← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وكان شيخنا عبد الحميد يرى أن فائدة الخلاف في ذلك ما ذكره سحنون: أن المأموم (١) النتاظر إلى عورة إمامه في الصلاة متعمدا تبطل صلاته، فإذا قيل: إن تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة، بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه في حين إحرامه، وإن قيل: ليست من نفس الصلاة، لم تبطل. قال الإمام: والذي عندي: أن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على وقت العبادة إن كان شرطا، وعدم صحة تقديمه إن كان ركنا، إذ لا يشترط في إيقاع شرط العبادة المؤقتة دخول الوقت؛ كالطهارة، انتهى (٢). وقال بعض متأخري الشافعية: تظهر فائدة الخلاف فيما لو كبر وفي يده نجاسة، فلأقاها في أثناء التكبير، أو شرع في التكبير قبل ظهور زوال الشمس، ثم ظهر الزوال قبل فراغها، فلا تصح صلاته عندنا في الصورتين، وتصح عنده؛ كستر العورة (٣). ثم قال الإمام: ودليل كونها جزءا من الصلاة: حديث الأعرابي، لما قال: يا رسول الله! علمني؛ أي: علمني (٤) الصلاة، فأنمره بالتكبير (٥)،

стр. 877

وكل ما ذكره له في تعليمه هو من نفس الصلاة. قال غيره: وفي هذا (١) الاستدلال بهذا الحديث نظر؛ فإن في لفظ الحديث الذي ذكره أشياء ليست من نفس الصلاة، بل من شروطها، فإنه قال: «إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر» (٢). قال الإمام: وأيضا: فإن شرط العبادة يصح انفصاله عنها؛ حتى لا يكون بينهما اتصال؛ كالطهارة، فلو كان الإحرام شرطا، لصح انفصاله عنها. قيل: وهذا أيضا ضعيف؛ فقد يكون الشرط لا يفارق الصلاة؛ كستر العورة، واستقبال القبلة. واحتج من بقال: إنها شرط بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، والفاء للتعقيب، والذكر: التكبير (٣)، والصلاة معطوفة عليه بالفاء، فهو غيه. والجواب عن ذلك: أنه ليس المراد بالذكر هنا تكبيرة الإحرام بالإجماع، قبل خلاف المخالف، كذا نقله بعض المتأخرين، وإن كان

стр. 878

الزمخشري بدأ به، فقال: فصلى صلاة العيد، وذكر اسم ربه، فكبر تكبيرة الافتتاح، وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة؛ لأن الصلاة معطوفة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه . ثم قال: عن ابن عباس: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه، فصلى له،. وعن الضحاك: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى: ١٥]: في طريق المصلى، فصلى صلاة العيد، انتهى (١). قال غيره: ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا النية. وبالجملة: فالآية خارجة عن النصوصية على ما ادعوه، وإذا تطرق إليها الاحتمال، سقط بها الاتدلال. احتجوا -أيضا- بقوله ﵊: «تحريمها التكبير» (٢)، والمضاف غير المضاف إليه. والجواب: أنه قد يضاف البعض إلى الدجملة؛ طكا تقول: رأس زيد، فلا حجة فيه (٣)، مع أن في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تكلم الناس فيه من جهة حفظه خاصة (٤)، وقد قال فيه الترمذي:

стр. 879

صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من جهة حفظه (١). احتجوا -أيضا (٢) - بالقياس، فقالوا: (ذكر) لم يتعقبه جزء من الصلاة، فلا يكون منها؛ كالخطبة. قلنا (٣): يقابله: عبادة افتتحت بالكبير، وليس (٤) منها؛ كالأذان، وقياسنا أخص، ويكفي في الرد عليهم حديث معاوية بن الحكم السلمي، لما فسر له النبي ﷺ الصلاة، فقال: (إنما هو التكبير والسبيح وقراءة القرآن» (٥)، فجعل التكبير منها. وإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء هل تنعقد الصلاة بالنية بغير لفظ، أو لا تنعقد إلا باللفظ؟ فروى ابن المنذر عن ابن شهاب: أنه قال في رجل نوى الصلاة، ورفع يديه، ولم يحرم: إن الصلاة تجزئه. وقال بعض الناس: إن ابن شهاب، وابن المسيب يريان تكبيرة الإحرام سنة، وأنكر ذلك عنهما آخرون، وقالوا: إنهما يريانها سنة في

стр. 880

حق المأموم خاصة. قال الإمام -وإليه أشار ابن المواز-: إذ قال: ويلم يختلف في الفذ والإمام، وإنما اختلف في المأموم، قال بعض أصحابنا: ووجه القول بأنه لا يشترط لفظ في انعقاد الصلاة: القياس على الحج والعمرة، وهو ضعيف؛ إذ إنما يتعمل القياس في مسكوت عنه، وقد وردت الأوامر من الرسول ﵊ بالتكبير. وقال بقية العلماء: لا تنعقد الصلاة إلا بلفظ، ثم اختلفوا بعد ذلك على أربعة أقوال: الأول: أنها لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر، وهو قول مالك، وأحمد. والقول الثاني: أنها تنعقد -أيضا- بقوله: الله أكبر، ولا تنعقد بغيرهما، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وداود، وإسحاق. القول الثالث: أنها لا تنعقد إلا بالتكبير، كيفما كان التكبير، فلو قال: الله الكبير، انعقدت، وهو قول أبي يوسف. والقول الرابغع: تنعقد بذكر كل اسم لله تعالى على وجه التعظيم؛ كقوله: الله أعظم، والله عظيم، أو جليل، وكذلك: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، وهو قول أبي حنيفة، فإن قال: الله، أو الرحمن، من غير قصد، فعنه: فيه روايتان لأبي الحسن بن زياد: أنها تنعقد بذلك.

стр. 881

وظاهر رواية الأول: أنه لا بد من صفة، فإن ذكر اسم الله -تعالى- على وجه النداء؛ كقوله: يا الله! وكذلك قوله: أستغفر الله، لم تنعقد، وبهذا قال النخعي، والحكم بن عتيبة. وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أنه قال: أكره أن تنعقد الصلاة بغير: الله أكبر. قال صاحب «البيان والتقريب»: دليل وجوب التكبير، واقتصار الانعقاد عليه: قول رسول الله ﷺ ، وفعله، وفعل أصحابه، ومن بعدهم من سائ السلف ﵃. فأما قوله ﵊ فيما (١) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة: أن رجلا دخل المسجد، فصلى، ثم جاء (٢) فسلم على النبي ﷺ ، فرد ﵇، فقال: «ارجع فصل، فإنك لم تصل»، فصلى (٣) ثم جاء، ففعل ذلك ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق! لا أحسن غير هذا، فعلمني، فقال ﵊: «إذا قمت إلى الصلاة»، ققال البخاري ومسلم: «فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبره ..»، الحديث (٤)، فقد (٥) أمره بالتكبير، وظاهر

стр. 882

الأمر الوجوب، ولا سيما في موضع التعليم. وكذلك ما رواه الترمذي، وأبو داود عن علي ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، قال أبو عيسى: هذا أصح شيء في هذا الباب، وأحسن. وفي الباب: ععن جابر، وأبي سعيد (١). قال الإمام أبو المعالي: لفظ هذا الحديث يتضمن لغةً حصرَ التحريم والتحليل في التكبر والتسليم. قال: وليس هذا من قبيل المفهوم؛ لئلا يقول أصحاب أبي حنيفة: هذا من المفهوم، ونحن لا نقول به، بل لغة العرب تقتضي أن يكون ترتيب الكلام: التكبير تحريمها، ولو قال كذلك، لم يلزم انحصار التحريم في التكبير، فلما قدم ما ينبغي تأخيره، علم قطعا أن ذلك لقصد (٢) الحصر. قال: وهذا بمثابة قول القائل: زيد صديقي، فلا يتضمن ذلك حصر الصداقة في زيد، فإذا قال (٣): صديقي زيد، تضمن كلامه ذلك، وهذا ما لا يبعد ادعاء إجنماع أهلب البيان فيه. وأما فعل الرسول ﵊، فما رواه البخاري،

стр. 883

ومسلم (١) عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم (٢). وما رواه مسلم عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمدُ لله رب العالمين. قلت: وأفعال الرسول ﵊ في الصلاة محمولة على الوجوب لأمرين: أحدهما: قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). الثاني: أن ذكر الصلاة في القرآن مجمل باعتبار كيفيتها، فيجب تنزيل فعل الرسول ﵊ على البيان، إلا أن يدل دليل خاص في فعل خاص على أنه غير واجب. ودليلنا في تعيين قوله: (الله أكبر) دون ما سواه: العلم، والقيساس: أصحابه، ولا من السلف إلى هلم جرا؛ أنه افتتح الصلاة بغير (الله أكبر)، والصلاة عبادة افتتحت على وجه، فالأصل أنها لا تصح بغيره، مع أنها لا يعقل معناها.

стр. 884

قال المازري: ونكتة المسألة: أنها عبادة غير معقولة المعنى، ولا تبلغ أفهام البشر مدلول وجهه (١) اختصاصها بوجوهها، فالواجب التسليم والاتباع. وأما القياس: فيمكن أن يقال: أحد أركان الصلاة، فيتعين فيه ما ورد؛ قياسا على الركوع، والسجود، انتهى. وأما قول الشافعي - رحمه الله تعالى-: إنها تنعقد بقوله: (الله الأكر)، فقد تقدم الكلام عليه قريبا في حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، الحديث. الثالث: لو أخل بحرف واحد من التكبير، لم تصح صلاته، بلا خلاف؛ لأنه ليس بتكبير. وانظر لو قال: الله أكبرٌ -بالتنويون-، أو أكبرَ -بالنصب-، أو قدم الخبر، فقال: أكبر الله، فإنه لم يتحرر لي (٢) الآن فيها نقل. أما لو مد الهمزة في تكبير الإحرام، حتى صار الكلام بصورة استفهام، فقال صاحب «البيان والتقريب»: لم أر لأصحابنا فيها نصا، والقياس: أنها لا تجزئه؛ إذ لم يأت بالتكبير اللغوي، وقال ابن الصباغ. قلت: وكذلك ينبغي أن لا تجزئه إذا نون أكبر، أو نصبه (٣)؛ إذ لم يأت بالتكبير اللغوي على هذا.

стр. 885

أما لو كان بلسان المصلي خبل، فإنه يحركه بالتكبير على قدر ما يمكنه، وسواء فيه الأخرس المقطوع اللسان، ومن بلسانه عارض؛ وهكذا في التشهد، والذكر في الصلاة، يكون عليه النطق بذلك، والنطق يتضمن الحركة، وإذا عجز عن النطق، أتى بما يمكنه من الحركة؛ هكذا ذكره (١) ابن الصباغ أيضا، ولم أر هذا الفرع لأصحابنا. وأما من لا يحسن التكبير بالعربية: فيجب عليه أن يتعلم، فإن ضاق الوقت عن التعلم، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا ينطق بغير التكبير؛ إذ لا يقوم غيره مقامه، ومقتضاه: أن يدخل في الصلاة بالنية فقط؛ وهذا قول الأبهري، وصوبه المازري. والقول الثاني: أنه يفتتح الصلاة بالحرف الذي دخل به في الإسلام؛ قال أبو الفرج؛ لأنه الذي يقدر عليه من اللفظ الذي فيه تعظيم لله ، وهو أولى من الاكتفاء بالنية. والقول الثالث: أنه يدخل في الصلاة بلفظ لغة العجم المراد به التكبير؛ قال القاضي عبد الوهاب عن بعض شيوخه، وهو مذهب الشافعي، ووجهه: أنه لا بد من لفظ، وهذا أقرب لفظ يمكن أن يقوم مقام ما عجز عنه من التكبير. وإذا قال أبو حنيفة: إن ذلك يصح من القادر، فالعاجز أولى.

стр. 886

* فائدة: قال صاحب «البيان والتقريب»: اختلف فيمن افتتح الصلاة، ثم شك في صحة إحرامه، فتمادىن ثم تبين أنه كان أحرم، وكذلك من زاد في الصلاة متعمدا، أو ساهيا، ثم تبين له أنه الواجب، ومن سلم شاك في إتمام (١) صلاته، ثم تبين له (٢) أنه أتم، أو شك في طهارته، فتمادى (٣)، ثم تبين أنه متطهر، في جميع ذلك قولان: أحدهما: الإجزاء؛ لانسحاب النية على جميع الصلاة، والشك لا يناقض الاستصحاب؛ كالسهو. والقول الثاني: عدم الإجزاء؛ لأن الجزء المفعول مع الشك لا يجزئ مع النية ذكرا أو حكما؛ لأن الشك يناقض الاستصحاب. الرابع: قولها: «والقراءة بالحمد لله رب العالمين»، هو بضم الدال، كما تقدم على الحكاية. وفيه: دليل لمن يقول: إن البسملة ليست من الفاتحة؛ كما يقوله مالك، وأصحابه، وغيرهم، على ما سيأتي في موضعه (٤) مستوعبا إن شاء الله تعالى.

стр. 887

واحتج من يقول: إنها منها: بأن المعنى: أنه كان يبتدئ القراءة بسورة الحمد، لا بسورة أخرى غيرها، فالمراد: بيان السورة التي كان يبتدئ بها، وهي الفاتحة لا غيرها، وهذا ضعيف جدا؛ لأن هذا الاتجاج إنما كان يجمُل لو كانت الرواية بخفض الدال على الإعراب، وأما على الضم، فهو على الحكاية؛ كما تقدم -أعني: حكاية لفظه ﷺ ، وكأنها قالت: كان يبتدئ الصلاة بهذا اللفظ، وهو الحمد لله رب الغعالمين، وإذا ثبت هذا، تعين أنه ﵊ لم يبتدئ الصلاة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ق: وإن جعل اسما؛ يعني: الحمد (١)، فسورةة الفاتحة لا تسمى بهذا النمجموع؛ أعني: الحمد لله رب العالمين، بل تسمى: بالحمد، فلو كان لفظ الرواية: كان يفتتح بالحمد، لقوي هذا؛ لأنه كان حينئذ يدل على أن الافتتاح بالسورة التي البسملة بعضها عند هذا المتأول لهذا الحديث، انتهى (٢). قلت: قوله: لا تسمى بهذا المجموع؛ فيه نظر، فإن في أبي داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «الحمد لله رب العالمين: أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني» (٣).

стр. 888

وفيها أيضا من حديث سعيد بن المعلى: «الحمد لله رب العالمين: هي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم» (١)، فهذا (٢) ظاهر، أو نص في أن الفاتحة تسمى بهذا المجموع الذي هو: الحمد لله رب العالمين، فلتعلم ذلك، وبالله التوفيق، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى بأشبع من هذا. الخامس: قولها: «وكان (٣) إذا ركع، لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك»، هو بضم الياء من (يشخص)، وماضيه: أشخص؛ أي: رفع؛ أي: لم يرفع رأسه، والأصل: شَخَص الرجل: إذا ارتفع غير متعد (٤)، فلما دخلت عليه همزة النقل، تعدى إلى مفعول واحد، ويقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: شُخِصَ به؛ كأنه ارتفع عن الأرض؛ لقلقه (٥). ومعنى يصبه: ينكسه، ومنه الصيب للمطر، يقال فيه (٦):

стр. 889

صاب يُصَوِّبُ: إذا نظر (١). وقولها: «ولكن بين ذلك»؛ أي: بين الارتفاع والتنكيس. فإن قلت: الأصل في (بين): أن تضاف إلى شيئين فصاعدا؛ كقولك: المال بين زيد وعمرو، أو بين الزيدين، ونحو ذلك، فما بالها جاءت مضافة إلى مفرد، وهو: ذلك؟ قلت: لما كانت الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الإشخاص والتصويب المفهومين (٢) من فعليهما، ساغ فيها ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، لما كانت الإشارة بذلك إلى الفُروضة والبَكارة المفهومين من قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، فأشارت إلى المسنون في الركوع، وهو الاعتدال، واستواء الظهر والعنق (٣). وقولها: «وكان إذا رفع رأسه من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائما» دليل على الرفع (٤) من الركوع، والاعتدال فيه، ولا خلاف أنه مطلوب في الصلاة -أتعني: الرفع-، فلو أخل به، وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم، ولم تجب في رواية علي بن زياد.

стр. 890

وإذا قلنا برواية ابن القاسم، فهل يجب الاعتدال، أم لا؟ روي لابن القاسم فيمن رفع من الركوع أو (١) السجود، ولم يعتدل: أن صلاته تجزئه، ويستغفر الله ، ولا يعود. ولأشهب: أن صلاته غير صحيحة. وقال القاضي عبد الوهاب: الأولى أن يجب من ذلك ما كان إلى القيام أقرب، وحكاه القاضي أبو الحسن عن بع أصحابنا (٢). ثم إذا قلنا بوجوب الاعتدال، فتجب الطمأنينة، وقيل: لا تجب على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وقولها: «وكان إذا رفع رأسه من السجود، لم يسجد حتى يستوي قاعدا» دليل على السجود، والرفع منه، وعلى الاستواء في الجلوس بين السجدتين. وصفة السجود (٣): أن يمكن جبهته وأنفه من الأرض، والكفين والركبتين وأصابع القدمين، ولا يجب كشف الكفين. قال صاحب «الجواهر»: لكن يستحب. وفي إثبات الإجزاء ونفيه -عند الاقتصار من الجبهة والأنف على أحدهما- ثلاثة أقوال: تخصيص الإجزاء في الثالث بالاقتصار على

стр. 891

الجبهة دون الأنف، وهو المشهور عندنا. وأما باقي الأعضاء، فقال سحنون: اختلف أصحابنا إذا لم يرفع يديه عند رفعه للسجدة الثانية؛ فمنهم من قال: لا تصح صلاته؛ لما جاء أن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، ومنهم من ضعف (١) ذلك. وقال القاضي أبو الحسن بن القصار من أصحابنا: يقوى في نفسي: أن السجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة في المذهب، ولو سجد على طرفه، أو كور عمامته؛ كالطاقة والطاقتين، أو طرف كمه لم يمنع الإجزاء، وإن كان ذلك مكروها. ويستحب له (٢) أن يفرق بين ركبتيه ومرفقيه، وجنبه وبطنه وفخذيه، وهو التفريج، ولا تفرج المرأة. واستحب متأخرو أصحابنا أن يسجد (٣) بين كفيه، ولم يحد مالك في ذلك حدا، ثم يفصل بين السجدتين بالرفع؛ فإنه لا يتصور تعدد السجود إلا بالرفع، بخلاف الرفع من الركوع، فإن الركوع غير متعدد، ولذلك لم يختلف في وجوب الرفع من السجود، بخلاف الرفع من الركوع، على ما تقدم. وقد سها من نقل في ذلك خلافا سهوا عظيما؛ لما ذكرنا (٤) من

стр. 892

عدم التعدد عند عدم الرفع. فأما الاعتدال في الرفع من السجود، ففيه من الخلاف ما مضى في الاعتدال في الرفع من الركوع. ويبغي أن يضع يديه قريبا من ركبتيه مستوتي الأصابع، ثم يسجد سجدة أخرى مثلها، ثم يقوم للثانية واضعا يديه على الأرض، ويكبر حين شروعه في الرفع من السجود، وكذلك في جميع تكبيرات الانتقال، سوى تكبيرة القيام من الجلوس؛ فإنه لا يكبر حتى يستقل قائما؛ إذ الشروع في تكبير الانتقال إنما هو في الأركان، ولم ينتقل من ركن إلى ركن فيكبر فيه، هذا مذهبنا، وعليه استمر العمل، وبالله التوفيق (١). وقولها: «وكان يقول في كل ركعتين التحية»: تريد: التشهد كله، وهو من باب إطلاق لفظ (٢) البعض على الكل. وقولها: «وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى»: هو بضم الراء من يفرش، وقد تكسر، والضم أشهر. ق: يسدل به أصحاب أبي حنيفة على اختيار هذه الهيئة في الجلوس من الرجل. ومالك يختار التورك، وهو أن يفضي بوركه اليسرى (٣) إلى الأرض،

стр. 893

وينصب رجله اليمنى. والشافعي يفرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير، ففي الأول: الافتراش، وفي الثاني: التورك، وقد ورد فيه -أيضا- التورك، فجمع الشافعي بين الحديثين، فحمل الافتراش على الأول، وحمل التورك على الثاني، وقد (١) ورد ذلك مفصلا في بعض الأحخاديث، ورجح من جهة المعنى بأملارين ليسا بالقويين: أحدهما: أن المخالفة في الهيئة قد تكون سببا للتذكر عند الشك في كونه في التشهد الأول، أو في التشهد الأخير. والثاني: أن الافتراش هيئة استيفاز، فناسب أن يكون في التشهد الأول؛ لأن المصلي مستوفز للقيام، والتورك هيئة (٢) اطمئنان، فناسب الأخير، والاعتماد على النقل أولى، انتهى (٣). وأما مذهبنا: فالمستحب في صفة الجلوس كله: الأول، والآخر، وبين السجدتين: أن يكون توركا، وهو أن يفضي بوركه اليسرى (٤) إلى الأرض، ويخرج رجليه جميعا من جانبه الأيمن، وينصب قدمه اليمنى وباطن الإبهام إلى الأرض، ويثني اليسرى، ويضع كفيه على فخذيه، ويقبض في الجلوس للتشهد الوسطى والخنصر وما بينهما من اليمنى،

стр. 894

ويمد السبابة، ويضع الإبهام على الوسطى، ويجعل جانب السبابة (١) مما يلي السماء، ويشير بها (٢) عند الذكر للوحدانية، وينصبها فيما وراء ذلك. وقيل: يشير بها دائما تقريرا على نفسه. وقيل: ينصبها دائما من غير تحريك؛ إشارة إلى الوحدانية (٣). وسمعت بعض شيوخنا يقول ما معناه: أن السر في اختصاص السبابة بذلك: أن لها اتصالا بنياط القلب، فكأنها سبب لحضور القلب، أو كلاما ذا معناه. وقولها: «وكان ينهى عن عقبة الشيطان»: هو بضم العين وإسكان القاف، ويروى: «عن عَقِبَة الشيطان» بفتح (٤) العين وكسر القاف، وهو المشهور المعروف الصحيح فيه. وحكى ع: ضم العين فيه، وضعفه (٥). ق: وفسر: بأن يفرش قدميه، ويجلس بأليتيه على عقبيه، وقد يسمى ذلك -أيضا-: الإقعاء، انتهى.

стр. 895

وفسر افتراش السبع: بأن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، والسنة أن يرفعهما (١)، على ما تقدم آنفا في صفة السجود. وقولها: «وكان يختم الصلاة بالتسليم» دليل للجمهور على أبي حنيفة القائل بجواز الخروج من الصلاة بما ينافيها؛ سلاما كان أو حدثا، أو غير ذلك، ولأنه الذي واظب عليه ﷺ ، وهو عندنا متعين لا يقوم غيره مقامه أصلا، ولفظه متعين أيضا، وهو: السلام عليكم، فلو نكر ونون وقال: سلام عليكم، فقال القاضيس أبو محمد، والشيخ أبو محمد بن أبي زيد: لا يجزئه، وقال ابن شبلون (٢): يجزئه. قال ابن يونس: وهذا بين، ولا فرق في هذا بين الإمام والمأموم، ويحمل قول مالك: ولا يجزئ من السلام إلا السلام عبليكم: أنه لا يجزئ فيه تكبير ولا تحميد، فإن لم يحمل على (٣) ذلك، فهو اختلاف قول، انتهى كلامه (٤) (٥).

стр. 896

والقولان أيضا عند الشافعية، قال صاحب «البيان والتقريب»: ومنشأ الخلاف: معارضة قوله ﵊: «وـ (١) تحليلها التسليم»؛ فإنه يتناول هذا اللفظ، ولفعله ﵊ المستمر، وفعل الصحابة، وفعل السلف. والصحيح: أنه لا يجزئ لوجوب الاتباع. وقال من أجاز ذلك من أصحاب الشافعي: إن التنويو في علم العربية يقوم مقام الألف واللام، وهذا ضعيف؛ فإن الصحيح في علم العربية أن التنويو يضاد الألف واللام، ولذلك (٢) لا يجتمعان؛ لأن الألف واللام للتعريف، والتنويو للتنكير، أو من أدلة (٣) التنكير. قال صاحب «الجواهر»: واختلف المتأخرون في استصحاب حكم النية على التسليم، واشتراط تجيد نية للخروج على قولين. قلت: والمشهور: عدم وجوب الاشتراط، وما أظنهم يختلفون في استحباب ذلك، والله أعلم. ومنشأ الخلاف: أنه هل هو جزء من الصلاة، أو لا؟ كالخلاف الذي قدمناه: في أن الإحرام هل هو جزء أو شرط؟ وقد تقدم وجه القولين (٤).

стр. 897

ويسلم كل واحد من الإمام والفذ، ويتيامن قليلا. وأما المأموم، فقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: يسلم عن يمينه، قال الإمام أبو عبد الله: وهكذا ظاهر (١) رواية ابن القاسم. وبالتسليمة الأولى يخرجون من الصلاة، ولا يؤمر الإمام ولا الفذ بزيادة عليها. وروي: أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين، ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإمام منها، ويضيف إليها المأموم اثنتين، على المشهور، أولاهما: يرد بها على إمامه، والثانية: عن يساره إن كان عن يساره أحد في الرواية الأخيرة. وروى أشهب: أنه يبدأ منهما بالتي على اليسار، وهي الرواية المتقدمة. وحكى القاضي أبو محمد التخيير بين مقتضى الروايتين. وقيل: يقتصر على الرد على الإمام فقط، ولو كان مسبوقا، ففي رده على الإمام ومن على يساره روايتان. ح: وشذ بعض الظاهرية والمالكية، فأوجبوا التسليمة الثانية، وهو ضعيف مخالف لإجماع من قبله (٢). قلت: ولم أقف على هذا القول لأحد من المالكية -أععني: وجوب التسليمة الثانية-، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن صلارة من اقتصر

стр. 898

على تسليمة واحدة جائزة (١)، وبالله التوفيق. * * *

стр. 899

الحديث الثالث ٨٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ , وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ؛ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ , وَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ , رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ (١).

стр. 900

* الكم على الحديث من وجوه: الأول: قد تقدم أن المنطب: مجمع عظم العضد والكتف. قال الجوهري: والمناكب أيضا في جناح الطائر أربع بعد القوادم، والمنكب من الأرض: الموضع المرتفع (١). الثاني: اعلم: أن رفع اليدين عندنا من فضائل الصلاة، والنظر فيه يتعلق (٢) بأربعة أطراف: الأول: هل ترفع اليدان (٣) في الصلاة أو لا؟

стр. 901

الثاني: إذا قلنا بالرفع، ففي كم (١) موضع؟ الثالث: في منتهى الرفع. الرابع: في صفة الرفع. الطرف الأول: هل ترفع اليدان في الصلاة أم لا (٢)؟ قال صاحب «البيان والتقريب»: المشهور من مذاهب العلماء مالكٍ وغيره إثبات الرفع في الجملة. وروى ابن شعبان عن مالك: أنه غير مشروع والنهي عنه أصلا، وتأوله بعض أصحابنا على «المدونة» لما ذكر الرفع، وضعفه، وقال في «مختصر ما ليس في المختصر»: لا ترفع اليدان في شيء من الصلاة. قال ابن القاسم: ولم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام، قال: وأحب إلي ترك الرفع عند الإحرام. والدلليل على ثبوته على الجملة: الأخبار الصحيحة في أنه ﵊ رفع يديه كما هو نص هذا الحديث وغيره، ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان من حكمه أن يقرن به عمل؛ كالسلام. وشبهوة النهي: ما روي عن جابر بن سمرة: كنا نرفع أيدنا في الصلاة، فمر بنا رسول الله ﷺ فقال: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ؟! اسكنوا في الصلاة» (٣).

стр. 902

قلت: والاستدلال على ترك الرفع بهذا الحديث ضعيف؛ لأنه ﵊ لم ينكر مطلق الرفع، وإنكما أنكر كثرة تحريك (١) الأيدي، واضطرابها، وعدم استقرارها، ويفهم ذلك من تشبيهه بأذناب الخيل الشمس، وهي التي لا تكاد تستقر؛ هكذا فسره ابن فارس في «مجمله» (٢)، ومن قوله أيضا: «اسكنوا في الصلاة». بل قد قال بعض متأخري الشافعية: إن المراد بالرفع المنهي عنه هنا: رفعهم أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين؛ كما صرح به في الرواية الأخرى (٣). الطرف الثاني: في مواضعه: قال اللخمي: فيه خمسة أقوال، عن مالك من ذلك ثلاث روايات: الأولى: ما ذكره في «المدونة»: يرفع مرة واحدة عند الإحرام، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف. والرواية الثانية: يرفع في موضعين: واحدة (٤) عند الإحرام؛ وعند الرفع من الركوع؛ رواها ابن عبد الحكم عنه. والرواية الثالثة: ما قاله في سماع ابن وهب: يرفع في ثلاثة مواضع: في الإحرام، وفي الركوع، وفي الرفع منه؛ وهو مذهب الشافعي.

стр. 903

والقول الرابع: قول ابن وهب: يرفع إذا قام من اثنتين. قال اللخمي: وهو أحسن أن يرفع في المواضع الأربعوة؛ لحديث ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا قام إلى الصلاة حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يركع، وحين يرفع من الركوع. أخرجه البخاري، ومسلم، و [مالك في] «الموطأ» (١). وزاد البخاري عن ابن عمر: أنه كان يرفع إذا قام من اثنتين، ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٢). والقول الخامس: أنه لا يرفع مطلقا، وقد تقدم (٣). قال صاحب «البيان والتقريب»: ووجه ما اختاره في «المدونة» ما رواه الترمذي، والنسائي، عن عبد الله بن مسعود: أنه قال: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة (٤). قال أبو عيسى: وفي الباب: عن البراء بن عازب.

стр. 904

وروى مسلم، وأبو داود عن ابن جريج (١)، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، ثم كبر (٢). وروى علي ﵁، عن النبي ﷺ : أنه كان يرفع في ابتداء الصلاة، ثم لا يعود. وقد قيل: إنه موقوف على علي ﵁ (٣). وروى البراء: أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة، رفع يديه إلى قرب أذنيه، ثم لا يعود (٤).

стр. 905

وأجيب عنه: بأن ابن عيينة قالت: حدثنا يزيد بن أبي زياد، ولم يذكر فيه: «ثم لا يعود» (١). وقال الحميدي وغيره: يزيد (٢) بن أبي زياد ساء حفظه في آخر عمره، واختلط (٣). وقال ابن مسعود: إن النبي ﷺ كان يرفع يديه في ابتداء الصلاة، ثم لا يعود. وروي عن ابن عمر، وابن عباس موقوفا عليهما، ومرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواضع: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الأعياد، وتكبيرة القنوت، وذكر أربعة في الحج» (٤). وعن ابن عباس: أن العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة ما كانوا

стр. 906

يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة (١). ولأن ما عدا تكبيرة الإحرام تكبير عن الانتقال من حال إلى حال، فلا رفع؛ فالانتقال من الجلوس إلى السجود. وتوجيه باقي هذه (٢) الأقوال مصدرها في كتب الفقه، وإنما خصصنا هذا القول بالتوجيه دون ما عداه؛ لأنه المشهور من مذهبنا، والله أعلم. الطرف الثالث: في منتهى الرفع، وفيه ثلاثة أقوال: قيل: حذو الصدر، وقيل: حذو الأذنين، والمشهور عند مالك والشافعي: حذو المنكبين. وروى أشهب عن مالك: حذو الصدر. وقال أبو حنيفة: حذو الأذنين. واختلفت الأحاديث على حسب اختلاف الروايات، فقال بعض المحدثين: هو بالخيار بين أن يرفع حذو منكبيه، أو حذو أذنيه. قال المازري: وقال بعض أشياخي: مجنمل اختلاف الأحاديث على التوسعة، أَيَّ ذلك أحب فعله. وفي حديث عمر الذي قدمناه: حذو المنكبين. وروى أبو حميد في عشرة من الصحابة ﵃ أحدهم: أبو قتادة:

стр. 907

أنه ﵊ كان إذا قام، اعتدل قائما، رفع يديه حتى يحاذي منكبيه. وروى مالك بن الحويرث، ووائل بن حُج﴾ ر: أنه ﵊ رفع يديه حذو أذنيه (١). وقد جمع بعض المتأخرين من أصحابنا بين معاني هذه الأحاديث، فقال: كان يحاذي بكفيه (٢) منكبيه، وبأطراف (٣) أصابعه أذنيه، فيكون مراد أحدهما بالمحاذاة غير مراد الآخر. قال الإمام أبو عبد الله: وإن استعملنا الترجحيح من حيث الإسناد، قلنا: ابن شهاب، عن سالم، أصح من قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث. وقال بعضهم: اختلفت الرواة عن مالك، ووائل بن حجر، فروي عنهما -أيضا-: حذو منكبيه، فإما أن تتعارض الروايتان فتسقطان (٤)، وتبقى الرواية التي لا اختلاف فيها (٥)، وفي ذلك خلاف بين أهل الأصول، كلا القولين (٦) مؤد إلى مطلوبنا.

стр. 908

الطرف الرابع: في صفة الرفع: قال الباجي: الذي عليه شيوخنا العراقيسون: أن تكون يداه قائمتين تحاذي كفاه منكبيه، وأصابعه أذنيه. وروى سحنون: أنهما تكونان مبسوطتين ظهورهما إلى السماء، وبطونهما إلى الأرض. قال: والأول عندي أولى؛ لأنا (١) نتمكن بذلك من الجمع بين الحديثين، ولأنه أبعد عن التكلف (٢)، وأيسر في الرفع (٣). وقال الإمام أبو عبد الله: وحكى بعض المتأخرين اختيار إقامة الكف مع ضم الأصابع؛ لأنه زعم أن هذا الشكل فيه معنى من حال الرهبة، وهي ما اختار سحنون، وفيه معنى من حال الرغبة، وهي الإشارة بالكف نحو السماء، والأمر في هذا أقرب. قال: وإلى اختيار أشياخي أميل، والله أعلم. فائدة: قال بعض المتأخرين: لم يشتغل مشاهير الأئمة (٤) بإبداء معنى معقول للرفع (٥). قال الإمام أبو غبد الله: قال بعض أشياخي: القصد به إشعار النفس،

стр. 909

واستعظام ما يدخل فيه، وكثيرا ما يجري للناس مثل ذلك عند مفاجأة أم يستعظمه، فيرفع يديه كالفزع منه، والمسهول له. فقال بعض الخراسانيين: إن رفع اليدين للسؤال (١)، إنما يكون إذا اختلف مكان السائل (٢) من المسؤول، وتباين متقراهما، والباري -سبحانه- لا مكان له، ولا مستقر، فإن هذه الحركة عند الافتتاح تسكين لوحشة النفوس من سؤال من ليس في مكان، وبسط لها في التضرع والسؤال؛ إذا (٣) تحرك البدن بالرحكات التي تألفها النفس عند سؤال من ارتفع قدره، وعظم شأنه. وقال بعض الصوفية: القصد بذلك: إشعار النفس نبذ أمور الدنيا وراء ظهره؛ لتستقبل النفس طلب ما عند الله. قال صاحب «البيان والتقريب»: فهذا إنما يستقيم على أن تكون اليدان قائمتين، لا على ما قال سحنون. ثم قال الإمام: وهذه الأجوبة دائرة كلها على أن القصد: الإشعار للنفس بأمر ما، وهي معاني تروق الذهن، فإن صحت، وثبت أن قصد الشريعة ذلك، فذكرها هنا للتنبيه على محاسن الشرع. ع: وقيل: بل ذلك علم للتكبير؛ ليراه من قرب ومن بعد. وقيل: ذلك من تمام القيام.

стр. 910

وقيل: بل علامة للتذلل والاستسلام (١). فائدة أخرى: في كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة: تكبيرة الإحرام، وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية: سبع عشرة تكبيرة وهي: تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية: ثنتان وعشرون، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرة. الثالث: قوله: «حذو منكبيه» دليل لمالك والشافعي؛ إذ ذلك مذهبهما كما تقدم. الرابع: قوله: «وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»: اعلم: أنه قد اختلف في هذه المسألة في موضعين: أحدهما: أن الإمام إذا قال: سمع الله لمن حمده، هل يقول معها: ربنا ولك الحمد، أو يقتصر على الأول (٢)؟ قال الشافعي: يقوله. وهو مذهب عطاء، وابن سيرين، وإسحاق بن راهويه. وقاله من أصحابنا: عيسى بن دينار، وابن نافع، وإن كان ع في «الإكمال» خطأ من تأول عليهما ذلك، فلينظر هناك (٣).

стр. 911

وقال مالك: لا يزيد الإمام على «سمع الله لمن حمده»، وهو مذهب أبي حنيفة، ودليله أمران: أحدهما: الحديث الذي رواه في «الموطأ»، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه» (١)؛ فقد خص الإمام بلفظ، وخص المأموم بلفظ، فلا يقل واحد منهما سواه. الأمر الثاني: أنه انتقال من ركن إلى ركن، فينبغي أن يكون ذكرا واحدا في حق الإمام؛ كالذكر في القيام من السجود، وأيضا: فإن قول الإمام: «سمع الله لمن حمده»: هو في معنى الدعاء، فكأنه يقول: الله اسمع لمن حمدك (٢)، فيقول المأموم: «ربنا ولك الحمد»؛ كالداعي والمؤمن، هكذا ذكره الشيخ أبو إسحاق. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: الأظهر عندي: أن يكون قول الإمام: «سمع الله لمن حمده» في معنى التغريب في الحمد، فالإمام مرغب، والمأموم راغب (٣).

стр. 912

وحجة الشافعي حديث ابن عمر هذا، وقد قال ﵊ «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١)، وهذا عام. الموضع الثاني: أن المأموم هل يقول: مع «ربنا ولك الحمد»: «سمع الله لمن حمده»؟. فقال الشافعي: يقولها. وبه قال عطاء، وابن سيبرين، وإسحاق بن راهويه. وقال مالك: لا يقول المأموم إلا «ربنا ولك الحمد». وبه قال: أبو حنيفة؛ كما لا يقول الإمام: إلا «سمع الله لمن حمده»، واختاره ابن المنذر. وقال مالك -أيضا- في «مختصر ما ليس في المختصر»: للمأموم أن يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، وحجة مالك في القول الأول -وهو المشهور المعروف- ما قدمناه. واحتج الشافعي في هذا: بأن الحديث المتقدم يدل على أن الإمام يقولهما، وما يسن للإمام في الانتقال من ركن إلى ركن، يسن للمأموم كسائر الأركان (٢). قال الطحاوي: خالف الشافعي في ذلك الإجماع. قال ابن الصباغ: وليس بصحيح؛ فقد حكينا من قاله بقوله، فبطل مقاله.

стр. 913

تذنيب: قال القاضي أبو الوليد: اختلف العلماء في صفة ما يقوله المأموم، واختلفت (١) الآثار فيه، فروي في حديث: «اللهم ربنا لك الحمد» بزيادة: اللهم، ونقصان الواو من قولك: «ولك الحمد». وفي حديث عائشة، وأنس: «ربنا ولك الحمد». وفي حديث سعيد، عن أبي هريرة: «اللهم ربنا ولك الحمد». وروي عن مالك أنه كان يقول: لك الحمد، واختاره ابن القاسم. وروي عنه: أنه كان يقول: «اللهم ربنا لك الحمد»، واختاره أشهب. ووجه ما اختاره ابن القاسم: أن سعيد بن أبي سعيد قد رواه، وهو ثقة، والزيادة من العدل مقبولة. ومن جهة المعنى: أنه زيادة في لفظ ذكر، ولأن فيها زيادة معنى في تمجيد الله ، والثناء عليه؛ لأن معناه: لك الثناء، ولك الحمد؛ لأن الأصل أن الواو للعطف، ولا بد للمعطوف من معطوف عليه لفظا، أو تقديرا، وهذا التقدير هو الذي يقتضيه المعنى. ووجه ما اختاره أشهب: أنه بنى على أن الواو زائدة، والزائد لا يفيد معنى، فكان حذفها أولى (٢). وقال الشافعي: المأموم بالخيار، إن شاء قال: ٠ «ولك الحمد»،

стр. 914

وإن شاء قال: «لك الحمد» بغير واو؛ لورود الفظين في حديثين، وقد تقدم شيء من هذا، فزدناه وضوحا، والله أعلم. الخامس: قوله: «وكان لا يفعل ذلك في السجود»؛ أي: لا يرفع حينئذ. ق: وكأنه يريد بذلك: عند ابتداء السجود، أو عند الرفع [منه]، وحمله على الابتداء أقرب. وأكثر الفقهاء على القول بهذا الحديث، وأنه لا يسن رفع اليدين عند السجود، خالف بعضهم في ذلك، وقال يرفع؛ لحديث ورد فيه. قال: وهذا مقتضى ما ذكرناه من القاعدة، وهو القول بإثبات الزيادة، وتقديمها على من نفاها، أو سكت عنها. والذين تركوا الرفع من السجود سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك الرفع من السجود، والترجيح إنما يكون عند التعارض، [ولا تعارض] بين رواية من أثبت الزيادة، وبين من نفاها، أو سكت عنها، إلا أن يكون النفي والإثبات منحصرين في جهة واحدة، فإن ادعى ذلك في حديث ابن عمر والحديث الآخر، وثبت اتحاد الوقتين، فذاك، انتهى (١). قلت: وهذا تنبيه حسن، والله أعلم. * * *

стр. 915

الحديث الرابع ٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ -، وَالْيَدَيْنِ , وَالرُّكْبَتَيْنِ , وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (١).
следующие страницы →