← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17354

نوازل الزكاة

الغفيلي، عبد الله بن منصور

Полный текст (552 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تكييف الفلوس، عروضًا أو أثمانًا، فبعضهم اعتبر أصلها وهو العروض، ففرَّق بينها وبين النقدين، وبعضهم اعتبر ما انتقلت إليه وهو النقدية، وأثبت لها أحكام النقدين، من جريان الربا فيهما ووجوب الزكاة ونحوهما، وهو الأرجح لقيامها مقامهما (١). دليل القول الرابع: إن الأوراق النقدية تكسب قيمتها مما استندت إليه من غطاء الذهب، فهي بدل عما استعيض بها عنه وهو الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل، ويؤيد ذلك أنها إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات ورق لا تساوي شيئًا (٢). ونوقش: بأن هذا الرأي بناء على افتراض تغطية الأوراق النقدية بالذهب أو الفضة غطاء كاملًا، وحيث إن الواقع خلاف ذلك، وأن الغطاء ليس لكل تلك الأوراق؛ وإنَّما لقليل منها، ولا يلزم كونه ذهبًا أو فضةً، فقد يغطى بعقار ونحوه، وأن الأوراق إنما تستمد قوتها من اعتبار الدولة لها قوة شرائية ووسيطًا في التبادل. كما أنَّه يلزم على هذا القول اعتبار جميع الأوراق جنسًا واحدًا، مما يجب معه المماثلة عند الصرف، وفي هذا مشقة على الناس لا موجب لها، لا سيما مع اختلاف جهات إصدارها وتفاوت أسباب الثقة والقوة بينها (٣). دليل القول الخامس: اشتمال النقود الورقية على وظائف النقود، وذلك أنها مقاييس للقيم، وموجب

стр. 142

للإبراء، ومستودع للثروة يمكن اختزانه عند الحاجة، وثقة الناس الكبيرة في التعامل بها، لقانونيتها وحماية الدولة لها، فليست الصفة النقدية مختصة بالذهب والفضة، بل هي ثابتة لكل ما يتخذه الناس نقودًا ويؤدي وظائف النقود، ومن ذلك تلك الأوراق (١). وهذا القول هو الراجح لوجاهة دليله، مع كونه سالمًا من المناقشة واللوازم، وبذلك صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، ونَصُّه كالآتي: أولًا: إنه بناء على أنّ الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناء على أنّ علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة، وبما أنّ الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل، وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوّم الأشياء في العصر، لاختفاء التعامل بالذهب والفضة، وتطمئن النفوس بتمويلها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمرٍ خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سر مناطها بالثمنية. وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر أنّ العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها ويجري عليها الربا بنوعيه، فضلًا ونسيئة، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسًا عليهما، وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها.

стр. 143

ثانيًا: يعتبر الورق النقدي نقدًا قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلًا ونسيئةً، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان. وهذا كله يقتضي ما يلي: (أ) لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهبٍ أو فضةٍ أو غيرهما نسيئةً مطلقًا، فلا يجوز مثلًا بيع ريال سعودي بعملة أخرى نسيئة بدون تقابض. (ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة ريالات سعودية ورقًا بأحد عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا نسيئة أو يدًا بيد. (جـ) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية، بريال سعودي ورقًا كان أو فضة أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة ريالات سعودية أو أقل من ذلك أو أكثر إذا كان ذلك يدًا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة، بثلاثة ريالات سعودية ورقًا، أو أقل من ذلك أو أكثر يدًا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة. ثالثًا: وجوب زكاة الأوراق النقدية، إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.

стр. 144

رابعًا: جواز جعل الأوراق النقدية رأس مال بيع السلم والشركات. والله أعلم وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم (١). كما هو رأي مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي (٢) وفتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (٣).

стр. 145

المطلبْ الثاني نصاب الورق النقدي اختلف الفقهاء المعاصرون في وجوب زكاة الأوراق النقدية في أول ظهورها، وذلك بناءً على اختلاف أقوالهم في تكييف الأوراق النقدية، إلا أن هذا الاختلاف انحسر كثيرًا مع شيوع التعامل بهذه الأوراق وقيامها بوظائف النقود، حتى لا يكاد يعرف أحد لا يقول بزكاتها (١)، وهو لازم أكثر التكييفات المتقدمة، ولذا فإن المقصود هنا هو معرفة نصاب زكاتها، لا سيما مع عدم ورود نص خاص به؛ لحدوث تلك الأوراق بعد زمن التشريع، لكن لما كان المقصود من هذه الأوراق النقدية ماليتها، أي قيمتها التبادلية، لا أعيانها، فإن المعتبر في نصابها قيمتها، وإنما يعرف ذلك بتقويمها بالنقدين - الذهب أو الفضة - على خلاف بين الفقهاء المعاصرين في المعتبر منها في تقويم الأوراق النقدية على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنَّ نصاب الأوراق النقدية ببلوغها نصاب الفضة (٢). القول الثاني: إنَّ نصاب الأوراق النقدية ببلوغها نصاب الذهب (٣).

стр. 146

القول الثالث: إنَّ نصاب الأوراق النقدية ببلوغها أدنى النصابين من الذهب أو الفضة (١). أدلة الأقوال: توجيه القول الأول: ١ - إن التقدير بالفضة مجمع عليه؛ لثبوت نصاب الفضة بالأحاديث الصحيحة (٢). ويناقش: بأن التقدير بالذهب ثابت أيضًا (٣)، ولا يؤثر في اعتباره وجود الخلاف في إثباته. ٢ - إن التقدير بالفضة أنفع للفقراء؛ لأن نصاب الفضة أقل من نصاب الذهب (٤).

стр. 147

ويناقش: بأن في ذلك مراعاة لجانب الفقير دون المزكي، فنصاب الفضة غالبًا لا يحصل به الغنى الموجب للزكاة. توجيه القول الثاني: ١ - إن قيمة الذهب ثابتة لا تتغير لثبات وزنه، بخلاف الفضة فهي تتفاوت (١). ويناقش: بأن التقدير كما يرد علي الفضة، فإنه يرد على الذهب أيضًا، وأنَّه لا تأثير لذلك إذا عرفنا أن نصاب الذهب هو (٨٥) جرامًا؛ وأن نصاب الفضة هو (٥٩٥) جرامًا (٢). ٢ - إن نصاب الذهب أقرب الأنصبة المذكورة في أموال الزكاة كخمس من الإبل، أو أربعين من الغنم (٣). ويناقش: بأن ذلك لا أثر له في تعيين أحد النصابين من الذهب أو الفضة، وذلك للتفاوت الكبير بين الأنصباء، ولأن الأنصبة ثابتة بالتوقيف لا بالقياس (٤). توجيه القول الثالث: إن الأدلة الصحيحة جاءت بإثبات النصابين (الذهب والفضة)، فيكون المعتبر منهما في تقويم النقد الورقي هو الأحظ للفقير وهو الأقل نصابًا (٥).

стр. 148

الترجيح: يترجح القول الثالث؛ لما تقدم من ثبوت كلا النصابين، ومع التفاوت يجب الأخذ بالأقل منهما؛ لأنه الأحظ للفقير، والأبرأ لذمة المزكي، وفيه إعمالٌ للنصوص وجمع بين القولين. وبناء عليه، فإننا نحسب ثمن نصاب الذهب، وثمن نصاب الفضة، ثم نأخذ بالنصاب الأقل، ونخرج زكاته من الورق النقدي. ومثاله: إذا كان سعر الذهب (٤٠) ريالًا للجرام، فنصاب الذهب بالريال السعودي يكون بضرب سعر جرام الذهب بوزن النصاب، فإذا كانت قيمة جرام الذهب (٤٠) ريالًا مضروبًا في نصاب الذهب، وهو (٨٥) جرامًا، فتكون قيمة نصاب الذهب بالريال السعودي (٣٤٠٠). وكذا الحال في الفضة، فإذا كانت قيمة جرام الفضة هي ريالًا واحدًا مضروبًا في نصاب الفضة من الجرامات، وهو (٥٩٥) جراما، فتكون قيمة نصاب الفضة هي (٥٩٥) ريالًا. فالنصاب في هذه الحالة هو ما يبلغ خمسمائة وخمسة وتسعين ريالًا سعوديًّا؛ وهو قيمة نصاب الفضة، وربطنا نصاب الزكاة به؛ لأن قيمته أقل من قيمة نصاب الذهب (١).

стр. 149

المبحث الرابع زكاة الحساب الجاري وفيه مطلبان: المطلب الأول: تكييف الحساب الجاري المطلب الثاني: زكاة الحساب الجاري

стр. 150

المطلبْ الأول تكييف الحساب الجاري (١) اختلف الفقهاء المعاصرون في تكييف الحساب الجاري على أقوال، أبرزها قولان: القول الأول: إنه قرض، فالمودع هو المقرض، والمصرف هو المقترض، وقال به أكثر الفقهاء المعاصرين (٢)، وقرره مجمع الفقه الإسلامي (٣).

стр. 151

القول الثاني: تكييفه بأنه وديعة بالمعنى الشرعي، وممن قال به الدكتور حسن الأمين، والدكتور عبد الرزاق الهيتي (١). أدلة القولين: أدلة القول الأول: ١ - أن المصرف يمتلك الحسابات الجارية، ويكون له حق التصرف فيها، ويلتزم برد مبلغ مماثل عند الطلب، وهذا معنى القرض، ولو سمي ذلك وديعة، فإنها ليست بمعناها الشرعي، إذ لو كانت كذلك لما جاز التصرف فيها من قبل المصرف أو البنك؛ لأن الوديعة تقوم على الحفظ، ويشترط فيها رد عينها (٢) ونوقش: بأن تصرف المصرف في المال إنما هو بإذن المالك عرفا، وهذا لا يخرج الوديعة عن معناها وهو طلب الحفظ، مع وجوب رد مثلها؛ لأن مثل الشيء كعينه (٣). وأجيب: بعدم التسليم؛ لأن التصرف في الوديعة يخرجها عن كونها وديعة، ولو كان بإذن المالك، فإن تصرف بمنافعها مع بقاء عينها صارت عارية، وإن تصرف بعينها بحيث يستهلكها صارت قرضًا، يجب رد بدلها (٤).

стр. 152

٢ - أن المصرف يلتزم برد مثل المبلغ المودع عند الطلب، ويكون ضامنًا للمال إذا تلف، سواء فرط أو لم يفرط، وهذا مقتضى عقد القرض، بخلاف الوديعة، فيجب ردها بعينها، ولا يجب ضمانها عند تلفها، إلا إذا كان ذلك بتعد منه، أو تفريط (١). ونوقش: بأن لزوم رد الوديعة على المصرف ولو تلفت بغير تعد أو تفريط، إنما يجب بحسب مجرى العرف المصرفي، وهو مخالف لطبيعة الوديعة الشرعية باعتبارها أمانة لا تضمن في حال عدم التعدي والتفريط (٢). وأجيب: بأن الحقائق الشرعية لا تخالف بالأعراف المصرفية ولا تتغير بها، وإنما وقع هذا بسبب التكييف بأن تلك المبالغ النقدية هي وديعة (٣). أدلة القول الثاني: ١ - أن الحساب الجاري تحت طلب العميل، فهو يملك سحب كامل رصيده متى شاء، دون أن يتوقف ذلك على شيء من الشروط، وهذا هو معنى الوديعة (٤). ونوقش: بأن الوديعة كما يقصد بها ردها عند الطلب، فإنه يقصد بها أيضًا عدم التصرف بها، والحسابات الجارية يتصرف بها المصرف، ويرد بدلها،

стр. 153

وهذا يعتبر قرضًا (١). ٢ - أن المودع لا يقصد أن يقرض ماله للمصرف، ولا أن يشاركه في الربح أو الفائدة، وإنما يريد إيداع ماله في المصرف لحفظه، وحيث لم يقصد المودع الإقراض فلا يسمى إقراضا (٢). ونوقش: بأن كون المودع لم يقصد القرض لا يؤثر في حقيقة العقد؛ لأن عامة المودعين لا يعرفون الفرق بين معنى القرض والوديعة، ولاتهمهم المصطلحات، وإنما تهمهم النتائج العملية، فهو لا يرضى بإيداعها إلا مع ضمانها، ويد الضمان إنما تثبت بالقرض لا بالوديعة، والمصرف لا يقبلها إلا لأجل التصرف فيها، وهذا هو القرض، فثبت أنهم يقصدون الإقراض لا الإيداع بمعناه الفقهي، والعبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني (٣). ٣ - أن المصرف لا يتسلم المال على أنه قرض، بل على أنه وديعة، ويدل على ذلك أنه يتقاضى أجرًا على حفظه لها، مع حذره الشديد في التصرف في المال، ومبادرته الفورية برد المال عند طلبه (٤). ونوقش: بعدم التسليم، وذلك أن المصرف إنما يتقاضى أجرًا؛ لأجل الخدمات التي يقدمها للمودع، كإصدار دفتر شيكات وبطاقات الصرف الآلي ونحوها، وليس من أجل حفظ الوديعة، وأما ادعاء الحذر الشديد من المصرف في استعمال المال، فإنه لا يسلم، لقيامه بخلطها بماله ومال العملاء الآخرين، ويتصرف فيها كما لو كانت ملكا له.

стр. 154

ولو سلمنا بالحذر الشديد في تصرفه بها، فلِمَا يترتب على عدم ذلك من أضرار، وأما كونه يبادر بردها عند طلبها، فذلك لطبيعة العقد بين الطرفين، وحفاظا على سمعة المصرف، وتحفيزا للتعامل معه (١). ثم إن للمقرض طلب بدل القرض في الحال؛ لثبوت ذلك في ذمة المقترض حالا، فكان له طلبه كسائر الديون الحالة، ولأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة فكان حالا (٢). الترجيح: يترجح مما تقدم تكييف المبالغ النقدية المودعة في الحساب الجاري بأنها قرض، وذلك لما يلي: ١ - أن الحقيقة الشرعية لتلك المبالغ موافقة لحقيقة القرض المتمثلة في تعريفه بأنه "دفع مال إلى الغير؛ لينتفع به ويرد بدله" (٣)، فالمقرض يدفعها للمصرف الذي يتملكها وينتفع بها، مع التزامه برد بدلها، وهذا هو معنى القرض. ٢ - التزام المصرف بالضمان مطلقا، فرط أو لم يفرط، وهذا يتفق وعقد القرض، ويخالف الوديعة التي تقوم على أن المستودع أمين، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط (٤).

стр. 155

المطلبْ الثاني زكاة الحساب الجاري لم أقف على بحث لزكاة المال المودع في الحساب الجاري (١)، وقد تبين مما تقدم تكييف المال المودع في الحساب الجاري بأنه قرض من مودع المال للمصرف وهو مليء باذل (٢)، فيكون الحكم في زكاته كالحكم في زكاة الدين إذا كان على مليء باذل، حيث اختلفوا فيه على أقوال أرجحها وجوب الزكاة على المقرض (الدائن) كلما حال عليه حول ولو لم يقبضه (٣)؛ وذلك لأنه في حكم المال الذي في يده ولا مانع من قبضه، فلا يؤثر كونه في يد غير مالكه، لا سيما في مثل القرض في

стр. 156

الحساب الجاري، فتحصيله أيسر من تحصيل غيره من القروض، فكان له وَجْهُ شَبَهٍ بالوديعة من تلك الجهة، مما يؤكد وجوب زكاته عنها إذا حال عليه الحول. وإنما تجب زكاة هذا المال إذا توفرت فيه شروط الزكاة بأن يملك المزكي من هذا المال نصابًا، ويحول عليه الحول، فإن تعسر ضبط هذا لكثرة حركة المال في الحساب الجاري على مدى العام، فإنَّ المزكي يعيِّن يومًا في السنة ويزكي فيه المال المودع في الحساب الجاري، ولا يؤثر على ذلك زيادة المال بعد يوم الزكاة؛ لأنه سيزكيه بعد حول من الزكاة الأولى، فإن بقيت الزيادة زكاها، وإن نقص المال لم تجب زكاته لعدم حولان الحول عليه.

стр. 157

المبحث الخامس زكاة أسهم الشركات وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بأسهم الشركات المطلب الثاني: كيفية إخراج زكاة الأسهم المطلب الثالث: الجهة الواجب عليها إخراج الزكاة

стр. 158

المطلبْ الأول المراد بأسهم الشركات تطلق أسهم الشركات ويراد بها: الحصة التي يملكها الشريك في شركات المساهمة (١) ويمثل السهم جزءًا من رأس مال الشركة، كما يعرف السهم بأنه: صك يمثل نصيبًا عينيًّا أو نقديًّا في رأس مال الشركة، قابل للتداول، يعطي مالكه حقوقًا خاصة (٢).

стр. 159

ومن هذين التعريفين يتبين أن السهم يراد به نصيب الشريك المشاع في الشركة، كما يراد به الصك المثبت لهذا النصيب. ويتميز السهم بخصائص، منها: ١ - تساوي قيمة السهم في الشركة المساهمة. ٢ - تساوي مسؤولية الشركاء. ٣ - عدم قابلية السهم للتجزئة. ٤ - قابلية السهم للتداول (١).

стр. 160

المطلبْ الثاني كيفية إخراج زكاة الأسهم اختلف فقهاء العصر في كيفية إخراج زكاة الأسهم على أقوال متعددة، أبرزها أربعة: القول الأول: وجوب زكاة التجارة على الأسهم بحسب نشاط الشركة، فإن كانت صناعية فتجب الزكاة في ربحها، وإن كانت تجارية فتجب الزكاة في أسهمها، ويخصم من قيمة السهم قيمة الأصول الثابتة، وهو قول الشيخ عبد الرحمن عيسى (١)، والشيخ عبد الله البسام (٢) والدكتور وهبة الزحيلي (٣). القول الثاني: وجوب الزكاة في الأسهم بحسب نية المساهم ونوعية الأسهم: ١ - فإن كان المساهم تملَّك الأسهم للإفادة من ريعها فيزكيها بحسب نوع الشّركة، فإن كانت زراعية فتجب فيها زكاة الزروع، وإن كانت صناعية، فإنَّ زكاتها تكون زكاة تجارة من صافي أرباحها، وإن كانت تجارية، فإنَّ الزكاة تجب في قيمة الأسهم الحقيقية (٤) بعد حسم الأصول الثابتة والمصاريف الإدارية.

стр. 161

٢ - وإن كان المساهم تملَّك الأسهم للمتاجرة فيها بيعًا وشراءً، فيزكيها زكاة العروض التجارية بقيمتها السوقية مهما كان نوع الشّركة المساهمة، وقال بذلك الشيخ عبد الله بن منيع (١)، والدكتور أحمد الحجي الكردي، إلا أنه سوَّى بين الشركات التجارية والصناعية في إيجاب زكاة التجارة على قيمة الأسهم (٢). ويلاحظ أن من أبرز فروق هذا القول عن الذي قبله اعتبار نية المساهم عند اتخاذه الأسهم للمضاربة (٣) بها فتجب فيها زكاة التجارة مطلقا. القول الثالث: وجوب زكاة التجارة في الأسهم، سواء كانت أسهم شركات تجارية أم صناعية أم زراعية، وسواء تملكها للاستفادة من ريعها (٤) أم للتجارة بها،

