← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17350

رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام

تاج الدين الفاكهاني

Полный текст (3 270 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

* التعريف: أبو قلابة هذا تابعي، واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو، الجرمي، الأزدي البصري. سمع أنس بن مالك، وثابت بن الفحال، ومالك بن الحويرث، وعائشة. روى عنه: أيوب (١) السختياني، وخالد الحذاء، ويحيى بن أبي كثير، وأبو رجاء، وقتادة، وعاصم الأول. وكان أبو قلابة هذا من عباد البصرة وزهادها، طلب للقضاء بالبصرة، فهرب إلى الشام، فمات بها سنة أربع، وقيل: سنة خمس ومئة في ولاية يزيد بن عبد الملك. أخرج حديثه في «الصحيحين» - رحمه الله تعالى- (٢).

стр. 947

* ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، فهو خارج عما شرط المصنف من اتفاق الشيخين على الحديث الذي يذكره، وقد تقدم عكسه، وهو حديث عائشة ﵂ الذي ذكرنا أنه من أفراد مسلم، وقد أخرجه البخاري من طرق؛ منها: رواية وهيب، وأكثر ألفاظ هذه الرواية التي ذكرها المصنف هي رواية وهيب، وفي آخرها في كتاب «البخاري»: «وإذا رفع رأسه في السجدة الثانية، جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام»، وفي رواية خالد عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث الليثي: أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذ كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدا (١). الثاني: قوله: «مثل صلاة شيخنا هذا»، الشيخ المشار إليه هو عمرو بن سَلِمَةَ -بكسر اللام- الجرمي -بفتح الجيم وسكون الراء

стр. 948

المهملة-، وهو: أبو بُرَيد -بالباء الموحدة المضمومة والراء المهملة-، واسمه: عمرو -بفتح العين، وـ (١) بواو أيضا-، وهو معدود فيمن نزل البصرة، ولم يلق النبي ﷺ ، ولم يثبت له سماع منه، وقد وفد أبوه على النبي ﷺ ، وقد روي من وجه غريب: أن عمرا -أيضا- وفد على النبي ﷺ . روى له أبو داود، والنسائي، وروى البخاري قصته هذه، وصلاته بقومه (٢). الثالث: قوله: «وما أريد الصلاة؛ أي: وما أريد صلاة الفرض في هذا الوقت، إنما أريد صلاة التعليم خاصة، ونظير هذا الحديث ما تقدم من حديث عبد الله بن زيد، وحديث عثمان في الوضوء، ويشبه أن يكون قوله ﵊ في الحديث المتقدم: «قوموا فلأصلي لكم» من هذا الباب، وأنه قصد به التعليم. ففيه دليل على جواز ذلك على الإطلاق، لكن من فعل ذلك هل يكون له أجر الصلاة التي قصد بها التعليم زائدا على أجر التعليم، أو

стр. 949

لا يكون له إلا أجر التعليم خاصة؟ والظاهر: أن له أجرهما جميعا. وفي الحديث: دليل على ابلبين بالفعل، وإجرائه مجرى القول، وإن كان القول قد يكون أقوى من البيان بالفعل عندما يكون القول نصا لا يحتمل التأويل. الرابع: هذا الحديث يدل للشافعية على جلسة الاستراحة عقب الفراغ من الركعة الأولى والثالثة، لقوله: «وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض». وقد اختلف في ذلك: فاختلف قول الشافعي فيها، وكذا بعض أصحاب الحديث، ولم يقل بها مالك، ولا أبو حنيفة، وغيرهما. ووجه ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة: أنها بسبب (١) الضعف للكبر؛ كما قال المغيرة بن حكيم (٢): أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع من السجدتين من الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف، ذكرت ذلك له، فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (٣). وفي حديث آخر غير هذا، في قول (٤) وائل بن حجر: إن

стр. 950

رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود، استوى قائما (١). فيكون هذا في حال الصحة، والحديث الآخر في حال الضعف، وبذلك يجمع بين الحديثين، وهو أولى من اطراح أحدهما (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 951

الحديث الحادي عشر ٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى، فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ (١). * * *

стр. 952

* التعريف: عبد الله بن مالك ابن بحينة -بباء موحدو وحاء مهملة بعدها ياء ساكنة باثنتين تحتها وبعدها نون- وهي أمه، وهي: بحينة بنت الأَرَتِّ -بتاء مثناة فوق مشددة-، وهو الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأبو مالك بن القِشْب، وهو جندب بن نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- بن عبد الله بن رافع بن مخضب -بالخاء المعجمة الساكنة بعدها ضاد معجمة- بن ميسرة بن صعب بن دُهمان -بضم الدال- بن نصر بن الأزد بن شنوءة. وكان أبو مالك قد حالف المطلب بن عبد مناف، وتزج بحينة من الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عبد الله. ويكنى: أبا محمد، فأسلم، وصحب النبي ﷺ قديما، وكان ناسكا فاضلا، يصوم الدهر، وكان ينزل بطن ريم، على ثلاثين ميلا من المدينة، ومات بها في عمل مروان بن الحكم الآخر على المدينة سنة أربع وستين، وعزل عنها في ذي القعدة سنة ثمان وستين. روى عنه: الأعرج، وعطاء بن يسار، ومحمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، وابنه علي بن عبد الله بن بحينة، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رويا له أربعة أحاديث. روى له الجماعة (١).

стр. 953

إذا ثبت هذا، فلتعلم أن عبد الله هذا (١) إذا وقع في موضع رفع، نون مالك أبوه، ورفع ابن؛ لأنه ليس بصفة لمالك، فيترك تنوينه ويجر، وإنما هو صفة لعبد الله بن مالك، وكذلك إذا رفع عبد الله في موضع جر، نون -أيضا-، وجر ابن؛ لأنه ليس بصفة لمالك، وقد قيل: إن بحينة أم أبيه مالك، والأول أصح (٢). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قد تقدم أن (كان) هذه تدل على الملازمة والتكرار. وقوله: «فرج»: هو بتشديد الراء، وهو عبارة عن مجافاة (٣) اليدين عن الجنبين، ويسمى ذلك -أيضا- تَخْوِيَة، وتجنيحا، وقد رويت الثلاثة: فجاء في رواية: أنه ﵊ خَوَّى بين يديه (٤)، وفي أخرى: تجنح في سجوده (٥). والجميع بمعنى واحد.

стр. 954

الثاني: قوله: «حتى يبدو بياض إبطيه» (١): قال الجوهري: الإبْط: ما تحت الجناح، يذكر ويؤنث، والجمع آباط، وحكى الفراء عن بعض العرب: فرفع السوط حتى برقت إبطه، والإبْط -أيضا- من الرحمل: منقط معظمه (٢). الثالث: فيه: استحباب مجافاة اليدين -كما تقدم-، وذلك مستحب للرجال دون النساء؛ إذ المطلوب من النساء التقبض، والتجمع، والانزواء، دون التخوية والتجنيح، وإنما استحب ذلك للرجال؛ لأنها هي الاجتهاد وعدم التكاسل، والاستهانة بالعبادة، ولتكون اليدان في عمل من أعمال الصلاة، ولأنها -أضا- هيئة تدل على التواضع، وهي أبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، والله أعلم (٣).

стр. 955

الحديث الثاني عشر ٨٩ - عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ (١). * * *

стр. 956

* التعريف: أبو مسلمة: تابعي اسمه سعيد (١) -كما ذكر-، بن يزيد بن مسلمة، القصير، الأزدي، ويقال: البصري الطاحي -بالطاء وبالحاء المهملتين-، منسوب إلى طاحية -بطن من الأزد-، متفق على الاحتجاج به. سمع أبا نضرة -بالضاد المعجمة- (٢)، وأنس بن مالك. روى عنه: بشر بن المفضل، وشعبة، وعباد بن العوام، وإسماعيل بن علية. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة - رحمه الله تعالى- (٣). * ثم الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الحديث دليل على جواز الصلاة في النعلين. ق: ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة. فإن قلت: فلعله من باب الزينة وكمال الهيئة، فيجري مجرى الأردية والثياب التي (٤) استحب التجمل بها في الصلاة؟

стр. 957

قلت: هو وإن كان كذلك، إلا أن ملابسة الأرض التي تكثر بها (١) النجاسات مما يقصر به عن هذا المقصود، لكن البناء على الأصل، إن انتهض دليل (٢) على الجواز، فيعمل به في ذلك، والقصور الذي ذكرناه عن الثياب المتجمل بها يمنع من إلحاقه بالمستحبات، إلا أن يرد دليل شرعي بإلحاقه بما يتجمل به، فيرجع إليه، ويترك هذا النظر. ومما يقوي هذا النظر، إن لم يرد دليل على خلافه: أن التزين في الصلاة من (٣) الرتبة الثالثة في المصالح، وهي رتبة التزيينات والتحسينات، ومراعاة أمر النجاسة من الرتبة الأولى، وهي الضروريات، أو الثانية، وهي الحاجيات، على حسب اختلاف العلماء في حكم إزالة النجاسة، فيكون رعاية الأولى بدفع ما قد يكون مزيلا لها أرجح بالنظر إليها، ويعمل بذلك فغي عدم الاستحباب، وبالحديث في الجواز، ويرتب كل حكم على ما يناسبه، ما لم يمنع من ذلك مانع، والله أعلم، انتهى (٤). الثاني: فيه: دليل لأحد القولين، وهو مراعاة الأصل فيما إذا تعارض الأصل والغالب، وذلك أن النعلين يلابسان الأرض، وأصلها الطهارة، والغالب عليها النجاسة، ثم الغالب علوق الشيء منها بالنعلين، ومع ذلك صلى بهما ﵊ بناء على الأصل الذي

стр. 958

هو الطهارة، إلا أنه يعارض هذا، أنه ﵊ أمر بالنظر إلى النعلين ودلكهما إن رئي فيهما أذى، وإذا كان الغالب النجاسة، فالغالب رؤيتها، وإذا رآها فيهما، دلكهما؛ لأمره بذلك؛ إذ محال أن يأمر بشيء من هذا ولا يفعله، وإذا كان الأمر كذلك، لم تكن التمسألوة من باب تعارض الأصل والغالب، وإنما تكون منه لو لم يدلكهما، والله أعلم (١). الثالث: «نعم»: حرف عِدَةٍ وتصديق، وجواب للاستفهام، سمع فيه كسر العين، والأكثر الفتح، وهو قائم في الكلام مقام الجملة المفيدة، فإذا قال القائل: أقام زيد؟ فقلت: نعم، فكأنك قلت: قام زيد، فسدت (نعم) مسد الجملة، وأغنت غناها، وذلك من محاسن كلام العرب. وأما (بلى)، فهي رد للنفي، وتقرير للثبوت، فإذا قال: ألم أحسن إليك؟ قلت: بلى، إن أردت تقرير الإحسان، فكأنك قلت: أحسنت

стр. 959

إلي، فسدت -أيضا- مسد الجملة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ولتعلم أن (نعم) تكون عدة في جواب الأمر وغيره من الأفعال (١) المستقبلة، وذلك كقولك: نعم، في جواب من قال: أكرمني، أو هل تكرمني، أنت في الحالين واعد له بالإكرام، وتكون تصديقا فيما عدا ذلك، وذلك نحو قولك: نعم لمن قال: خرج زيد -مثلا-: إذا صدقته (٢) في إخباره بذلك، وكذلك -أيضا- إذا قال: أخرج زيد؟ فقلت له: نعم، كنت مخبرا له بخروج زيد، ومصدقا نفسك فيما أخبرته به من خروجه، وإن وقعت بعد إيجاب، أو سؤال عن نفي، كانت تصديقا لذلك النفي، وذلك نحو قولهم: نعم في جواب من قال: قام، أو هل قام زيد؟ وفي جواب من قال: لم يقم زيد، أو ألم يقم زيد؟ إذا أردت تحقيق نفي القيام. وأما (بلى)، فإنها لا تقع إلا بعد نفي في اللفظ أو في المعنى، وسواء كان النفي مقرونا بها، أو بأداة الاستفهام، أو لم يكن كذلك، فإذا قال القائل: لم يقم زيد، فقلت في الجواب: بلى، فالمعنى: بلى، قام زيد، وكذلك إذا قال منكرا لمقاومة زيد له: هل يستطيع زيد أن يقاومني، فقيل له في الجواب: بلى، فالمعنى: بلى يسطيع مقاومتك. وساغ وقوع بلى جوابا للاستفهام لما كان معناه النفي، فإن قلت:

стр. 960

فهلا جاز أن تقع (نعم) في جواب النفي المقرون همزة الاستفهام، إذا أريد إثثبات النفي؟ فيقال في جواب من قال: ألم أعطك درهمات: نعم، ويكون المراد إثبات الإعطاء من حيث كان مراد المقرر الإثبات، ألا ترى أن مراده بقوله: ألم أعطك درهما: قد أعطيتك درهما، فكما يقال في تصديق قوله: قد أعطيتك درهما: نعم، فكذلك كان ينبغي أن يقال: نعم في جواب من قال: ألم أعطك درهما؟ ويكون المراد: إثبات الإعطاء. قلت: قيل في الجواب: إن المقرر قد يوافق المقرَّر على تقريره، وقد لا يوافقه، فلو قال في الجواب: نعم، لم يدر هل هو جواب على حسب اللفظ، فيكون المراد: إثبات النفي، أو جواب على المعنى الذي أراده (١) المقرِّر، فيكون المراد: إبطال النفي، فلما كان في ذلك من اللبس ما ذكرناه، جعلوا الجواب لكل واحد من المعنيين بحرف يخصه حتى يرتفع اللبس، فأجابوا بـ (بلى» إذا أرادوا إبطال النفي، وبـ «نعم إذا أرادوا تحقيق النفي، فإن اقترن بالكلام ما يرتفع معه اللبس، كان الجواب بنعم، والمراد المراد بالجواب بببلى، ويكون الجواب -إذ ذاك- على حسب المعنى، لا على حسب اللفظ، ومن ذلك قوله: [الوافر] أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ... وَإِيَّانَا، فَذَاكَ بِنَا تَدَانِ

стр. 961

نَعَمْ، وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ... وَيَعْلُوهَا الْنَّهَارُ كَمَا عَلَانِي (١) ألا ترى أن المعنى: نعم، ويجمعنا الليل؟ وساغ ذلك؛ لارتفاع اللبس من جهتين: إحدهما: أنه قد علم أنه لا ينكر أحد جمع الليل لهما. وأخرى: أنه هو الذي أجاب عن نفسه، فقد علم ما قصد بالجواب، فاحتفظ بهذه المسألة، فإنها في نهاية التحرير في هذا الباب، والله الموفق. * * *

стр. 962

الحديث الثالثَ عشر ٩٠ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ, فَإِذَا سَجَدَ، وَضَعَهَا , وَإِذَا قَامَ، حَمَلَهَا (١).

стр. 963

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: قال الإمام المازري: حمل ذلك أصحابنا على النافلة، وظاهره أنه في الفريضة؛ فإن إمامته بالناس في النافلة ليست معلومة (١). قلت: ويحقق (٢) كونه في الفريضة: ما وقع في بعض الروايات الصحيحة: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، خرج علينا حاملا أمامة، وذكر الحديث (٣). ع: اختلفت الرواية عن مالك في تأويله، فروى عنه ابن القاسم: أنه في النافلة، وروى عنه أشهب، وابن نافع: أن هذا للضرورة، وإذا (٤) لم يجد من يكفيه، وأما لحب الولد، فلا، وظاهر هذا إجازته في الفريضة والنافلة؛ لهذه العلة (٥).

стр. 964

قلت: وهذا ضعيف -أيضا-؛ إذ الأصل استواء الشرائط في فرض الصلاة ونفلها، إلا ما خرج بدليل (١). ع: وروى عنه القتبي (٢): أن الحديث منسوخ. وقال ابن عبد البر: لعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها. ع: وهو نحو مما روي عن مالك (٣). ق: وقد رد هذا بأن قوله ﵇: «إن في الصلاة لشغلا» (٤) كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وإن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك، لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاحتمال (٥). ع: وقد قيل: هذا خصوص للنبي ﷺ ؛ إذ لا يؤمن من الطفل البول وغيره على حامله، فقد يعصم النبي ﷺ منه، ويعلم سلامته من ذلك مدة حبسه (٦).

стр. 965

قلت: وهذا ضعيف -أيضا-؛ إذ الأصل: الاقتداء به ﵊، وعدم الخصوصية (١)، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، ولو سلكنا مسلك التحقيق في هذا، لانعكس علينا ما استدللنا به من صوافه ﵊ على البعير على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وليست هذه بأولى من تلك، فيما يظهر، والله أعلم. ثم، وإن (٣) سلمنا ما ذكر من الخصوصية، فهي بالنسبة إلى ملابسة الصبية مع احتمال خروج النجاسة منها، وليس في ذلك تعرض لأمر الحمل بخصوصه الذي الكلام فيه، فينتنبه لذلك (٤). وقال أبو سليمان الخطابي: يشبه أن يكون هذا منه ﵊ عن (٥) غير قصد وتعمد له في الصلاة (٦)، لكن الصبية لتعلقها به، وطول إلفها له؛ لملابسته لها في غير الصلاة، تعلقت به في الصلاة، فلم يدفعها عن نفسه، ولا أبعدها، فإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه، وضعها حتى يكمل سجوده، ثم تعود الصبية إلى (٧) حالها من التهعلق، فلا يدفعها، فإذا قام، بقيت معه محمولة.

