← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقال مالك: لا يزيد الإمام على «سمع الله لمن حمده»، وهو مذهب أبي حنيفة، ودليله أمران: أحدهما: الحديث الذي رواه في «الموطأ»، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه» (١)؛ فقد خص الإمام بلفظ، وخص المأموم بلفظ، فلا يقل واحد منهما سواه. الأمر الثاني: أنه انتقال من ركن إلى ركن، فينبغي أن يكون ذكرا واحدا في حق الإمام؛ كالذكر في القيام من السجود، وأيضا: فإن قول الإمام: «سمع الله لمن حمده»: هو في معنى الدعاء، فكأنه يقول: الله اسمع لمن حمدك (٢)، فيقول المأموم: «ربنا ولك الحمد»؛ كالداعي والمؤمن، هكذا ذكره الشيخ أبو إسحاق. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: الأظهر عندي: أن يكون قول الإمام: «سمع الله لمن حمده» في معنى التغريب في الحمد، فالإمام مرغب، والمأموم راغب (٣).

стр. 912

وحجة الشافعي حديث ابن عمر هذا، وقد قال ﵊ «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١)، وهذا عام. الموضع الثاني: أن المأموم هل يقول: مع «ربنا ولك الحمد»: «سمع الله لمن حمده»؟. فقال الشافعي: يقولها. وبه قال عطاء، وابن سيبرين، وإسحاق بن راهويه. وقال مالك: لا يقول المأموم إلا «ربنا ولك الحمد». وبه قال: أبو حنيفة؛ كما لا يقول الإمام: إلا «سمع الله لمن حمده»، واختاره ابن المنذر. وقال مالك -أيضا- في «مختصر ما ليس في المختصر»: للمأموم أن يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، وحجة مالك في القول الأول -وهو المشهور المعروف- ما قدمناه. واحتج الشافعي في هذا: بأن الحديث المتقدم يدل على أن الإمام يقولهما، وما يسن للإمام في الانتقال من ركن إلى ركن، يسن للمأموم كسائر الأركان (٢). قال الطحاوي: خالف الشافعي في ذلك الإجماع. قال ابن الصباغ: وليس بصحيح؛ فقد حكينا من قاله بقوله، فبطل مقاله.

стр. 913

تذنيب: قال القاضي أبو الوليد: اختلف العلماء في صفة ما يقوله المأموم، واختلفت (١) الآثار فيه، فروي في حديث: «اللهم ربنا لك الحمد» بزيادة: اللهم، ونقصان الواو من قولك: «ولك الحمد». وفي حديث عائشة، وأنس: «ربنا ولك الحمد». وفي حديث سعيد، عن أبي هريرة: «اللهم ربنا ولك الحمد». وروي عن مالك أنه كان يقول: لك الحمد، واختاره ابن القاسم. وروي عنه: أنه كان يقول: «اللهم ربنا لك الحمد»، واختاره أشهب. ووجه ما اختاره ابن القاسم: أن سعيد بن أبي سعيد قد رواه، وهو ثقة، والزيادة من العدل مقبولة. ومن جهة المعنى: أنه زيادة في لفظ ذكر، ولأن فيها زيادة معنى في تمجيد الله ، والثناء عليه؛ لأن معناه: لك الثناء، ولك الحمد؛ لأن الأصل أن الواو للعطف، ولا بد للمعطوف من معطوف عليه لفظا، أو تقديرا، وهذا التقدير هو الذي يقتضيه المعنى. ووجه ما اختاره أشهب: أنه بنى على أن الواو زائدة، والزائد لا يفيد معنى، فكان حذفها أولى (٢). وقال الشافعي: المأموم بالخيار، إن شاء قال: ٠ «ولك الحمد»،