стр. 162

وهو قول الشيخ أبي زهرة وعبد الرحمن حسن، وعبد الوهاب خلاف، والدكتور عبد الرحمن الحلو (١)، والدكتور رفيق المصري (٢)، والدكتور حسن الأمين (٣)، وقال به الدكتور القرضاوي: إن كان المزكي هو الفرد المساهم، فإن كانت الشركة فأوجب زكاة التجارة في أسهم الشركات التجارية بعد خصم الأصول الثابتة، وأما الشركات الصناعية فتجب الزكاة في صافي ريعها بمقدار العشر كما في زكاة المستغلات (٤). ويتبين من هذا القول اعتبار الأسهم عروضًا تجارية مطلقًا بغض النظر عن نشاط الشركة ونية المساهم. القول الرابع: إن كان المزكي هو الشركة، فتخرج الزكاة كما يخرجها الشخص الطبيعي، فتعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة مال شخص واحد، من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، والنصاب والمقدار الواجب أخذه، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الواحد، فإن كان المزكي هو المساهم فيخرج الزكاة إذا عرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه، وإن لم يستطع معرفة ذلك، فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة فإنه يزكيها زكاة مستغلات، فيخرج الزكاة من ريع السهم بعد دوران الحول من يوم القبض، وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حَوْلُ زكاته وهي في ملكه، زكَّى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوق زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة للسهم وربحه، وبنحوه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (٥)، وصدرت به الندوة

стр. 163

الحادية عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة (١)، ورجحه الدكتور الضرير (٢)، مع كونهم يوجبون الزكاة على المساهم، وإنَّما تخرجها الشركة نيابة عنه كما سيأتي بيانه. أدلة الأقوال (٣): دليل القول الأول: إن الزكاة لا تجب في أدوات القنية، وقيمة أسهم الشركات الصناعية موضوعة في الآلات الصناعية والمنشآت ونحوها، مما يوجب الفرق بينها وبين الشركات التجارية في الحكم. كما أن تلك الآلات والمنشآت ليست معدة للبيع، وإنَّما للاستغلال، وبينهما فرق كبير، فلذا افترق الحكم في زكاة كل منها (٤). ونوقش: بأنَّ التفرقة بين الشركات الصناعية والتجارية بحيث تعفى الأولى من الزكاة دون الثانية، تفرقة ليس لها أساس ثابت من كتاب ولا سنة ولا إجماع

стр. 164

ولا قياس صحيح، فالأسهم هنا وهناك رأسُ مالٍ نامٍ يدر ربحًا سنويًّا متجددًا، وقد يكون ربح الثانية أعظم وأوفر من الأولى، وبهذا يمكن أن تمضي أعوام على المساهم في الشركة الصناعية بلا زكاة في أسهمه وأرباحها، بخلاف المساهم في الشركة التجارية، فالزكاة واجبة عليه كل عام في السهم وربحه، وهي نتيجة يأباها عدل الشريعة (١). وأجيب: بأن من الأصول المتفق عليها عدم إيجاب الزكاة في أدوات القنية ولو كبر حجمها وزاد إنتاجها، فهذا لا يغيّر الحكم الشرعي، ثم إنّ هذه المباني والمعدات المرصودة لاستعمال الشركة مما يستهلك ويتلف شيئًا فشيئًا، وليست مالًا ناميًا، بل هي مال مستهلك متناقص ذاتًا وقيمة، وإنما الزكاة في ربح الشركة الذي نتج من تلك الآلات والمعدات، فالتفريق بين الشركتين في الأحكام تابع للفروق التي بينهما في القصد والعمل، والشريعة كما لا تفرق بين متماثلين، كذلك لا تجمع بين الضدين (٢). دليل القول الثاني: استدلوا على التفريق بين الشركات بما تقدم في دليل القول الأول، ولأن السهم حصة من الشّركة فيكون له حكم زكاتها صناعية أو تجارية أو زراعية، وأما إيجاب زكاة التجارة على من اشتراها للمتاجرة ببيعها وشرائها، فلأنها صارت عروضًا تجارية لها أسواقها وأنواعها وأسعارها التي تختلف عن قيمة الأسهم الحقيقية (٣). دليل القول الثالث: إن الهدف من شراء الأسهم واحد، وهو الاتجار والاسترباح، وهذا متحقق فيمن اتخذ الأسهم لريعها، أو لتقليبها في البيع والشراء،

стр. 165

فيصدق عليها أنها عروض تجارية (١). ونوقش: بالفرق بين اتخاذ الأسهم لأجل ريعها، وبين تقليبها في البيع والشراء، وذلك أن المتملك لها في النوع الأول لا يريد التجارة ببيعها وشرائها، وإنما استبقاءها للإفادة من ريعها، فلا يصدق عليها أنها عروض تجارية تقلب في البيع والشراء، بل هي من المستغلات، وقد تقدم بيان حكمها (٢). وأما التفريق بين الشركات والأفراد في نصاب الزكاة فيستدل له بقياس الشركات الصناعية ونحوها من المستغلات على الأرض الزراعية؛ لشبهها به، فتأخذ حكم زكاتها، وأما الأفراد فإن الأوفق والأيسر لهم هو إخراج زكاة التجارة بدون تفرقة بين أسهم شركة وأخرى، مما يمكنه من حساب الزكاة وإخراجها (٣). ويناقش: بأن القياس مع الفارق، وقد تقدم بيان ذلك (٤)، وأما الأفراد فإنه يمكنهم معرفة ما يقابل أسهمهم من الموجودات الزكوية بالاستفسار من الشركة، مما يمكن معه تزكية الأسهم بحسب نوع الشركة. دليل القول الرابع: قد تقدم الاستدلال للتفريق في إيجاب الزكاة بحسب نوع الشركة، وبحسب نية المساهم، فأما اعتبار الشركة لأموال المساهمين بأنها كالمال الواحد نوعًا ونصابًا ومقدارًا فيدل عليه قوله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق ولا يفرَّق بين مجتمع خشية الصدقة" (٥)، ويؤخذ منه أن اختلاط المالَيْن يُصَيِّرهما

стр. 166

كالمال الواحد (١). ونوقش: بأن الحديث وارد في الماشية؛ لأن الزكاة تقل بجمعها تارة وتكثر تارة أخرى، فلا تلحق الضرر المحض بصاحب الماشية، بخلاف سائر الأموال، فالخلطة فيها تلحق الضرر المحض بصاحب المال؛ لأن ما زاد على النصاب بحسابه، وفي الجمع زيادة للمقدار المخرج بكل حال (٢). وأجيب: بأنَّ الحديث عام فيشمل كل شريكين قد اختلطت أموالهما، ولأن الخلطة إنما تثبت في الماشية للارتفاق، والحاجة قائمة إلى ذلك هنا (٣). الترجيح: بالنظر للأقوال المتقدمة وأدلتها يتبين ما يلي: ١ - إن كان المزكِّي هو المساهم، فالراجح هو القول الثاني المتمثل في اختلاف كيفية الزكاة بحسب نوع الشركة ونية المساهم، مع ملاحظة ما يلي: أ - بلوغ أسهم المزكي نصابًا بنفسها أو بضمها لأمواله الزكوية إذا كان له حكمها، ويراعى في ذلك حسم قيمة الأصول الثابتة والمصاريف الإدارية، والديون المستحقة الحالّة على الشركة، وكذا على المساهم مما لم يتمكن من سدادها. ب - تطبيق زكاة النقود على الفوائض النقدية، وزكاة التجارة على البضائع

стр. 167

التجارية الموجودة في الشركات الزراعية والصناعية. ج - في حال عدم تمكن المساهم من العلم بموجودات الشركة الزكوية لاحتساب زكاتها فإنه يخرج ربع عشر قيمة السهم الدفترية (١). ٢ - فإن كان المزكي هو الشركة المساهمة، فالراجح هو القول الرابع المتمثل اعتبار أموال المساهمين كمال الشخص الواحد في وجوب الزكاة من حيث نوع المال وحوله ونصابه، مع ملاحظة ما يلي: أ - عدم أخذ الزكاة على أموال غير المسلمين لفقدهم أهم شروط الزكاة وهو الإسلام (٢). ب - بالنسبة للمضارب بالأسهم، فإنه لا يكتفي بزكاة الشركة، بل يجب عليه إخراج الفرق بين زكاة الشركة بالقيمة الحقيقية للسهم وبين زكاته بالقيمة السوقية، كما أن الشركات الصناعية لا تزكي إلا ريع السهم الصافي، بينما يجب عليه أن يزكي كامل قيمته، مع حسم ما أخرجته الشركة إذا علم بمقداره، فإن شق معرفة ذلك على المضارب فإنه يخرج الزكاة بالنظر لقيمة الأسهم السوقية (٣).

стр. 168

سبب الترجيح ما يلي: أولًا: فيما يتعلق بتزكية المساهم لأسهمه، فقد ترجح ما تقدم؛ لأن السهم حصة شائعة من الشركة، فتجب فيه الزكاة بحسب نوع الشركة؛ فالجزء له حكم الكل، فإن قصد المساهم من تملك السهم المتاجرة به، فيكون له حكم العروض التجارية؛ لأنَّ الأعمال بالنيات، والنية تقلب الحكم في عروض القنية إلى عروض تجارية إذا نوى الاتجار بها، فالسهم المتخذ للاستثمار إذا نوى به الاتجار كان أولى بحكم العروض التجارية. ثانيًا: فيما يتعلق بتزكية الشركة للأسهم، فقد ترجح ما تقدم أخذًا بمبدأ الخلطة فيما عدا الماشية؛ لعموم النص الوارد وللحاجة إلى ذلك؛ ولما في عدم أخذ الشركة به من مشقة بالغة تمنعها من أخذ الزكاة؛ لما يترتب على ذلك من النظر في أسهم كل مساهم على حِدَة، ومعرفة ما يبلغ منها نصابًا، أو الاتصال بالمساهمين للتأكد من ملكهم للنصاب، وتحقق شروط الزكاة لديهم، مما يوقع في مشقَّة بالغة، والمشقة تجلب التيسير (١). ثالثًا: جعلنا احتساب الأسهم بالقيمة الحقيقية إذا كان المزكي هو الشركة أو المساهم المستثمر؛ لأنهم لا يستفيدون من القيمة السوقية للأسهم، بل تبقى الأسهم للاستفادة من ريعها الذي لا يتأثر بقيمة السهم في سوق المال. وأما فيما يتعلق باحتساب الأسهم بالفيمة السوقية بالنسبة للمضارب بها؛ فلأنها عروض تجارية، وهي تزكى بحسب قيمتها في السوق عند وجوب الزكاة.

