницы →