стр. 71
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 17354
نوازل الزكاة
الغفيلي، عبد الله بن منصور
Полный текст (552 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
ولاتفاق الخلفاء الأربعة على ذلك وانتشار العمل بذلك بين الصحابة ﵃ (١).
ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط، كي لا يفضي عدم ذلك إلى تكرر الوجوب في زمن واحد، فكان مضى حول هو المناسب لذلك؛ لأنه مظنة نماء المال (٢).
وقد استجد فيما يتعلق باشتراط الحول لوجوب الزكاة، اعتبار السنة الشمسية حولا زكويًّا، لاعتماد كثير من الناس في معاملاتهم على التاريخ الميلادي القائم على السنة الشمسية.
فهل يجوز اعتبار الزكاة بالحول الشمسي، أم يجب الاعتماد في ذلك على الحول القمري المتمثل في السنة الهجرية؟ (٣)
стр. 73
فنقول: إن التوقيت الشرعي يكون بالحول القمري (١) لا الشمسي، لما يلي:
أولًا: دلالة النصوص الشرعية على وجوب الأخذ بالتوقيت القمري المتمثل بالتاريخ الهجري وطرح التوقيت الشمسي المتمثل بالتاريخ الميلادي، ومن ذلك:
أ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢).
стр. 74
وجه الدلالة: أن الله جعل الهلال علمًا على بداية الشهر ونهايته، فتكون الأهلة، مواقيت بهذا المعنى، كما يصح أن يكون الشهر بذلك قمريًّا، لارتباطه بالأهلة، وهي منازل القمر.
قال الشافعي ﵀: "إن الله حتم أن تكون المواقيت بالأهلة فيما وقت لأهل الإسلام"، فقال ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، إلى قوله: "فأعلم الله تعالى بالأهلة جمل المواقيت، وبالأهلة مواقيت الأيام من الأهلة، ولم يجعل علمًا لأهل الإسلام إلا بها، فمن أعلم بغيرها، فبغير ما أعلمَ الله أعلم" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعليقًا على الآية: "فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عامٌّ في جميع أمورهم"، إلى قوله: "فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع، ابتداء أو سببًا، من العبادة، وللأحكام التي ثبتت بشروط العبد، فما ثبت من الموقتات بشرع أو شرط، فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام، والحج، ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة. . . وكذلك صوم النذر وغيره، وكذلك الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن، ودين السلم، والزكاة والجزية والعقل والخيار والأَيْمان وأجل الصداق ونجوم الكتابة والصلح عن القصاص، وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما" (٢).
ب - قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣).
стр. 75
وجه الدلالة: أن الأصل الذي وصفه الله هو التوقيت بالهلال، وأن المعتبر في الإسلام هو الحول القمري المكون من اثني عشر شهرًا كما ذكر الله.
قال القرطبي ﵀ (١): "هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها، إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط". إلى قوله: " ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. أي: الحساب الصحيح والعدد المستوفي" (٢).
وقال الفخر الرازي: "قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم، ومدد ديونهم، وأحوال زكواتهم، وسائر أحكامهم بالأهلة، لا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية" (٣).
وقال: "الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الهلال، والسَّنَة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية" (٤).
ج - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٥).
وجه الدلالة: أن الله جعل السنين والحساب معلقًا بمنازل القمر، ولا يكون
стр. 76
ذلك إلا باعتبار الأشهر القمرية المعلقة بطلوع الهلال دخولًا وخروجًا (١).
د - قال ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا" (٢).
وجه الدلالة: أنَّ الرسول ﷺ علق دخول الشهر وخروجه برؤية الهلال، ورتب الحكم الشرعي -وهو الصوم هنا - على ذلك.
ثانيًا: أنَّ الاعتداد بالحول القمري والبناء عليه يتفق مع يسر الدين وسهولته ومخاطبته لجميع الناس، ذلك أن حسابه ومعرفة أيامه وأشهره في متناول الناس، ولا يحتاج فيه إلى متخصص. قال ابن القيم ﵀: "ولذلك كان الحساب القمري أشهرَ وأعرفَ عند الأمم، وأبعد عن الغلط، وأصح للضبط من الحساب الشمسي، ويشترك فيه الناس دون الحساب الشمسي" (٣).
وبذا يكون الحول القمري صالحا لكل الناس، العالم والجاهل، الحضري والبدوي، في القديم والحديث، مما يؤكد أن الأخذ به متعين دون الحول الشمسي، لما في الأول من عالمية تتناسب مع عالمية هذا الدين، لا سيما مع حاجة الناس كافة للاعتداد بتقويمٍ تسير عليه حياتهم على مختلف الأمكنة والأزمنة، فلم يكن إلا التقويم القمري الذي يحسب الحول القمري (٤).
стр. 77
وقد أفتت اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية بأنّ السَّنة المعتبرة في إخراج الزكاة هي السَّنة الهجرية والأشهر القمرية، ولا يؤخذ بالسَّنة الميلادية ولا الأشهر غير القمرية (١).
وذهب بيت الزكاة في الكويت إلى مراعاة الحول القمري في إخراج الزكاة، إلا إذا تعسّر ذلك بسبب ربط الميزانية للشركة أو المؤسسة بالسَّنة الشّمسية، فإنَّه يجوز مراعاة السَّنة الشمسية، وتزداد النسبة المذكورة بنسبة عدد الأيام التي تزيد بها السنة الشمسية على القمرية فتكون السنة عندئذ (٢. ٥٧٥ %) (٢).
وعند التأمل يبدو الخلاف بين الاتجاهين أشبه باللفظي، إذ الجميع متفقون على اعتبار الحول القمري، وإنما أجاز بيت الزكاة احتساب الزكاة وفق الحول الشّمسي مع معادلته بالقمري، لإخراج القدر الزائد من المال الزكوي المقابل للزمن الزائد من الحول الشمسي، وقيدوا ذلك عند تعسُّر إخراجه بالحول القمري، إلا أنّ الأصل المتفق عليه هو احتساب الزكاة وفق التاريخ الهجري، ولا ينبغي الاعتداد بالتاريخ الميلادي في ذلك إلا مع المشقَّة المعتبرة لما يلي:
أولًا: لما تقدم من النصوص والنقول الدالة على وجوب اعتبار الحول القمري دون الشمسي، لا سيما والحول الشمسي وضعي من وضع طوائف قبل الإسلام يزيدون فيه وينقصون، فهو لا يقوم على معيار منضبط بل على محض تحكم.
ثانيًا: ولأننا قررنا عدم جواز الأخذ بالتقويم الشمسي المتمثل بالتاريخ الميلادي واحتساب المواقيت والأحوال عليه، ويترتب عليه عدم الاعتداد به.
стр. 78
ثالثًا: أن اعتبار الحول الشمسي في الزكاة المتمثل بالتاريخ الميلادي يؤدي لتأخر دفع الزكاة قرابة أحد عشر يوما، لزيادة الحول الشمسي عن الحول القمري أحد عشر يومًا، مما يترتب عليه ترك المسلم لزكاة سنة كاملة كل ثلاثين سنة تقريبًا، مما يعني تفويت ملايين المسلمين لزكاة عام مرة أو مرتين في أعمارهم، وهذا بلا شك يلحق الضرر بمصالح الأمة العامة والخاصة المنبثقة من مصارف الزكاة الثمانية (١).
رابعًا: أن الاعتداد بالحول الشمسي يترتب عليه عدم تعلق الزكاة بذمة مزكيها في حال نقصان نصابه أو وفاته بعد تمام الحول القمري وعدم تمام الحول الشمسي، أي عدم وقوع ذلك في المدة الفارقة بين الحولين، وهي أحد عشر يومًا تقريبًا، وفي ذلك مفسدة لا تخفى، وتضييع لحق الله وحق عباده.
فإن شقَّ احتسابها بالتاريخ الهجري مشقَّة معتبرة، فيجوز احتسابها بالتاريخ الميلادي بناء على جواز تأخير الزكاة عند الحاجة لذلك (٢)، لا سيما أنَّه تأخير يسير (٣)، والمشقَّة تجلب التيسير (٤)، مع التقييد بما يلي:
стр. 79
١ - أن تعلقها بذمة المزكي يثبت من تمام الحول الهجري، وتكون دينا عليه حتى يؤديها، فلو مات أخرجت من تركته قبل قسمتها.