стр. 914

وإن شاء قال: «لك الحمد» بغير واو؛ لورود الفظين في حديثين، وقد تقدم شيء من هذا، فزدناه وضوحا، والله أعلم. الخامس: قوله: «وكان لا يفعل ذلك في السجود»؛ أي: لا يرفع حينئذ. ق: وكأنه يريد بذلك: عند ابتداء السجود، أو عند الرفع [منه]، وحمله على الابتداء أقرب. وأكثر الفقهاء على القول بهذا الحديث، وأنه لا يسن رفع اليدين عند السجود، خالف بعضهم في ذلك، وقال يرفع؛ لحديث ورد فيه. قال: وهذا مقتضى ما ذكرناه من القاعدة، وهو القول بإثبات الزيادة، وتقديمها على من نفاها، أو سكت عنها. والذين تركوا الرفع من السجود سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك الرفع من السجود، والترجيح إنما يكون عند التعارض، [ولا تعارض] بين رواية من أثبت الزيادة، وبين من نفاها، أو سكت عنها، إلا أن يكون النفي والإثبات منحصرين في جهة واحدة، فإن ادعى ذلك في حديث ابن عمر والحديث الآخر، وثبت اتحاد الوقتين، فذاك، انتهى (١). قلت: وهذا تنبيه حسن، والله أعلم. * * *

стр. 915

الحديث الرابع ٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ -، وَالْيَدَيْنِ , وَالرُّكْبَتَيْنِ , وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (١).

стр. 916

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الأصل: أمرت بأن أسجد، ولكن حذف حرف الجر من (أَنَّ) وـ (أن) قياس مطرد، وليس هذا (١) من باب قوله: أمرتك الخيرَ، البيتَ (٢)، فاعرفه. وتسميته ﵊ كل واحد من هذه الأعضاء عظما، وإن كان كل واحد منها يشتمل على عظام، من باب تسمية الجملة باسم بعضها (٣).

стр. 917

وقوله: «على الجبهة» إلى آخره، وـ (١) هو من بدل التقسيم؛ كقولك: مررت برجال: زيد، وعمرو، وبكر. وأما إشارته ﵊ إلى الأنف دون الجبهة بعد ذكرها، فقيل: لأنهما جعلا كعضو واحد، فنبه بالإشارة إلى ذلك، وهذا المعنى يقوي قول من يوجب السجود على الأنف مع الجبهة، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك قريبا، لكن في بعض طرق هذا الحديث الجبهة والأنف معا، وأصل العطف المغايرة، وذلك يضعف دليل الوجوب. الثاني: المراد باليدين هنا: الكفان، فهو (٢) أيضا من باب تسمية الجملة ببعضها؛ إذ لو لم يحمل على ذلك، للزم منه ارتكاب ما نهي عنه من افتراش الكلب أو السبع. ولم أر لأصحابنا تقييدا فيما يجب عليه السجود من اليدين، أو يندب على القول الآخر، أعني: قول من يقول: إن السجود على ما عدا الجبهة سنة لا فرض. ونقل ق (٣) عن بع مصنفي الشافعية: أن المراد: الراحة، أو الأصابع، ولا يشترط الجمع بينهما، بل يكفي أحدهما، ولو سجد

стр. 918

على ظهر الكف، لم يجزه، قال: هذا معنى ما قال (١). قلت: وقد تقدم قريبا في حديث عائشة ﵂ الكلام على صفة السجود مبينا مستوعبا، بما يغني عن الإعادة، لكن يزاد هنا أن يعلم: أن الشافعي لم يتردد قوله في أن الواجب في السجود الجبهة دون الأنف، واختلف قوله في الركبتين، واليدين، والقدمين (٢)، وظاهر هذا الحديث يدل على الوجوب، وإن كان قد رحج بعض أصحابه عدم الوجوب (٣). وقال أبو حنيفة: إن سجد على أنفه وحده، كفاه (٤)، وقد تقدم أنه أحد الأقوال عندنا. فائدة: الجبهة: هي ما أصاب السجود من الأرض، والجبينان: ما أحاط بها من (٥) عن يمين وشمال (٦)، والخطوط التي في الجبهة هي الأَسِرَّة والغُضُون، الواحد: غُضْن (٧)، وَسِرَر على غير قياس (٨).

стр. 919

والأنف يقال له -أيضا-: العِرْنِين، والمَعْطِس، وفيه المَنْخِران، وهما الخَرْقان، الذان يخرج منهما النفس، والحاجز بينهما يسمى (١): الوَتَرَة، وفي الأنف القصبة، وهو العظم الشديد الذي ينتهي إلى المارِن، والمارِن: ما لان من الأنف، إذا عطفته، تبين، والأرنبة: طرف الأنف، والله أعلم (٢). * *

стр. 920

الحديث الخامس ٨٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ , ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُعِ, ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ , ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاتِهِ كُلِّهَا , حَتَّى يَقْضِيَهَا , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ اثْنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ (١).

