← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17354

نوازل الزكاة

الغفيلي، عبد الله بن منصور

Полный текст (552 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجبت زكاة ما مضى عليه حول، سواء كانت زكاة تجارة أو زكاة زروع وثمار؛ لوجود مقتضيها من غير معارض (١).

стр. 107

المطلبْ الرابع زكاة الحيوانات المتخذة للاتجار بنتاجها كالألبان ونحوها (١) فإن مما لا يخفى تنوع التجارات في هذه الأزمنة وكثرتها، ومن تلك التجارات التي نمت، وكثر طلابها وارتفعت أرباحها؛ تجارة المنتجات الحيوانية كالألبان والبيض ونحوها، مع عدم بحث تلك المسألة عند متقدمي الفقهاء؛ لندرة وقوعها قديمًا، مما يستدعي بحث المسألة ببيان أقسامها وأحكامها (٢)، وقد تعرَّض لها بعض الفقهاء المعاصرين، إلا أنها ما زالت تحتاج إلى البحث والتحرير؛ لذا فإنه يمكن تقسيم تلك المنتجات الحيوانية إلى قسمين - وذلك بحسب الحيوانات المنتجة - على النحو التالي:

стр. 108

القسم الأول: أن تكون الحيوانات المنتجة مما تجب الزكاة في عينه، كسائمة بهيمة الأنعام من إبل وبقر وغنم، فقد اختلفوا في حكم الزكاة فيها، وفي منتجاتها على أقوال ثلاثة وهي: القول الأول: وجوب تزكية السوائم مع إنتاجها زكاة التجارة، وقال بذلك الدكتور أحمد الكردي (١)، والدكتور محمد رأفت عثمان، حيث قال: ما تنتجه هذه الحيوانات من ألبان، وما يستخرج منها، كالجلد والزبد والقشدة، وكذلك لحوم ما يذبح منها وجلودها، فإن الموجود منه في نهاية العام يجب أن تقومه الشركة وتضيف القيمة إلى ثمن الحيوانات نفسها المنتجة له، إذا بلغ ذلك كله نصاب زكاة الأثمان وجب أن يخرج منه ربع العشر، وهذا ما صرَّح به الفقهاء القدامى، حيث يقول جلال الدين المحلِّي (٢) في شرحه لمنهاج الطالبين للنووي بعد أن ذكر الرأي الجديد والقديم للشافعي القائل بتزكية الحيوانات زكاة التجارة: "تقوَّم مع دَرِّها ونسلها، وصوفها، وما اتخذ من لبنها، بناء على أن النتاج مال تجارة" (٣). القول الثاني: تزكى الحيوانات المنتجة زكاة السائمة (٤)، وتزكى غلتها زكاة

стр. 109

التجارة، وقال بذلك الدكتور محمد بن عبد الغفار الشريف (١). القول الثالث: تُزَكَّى الغَلَّة زكاة النقود، ويكون ذلك عند استفادته أو بعد حولان حول على ذلك، وقال بذلك الدكتور الخضر علي إدريس (٢)، وعليه العمل في ديوان الزكاة بالسودان (٣)، ومال إليه الشيخ عبد الله بن منيع، مع جعل زكاة الغلة بعد حولان الحول (٤). الأدلة: دليل القول الأول: أن الحيوان ونتاجه مال قصد به التجارة فيجب تزكيته زكاة التجارة. ونوقش: بأنه لا يُسَلَّمُ بأن المال في هذه الصورة هو عروض تجارة، وذلك لأنَّ العروض هي التي تُعدُّ للتقليب في البيع والشراء، وليس الأمر كذلك هنا،

стр. 110

فالحيوانات لا يقصد الاتجار ببيعها وشرائها، وإنما ببيع نتاجها (١). دليل القول الثاني: أن الحيوانات المنتجة مما تجب الزكاة في عينه؛ لكونها سائمة أنعام، أما نتاجها كالألبان ونحوها فهي مال آخر تجب فيه زكاة التجارة، فهما مالان تجب في كُلٍّ منهما زكاة تختلف عن الأخرى لاختلاف سببها، ففي سائمة الأنعام تجب الزكاة بسبب السَّوم، وفي الغلة أو النتاج تَجِب الزكاة بسبب الاتجار به. ونوقش: بأن وصف التجارة يزيل سبب زكاة السوم، وهو الاقتناء لطلب النماء، كما أَنَّهما في الحقيقة مال واحد، فالغلّة ناتجة عن الحيوان، ولا يجوز تثنية الزكاة في الملك الواحد (٢). دليل القول الثالث: أن هذه الحيوانات مستغلات تجب الزكاة في غلتها، لأنَّ الغلة مال نامٍ قائم تجب تزكيته، وليس هو عرض تجارة ولا زرع، وهو آيل لأثمان يقبضها صاحبها، فتجب تزكيتها زكاة النقود (٣). ونوقش: بأنه لا يُسَلَّم اعتبارها مستغلات؛ لكون الأصل الذي نتجت عنه الغلة تجب الزكاة في عينه، وأما الغلَّة فإن بقيت وحال عليها الحول فهي مال تجارة لا أثمان، وإن بيعت فالزكاة واجبة في قيمتها بعد حولان الحول وما نتج عنها من أرباح (٤).