стр. 966

قال: ولا يكاد يتوهم عليه حملها متعمدا، ووضعها، وإمساكها مرة بعد أخرى؛ لأنه عمل يكثر، وإذا كان علم (١) الخميصة يشغله حتى استبدل به، فكيف لا يشغله هذا (٢)؟! قلت: وقد رد قول الخطابي هذا بما روي في الصحيح: «خرج علينا حاملا أمامة على عنقه، فصلى» (٣)، وفي هذا عندي نظر؛ إذ يجوز أن ﵊ حاملا لها، فلما أراد الإحرام بالصلاة، وضعها، وليس في هذا الحديث أنه صلى وهي على عنقه ﷺ على ما قال الخطابي، لكن يبعد هذا ما في بعض طرق هذا الحديث الصحيحة (٤): فإذا قام، أعادها (٥)، وهذا يقتضي الفعل منه ﵊ ظاهرا، فلا يتحصل ما قاله الخطابي. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: إن كان حمل الطفل في الصلاة على معنى الكفاية لأمه؛ لشغلها بغير ذلك، فذلك لا يصح إلا في النافلة لطول أمر النافلة، وإن كان لما (٦) يخشى على الطفل وأنه لا يجد من يمسكه، فيجوز في الفريضة، ويكون حبس الطفل على هذا على العاتق،

стр. 967

أو معلقا في ثوب لا يشغل المصلي، وإلا، فحمله على غير هذا الوجه من الشغل الكثير المتصل في الصلاة (١) الذي يمنع صحتها. وقال غيره: وقد يكون حمله لها لأنه (٢) لو تركها، بكت، وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها (٣). وقال بعض مصنفي أصحاب الشافعي (٤): إن العمل الكثير إنما يفسد إذا وقع متواليا، وهذه الأفعال قد لا تكون متوالية، فلا تكون مفسدة، والطمأنينة في الأركان -لا سيما في صلاة النبي ﷺ تكون، وزلا شك أن مدة القيام طويلة. وهذا الوجه إنما يخرج إشكال كونه عملا كثيرا، ولا يتعرض لمطلق الحمل (٥). الثاني: ع: فيه من الفقه: أن ثياب الأطفال وأجسامهم طاهرة ما لم تعلم نجاسة (٦). قلت: وهو مذهب الشافعي، واحتج بهذا الحديث، وـ (٧) قال:

стр. 968

وثوب أمامة ثوب صبي. ق: ويرد على هذا: أن هذه حالة فردة (١)، والناس يعتادون تنظيف الصبيان في بعض الأوقات، وتنظيف ثيابهم عن الأقذار، وحكايات الأحوزال لا عموم لها، فيحتمل أن يكون هذا وقع في تلك الحال التي وقع فيها التنظيف (٢). قلت: وهذا إيراد فيه ضعف، والشيخ ﵀ أكبر من أن يورد مثله؛ فإن الغالب عدم التنظيف بالنسبة إلى الصبيان؛ عملا بالوجدان، والحكم للغالب لا للنادر، فلا يصار إلى رد المذهب المشهور بالاحتمال المرجوح. ع: وفيه: أن لمس صغار الصبايا غير مؤثر في الطهارة، وأن حكم من لا تشتهى منهن في هذا الباب كله بخلاف حكم غيرهن. وقال بعضهم: فيه دليل على أن لمس ذوي المحارم لا ينقض الطهارة، وليس بشيء؛ لأن من في هذا السن من غير ذوي المحارم لا اعتبار بلمسه. وفيه: تواضع رسول الله ﷺ ، وشفقته على آله، ورحمته الولدان الصغار، وجواز خفيف العمل، وحمل من لا يشغل في الصلاة (٣). فائدة جليلة: وقع لي أن حمله ﵊ أمامة مناسب

стр. 969

من حيث المعنى؛ كقوله: «الحج عرفة» (١)، وبيان المناسبة: أن سبب قوله ﵊: «الحج عرفة» -على ما نقل- أن العرب من الحمس وغيرهم كانوا يأنفون من الوقوف بالحل؛ تعظيما منهم للححرم، فكانوا يتركون الوقوف بعرفة، ويقفون بالمزدلفة، والمشعر الحرام، وغيرهما من الحرم، فلما كان الإسلام، قال ﵊: «الحج عرفة»، فأتى بصيغة الحصر الابتدائي الذي معناه: لا حج إلا عرفة، على طريق المبالغة؛ دفعا لعادتهم السيئة من حمل البنات كبرا وخيلاء، حمل ﷺ أمامة على عنقه حتى في الصلاة، فتلك بالقول، وهذه بالفعل. وقد ذهب بعضهم إلى أن البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول، أخذه من قضية الحِلاق؛ حين أمرهم ﵊، فأبوا عليه، أو بعضهم، أو ترددوا على ما سيأتي في كتاب: الحج، فلم يكن إلا أن دعا حالقه، فلم يتخلف (٢) منهم أحد، الحديث.

стр. 970

وقوله: «وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ » إلى آخره؛ يعني: بنت زينب من زوجها أبي العاص بن الربيع. وقوله: «ابن الربيع» هو الصحيح المشهور في كتب أسماء الصحابة، وكتب الأنساب، وغيرها، ورواه أكثر رواة «الموطأ» عن مالك، فقالوا: ابن ربيعة، وكذا (١) رواه البخاري من رواية مالك (٢). ع: وقال الأصيلي، هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جده. ع: وهذا الذي قاله غير معروف في نسبه عند أهل الأخبار والأنساب باتفاقهم، وإنما هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسم أبي العاص: لقيط، وقيل: مُهَشِّمٌ (٣)، وقيل غير ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 971

الحديث الرابعَ عشر ٩١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (١).

стр. 972

روينا (١) «يبسط»: -بياء مثناة تحت-، وفيها رواية أخرى بالتاء المثناة فوق، وكلاهما صحيح. وأما قوله: «اعتدلوا في السجود»، فقال ق: لعل الاعتدال هاهنا محمول على أمر معنوي، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع، وعلى وفق الأمر؛ فإن الاعتدال الخلقي (٢) الذي طلبناه في الركوع لا يتأتى في السجود؛ فإنه ثَمَّ استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا: ارتفاعُ الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا (٣)، ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي، ومما يقوي هذا الاحتمال: أنه قد يفهم من قوله عقب ذلك: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» أنه (٤) كالتتمة للأول، وأن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع علة لترك الانبساط، كانبساط الكلب، فإنه مناف لوضع الشرع، وقد تقدم الكلام في كراهة هذه الصفة. وقد ذكر في هذا الحديث الحكم مقرونا بعلته؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة، ومثل هذا: أن النبي ﷺ لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة، قال: «الراجع في هبته كالكلب يعود في قَيْئِه» (٥).

стр. 973

قلت: ومن التنفير -أيضا- قوله ﵊: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله صورته صورة حمار؟» (١). وروى البخاري هذا الحديث عن أنس، وزاد فيه: «وإذا بزق، فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه؛ فإنه يناجي ربه» (٢). * * *

стр. 974

باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود ٩٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ , فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى (١) , ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى , ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ»، ثَلاثاً، فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لا أُحْسِنُ غَيْرَهُ , فَعَلِّمْنِي , قَالَ (٢): «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ , ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ , ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً , ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً , ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً, ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، وَافْعَلْ (٣) ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا» (٤).

стр. 975

* الكلام على الحديث من وجوه: الأول: الطمأنينة: السكون. قال الجوهري: اطمأن الرجل اطمئنانا، أي: سكن، فهو مطمئن إلى كذا، واطبأن (١): مثله على الإبدال، وتصغير مطمئن: طُمَيَّان، بحذف الميم من أوله، وإحدى النونين من آخره، وتصغير طمأنينة: طُمَيْنِيَّة، بحذف إحدى النونين؛ لأنها زائدة، واطمأن ظهره، وطَأْمَنَ (٢)،

стр. 976

على القلب، وطأمنت منه: سكنت (١). الثاني: انظر تكرير السلام مرارا من الأعرابي من غير غيبة من أحدهما عن الآخر؛ لأنه ﵊ كان ينظر إلى صلاته، ولذلك قال له: «صل؛ فإنك لم تصل»، وإقراره ﵊ على ذلك، والمشروع المعروف: اشتراط الغيبة للتكرار، وهو ظاهر ما في «أبي داود»، ونصه: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا لقي أحدكم أخاه، فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة، أو جدار، أو حجر، ثم لقيه، فليسلم عليه» (٢). وفي كتاب «ابن السني»، عن أنس ﵁، قال: كان أصحاب رسول الله يتماشون، فإذا استقبلتهم صخرة (٣)، أو أكمة، فتفرقوا يمينا وشمالا، ثم التقوا من ورائها، سلم بعضهم على بعض (٤). فهذا أيضا يشعر باشتراط التفرق لتكرار السلام، وهو خلاف ظاهر حديث الأعرابي، فانظر الجمع بين ذلك. الثالث: فيه: الرفق في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وفيه: حسن خلقه ﷺ .