стр. 169

رابعًا: ورجحنا حساب الزكاة بربع عشر القيمة الدفترية عندما لا يتمكن المساهم المستثمر من معرفة موجودات الشركة، لأنه بذلك يتحقق إخراجه للقدر الواجب شرعًا، وما زاد فإنه صدقة، ولا يسلَّم القول بقياس الأسهم عندئذ على المستغلات وإخراج ربع عشر ريعها بعد حولان الحول على بعضها (١)، وذلك لأن السهم حصة شائعة من موجودات الشركة، ومن تلك الموجودات أموال زكوية تجب زكاتها عند حولان الحول على السهم ولا يُنظر حول آخر بعد قبض الريع، كما أن قيمة زكاة تلك الموجودات قد تكون أكثر بكثير من زكاة ربع عشر الريع، فكان يقين إخراج الزكاة أن تكون كما تقدم بيانه.

стр. 170

المطلبْ الثالث الجهة الواجب عليها إخراج الزكاة اختلف الباحثون المعاصرون في الجهة التي يجب عليها إخراج زكاة الأسهم على قولين: القول الأول: وجوب الزكاة على الشركات المساهمة، وهو قول الدكتور شوقي شحاتة (١)، والدكتور محمود الفرفور (٢)، والدكتور أحمد مجذوب (٣)، والدكتور علي القره داغي (٤). القول الثاني: وجوب الزكاة على المساهمين، وقال به الدكتور الصديق الضرير (٥)، والدكتور وهبة الزحيلي (٦)،. . . . .

стр. 171

والدكتور حسن الأمين (١)، وكثير من الباحثين (٢). وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي (٣)، وبيت الزكاة الكويتي (٤) أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الشّركة المساهمة لها شخصية اعتبارية مستقلة (٥)، فهي تملك التصرف في المال، وبناء على أن الزكاة تكليف متعلق بالمال نفسه، فإنها تجب على الشخص الاعتباري حيث لا يشترط التكليف الديني، وأساسه البلوغ والعقل (٦). ونوقش: بأن الزكاة إنما تجب على مالك المال، وهو المساهم لا الشركة، كما أنها عبادة لا بد لها من نية، ووجوبها في مال الصبي مقرون بنية إخراجها من وليه. وأما ملك الشركة للتصرف في المال فذلك بالنيابة عن المساهمين (٧).

стр. 172

الدليل الثاني: القياس على زكاة الماشية، حيث إن الخلطة فيها قد خصت بميزة تراجع الخلطاء فيما بينهم بالسويَّة، وأن الشركة في الماشية شركة أموال لا أشخاص، وهي على وجه المخالطة لا الملك، ومؤداها أن الزكاة تجب في مال الشركة المجتمع ككل، وليس في مال كل شريك على حدة (١). ويناقش: بأن قياس شركة المساهمة على شركة الماشية، لا يفيد إيجاب الزكاة على شخصية الشركة الاعتبارية ونفيها عن مالك المال، وإنما يفيد ضم مال الشريكين في النصاب. وإلا فملكية كل من الشريكين لمالهما تنفي الشخصية الاعتبارية، لإمكانية التصدق المطلق بنصيبهما من الشركة، كما أن ما تقدمت الإشارة إليه من كون الزكاة عبادة تحتاج إلى النية مما يستلزم وجوب إخراجها على المزكي أو من ينيب. الدليل الثالث: أن القول بوجوب الزكاة على المساهم يؤدي للإضرار بحق أهل الزكاة من جهة عدم بلوغ النصاب لأسهم كثير من المساهمين عند النظر لنصاب كل مساهم، بخلاف ما لو كان الواجب على الشركة إخراج الزكاة فإنها تخرجها عن كل المساهمين، ولا تنظر لنصاب كل مساهم على حدة (٢). ونوقش: بأن للزكاة أحكاما وشروطا، ولا ينظر فيها لمقصد دون آخر، وكما يراعى فيها عدم الإضرار بالفقير فإنه يراعى عدم الإضرار بالغني (٣).

стр. 173

دليل القول الثاني: أن من شروط الزكاة تمام الملك، والمساهم هو المالك الحقيقي للأسهم، والشّركة إنما تتصرف في أسهمه نيابة عنه حسب الشروط المبيَّنة في قانون الشّركة ونظامها الأساسي، ولذلك فعندما تنحل الشّركة يأخذ كل مساهم نصيبه من موجودات الشّركة (١). الترجيح: يترجح مما تقدم القول الثاني، وهو وجوب زكاة الأسهم على المساهم بعد بلوغها نصابًا وحولان الحول عليها، وذلك لكونه هو مالك الأسهم، وإنما الشّركة المساهمة عبارة عن مجموعة من الأسهم المتساوية القيمة، القابلة للتداول، وتتولى الشّركة إدارة الأسهم ممثلة بمجلس إدارتها المفوَّض من المساهمين، مع بقاء ملك كل مساهم لنصيبه وأحقيته في بيعه، مع ثبوت الحصة في الشّركة، كما أنه عند التصفية يستحق المساهم حصته من موجودات الشّركة (٢) وإنما تخرج الشّركة زكاة الأسهم نيابة عن المساهم في حالات أربع نص عليها قرار مجمع الفقه الإسلامي على النحو التالي: إذا نص في نظام الشّركة الأساسي، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية للشركة، أو ألزم بذلك قانون الدولة، أو فوض المساهم الشّركة بإخراج زكاة أسهمه (٣).