стр. 111

كما أن زكاة المستغلات مسألة خلافية بين أهل العلم، ولا يصح الاستدلال بمحل النزاع ولا القياس على أصل مختلف فيه (١). الترجيح: لا يخلو الأمر من حالين: ١ - أن تكون تلك الحيوانات سائمة، فالأقرب هو القول الثاني، وهو إيجاب الزكاة فيها إذا بلغت نصابًا وحال حولها، وذلك للنَّص على وجوب زكاة السائمة، كما في قوله ﷺ : "في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة" (٢)، وقوله: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون. . . " (٣)، وللإجماع على زكاة السائمة، ولأن الاستفادة مما تنتجه لا يلغي وصف السوم الموجب للزكاة فيها، ولا تعارض به الأدلة الشرعية، ويعتبر إنتاجها من الألبان ونحوها مالًا آخر تجب الزكاة فيه إذا اتخذ للتجارة، وحال الحول عليه وبلغ نصابًا، فيزكى زكاة التجارة، فإن بيع فيزكى ثمنه وأرباحه بعد حولان الحول على إنتاجه وبلوغه النصاب، فإن تعسّر ذلك فيمكن تحديد يوم في السنة لتزكية جميع ما لدى المزكي من النصاب. ٢ - ألا يتحقق فيها وصف السوم - وهو الغالب - فالراجح هو القول الثالث، وهو تزكية غلتها بعد حولان حول عليها.

стр. 112

سبب الخلاف: اجتماع أكثر من وصف في المال المراد زكاته، وهي وصف السوم في الأنعام، ووصف التجارة في الغَلّة، مع خلافهم في المراد بالمستغلات وفي حكم زكاتها، فمن اعتبر وصف السوم وقدمه على وصف التجارة قال بزكاة السائمة، ومن ألغى وصف السوم لوجود وصف التجارة فإنه يقول بزكاة التجارة، ومن اعتبر الحيوانات وغلتها مالَيْن، فقد أوجب الزكاة في كُلٍّ منهما، لوجود مقتضيها وانتفاء المانع منها، ومن اعتبر الحيوانات من المستغلات أجرى فيها الخلاف في زكاة المستغلات وسيأتي (١). القسم الثاني: أن تكون الحيوانات المنتجة مما لا تجب الزكاة في عينه كالغزلان والطيور والوحوش ونحوها، فقد اختلفوا في حكم زكاتها وزكاة غلتها على أقوال أبرزها: القول الأول: وجوب تزكية الحيوانات مع غلتها زكاة التجارة، وقال بذلك الدكتور أحمد الكردي (٢)، والدكتور محمد رأفت عثمان (٣)، ويمكن تخريج هذا على قول عند المالكية، ورواية الحنابلة في إيجاب زكاة حلي الكراء (٤)، فقد خرَّج ابن عقيل (٥) على هذه الرواية وجوب تزكية العقار المعد للكراء، وكل سلعة تؤجر وتعد للإجارة (٦).

стр. 113

القول الثاني: وجوب تزكية الغلة زكاة النقود، عند استفادتها أو حسب ما يراه الإمام، وقال به الدكتور الخضر إدريس (١)، ومال الشيخ عبد الله بن منيع إلى ذلك، ولكن بعد حولان الحول على استفادة الغلة (٢). القول الثالث: وجوب تزكية غلة الحيوانات، كالألبان والبيض ونحوها زكاة العسل وهو قول الدكتور يوسف القرضاوي (٣). أدلة الأقوال: تقدمت الإشارة إلى دليل القولين الأولين، ومناقشتهما في المسألة السابقة، حيث إن القائلين بهما يعممون القول، سواءً فيما وجبت الزكاة في عينه، أو فيما لم تجب (٤). أما دليل القول الثالث: فهو قياس ألبان البقر ونحوها على عسل النحل بجامع أن كُلًّا منهما خارج من حيوان لا تجب الزكاة في أصله، ولما كان مقدار الزكاة في

стр. 114

المقيس عليه هو العشر، ثبت أن ذلك هو مقدار الزكاة في المقيس، وهو العشر من صافي إيراد منتجات الحيوانات من الألبان والبيض ونحوها (١). ونوقش: بأن المقيس عليه وهو العسل لم تثبت الزكاة فيه، فليس في زكاة العسل شيء يصح، فقد حكم كثير من المحدثين على أحاديثه بالانقطاع أو الإرسال أو الحمل على معنى غير وجوب الزكاة فيه (٢). الترجيح: يتبين مما تقدم أنه لا يتوجه إيجاب الزكاة في الأصل وهو الحيوان؛ لأنه مما لا تجب الزكاة في عينه، فليس نقدًا ولا سائمة ولا زروعًا وثمارًا، كما أنه ليس عرض تجارة يقلب في البيع والشراء، وإنما هو مال يستفاد من غلته لبيعها لغرض التجارة، فيترجح القول بزكاة الغلة زكاة عروض تجارة من عينها أو ثمنها عند حولان الحول على استفادتها وبلوغها النصاب. وأما القول بتزكية الغلة زكاة العسل، فلا يستقيم الاستدلال به على المخالف في إيجاب الزكاة في الأصل المقيس عليه وهو العسل، ومن المعلوم أن من شروط الأصل في القياس كونه متفقًا عليه بين الخصمين (٣).

стр. 115

المبحث الثاني زكاة المصانع ومواد التصنيع وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حكم زكاة المصانع المطلب الثاني: زكاة السلع المصنعة المطلب الثالث: زكاة المواد الخام المطلب الرابع: زكاة المواد المساعدة في التصنيع

стр. 116

المطلبْ الأول حكم زكاة المصانع (١) تحدث الفقهاء عن زكاة المستغلات (٢)، وذلك بذكر حكم زكاة صور منها، وإلا فإنَّ إطلاق لفظ المستغلات والحديث عنها عمومًا حادث في القرون المتأخرة، أفاض فيها فقهاء العصر الحاضر، لا سيما في الهيئات والمؤتمرات الفقهية (٣)،

стр. 117

ومن الأمثلة البارزة لمسألة المستغلات: المصانع، وذلك لكونها نشأت حديثًا وتطورت سريعًا، مما جعلها من أكبر قنوات الاستثمار في العصر الحاضر بضخامة رؤوس أموالها وأرباحها مع تنوع أنشطتها وأشكالها (١)، مما يدعو لتركيز البحث عليها وتوجيه الجهد إليها، ولذا فإنني سأعرض خلاف الفقهاء في زكاة المستغلات، وأُنزِّل هذا الخلاف على مسألتين، حيث جرى الخلاف في زكاة المستغلات على الأقوال التالية: القول الأول: عدم وجوب الزكاة في المستغلات، وإنما تجب الزكاة في الغلة بعد مضي حول على إنتاجها وبلوغها نصابًا، واختاره الشوكاني (٢) (٣) وصديق حسن (٤) (٥)، وهو رأي مجمع الفقه الإسلامي (٦)، ويتخرج على قول جمهور الفقهاء

стр. 118

من الحنفية (١) والمالكية في المشهور (٢) والشافعية (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤) فيما أعد للكراء، بأنه لا زكاة في أصله، وإنما في غلَّته بعد مضي الحول. قال الشافعي: "والعروض التي لم تشتر للتجارة، والأموال ليس فيها زكاة بأنفسها، فمن كانت له دور أو حمامات لغلة أو غيرها، وثياب كثرت أو قلت ورقيق كثر أو قل لا زكاة فيها، ولذلك لا زكاة في غلاتها حتى يحول عليها الحول في يد مالكها" (٥). القول الثاني: وجوب زكاة التجارة في قيمة أعيان المستغلات وغلتها، وهو قول الدكتور رفيق المصري (٦) والدكتور منذر قحف (٧)، فيجب تزكية أصول المصانع وإنتاجها بتقويمها وإخراج ربع العشر بعد مضي حول على الإنتاج، وقد نسب بعضهم هذا القول لابن عقيل الحنبلي (٨) تخريجًا على إيجابه زكاة التجارة في العقار المعد للكراء، وقد خرج ذلك على روايةٍ في المذهب في إيجاب الزكاة في حلي الكراء (٩)، وتقدم بيان ذلك (١٠).

стр. 119

القول الثالث: وجوب تزكية الغلة زكاة الزروع والثمار، وهو قول لأبي زهرة والشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ عبد الرحمن حسني (١)، والدكتور القرضاوي (٢)، والدكتور مصطفى الزرقا (٣). فيجب تزكية غلة المصانع عند استفادتها بإخراج العشر أو نصفه. الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - عدم وجود نص من كتاب أو سنة في وجوب الزكاة في أعيان المستغلات والأصل براءة ذمة الناس من هذه التكاليف، وحفظ أموالهم، ولا يجوز مخالفة ذلك إلا بنص صريح ولا وجود لذلك، قال الشوكاني في تعليقه على زكاة المستغلات: "هذه مسألة لم تطنّ على آذان الزمن، ولا سمع بها أهل القرن الأول، الذين هم خير القرون ولا القرن الذي يليه، وإنما هي من الحوادث اليمنية، والمسائل التي لم يسمع أهل المذاهب الإسلامية على اختلاف أقوالهم، وتباعد أقطارهم، ولا توجد عليها آثار من علم، لا من كتاب ولا سنة ولا قياس، وقد عرفناك أن أموال المسلمين معصومة بعصمة الإسلام، لا يحل أخذها إلا بحقها، وإلا كان ذلك من أكل أموال النَّاس بالباطل" (٤).