٢ - وجوب احتساب الفرق الناتج عن التأخر المذكور، وهو ما نصت عليه فتوى بيت الزكاة المشار إليها.
وبذلك يتبين أن نهاية الحول الميلادي أصبح زمنا للإخراج وليس وقتًا للوجوب.
стр. 80
الفصل الثاني
النوازل فيما يجب إخراجه من الأموال الزكوية
وفيه ستة عشر مبحثًا:
المبحث الأول: زكاة الزروع والثمار والماشية
المبحث الثاني: زكاة المصانع ومواد التصنيع
المبحث الثالث: زكاة الأوراق النقدية
المبحث الرابع: زكاة الحساب الجاري
المبحث الخامس: زكاة أسهم الشركات
المبحث السادس: زكاة الشركات المتعددة الجنسيات
стр. 81
المبحث السابع: زكاة السندات
المبحث الثامن: زكاة الصناديق الاستثمارية
المبحث التاسع: زكاة المال العام
المبحث العاشر: زكاة مال التأمين
المبحث الحادي عشر: زكاة مكافأة نهاية الخدمة
المبحث الثاني عشر: زكاة الراتب الشهري
المبحث الثالث عشر: زكاة الحقوق المعنوية
المبحث الرابع عشر: زكاة مال الإجارة المنتهية بالتمليك
المبحث الخامس عشر: زكاة مال الاستصناع
المبحث السادس عشر: حكم احتساب الضريبة من الزكاة
стр. 82
المبحث الأول
زكاة الزروع والثمار والماشية
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مقدار نصاب الزروع والثمار بالقاييس الحديثة
المطلب الثاني: المقدار الواجب إخراجه من الزكاة فيما يسقى بالآلات الحديثة
المطلب الثالث: زكاة الثمار المعدة للتجارة
المطلب الرابع: زكاة الحيوانات المتخذة للاتجار بنتاجها كالألبان ونحوها
стр. 83
المطلب الأول مقدار نصاب الزروع والثمار بالمقاييس الحديثة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: مقدار نصاب الزروع والثمار بالمقايس القديمة
وفيها تمهيد وثلاثة فروع:
التمهيد:
ذهب جماهير العلماء إلى أن نصاب الزكاة في الزروع والثمار هو خمسة أوسق (١)، ولا زكاة فيها إذا لم تبلغ ذلك (٢)، استدلالًا بقوله ﷺ : "ليس فيما دون
стр. 84
خمسة أوسق صدقة" (١). ولأجل معرفة مقدار هذا النصاب بالمقاييس الحديثة كان لا بد من معرفة مقدار الصاع النَّبوي (٢)؛ لأنَّ النصاب مُقَدَّر بالأوسق، والوسق مقدر بالصاع، ويتبين مقدار الصاع بمعرفة المدّ لأنَّه مُقَدَّر به، فقد اتفق العلماء على أنَّ الصاع النبوي أربعة أمداد بِمُدِّه ﷺ (٣).
الفرع الأول: مقدار المُدّ النبوي
قدَّر جماعة من العلماء المُدَّ بأنه أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، أو بملء كفي الإنسان المعتدل إذا مدَّ يديه بهما (٤).
стр. 85
وذلك بالنظر إلى أنّ المدّ وحدة كَيل يقاس بها حجم ما يوضع فيها كما هو الحال في الصاع أيضًا، وقد عمد الكثير من العلماء إلى تحديد المدّ والصاع بالوزن، ليحفظ مقداره وينقل، لعدم وجود مقاييس متعارف عليها يضبط بها الحجم سابقًا، كما ذكر ذلك ابن قدامة ﵀ فقال: "والأصل فيه -أي الصاع- الكيْل وإنما قدر بالوزن ليحفظ وينقل" (١).
ولذا فقد قدر الفقهاء المد النبوي بالأرطال (٢)، فذهب جمهورهم إلى أن المد النبوي هو رطل وثلث (٣).
مستدلين على ذلك بما جاء من الآثار الدالَّة أنَّ المعتمد في الكيل مكيال المدينة، كما جاء عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزانُ أهل مكة" (٤)، وهو مجمع عليه عند أهل الحجاز كما قال أبو عبيد ﵀: "وأما أهل الحجار فلا اختلاف بينهم فيما أعلمه أنَّ
стр. 86
الصاع خمسة أرطال وثلث، يعرفه عالمهم وجاهلهم، ويباع في أسواقهم ويحمل، علمه قرنٌ عن قرن" (١).
وقال ابن حزم ﵀: "فلم يسع أحدًا الخروج عن مكيال أهل المدينة ومقداره عندهم، ولا عن موازين أهل مكة، ووجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مُدّ رسول الله ﷺ الذي تؤدى به الصدقات ليس أكثر من رطل ونصف، ولا أقل من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث، وليس هذا خلافًا، ولكن على حسب رزانة المكيل، من البر والتمر والشعير" (٢).
وقال: "والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة" (٣).
وقال ابن قدامة ﵀: "روى جماعة عن أحمد أنه قال: الصاع وَزَنْتُه فوجدته خمسة أرطال وثلث حنطة" (٤)، ومنه يتبين أن المد يساوي رطلًا وثلثًا.
الفرع الثاني: في مقدار الرطل
والمقصود بالرطل المذكور في تحديد المد: هو الرطل البغدادي، وهو قول
стр. 87
عامة الفقهاء (١)، وقد اختلفوا في تحديد مقداره على أقوال متقاربة، أقربها أنه يزن مائة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع الدرهم، وهو الأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة، وقولٌ للمالكية، ورجحه ابن تيمية (٢) وابن قدامة ﵏ وقال الأخير: "والرطل العراقي: مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع الدرهم، ووزنه بالمثاقيل: تسعون مثقالًا، ثم زيد في الرطل مثقال آخر، وهو درهم وثلاثة أسباع درهم، فصار إحدى وتسعين مثقالًا، فكملت زنته بالدراهم مائة وثلاثين درهمًا، والاعتبار بالأول قبل الزيادة" (٣).
الفرع الثالث: مقدار وزن الدرهم (٤)
اختلف المعاصرون في زنة الدرهم بالموازين الحديثة، وسبب خلافهم، هو اختلاف الفقهاء في زنة الدراهم بحبَّات الشعير، واختلافهم في أنواع الدراهم، فأما اختلافهم في زنة الدراهم بحبات الشعير فعلى أقوال، أبرزها قولان:
القول الأول: إن وزن الدرهم الشرعي خمسون وخمسا حبة شعير، وهو قول الجمهور من المالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).
стр. 88
القول الثاني: إن وزن الدرهم الشرعي سبعون حبة شعير، وهو قول الحنفية (١)، ولم أقف على أدلة للفريقين، إلا أنَّ الأرجح هو رأي الجمهور، وذلك لموافقة ذلك لما وجد من دنانير قديمة كما سيأتي بيانه.
ويمكن الجمع بين القولين بأنَّ وزن الدرهم يتراوح بينهما لاختلاف حبة الشعير (٢).
وأما اختلافهم في أنواع الدراهم، فقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين، كعلي باشا مبارك ومحمود الخطيب -رحمهما الله- إلى أن الدراهم نوعان: دراهم نقد، ودراهم كيل (٣)، ولا دليل بَيِّنٌ على ذلك، بل الأظهر أنَّ الدرهم نوع واحد، وهو الدرهم النقدي الشرعي، فإذا استعمل في المكاييل كان درهم كيل، وإذا استعمل في المعاوضات كان درهم نقد، وقد أشار إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ ولم ينص أحد من المتقدمين -فيما وقفت عليه- على خلاف ذلك (٤).
стр. 89
بل قال ابن الرفعة ﵀ (١): "وقد صرح به الرافعي في الظهار، فقال: اشتهر عند أبي عبيد القاسم بن سلَّام أن درهم الشريعة خمسون حبة وخمسا حبة، وسمي ذلك درهم الكيل؛ لأنّ الرطل الشرعي منه يتركب، ويتركب من الرطل المد ومن المد الصاع" (٢).