стр. 921

* الكلام على هذا (١) الحديث من وجوه: الأول: فيه مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، ما عدا الرفع من الركوع. ع: هذا الأمر الثابت من فعله ﵊، والذي استقر عليه عمل المسلمين، وأطبقوا (٢) عليه. وقد (٣) كان بعض السلف يقول: لا تكبير (٤) في الصلاة غير تكبيرة الإحرام، وبعضهم يجعل التكبير في بعض البحركات دون بعض، ويرون أنها من جملة الأذكار، لا من حقيقة الصلاة، وعلى الحخلاف فيه يدل قول أبي هريرة: إني لأشبهكم بصلاة رسول الله ﷺ (٥).

стр. 922

وقال بعضهم: ليس بسنة إلا للجماعة، ليشعر الإمام بحركته من وراءه. ومذهب أحمد بن حنبل: وجوب جميع التكبير في الصلاة. وعامة العلماء على أنه سنة، غير واجب، إلا تكبيرة الإحرام، ودليلهم تعليم النبي ﷺ الأعرابي الصلاة، ولم يذكر له فيها (١) تكبير الانتقالات، وهو موضع غاية البيان (٢). الثاني: قوله: «حين يرفع صلبه»: الصلب: من لدن الكاهل إلى عَجْب الذَنَب (٣). وفي الصلب الفقار -بفتح الفاء والقاف-، الواحدة (٤): فَقَارة، وهي الفِقَر -أيضا-، الواحدة فِقْرة، وهي ما بين كل مفصلين. وفي الصلب: النُخَاع، وهو الخيط الأبيض الذي يأخذ من الهامة، ثم ينقاد في فَقَار الصلب حتى يبلغ عجب الذنب (٥). والمَتْنان: جانبا الظهر من عن يمين الصلب ويساره (٦)، قد اكتنفا الصلب من الكاهل إلى الوَرِك (٧).

стр. 923

الثالث: ظاهر الحديث: مقارنة التكبير للحركات، وعمارتها بذكرها، وعليه يدل -أيضا- قوله: «سمع الله لمن حمده حين يرفع من الركوع». وقوله: «يكبر حين يهوي»: هو بفتح الياء وكسر الواو: إذا سقط إلى أسفل، وماضيه هوى، بفتح الواو. وأما هَوِيَ يَهْوى بالكسر في الماضي، والفتح في المستقبل، فمعناه: أحب. وأما الرباعي، فأهوى يُهوي، يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه. قال الأصمعي: أهويتَ بالشيء: إذا أومأت به، ويقال: أهويتُ له (١) بالسيف (٢). ع: وهو قول عامة الفقهاء، واستثنى مالك وبعضهم (٣) من ذلك التكبير عند القيام من الركعتين، فلا يكبر حتى يستوي قائما، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز. قال مالك: وإن كبر هنا في نهوضه، فهو في سعة (٤). وقد تقدم تعليل ذلك. الرابع: قوله: «ويقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلب من

стр. 924

الركوع» دليل على كون الإمام يأتي باللفظين، أعني: التسميع، والتحميد. قال الإمام المازري: إن أراد صلاةً كان النبي ﷺ فيها إماما، فذلك حجة للقول الشاذ عن مالك: أنه كان يرى أن يقول الإمام اللفظين جميعا، والمشهور: أنه يقتصر على قوله: «سمع الله لمن حمده». انتهى (١). قلت: وقد تقدم الدليل لمالك بما يغني عن الإعادة، وبالله التوفيق. * * *

стр. 925

الحديث السادس ٨٣ - عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَكَانَ إذَا سَجَدَ، كَبَّرَ , وَإِذَا رَفَعَ، كَبَّرَ , وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، كَبَّرَ؛ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ , فَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ قَالَ: صَلَّى بِنَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ (١).

стр. 926

* التعريف: مطرف بن عبد الله بن الشخير: العامري، الحَرَشي (١)، النَّصْري. كنيته: أبو عبد الله، من بني الحَرِش (٢) -بفتح الحاء المهملة وكسر الراء آخره شين معجمة- والحرش (٣) من بني صعصعة. مات سنة خمس وتسعين، من أنفسهم، وأبوه من أصحاب رسول الله (٤). سمع عبد الله بن مغفل، وعمران بن حصين، وعائشة ﵃. روى عنه: أبو التياح، وغَيْلان بن جرير، وقتادة، وثابت، وأخوه أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، وابن أخيه عبد الله بن عانئ، وحميد بن هلال، ومحمد بن واسع، ويزيد الرِشْك -بكسر الراء وسكون الشين المعجمة- الضَبْعي. وهو تابعي مشهور متفق عليه. أخرج حديثه في «الصحيحين» ﵁ (٥).

стр. 927

فيه: دليل على أن التكبير لم يكن معمولا به حينئذ؛ لقوله: لقد ذكرني، وإنما يتذكر ما نسي، ولو كان معمولا به، لم ينس، وذلك في زمن التابعين، ثم استقر العمل بعد على ما هو عليه الآن، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوعبا، ونظيره قول عائشة ﵂: ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول الله ﷺ على سهل، الحديث (١)، حتى استدل به بعض المالكية، على أن المعمول به عند الصحابة، ترك الصلاة على الجنازة في المسجد، على ما تقدم تقريره (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 928

الحديث السابع ٨٤ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ (١) ﷺ ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ , فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ , فَسَجْدَتَهُ , فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ , فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ؛ قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ (٢).

стр. 929

وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (١): مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ (٢). * * * * التعريف: البراء بن عازب بن حارث بن عدي بن جُضَم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن مَجْدَعَةَ -بفتح الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة-، والبعين المهملة -أيضا- بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الحارثي، الأوسي، المدني. كنيته: أبو عمارة، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو الطفيل. روي له عن رسول الله ﷺ ثلاث مئة وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعششرين حديثا، وانفرد البخاري بخمسة عشر، وانفرد مسلم بستة أحخاديث.

стр. 930

نزل الكوفة، ومات بها زمن مصعب بن الزبير. روى له الجماعة. قال ابن عبد البر في كتاب «الصحابة»: روى شعبة، وزهير بن معاوية، عن إسحاق، عن البراء، سمعه يقول: استصغر رسول الله ﷺ يوم بدر جماعة، منهم البراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، ورافع بن خديج، وأُسَيد بن ظُهَير، وزيد بن ثابت، وعُمَير بن أبي وقاص. وشهد البراء بن عازب مع علي ﵁ صفين، والجمل، والنهروان. نزل الكوفة، ومات بها. روى عنه من الصحابة: عبد الله بن يزيد الخَطْمي الأنصاري، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السُوائي (١). ومن التابعين: عامر الشعبي، وابن أبي ليلى، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن عبيدة، وغيرهم. وروى له الجماعة (٢).

стр. 931

قوله: «رمقت»؛ أي: نظرت، والمصدر: رَمْق، مثل ضرب، ورَمَّق ترميقا، مثل كلم تكليما: أدام النظر (١)، والمعنى: ترمقت هنا المبالغة في النظر وشدة التتبع لأفعاله وأقواله ﷺ . فيه: الحث على استحباب مراعاة أفعال العالم وأقواله؛ للاقتداء به، فإن (٢) تعارض القول والفعل، فعلى أيهما يعتمد؟ بين أهل الأصول خلاف وتفصيل مذكور (٣) في كتبهم. ق: قوله: «قريبا من السواء» قد يقتضي: إما تطويل ما العادة فيه التخفيف، أو تخفيف ما العادة فيه التطويل، إذا كان ثم عادة متقدمة، وقد ورد ما يقتضي التطويل في القيام؛ كقراءة ما بين الستين إلى المئة، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى؛ مما يطولها (٤). وقد تكلم الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة، واختلفوا في الرفع من الركوع، هل ركن طويل، أو قصير؟ ورجح أصحاب الشافعي أنه ركن قصير. وفائدة الخلاف فيه: أن تطويله يقطكع الموالات الواجبة في

стр. 932

الصلاة، ومن هذا قال بعض أصحاب الشافعيس: إنه إذا طوله، بطلت الصلاة. وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركنا؛ كقراءة الفاتحة، أو التشهد. وهذا الحديث يدل على أن الرفع من الركوع ركن طويل؛ لأنه لا يتأتى أن تكون القراءة في الصلاة فرضها ونفلها بمقدار ما إذا فعل في الرفع من الركوع، كان قصيرا. وهذا الذي ذكر في الحديث من استواء الصلاة، ذهب بعضهم إلى أنه الفعل المتأخر بعد ذلك التطويل، وقد ورد في بعض الأحاديث: وكانت صلاته بعد تخفيفا (١). والذي ذكره المصنف عن رواية البخاري، وهو قوله: «ما خلا القيام والقعود» إلى آخره، ذهب بعضهم إلى تصحيح هذه الرواية، دون الرواية التي ذكر فيها القيام، ونسب رواية ذكر القيام إلى الوهم، وهذا بعيد عندنا؛ لأن توهيم الراوي الثقة على خلاف الأصل، لا سيما إذا لم يدل دليل قوي لا يمكن الجمع بينه وبين الزيادة على كونها وهما، وليس هذا من باب العموم والخصوص حتى يحمل العام على الخاص فيما عدا القيام؛ فإنه قد صرح في حديث البراء في تلك الرواية

стр. 933

بذكر القيام، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون فعل النبي ﷺ في ذلك كان مختلفا؛ فتارة يستوي الجمع، وتارة يستوي ما عدا القيام والقعود، وليس في هذا إلا أحد أمرين (١): إما الخروج عما تقتضيه لفظة (كان) إن كانت وردت في الملازمة أو (٢) الأكثرية. وإما أن يقال: الحديث (١) اختلفت روايته عن واحد، فيقتضي ذلك التعارض، ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرنا عنه أنه نسب تلك الرواية؟ إلى الوهم إلى من قاله. وهذا الوجه الثاني -أعني: اتحاد الرواية- أقوى من الأول في وقوع التعارض، وإن اتمل غير ذلك على الطريقة الفقهية. ولا يقال: إذا وقع التعارض، فالذي (٣) أثبت التطويل في القيام لا يعارضه من نفاه؛ فإن المثبت مقدم على النافي؛ لأنا نقول: الرواية الأخرى تقتضي بنصها عدم التطويل في القيام، وخروج تلك الحالة -أعني: حالة القيام والقعود- عن بقية حالات أركان الصلاة، فيكون النفي والإثبات محصورين في محل واحد، والنفي والإثبات إذا انحصرا في محل واحد، تعارضا، إلا أن يقال باختلاف هذه الأخوال

стр. 934

بالنسبة إلى صلاة النبي ﷺ ، فلا يبقى لها انحصار في محل واحد (١) بالنسبة إلى الصلاة. ولا يعترض على هذا إلا بما قدمناه من مقتضى لفظة (كان)، أو كون الحديث واحدا عن مخرج واحد، اختلف فيه، فلينظر ذلك من الروايات إن وجدت في حديث، أو كون الحديث واحدا، وتحقق الاتحاد، أو الاختلاف في مخرج الحديث، والله أعلم، انتهى كلامه (٢). وقوله: «فجلسته ما بين التسليم والانصراف»؛ أي: ما بين التسليم في التشهد على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين، فعبر عن جميع ذلك بالتسليم. وقوله: «والانصراف» يعني به: الخروج من الصلاة بالسلام، وذلك مستعمل في الخروج من الصلاة، هكذا ذكره بعضهم، وقد جاء التعبير بالانصراف عن السلام في أحاديث من «الصحيح»، منها قوله ﷺ : «إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع والسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف» (٣)؛ يعني: السلام، وكذا قول الراوي: كان (٤) ينصرف

стр. 935

عن يمينه (١)، وعن يشماله (٢)، وغير ذلك. ويحتمل أن يكون ذلك من التعبير بالشيء عما يقاربه، وقد حمله بعض المتأخرين على الانصراف بعد السلام، فقال: فيه دليل على أنه ﷺ كان يجلس بعد التسليم في مصلاه شيئا يسيرا (٣). قلت: ولا ينبغي أن يبعد ذلك؛ لأنه قد جاء في «الصحيح»: -أنه ﵊ كان إذا سلم من الصلاة، لم ينصرف من مصلاه حتى يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا (٤) ذا الجلال والإكرام» (٥)، وبالله التوفيق. * * *

стр. 936

الحديث الثامن ٨٥ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: إنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئاً، لا أَرَاكُمْ (١) تَصْنَعُونَهُ؛ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، انْتَصَبَ قَائِماً (٢) حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ , وَإِذَا رَفَعَ فِي السَّجْدَةِ، مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ (٣).

стр. 937

* التعريف: ثابت هذا تابعي، وهو ثابت بن أسلم، كنيته: أبو محمد البناني البصري، ويقال: بنانة الذين منهم ثابت، هم بنو سعد بن ؤي بن غالب. سمع ثابت أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وأبا رافع. روى عنه: حميد الطويل، ويونس بن عبيد، وشعبة، وحماد بن زيد، وعبيد الله بن عمر، وهمام بن يحيى. مات سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة سبع وعشرين ومئة، وهو ابن ست وثمانين سنة - رحمه الله تعالى- (١). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: معنى «آلو» أقصر، يقال: ما ألوت في كذا؛ أي: ما قصرت فيه. قال ابن دريد: [الرجز] فَإِنْ أَنَالَتْنِي الْمَقَادِيرُ الذي (٢) ... أَكِيدُهُ لَمْ آلُ فِي رَأْبِ الثَّأَى أي: لم أقصر في إصلاح الفساد، وفلان لا يألو نصحه، واسم منه: آلٍ، مثل قاض، والمرأة آلية، وجمعها آوالٍ، وقد تحذف

стр. 938

الواو منه في المضارع لغير جالزم؛ كما حذفت الياء من أدري كذلك، فقالوا: لا أدر. قال الجوهري: حكى الكسائي عن العرب: أقبل يضربه ما يألُ، يريد: ما يألو، قال: ويقال -أيضا-: أَلى يُؤْلِي تَأْلية: إذا قصر وأبطأ، قالوا: وقد يكون أَلَا -المخفف- بمعنى: استطاع، يقال: آلاه يألوه أَلْوًا: استطاع (١). وقوله: «أن أصلي»: الأصل: في أن أصلي، وحذف حرف الجر في (أن) و (أنَّ) قياس، فلما حذف حرف الجر، تعدى الفعل بنفسه، فنصب، وقد تقدم مثل هذا. الثاني: الحديث دليل صريج على أن الرفع من الركوع ركن طويل؛ كما يقوله بعض الشافعية، وظاهره يدل على وجوب الاعتدال في الركوع والسجود، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوعبا. الثالث: إن قلت: لم خص ذكر الاعتدال في الركوع والسجود دون سائر الأركان؟ قلت: قيل: لأنه كان قد رأى الناس -في زمانه ذلك-، قد وقع منهم، أو من بعضهم التقصير في الطمأنينة فيهما دون غيرهما، ولذلك قال: يصنع شيئا لم أركم تصنعونه. الرابع: قوله: «مكث»: يقال: مكَث (٢)، ومكُثَ -بفتح الكاف

стр. 939

وضمها-، وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]، ومعناه: لبث، وانتظر، والاسم المُكْث والمِكْث -بضم الميم وكسرها-، وتمكَّث: تلبث، والمِكِّيثَى، مثال: الخصيصى: المكث، وصار الرجل متمكثا؛ أي: متلوما، ورجل مَكِيث؛ أي: رزين، أنشد الجوهري: [الوافر] فَإِنِّي عَنْ تَقَفُّرِكُم (١) مَكِيثُ (٢) وهو قياس اسم الفاعل من مكث -بالضم وةالفتح-، ماكث، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مَكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والله أعلم. وقوله: «حتى يقول القائل قد نسي»: يقول هنا بمعنى: يظن؛ أي: حتى -يظن (٣) الظان أنه نسي من طول مكثه، ومن كلام العرب: أتقول زيدا قائما؛ أي: أتظن، ومنه قول الشاعر: [الرجز] متى (٤) تقول القُلُصَ الرواسما ... يدنين أم قاسم وقاسما (٥) أي: متى تظن، والله أعلم. * * *

стр. 940

الحديث التاسع ٨٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاةً، وَلا أَتَمَّ صّلاةً مِنَ النَّبيِّ ﷺ (١). * * * * الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هذا الحديث مبين لحديث ثابت البناني، عن أنس، المتقدم آنفا؛ من التطويل والتخفيف.