стр. 120

ونوقش: بأنَّ عدم وجود نص في زكاة المستغلات لا يدل على عدم وجوب الزكاة فيها، فإنما نصَّ النبي ﷺ على الأموال النامية التي كانت منتشرة في المجتمع العربي في عصره وقيس عليها غيرها. وأجيب: بأنَّ المستغلات كانت منتشرة في المجتمع العربي في عصر الرسول ﷺ فقد كان الناس في زمنه ﷺ يستأجرون ويؤجرون ويقبضون الأجرة ويدل على ذلك: أ - ما روي عن طاوس (١) أن معاذ بن جبل ﵁ أكرى الأرض على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ على الثلث والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا (٢). ب - وعن ابن عمر ﵁ أنه كان يكري مزارعه على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من إمارة معاوية ﵃ (٣). ج - وعن رافع بن خديج ﵁ (٤) قال: حدثني عمَّاي أنهم كانوا

стр. 121

يكرون الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما ينبت على الأربعاء (١) أو شيء ينبته صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ ، فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم (٢). فهذه النصوص تدل على انتشار الأجرة في عهد النبي ﷺ ، فقد كانوا يستأجرون ويؤجرون ويقبضون الأجرة، ولم يرد عنه ﷺ أنه قال بوجوب الزكاة في أعيان المستغلات. ٢ - قياس المستغلات على عروض القنية المعفاة من الزكاة بجامع الحبس في كلٍّ منهما (٣). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، لأن عروض القنية مشغولة بحاجات الفرد الأصلية كالبيت المعد للسكنى، بخلاف المستغلات، فهي مشغولة بحوائج التجارة كالبيت المعد للإيجار (٤). وأجيب: بأن هذا الفرق غير مؤثر، لأن كلًّا منهما غير معد للبيع فلا تجب الزكاة فيها، كما أن المستغلات مشغولة بحاجة أصلية والتزام اقتصادي أساسي لاستبقائها والاحتفاظ بها لقيام الإنتاج الصناعي عليها.

стр. 122

ثم إنه يمكن التفريق بينهما بإيجاب الزكاة في الغلة؛ مع عدم إيجابها في الأصول الثابتة (المستغلات) (١). أدلة القول الثاني: ١ - عموم الأدلة القاضية بوجوب الزكاة، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢)، فهي عامَّة تشمل جميع الأموال، بما فيها أعيان المستغلات وغلتها (٣). ونوقش: بأنَّ هذا العموم مخصوص بالأحاديث الواردة في إعفاء الحاجات (٤) الأصلية من الزكاة، مثل قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٥). ٢ - قياس المستغلات على عروض التجارة بجامع النماء والربح في كُلٍّ، فالنماء هو علة وجوب الزكاة في عروض التجارة وغيرها من الأموال الزكوية، وهذه العلة موجودة في المستغلات، فتجب الزكاة في أعيانها وغلتها لتحقق علة النماء فيها (٦). ونوقش: بعدم التسليم بأن النماء علة وجوب الزكاة، بل هو شرط لوجوبها،

стр. 123

ووجود الشرط لا يلزم منه وجود المشروط، ولذا لم تجب الزكاة في الحمُرُ ولا في الغنم المعلوفة مع أنَّها نامية (١). ثم إن القياس مع الفارق لما يلي: ١ - أنَّ عروض التجارة معدة للبيع، فهي تتقلب في البيع والشراء، بخلاف المستغلات، فليست معدة للبيع، وإنما ينتفع بغلتها. ٢ - أنَّ دوران رأس المال في عروض التجارة أكبر من دورانه في المستغلات لتقلُّب المال في العروض التجارية عدة مرات، مما يؤدي لزيادة الأرباح، أمَّا حركة رأس المال في المستغلات فهي أقل، لتعلق جزء كبير منه بأعيان المستغلات، مما يلزم منه اختلاف الزكاة فيهما، وقصرها في المستغلات على الغلة دون أعيان المستغلات. ٣ - أنَّ تحويل عروض التجارة إلى نقود أسهل بكثير من تحويل المستغلات، فبيع المصانع ونحوها أصعب من بيع العروض التجارية، ففرض الزكاة في أصولها يزيد من التكاليف ويضاعف الخسائر (٢). فيتبين مما تقدم اتساع الفرق بين عروض التجارة والمستغلات، مما يمتنع معه إجراء القياس.

стр. 124

أدلة القول الثالث: قياس المستغلات على الأرض الزراعية، بجامع أن كلًّا منهما يدر غَلّةً وربحًا، فيكون حكم زكاة غلالها كحكم زكاة الزروع والثمار، فيجب فيها العشر أو نصفه (١). ونوقش من وجهين: أولًا: بأنه قياس مع الفارق لما يلي: أ - أنَّ الأرض الزراعية لا تبيد بسبب كثرة الاستعمال وطول الزمان، بخلاف أعيان المستغلات فإنها تفنى، وتتأثر بكثرة الاستعمال وطول الزمان (٢). وأجيب: بأنَّه يمكن تعويض ما يهلك من أعيان المستغلات بحسم نسبة الاستهلاك من غلة كل سنة على مدى العمر التقديري لأعيان المستغلات. وأجيب عنه: بأن الحسم يكون بحسب القيمة الحالية، وقد يرتفع سعرها بعد ذلك إلى أضعاف ما حُسِم من الغلة (٣). ب - أن غلة الأرض الزراعية تفوق بكثير غلة المستغلات، مما يستبعد معه إلحاق إحدى الغلتين بالأخرى في نصاب الزكاة (٤). جـ - أن الزكاة إنما تؤخذ من الخارج من الأرض مرة واحدة، وإن بقي الخارج عنده عدة سنين، بخلاف غلة المستغلات، فإنها تزكى كل سنة، فإن قيل بإيجاب

стр. 125

العشر فيها كل سنة كان ذلك إجحافًا بحق أصحابها (١). ثانيًا: أن تلك المستغلات موجودة في عصر التشريع، ومع ذلك فإن النص القرآني والنبوي إنما خص الخارج من الأرض دون غيره بزكاة العشر أو نصفه عند حصاده، فلمَّا لم يُتعرض للمستغلات مع وجودها، دل على مفارقتها لزكاة المزروعات، وأن لها حكمًا آخر كما بيَّنا. كما أنَّ هذا القول لم ينقل عن الفقهاء على مر العصور مع وجود تلك المستغلات في كل عصر بما يناسبه (٢). ثالثًا: أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ (٣). ووجه الاستدلال منه: أن الله عطف الأمر بالإنفاق من الخارج من الأرض على الأمر بالإنفاق من الخارج من طيبات الكسب، والعطف يقتضي المغايرة، مما يستبعد معه قياس أحدهما على الآخر لعدم إمكان التحقق من العلة، ولأن معنى التعبد وارد هنا، لا سيما أن الزكاة من العبادات. الترجيح: يترجح مما تقدم القول الأول، وهو عدم وجوب الزكاة في المستغلات ومنها

стр. 126

المصانع، وذلك لعدم الدليل الموجب لزكاتها، مع وجودها في عصر التشريع، ولأن الأصل حفظ أموال الناس، فلا يجوز الأخذ منها إلا بدليل شرعي؛ لئلا يكون أكلًا لأموال الناس بالباطل وهو محرم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ (١). وإنما تجب الزكاة في غلة المستغلات إذا بلغت نصابًا (٢)، وحال عليها الحول من حين ابتداء إنتاجها؛ لأنها مال واحد يتقلب، والربح فيه تابع لأصله في نصابه وحوله (٣). ومن ذلك يتبين أن زكاة المصانع إنَّما تكون بتزكية صافي غلالها بعد حولان الحول على بداية إنتاج المصنع، وبذلك أفتت الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة (٤).

стр. 127

المطلبْ الثاني زكاة السلع المصنعة يراد بالسلع المصنعة: ما تم تصنيعه من بضائع معدة للبيع قد حال عليها الحول ولم تبع (١). وقد قدمنا في المسألة السابقة أن تلك السلع هي عروض تجارية، فيجب تزكيتها زكاة التجارة، باحتساب قيمتها السوقية إذا استكملت حولًا ونصابًا. وذهب بعض المعاصرين إلى أنه إذا لم يتم بيع السلع المصنعة أثناء الحول، وحال عليها الحول وهي عند مالكها فإنه يتم تقويم المادة الخام فيها، دون احتساب قيمة الصنعة - وهو ما زاد في قيمة البضاعة بسبب التصنيع - وعللوا ذلك بأن مال التجارة هو ما اشتراه ليبيعه، وأما قيمة الصنعة فهي من كسب الصانع، ولا تجب زكاته إلا بعد مضي حول عليه (٢). والأظهر هو الأول؛ لكون البضاعة مال تجارة، وما زاد في قيمتها بعد ذلك بسبب التصنيع فهو محتسب من قيمتها، وتابع لها حولا ونصابا، ومالكها إنما

стр. 128

اشتراها ليصنعها، فيزكي قيمتها بحسب حالتها الراهنة عند حولان الحول من بداية التصنيع (١).

стр. 129

المطلبْ الثالث زكاة المواد الخام يراد بالمواد الخام: المواد الأولية التي تتركب منها السلع المصنعة، مثل الحديد للسيارات، والقطن والصوف للمنسوجات، ونحو ذلك (١)، فهي من العناصر الرئيسة في عملية التصنيع، ولذا كان من المهم بيان حكم زكاتها إذا حال عليها الحول وهي على حالها، ولم يتم بيعها، فقد اختلفوا عند ذلك على قولين: القول الأول: وجوب زكاتها بعد تقويمها وبلوغها نصابًا وهو قول جمهور العلماء (٢).

стр. 130

واختاره أكثر المعاصرين، وبه أفتت الندوة السابعة لقضايا الزكاة المعاصرة (١). القول الثاني: عدم وجوب الزكاة فيها، وهو قول المجد ابن تيمية (٢) (٣)، واختاره الشيخ عبد الله بن منيع (٤). أدلة القولين: دليل القول الأول: أن المواد الخام من عروض التجارة، فقد تمَّ شراؤها بقصد تصنيعها وبيعها مصنَّعة، فتجب زكاتها لعموم الأدلة الدالة على وجوب زكاة مال التجارة (٥).

стр. 131

دليل القول الثاني: أن المواد الخام غير معدة للبيع، وإنما هي معدة للتصنيع (١). ويناقش: بأن تلك المواد معدة للبيع، حيث اشتراها بنية التجارة بتصنيعها ثم بيعها، كما أنَّها محبوسة لأجل التجارة (٢). الترجيح: يترجح القول الأول لقوة دليله، وإمكان الإجابة عن دليل القول الثاني، فتقوَّم عندئذ وتخرج منها زكاة التجارة.