стр. 977

وفيه: جواز الحلف من غير استحلاف. وفيه: العذر بالجهل، وأن من أساء في صلاته؛ بترك بعض واجباتها -على القول بوجوب الطمأنينة على ما سيأتي- جهلا منه بذلك: أنه ليس كالعامد، فتلزمه الإعادة؛ إذ لم يأمره ﵊ بإعادة ما صلى قبلا تعليمه إياه. الرابع: هخذا الديث أصل في تعيين واجبات الصلاة وحصرها، وقد جرت عادة الفقهاء بالاحتجاج به كثيرا على وجوب ما ذكر فيه، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه، أما ما ذكر، فظاهر، وأما ما لم يذكر فيه، فلوجهين: أحدهما: أن الأصل عدم الوجوب. والثاني: أن الموضع موضع بيان وتعليم للجاهل، فلا يسوغ فيه ترك ذكر شيء من الواجبات في الصلاة، ومما يقوي ذلك: عدم اقتصاره ﵊ على ذكر ما لم يحسنه هذا المصلي، بل ذكره وغيره. ق: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورا في هذا الحخديث، فلنا أن نتمسك به في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورا في هذا الحديث، فلنا أن نتمسك في (١) عدم وجوبه؛ بكونه غير مذكور فيه، وكل موضع اختلف في تحريمه، فلنا أن نستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرم، لوجب التلبس بضدع؛

стр. 978

فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبا (١)، لذكر على ما قررناه، فصار من لوازم النهي الأمر بالضد، ومن لوازم الأمر بالضد ذكره في الحديث -على ما قررناه-، فإذا انتفى ذكر -أعني: ذكر الأمر بالتلبس بالضد-، انتفى ملزومه، [وهو الأمر بالضد، وإذا اناتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه] (٢) وهو النهي عن ذلك الشيء؛ فهذه الطرق الثلاث يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاث وظائف: إحداها: أن يجمع طرق هذا الحديث، ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد فالزائد؛ فإن الأخذ بالزائد واجب. وثانيها: إذا أقام دليلا على أحد الأمرين؛ إما على عدم الوجوب، أو الوجوب: فالواجب يعمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي (٣) يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به. وعندنا: أنه إذا (٤) استدل على عدم الوجوب الشيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب،

стр. 979

وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى؛ لأن عدم الوجوب متوقف (١) على مقدمة أخرى؛ وهو أن عدم الذكر [في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر] (٢) يدل على عدم الوجوب؛ لأن المراد ثم: إن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول ﵊ يدل على عدم الوجوب؛ فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان، لذكر، أو بأن الأصل عدمه؛ وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب. وأيضا: فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لازيادة، فيعمل بها، وهذا كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيه، والمخالف يخرجه عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق في الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية، وبين الذكر المستفاد من كون الصيغة للوجوب. والثاني عندنا (٣) أرجح. وثالثها: أن يستمر على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتشعب نظره، ويستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا؛ فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير

стр. 980

من المتناظرين (١). انتهى. هذا الكلام من (٢) التحقيق في الرتبة العليا، والله الموفق. الخامس: اختلف أصحابنا في الطمأنينة في أركان الصلاة، هل هي من السنن، أو من الفرائض؟ قالوا: والمشهور: وجوبها، وهو ظاهر الحديث، إذا قلنا: الأمر للوجوب، وهو الصحيح عند أهل الأصول، ما لم تقترن به قرينة تدل على الندب. لكن لقائل أن يقول: هنا الذي يدل على عدم وجوبها كونه ﵊ رآه لا يطمئن، ولم يأمره بالقطع، بل أقره على إكمال صلاته، والحالة هذه، ولو كانت واجبة، لأمره بالقطع؛ لفساد صلاته بترك واجب من واجباتها. ألا ترى أنه لو ترك الركوع، أو السجود، أو غير ذلك من الأركان، لفسدت صلاته، وأمر بقطعها، أو ببنائه على ما أتى فيه بالواجب، وإلغاء غيره؟ وهذا الرجل لم يطمئن في شيء من صلاته ظاهرا، فلولا خفة الأمر في الطمأنينة دون غيرها من الأركان الواجبة، لأمره بالقطع، فدل ذلك على أن الطمأنينة سنة، ويكون قوله ﵊: «صل؛ فإنك لم تصل» صلاة كاملة السنة؛ من باب: «لا صلاة لجار