قال محمد نجم الدين الكردي ﵀: "لم يثبت عند أحد الفقهاء الشرعيين أنّ هناك درهمًا للكيل مغايرًا في الوزن لدرهم الأموال" (٣)، ولذا فإن المعاصرين اختلفوا في زنة الدرهم بالجرام على أقوال أبرزها قولان:
القول الأول: إنّ الدرهم الشرعي يعادل ٢. ٩٧ جرام (٤).
стр. 90
القول الثاني: إنّ الدرهم الشرعي يعادل ٣. ١٧ جرام (١).
والأرجح هو القول الأول، وذلك أنه أمكن الوقوف على وزن الدينار الشرعي المسكوك في الدولة الأموية (٢)، مع كون السبعة من الدنانير تساوي عشرة دراهم، فالنسبة بينهما سبعة إلى عشرة بلا خلاف، وقد قام بعض الباحثين بجمع الدنانير الإسلامية المسكوكة في عهد عبد الملك بن مروان (٣) من بعض المتاحف وذلك على النحو التالي:
اسم المتحف أو الكتالوج ... عدد الدنانير ... مجموع أوزانها ... وزن الدينار
المتحف الفني الإسلامي المصري ... ١٩ ... ٧٩. ٩٥٥ جم ... ٤. ٢٠٨١ جم
المتحف العراقي ... ٤ ... ١٧. ٠١٧ جم ... ٤. ٢٤٣٥
متحف لندن ود لجادو ٧ ... ٢٩. ٧٠٥ جم ... ٤. ٢٤٣٥ جم
كتالوجات متاحف أجنبية ٣ ... ١٢. ٧٠٦ جم ... ٤. ٢٣٥٣ جم
المجموع ٣٣ ... ١٣٩. ٤٣٧ جم ... ١٦. ٩٥٤٩
стр. 91
فمتوسط الدينار من هذه المتوسطة هو ٤. ٢٣٨٦ جرام
وبالتقريب يكون: ٢٤. ٤ جرام
ويكون وزن الدرهم بناء على ذلك ٤. ٢٤ × ٠. ٧ = ٢. ٩٦٨، وبالتقريب يكون ٢. ٩٧ جرام (١)، وقد وافقت هذه النتيجة بعض التجارب على حبات الشعير، حيث بلغ وزن اثنتين وسبعين حبة شعير ممتلئ ما يقارب ٤. ٢٥، وهو وزن الدينار الشرعي، وبما أنّ نسبة درهم النقد الشرعي إلى مثقال النقد الشرعي هي ٧: ١٠ فيكون وزن الدرهم ٢. ٩٧٥ جرام، وبالتقريب ٢. ٩٧ فيكون موافقًا لما تقدم تقريبًا (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والوسق ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد بمد النبي ﷺ ، والمد خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، والرطل البغدادي ثمانية وعشرون درهما، والدراهم هي هذه التي هي من زمان عبد الملك، كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، فمبلغ النصاب بالرطل البغدادي ألف وستمائة رطل، وتقديره بالدمشقي ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطلًا وستة أسباع رطل" (٣).
стр. 92
المسألة الثانية: مقدار نصاب الزووع والثمار بالمقاييس الحديثة
وفيها فرعان:
الفرع الأول: مقدار النصاب بوحدة قياس الوزن [الجرام] (١):
وبناءً على ما تقدم من وزن الدراهم يتبين لنا وزن المد النبوي بالجرام وذلك، أن الرطل يساوي ١٢٨ درهمًا.
والمد يساوي رطلًا وثلثًا، فنعرف وزن المد بالطريقة التالية:
٢. ٩٧ × ١٢٨ × ١. ٣ - ٥٠٨. ٧٥ جرام.
ولما كان الصاع يساوي أربعة أمداد، علمنا أن وزنه يتبين بالطريقة التالية:
٥٠٨. ٧٥ × ٤ - ٢٠٣٥ جرامًا.
أي: كيلوان وخمس وثلاثون جرامًا من الحنطة الرزينة (٢).
وقد ذهب بعض المعاصرين (٣) إلى أن وزن الصاع يساوي ٢١٧٣ جرامًا وذلك اعتمادًا على أن وزن الدرهم هو ٣. ١٧ جرام، كما تقدم بيانه واستبعاده (٤).