стр. 132

المطلبْ الرابع زكاة المواد المساعدة في التصنيع يراد بالمواد المساعدة في التصنيع: ما لا يدخل في تركيب المصنوع مما يحتاج إليه في التصنيع كمواد التشغيل والصيانة كالوقود والزيوت ومواد التنظيف ونحوها، وهي التي أردنا الحديث عنها هنا، لا الأصول الثابتة التي تقدم الحديث عنها، ولا مواد التعبئة (الأوعية) واللف والحزم التي تباع مع السلع المصنعة، فهي من عروض التجارة (١)؛ فالعملية التصنيعية تتكون من أصول ثابتة كالآلات، ومواد تصنيع؛ منها ما تتركب منه السلع المصنعة، ومنها ما لا تتركب منه، مع كونه مساعدًا في التصنيع، وقد أشار الكاساني لهذه المسألة فقال في المواد التي يحتاجها الصباغ والدهان ونحوه: "وإن كان شيئا لا يبقى أثره في المعمول فيه مثل الصابون

стр. 133

والأشنان والقلي والكبريت فلا يكون مال التجارة؛ لأن عينها تتلف ولم ينتقل أثرها إلى الثوب المغسول حتى يكون له حصة من العوض، بل البياض أصلي للثوب يظهر عند زوال الدرن، فما يأخذ من العوض يكون بدل عمله لا بدل هذه الآلات فلم يكن مال التجارة" (١)، فالظاهر أنها لا تقوَّم ولا تجب زكاتها، وهو قول عامة أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين (٢)؛ وذلك لأن تلك المواد آلة في عمله، وهي تفنى مع الصناعة فليست معدة للنماء، ولا يقصد بها التجارة بل الاستهلاك، فلا تجب زكاتها كأموال القنية (٣).

стр. 134

المبحث الثالث زكاة الأوراق النقدية وفيه مطلبان: المطلب الأول: حقيقة الورق النقدي المطلب الثاني: نصاب الورق النقدي

стр. 135

المطلبْ الأول حقيقة الورق النقدي (١) تمهيد: كان الناس في بداية الحياة البشرية يتبادلون الأشياء بالمقايضة (٢)، ثم تركوا ذلك لما فيه من صعوبات، واختاروا بعض السلع لتكون أثمانًا لمعظم عقود المبادلة ممَّا تشتد الحاجة إليها كالمواد الغذائية والجلود، ثم انصرفوا عن ذلك لحاجتها للنقل

стр. 136

والحمل، فبحثوا عما هو أخف من تلك السلع، فكان أن تعاملوا بالنقدين - الذهب والفضة - فصارت هي الأثمان، ثم سبكت فصارت قطعًا متساوية حجمًا ووزنًا، وختمت بما يدل على سلامتها، ثم إنّ الناس - لا سيما التجار منهم - أصبحوا يودعون تلك النقود الذهبية والفضية عند الصيارفة والصاغة خوفًا عليها من السرقة، ويأخذون وثائق وإيصالات بإيداعها، فلما ازدادت ثقة الناس بهؤلاء الصيارفة صارت هذه الإيصالات تستعمل في دفع الثمن عند المبايعات، وكانت هذه بداية استعمال الورق النقدي، فلم تكن لها صورة رسمية ولا سلطة تلزم الناس بقبولها، ثم لمّا كثر تداول تلك الإيصالات تطورت تلك الأوراق إلى صورة رسمية تسمى (البنكنوت) وكانت مغطاة بالذهب غطاء كاملاً، وكان البنك يلتزم بألا يصدر من الأوراق إلا بقدر ما عنده من ذهب، كما جعلتها الدول ثمنًا قانونيًّا، وألزم الناس بقبولها عام ١٢٥٤ هـ الموافق ١٨٣٣ م، ثم لما احتاجت الدول للنقود طبعت كميات كبيرة منها تفوق ما عندها من الذهب، وراجت عند الناس لثقتهم بأن مصدرها يستطيع تحويلها إلى ذهب، إلا أن تلك الأوراق صارت أضعاف مقدار الذهب الموجود في البلاد، فشرعت الحكومات بتنفيذ شروط قاسية على من يريد تحويل تلك الأوراق إلى ذهب، وفي سنة ١٣٢٥ هـ الموافق ١٩٣١ م منعت الحكومة البريطانية من تحويل الأوراق إلى الذهب إطلاقًا، وألزمت الناس بقبول تلك الأوراق بديلًا للذهب، ثم تبعتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٣٥٥ هـ الموافق ١٩٣٤ م، إلَّا أن الدول كانت ملتزمة بتحويل عملتها إلى الذهب عند التعامل مع دولة أخرى وهو ما يسمى (بقاعدة التعامل بالذهب)، وقد ظل العمل بتلك القاعدة إلى سنة ١٣٩٢ هـ