стр. 981

المسجد إلا في المسجد» (١)، وأضا: فإه لم يأمره بالاطمئنان حال صلاته كما تقدم. فإن قلت: فعل الأعرابي بمجرده لا يوصف بالحرمة عليه؛ لكونه غير عالم بالحكم، فلا يكون التقرير تقريرا على محرم. قلت: الجاهل كالعامد، على الصحيح، لا سيما في العبادات الواجبة المشهورة المتكررة، التي يلزم تعلمها كل من وجبت عليه، وأيضا فإن هذا فعل فاسد عند موجبها، والتقرير يدل على عدم فساده، وإلا، لما كان التقرير في موضع دليل على الصحة. فإن قلت: لم لم يعلمه ﵊ من أول مرة؛ كي لا يقع التكرير لفعل فاسد ثلاثا؟ قلت: لا بد في وجوب التعليم من انتفاء الموانع، وزيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد لتكرار (٢) فعله، وحضور نفسه (٣)، واستجماع ذهنه، لا سيما مع عدم خوف الفوات، إما بناء على ظاهر الحال، أو بوحي خاص. وقوله ﵊: «ثم ارفع حتى تعتدل قائما»: ظاهره يدل على وجوب الرفع والاعتدال، وقد تقدم ذكر الخلاف في

стр. 982

ذلك عندنا. ومذهب الشافعي وجوبهما (١). ووجه من لم يوجب الاعتدال: أن المقصود من الرفع الفصل، وهو حاصل بدون الاعتدال، وفيه نظر؛ فإن لقائل أن يقول: لا نسلم أن الفصل مقصود، أو لا نسلم أنه كل المقصود، وصيغة الأمر دلت على أن الاعتدال مقصود مع الفصل، فلا يلغى (٢). والكلام على قوله: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» كالكلام على قوله: «ثم اركع» إلى آخره، وكذلك في قوله: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا»، وقوله ﵊: «وافعل ذلك في صلاتك تكلها» يقتضي وجوب القراءة في كل ركعة، وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله- في موضعه قريبا. السادس: الرجل الذي قال له ﵊: «ارجع فصل؛ فإنك لم تصل»، قيل: اسمه خلاد (٣). * * *

стр. 983

باب القراءة في الصَّلاةِ الحديث الأول ٩٣ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١).

стр. 984

* التعريف: عبادة بن الصامت ﵁ بن قيس بن أصرَم -بالصاد المهملة- بن فهر -بكسر الفاء- بن ثعلبة بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف، الأنصاري الخزرجي. وعبادة هذا: أحد النقباء ليلة العقبة، شهد البعقبة الأولى، والثانية، وشهد بدرا، وأحدا، وبيعة الرضوان، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وشهد فتح مصر، وأخوه أوس بن الصامت شهد بدرا. وأمه: قرة العين بنت عبادة بن نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- بن مالك بن عجلان. كنيته: أبو الوليد، وهو عَقَبي بدري أحدي شَجَري، استعمله النبي ﷺ على بعض الصدقات، وكان يعلم أهل الصفة القرآن. ويقال: وجهه عمر بن الخطاب ﵁ في نفر لما كثر أهل الشام، فخرجوا يعلمون الناس القرآنت، ويفقهونهم في الدين، فاختار عبادة المقام بحمص، واختار أبو الدرداء دمشق، واختار معاذ بن جبل فلسطين، فلما مات معاذ عام طاعون عَمواس، صار عبادة إلى فلسطين، وأقام أبو الدرداء بدمشق حتى مات بها. وتوفي عبادة بن الصامت ببيت المقدس، وقيل: بالرملة، وقيل: بفلسطين، سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث (١) وأحدٌ وثمانون حديثا، اتفقا

стр. 985

منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. روى عنه من الصحابة ﵃: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة الباهلي، وشرحبيل بن حسنة، والمقدام بن معديكرب، وعبد الله بن عمر، ومحمود بن الربيع، ورفاعة بن رافع الزرقي، وأوس بن عد الله الثقفي. وروى عنه من أولاده: الوليد، ومحخمد، وعبد الله. وروى عنه: أبو إدريس، وأبو مسلم الخولانيان، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، وكثيرة بن مرة، وعبد الرحمن بن غنم، وأبو الأشعث الصنعاني، ويعلى بن شداد، وحطان بن عبد الله الرقاشي، بتخفيف القاف. وقال الأوزاعي: أول من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصامت. روى له الجماعة ﵁ (١).
следующие страницы →