стр. 174

المبحث السادس زكاة الشركات متعددة الجنسيات وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بالشركات المتعددة الجنسيات المطلب الثاني: زكاة الشركات المتعددة الجنسيات

стр. 175

المطلبْ الأول المراد بالشركات المتعددة الجنسيات (١) تطلق الشركات المتعددة الجنسيات أو القوميات وبراد بها: مجموعة من الشركات الوليدة (٢) أو التابعة التي تزاول كل منها أنشطة إنتاجية في دول مختلفة، وتتمتع كل منها بجنسية مختلفة مع خضوعها لشركة واحدة هي الشركة الأم التي تقوم بإدارة هذه الشركات الوليدة كلها في إطار إستراتيجية عالمية موحدة (٣).

стр. 176

وتتخذ تلك الشركات في شكلها القانوني عادة شكل الشركة المساهمة (١)، سواء كان ذلك في الشركة الأم أو الشركات الوليدة، وذلك أن الشركة المساهمة هي الأقدر على تجميع رؤوس الأموال الضخمة الملائمة للمشروعات الكبرى، كما أن الشركة المساهمة تضمن استقلال الإدارة بالفصل بين المساهم وبين الشركة إداريًّا (٢).

стр. 177

المطلبْ الثاني زكاة الشركات المتعددة الجنسيات تقدم بيان المراد بتلك الشركات، وإن كان واقعها يحتاج لتفصيل طويل ليس هذا مقامه، كما أن البحث في حكم زكاتها لا يستلزم تلك التفصيلات؛ لذا فإن الذي ينبغي التركيز عليه هنا أن الشركاء في تلك الشركات من بلدان مختلفة، مما يستلزم وجود شركاء كفار مع مسلمين، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على جواز مشاركة الكافر وصحتها، وذلك فيما إذا كانت شركة في حصص الملكية، يتولى التصرف فيها الشريك المسلم دون الكافر (١)، فأما إذا كان للشريك الكافر تصرف في الشركة فإن الجمهور على كراهة ذلك مع صحته عندهم (٢)، خلافا للمالكية الذين يمنعون ابتداء

стр. 178

العقد مع تصحيحهم له أيضًا (١). كما أن تلك الشركات في جملتها هي شركات مساهمة كما تقدم بيانه، لذا فإن حكم زكاتها لا يختلف عن زكاة أسهم الشركات التي تقدم بيانها، فكل منهما شركات مساهمة، بل إن حكم زكاة تلك الشركات إن لم تكن مساهمة لا يختلف كثيرا عن زكاة الشركات المساهمة، من جهة أن زكاة الشركات حكمها واحد إذا ما استثنينا المضارب؛ حيث إنه لا يتصور إلا في أسهم الشركات المساهمة؛ لذا فإنه يجب على كل شريك تزكية نصيبه من الشركة إذا حال الحول عليه بعد خصم قيمة الأصول والديون المستحقة على الشركة، ويكون ذلك بحسب التفصيل المتقدم في زكاة أسهم الشركات (٢). وإن كان من وجه اختلاف فإنه يتضح في طريقة إخراج الزكاة إن قامت به الشركة على النحو الذي أشار إليه دليل الإرشادات لحساب زكاة الشركات، وفيه: "يبدأ بحساب زكاة الشركة التابعة على سبيل الاستقلال، ثم تخرج الشركة الأم زكاة نصيبها في الشركة التابعة بنسبة ملكيتها فيها. أما زكاة الباقي فتلزم بها الأطراف الأخرى المالكة في الشركة (الأقلية) وهذا إذا لم تقم الشركة التابعة بإخراج زكاتها مباشرة" (٣).

стр. 179

المبحث السابع زكاة السندات وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بالسندات المطلب الثاني: زكاة السندات

стр. 180

المطلبْ الأول المراد بالسندات السندات جمع سند، وعرفت بتعريفات منها: قرض طويل الأجل تتعهد الشركة المقترضة بموجبه أن تسدد قيمته في تواريخ محددة (١). كما عرفت بأنها: صكوك تمثل قروضًا تعقدها الشركة، متساوية القيمة، وقابلة للتداول، وغير قابلة للتجزئة (٢). والتعريفان متقاربان، وأجمع منهما أن يقال في تعريفها: إنها صكوك تصدرها الدولة أو الشركات تمثل قرضًا عليها، وتلتزم بسداده بموجب تلك السندات لحاملها في تواريخ محددة وبفائدة ثابتة (٣). ومن هذا التعريف يتبين أن السندات تتفق مع الأسهم في بعض الخصائص كتساوي قيمتها، وقبولها للتداول، وعدم قبولها للتجزئة، وإن كانت تختلف عنها في أمور جوهرية، منها: أ - أن السند يمثل دينًا على الشركة، ويعتبر صاحبه دائنًا للشركة،
следующие страницы →