стр. 137

الموافق ١٩٧١ م، حيث اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية لإيقاف ذلك لنقص الذهب فيها، وبهذا قُضِي على آخر شكل من أشكال دعم الأوراق النقدية بالذهب (١). وإزاء تلك التغيرات المرحلية للنقود الورقية نشأ خلاف بين فقهاء العصر في تكييفها الفقهي وذلك على خمسة أقوال: القول الأول: إنَّ الأوراق النقدية سند بدين على مصدرها، ويمثل هذا الدين الرقم المكتوب عليها، وقال بذلك أحمد الحسيني ومحمد الأمين الشنقيطي وغيرهم (٢). القول الثاني: إنَّ الأوراق النقدية عرض من العروض لها ما للعروض من أحكام، وليس لها صفة الثمنية، وإنما هي بمنزلة السلع والعروض، وهو قولٌ للشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ حسن أيوب (٣). القول الثالث: إنَّ الأوراق النقدية كالفلوس في طروء الثمنية عليها (٤)، وقال به

стр. 138

الشيخ أحمد الخطيب والشيخ أحمد الزرقا، والشيخ عبد الله البسام، والدكتور محمود الخالدي والقاضي محمد تقي العثماني، وغيرهم (١). القول الرابع: الأوراق النقدية بدل عن الذهب والفضة تقوم مقامها، وهو قول الشيخ عبد الرزاق عفيفي (٢). القول الخامس: إنَّ الأوراق النقدية نقد مستقل قائم بذاته، يجري عليه ما يجري على الذهب والفضة من أحكام نقدية، ويعتبر كل نوع جنسًا مستقلًّا، وهو قول أكثر العلماء، وبه أفتت هيئة كبار العلماء في السعودية والمجمع الفقهي بمكة، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي (٣). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: ١ - المسجل على الأوراق النقدية بتسليم قيمتها لحاملها، والتزام الحكومات بذلك دالٌّ على أنها وثائق بالديون التي في ذمة مصدرها. ٢ - وجوب تغطيتها بالذهب والفضة مما يدل على أنهما المقصودان، وإنما الأوراق سند بهما (٤).

стр. 139

ونوقش: بأن التعهد المذكور كان حقيقيًّا في أحد مراحل إصدار الورق النقدي التي تقدمت الإشارة إليها، أما في هذه الأزمنة فلا يلتزم المصدر لهذه الأوراق بهذا التعهد، وإنما يقصد من استبقائه بعد إلغائه تأكيد المسؤولية على جهات الإصدار للحد من الإفراط دون إحلال أسباب الثقة. وأما وجوب تغطيتها بالذهب أو الفضة، فإنه لا يسلم لمخالفته الواقع وذلك أن الغطاء ليس لكل الأوراق النقدية وإنما لجزء محدود منها، مع كونه لا يلزم أن يكون ذهبًا أو فضةً، بل قد يكون عقارًا، ويبقى كثير من تلك الأوراق بلا تغطية، ولذا فإن هذا القول إنما يتوجه الأخذ به في إحدى مراحل تطور الورق النقدي، أما الآن فلا وجه له (١). دليل القول الثاني: ١ - إن الورق النقدي مال متقوم مرغوب فيه، يباع ويشترى، وليس ذهبًا ولا فضةً ولا مكيلاً ولا موزونًا، فتعين أن يكون عروضًا (٢). ونوقش: بأنَّ الأوراق النقدية ليس لها قيمة ذاتية، وإنما قيمتها اصطلاحية قائمة على اعتبار الدولة لها، وإلا فلو ألغي هذا الاعتبار وأبطل التعامل بها لأصبحت قصاصات ورقية لا قيمة لها (٣). ثم إنه يلزم على هذا القول لوازم تدل على ضعفه واستبعاده، وذلك مثل: عدم جريان الربا في تلك الأوراق، لكونها عروض تجارة وليست من الأصناف الربوية، مما يجوّز التفاضل فيها والنَّساء، مع كونها عملة الناس التي يتعاملون بها،

стр. 140

فيؤدي ذلك إلى ضرر كبير على اقتصادهم وغلاءٍ في معاشهم، ومفاسد عظيمة هي من أعظم أسباب تحريم الربا. عدم وجوب الزكاة فيها ما لم تعد للتجارة، وفي هذا إسقاط للزكاة عن الأموال الطائلة بتعليلات واهية (١). دليل القول الثالث: إن الأوراق النقدية عملة رائجة تُقوَّم بها الأشياء، وليست ذهبًا ولا فضة، وأقرب الأشياء إليها الفلوس، فكلاهما نقدٌ اصطلاحي فتلحق بها (٢). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، وذلك أن الأوراق النقدية تفارق الفلوس في أمور عديدة، مما يمنع إلحاقها بها، ومن ذلك: أ - أن الأوراق النقدية أكثر قبولًا ورواجًا في المعاملات من الفلوس. ب - أن الأوراق النقدية ليس لها قيمة في ذاتها، بخلاف الفلوس، فإنها لو أبطلت ثمنيتها فلها قيمة في نفسها كسائر العروض. جـ - أن الأوراق النقدية في غلائها كالنقدين، بل بعضها أغلى بكثير من قطع الذهب والفضة، أما الفلوس فإنّها تستخدم في المحقّرات لتفاهة قيمتها (٣). ٢ - وعلى التسليم بإلحاق الأوراق النقدية بالفلوس، فإن العلماء مختلفون في