стр. 941

الثاني: «وراء»: من الأضداد، تستعمل بمعنى قدام أيضا. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، الآية: أي: أمامهم، وهي مؤنثة بدليل إلحاق التاء في تصغيرها، تقول (١): وُرَيْئَة، وكذلك قدام، تقول: قُدَدِيمَة، قال الشاعر: [الطويل] قُدَيْدِيمَةُ التَّجْرِيبِ وَالْحِلْمِ إِنَّنِي ... أَرَى غَفَلَاتِ الْعَيْشِ قَبْلَ التَّجَارِبِ وهما شاذان؛ لأن الرباعي لا تلحقه تاء التأنيث، ووجه شذوذهما: أنه ليس في (٢) الظروف مؤنث غيرهما، فلولو لم تحقهما الهاء، لأوهم ذلك تذكيرهما كسائر الظروف، فاعرفه (٣). الثالث: سمي الإمام إماما؛ لأن الناس يأتمون به؛ أي: يؤمون أفعاله؛ أي: يقصدونها، ويتبعونها، ويقال للطريق: إمام؛ لأنه يؤم؛ أي: يقصد ويتبع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]؛ أي: لبطريق واضح يمرون عليها في أسفارهم، يعني: القريتين المهلكتين؛ قريتي قوم لوط، وأصحاب الأيكة، فيراهما، فيعتبر بهما من خاف وعيد الله .

стр. 942

والإمام -أيضا-: الكتاب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]؛ أي: بكتابهم، وقيل: بدينهم (١)، ويقال: بنبيهم، قاله مجاهد. قال ابن عباس، والحسن: كتابهم الذي فيه أعمالهم. وقالت فرقة: متبعهم من هاد ومضل. قال ابن عطية: لفظة الإمام تعم هذا كله كله؛ لأن الإمام هو ما يؤتم به، ويهتدى به في المقصد، ومنه قيل لخيط البناء: إمام، والله أعلم (٢). الرابع: «قط» على قسمين: زمانية: كهذه التي في الحديث. وغير زمانية. فالزمانية: مفتوحة القاف مشددة الطاء، تقول: ما رأيته قط. قال الكسائي: كانت: قَطُط، يريد: كعضد، فلما سكن الحرف الأول للإدغام، جعل الآخر متحركا إلى إعرابه. ومنهم من يقول: قُطُّ، فيتبع الضمة الضمة؛ مثل: منذ اليوم. ومنهم من يقول: قَطُ -مخففة- يجعلها أداة، ثم يبينه على أصله، ويضم آخره بالضمة التي في المشددة. ومنهم من يتبع الضمة في المخففة أيضا، ويقول: قُطُ، كقولهم: لم أره مُذُ يومان، وهي قليلة.

стр. 943

وإنما بنيت؛ لأنها غاية، فبنيت كسائر الغايات. وأما غير الزمانية: فهي بمعنى: حسب، وهو الكتفاء، فهي مفتوحة القاف، ساكنة الطاء، تقول: رأيته مرة فقط، فإذا أضفت، قلت: قَطُكَ هذا الشيء؛ أي: حسبك، وقَطْني، وقطي، وَقَطِ، قال الشاعر: [الرجز] امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي ... مَهْلاً رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي والنون فيها للوقاية؛ أعني: أنها تقي السكون الذي بنيت عليه من الحركة، وإنما (١) بنيت لوقوعها موقع المبني، وهو فعل الأمر، ألا ترى أنك إذا قلت: قَطْكَ درهما، أن البمعنى: ليكفك درهم، أو اكتف بدرهم، والأصل في هذه النون أن تدخل على الفعل دون الاسم لتقيه من الكسر على ما تقرر في كتب العربية، وإنما دخلت في أسماء مخصوصة، نحو قطني، وَقَدْنِي، ولَدُنِّي، وكذا في بعض الحروف؛ نحو: عني، ومني. وقالوا: قَطَاطِ؛ مثل: حذام؛ أي: حسبي، قال الشاعر: أَطَلْتُ فِرَاطَهُمْ حَتَّى إِذَا مَا ... قَتَلْتُ سَرَاتَهُمْ قُلْتُ قَطَاطِ (٢) الخامس: الظاهر أن هذه الصفة المذكورة في الحديث من صلاته ﵊ تختص بحال الإمامة، وأما حال الانفراد، فإنه ﵊ كان يطول، من ذلك قيام الليل

стр. 944

وغيره، وقد جاء ذلك صريحا في «الموطأ» وغيره، وـ (١) قالت عائشة ﵂: كان يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، الحديث (٢). وكما تقدم من قوله ﵊: «إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف، وإذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء» الحديث، فذكر الحكم والعلة، والله أعلم. * * *

стр. 945

الحديث العاشر ٨٧ - عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجَرْمِيِّ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: جَاءَنَا (١) مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا , فَقَالَ: إنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ (٢) , وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ , أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي , فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا , وَكَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ (٣). أَرادَ بشيخِهمْ، أَبا يزيدَ، عَمرَو بنَ سَلَمَة الجَرْميَّ.