стр. 141

تكييف الفلوس، عروضًا أو أثمانًا، فبعضهم اعتبر أصلها وهو العروض، ففرَّق بينها وبين النقدين، وبعضهم اعتبر ما انتقلت إليه وهو النقدية، وأثبت لها أحكام النقدين، من جريان الربا فيهما ووجوب الزكاة ونحوهما، وهو الأرجح لقيامها مقامهما (١). دليل القول الرابع: إن الأوراق النقدية تكسب قيمتها مما استندت إليه من غطاء الذهب، فهي بدل عما استعيض بها عنه وهو الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل، ويؤيد ذلك أنها إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات ورق لا تساوي شيئًا (٢). ونوقش: بأن هذا الرأي بناء على افتراض تغطية الأوراق النقدية بالذهب أو الفضة غطاء كاملًا، وحيث إن الواقع خلاف ذلك، وأن الغطاء ليس لكل تلك الأوراق؛ وإنَّما لقليل منها، ولا يلزم كونه ذهبًا أو فضةً، فقد يغطى بعقار ونحوه، وأن الأوراق إنما تستمد قوتها من اعتبار الدولة لها قوة شرائية ووسيطًا في التبادل. كما أنَّه يلزم على هذا القول اعتبار جميع الأوراق جنسًا واحدًا، مما يجب معه المماثلة عند الصرف، وفي هذا مشقة على الناس لا موجب لها، لا سيما مع اختلاف جهات إصدارها وتفاوت أسباب الثقة والقوة بينها (٣). دليل القول الخامس: اشتمال النقود الورقية على وظائف النقود، وذلك أنها مقاييس للقيم، وموجب

стр. 142

للإبراء، ومستودع للثروة يمكن اختزانه عند الحاجة، وثقة الناس الكبيرة في التعامل بها، لقانونيتها وحماية الدولة لها، فليست الصفة النقدية مختصة بالذهب والفضة، بل هي ثابتة لكل ما يتخذه الناس نقودًا ويؤدي وظائف النقود، ومن ذلك تلك الأوراق (١). وهذا القول هو الراجح لوجاهة دليله، مع كونه سالمًا من المناقشة واللوازم، وبذلك صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، ونَصُّه كالآتي: أولًا: إنه بناء على أنّ الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناء على أنّ علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة، وبما أنّ الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل، وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوّم الأشياء في العصر، لاختفاء التعامل بالذهب والفضة، وتطمئن النفوس بتمويلها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمرٍ خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سر مناطها بالثمنية. وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر أنّ العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها ويجري عليها الربا بنوعيه، فضلًا ونسيئة، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسًا عليهما، وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها.

стр. 143

ثانيًا: يعتبر الورق النقدي نقدًا قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلًا ونسيئةً، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان. وهذا كله يقتضي ما يلي: (أ) لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهبٍ أو فضةٍ أو غيرهما نسيئةً مطلقًا، فلا يجوز مثلًا بيع ريال سعودي بعملة أخرى نسيئة بدون تقابض. (ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة ريالات سعودية ورقًا بأحد عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا نسيئة أو يدًا بيد. (جـ) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية، بريال سعودي ورقًا كان أو فضة أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة ريالات سعودية أو أقل من ذلك أو أكثر إذا كان ذلك يدًا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة، بثلاثة ريالات سعودية ورقًا، أو أقل من ذلك أو أكثر يدًا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة. ثالثًا: وجوب زكاة الأوراق النقدية، إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.

стр. 144

رابعًا: جواز جعل الأوراق النقدية رأس مال بيع السلم والشركات. والله أعلم وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم (١). كما هو رأي مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي (٢) وفتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (٣).

стр. 145

المطلبْ الثاني نصاب الورق النقدي اختلف الفقهاء المعاصرون في وجوب زكاة الأوراق النقدية في أول ظهورها، وذلك بناءً على اختلاف أقوالهم في تكييف الأوراق النقدية، إلا أن هذا الاختلاف انحسر كثيرًا مع شيوع التعامل بهذه الأوراق وقيامها بوظائف النقود، حتى لا يكاد يعرف أحد لا يقول بزكاتها (١)، وهو لازم أكثر التكييفات المتقدمة، ولذا فإن المقصود هنا هو معرفة نصاب زكاتها، لا سيما مع عدم ورود نص خاص به؛ لحدوث تلك الأوراق بعد زمن التشريع، لكن لما كان المقصود من هذه الأوراق النقدية ماليتها، أي قيمتها التبادلية، لا أعيانها، فإن المعتبر في نصابها قيمتها، وإنما يعرف ذلك بتقويمها بالنقدين - الذهب أو الفضة - على خلاف بين الفقهاء المعاصرين في المعتبر منها في تقويم الأوراق النقدية على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنَّ نصاب الأوراق النقدية ببلوغها نصاب الفضة (٢). القول الثاني: إنَّ نصاب الأوراق النقدية ببلوغها نصاب الذهب (٣).
следующие страницы →