стр. 946

* التعريف: أبو قلابة هذا تابعي، واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو، الجرمي، الأزدي البصري. سمع أنس بن مالك، وثابت بن الفحال، ومالك بن الحويرث، وعائشة. روى عنه: أيوب (١) السختياني، وخالد الحذاء، ويحيى بن أبي كثير، وأبو رجاء، وقتادة، وعاصم الأول. وكان أبو قلابة هذا من عباد البصرة وزهادها، طلب للقضاء بالبصرة، فهرب إلى الشام، فمات بها سنة أربع، وقيل: سنة خمس ومئة في ولاية يزيد بن عبد الملك. أخرج حديثه في «الصحيحين» - رحمه الله تعالى- (٢).

стр. 947

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، فهو خارج عما شرط المصنف من اتفاق الشيخين على الحديث الذي يذكره، وقد تقدم عكسه، وهو حديث عائشة ﵂ الذي ذكرنا أنه من أفراد مسلم، وقد أخرجه البخاري من طرق؛ منها: رواية وهيب، وأكثر ألفاظ هذه الرواية التي ذكرها المصنف هي رواية وهيب، وفي آخرها في كتاب «البخاري»: «وإذا رفع رأسه في السجدة الثانية، جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام»، وفي رواية خالد عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث الليثي: أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذ كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدا (١). الثاني: قوله: «مثل صلاة شيخنا هذا»، الشيخ المشار إليه هو عمرو بن سَلِمَةَ -بكسر اللام- الجرمي -بفتح الجيم وسكون الراء

стр. 948

المهملة-، وهو: أبو بُرَيد -بالباء الموحدة المضمومة والراء المهملة-، واسمه: عمرو -بفتح العين، وـ (١) بواو أيضا-، وهو معدود فيمن نزل البصرة، ولم يلق النبي ﷺ ، ولم يثبت له سماع منه، وقد وفد أبوه على النبي ﷺ ، وقد روي من وجه غريب: أن عمرا -أيضا- وفد على النبي ﷺ . روى له أبو داود، والنسائي، وروى البخاري قصته هذه، وصلاته بقومه (٢). الثالث: قوله: «وما أريد الصلاة؛ أي: وما أريد صلاة الفرض في هذا الوقت، إنما أريد صلاة التعليم خاصة، ونظير هذا الحديث ما تقدم من حديث عبد الله بن زيد، وحديث عثمان في الوضوء، ويشبه أن يكون قوله ﵊ في الحديث المتقدم: «قوموا فلأصلي لكم» من هذا الباب، وأنه قصد به التعليم. ففيه دليل على جواز ذلك على الإطلاق، لكن من فعل ذلك هل يكون له أجر الصلاة التي قصد بها التعليم زائدا على أجر التعليم، أو

стр. 949

لا يكون له إلا أجر التعليم خاصة؟ والظاهر: أن له أجرهما جميعا. وفي الحديث: دليل على ابلبين بالفعل، وإجرائه مجرى القول، وإن كان القول قد يكون أقوى من البيان بالفعل عندما يكون القول نصا لا يحتمل التأويل. الرابع: هذا الحديث يدل للشافعية على جلسة الاستراحة عقب الفراغ من الركعة الأولى والثالثة، لقوله: «وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض». وقد اختلف في ذلك: فاختلف قول الشافعي فيها، وكذا بعض أصحاب الحديث، ولم يقل بها مالك، ولا أبو حنيفة، وغيرهما. ووجه ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة: أنها بسبب (١) الضعف للكبر؛ كما قال المغيرة بن حكيم (٢): أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع من السجدتين من الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف، ذكرت ذلك له، فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (٣). وفي حديث آخر غير هذا، في قول (٤) وائل بن حجر: إن

стр. 950

رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود، استوى قائما (١). فيكون هذا في حال الصحة، والحديث الآخر في حال الضعف، وبذلك يجمع بين الحديثين، وهو أولى من اطراح أحدهما (٢)، والله أعلم. * * *
следующие страницы →