стр. 93
وقد خلصت هيئة كبار العلماء في السعودية إلى أنّ مقدار الصاع بالكيلو، وكان البحث معتمدًا على أنّ صاع الرسول ﷺ أربعة أمداد، والصاع يساوي: ٢٦٠٠ جرام، وأن المدّ ملء كفي الرجل المعتدل، وكان تحقيق وزن المد في البحث لديهم هو ٦٥٠ جرامًا تقريبًا، فيكون الصاع: ٦٥٠ × ٤ - ٢٦٠٠ جرام (١)، وقد صدرت الفتوى منهم بأكثر من ذلك حيث قدروا الصاع بما يقارب ثلاثة كيلو، وهو يعادل (٣٠٠٠) جرام، (٢) إلا أنه يشكل على ذلك تفاوت الأيدي تفاوتًا كبيرًا، مع تفاوت المادة المكيلة أيضًا، مما يدفع للنظر في طريقة أدق مع تحديد نوع المكيل أيضًا (٣).
ومما تقدم يتبيَّن، أن الأرجح هو القول الأول، الذي حدد وزن الصاع بـ (٢٠٣٥ جرامًا)، أي: كيلوان وخمسة وثلاثون جرامًا (٤).
وبناء عليه: يكون وزن النصاب المكون من خمسة أوسق، بمعرفة أن الوسق ستون صاعًا فتكون النتيجة: ٣٠٠ × ٢٠٣٥ = ٦١٠. ٥ كيلوجرام.
стр. 94
الفرع الثاني: معرفة النصاب بوحدة قياس الحجم بالمليلتر (١)
تقدم تقدير الصاع بالوزن بوحدة قياس الكتلة والثقل وهي (الجرام)، مع كون الصاع يقوم على قياس الحجم، إلا أنَّ الفقهاء صنعوا ذلك لعدم وجود مقياس يمكن به قياس المكيل وضبطه، وقد استخدم وحدة قياس للحجم وهي (اللتر)، مما يحقق نتائج أدق من القياس بالجرام (٢)، وإن كنا سنحتاج إلى نتيجة الوزن؛ لمعادلتها بقياس الحجم في إحدى الطرق الاستنتاجية؛ ولذا فإنه يمكن معرفة النصاب باللتر في أحد الطرق التالية:
الطريقة الأولى: تحديد حجم الصاع بالمللتر عن طريق قياس حجم وزنه بالجرام؛ وهو (٢٠٣٥ جرامًا) من الحنطة الجيدة المتوسطة، وقد قام أحد الباحثين بوزن ذلك بإناء يقيس الحجم في إدارة المختبرات التابعة لهيئة المواصفات والمقاييس، وكانت النتيجة (٢٤٣٠) مللتر من البر الجيد المتوسط، أي: لتران وأربعمائة وثلاثون مليلتر، ويكون النصاب عندئذٍ ٢٤٣٠ × ٣٠٠ = ٧٢٩ لترًا تعادل خمسة أوسق (٣).
الطريقة الثانية: قياس حفنة الرجل المعتدل الخلقة
وقد قام بعض الباحثين في الهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس بقياس حفنة أربعين رجلًا معتدل الخلقة، فكان المتوسط هو ٦٢٨ مليلترًا (٤)، وهو ما يعادل مدًّا، فيكون الصاع ٦٢٨ × ٤ = ٢٥١٢، فيكون الفارق بين هذا الطريق والذي
стр. 95
قبله ٨٢ مليلترًا، وهو فارق يسير، لا سيما مع صعوبة التحديد الدقيق لوزن الصاع وحجمه، علمًا بأن النصاب يكون ٧٥٣. ٦٠٠ لترًا.
الطريقة الثالثة: قياس حجم الصاع بالوقوف على أصواع أو أمداد نبوية أثرية من عصور متقدمة، فلمّا لم يكن ذلك، تيسرت لي إجازة مدّ نبوي، حيث عدلت حجم مدّي بمدّ شيخي (١)، وعدل هو مدّه بمدّ شيخه، وهكذا عدل كل واحد في الإسناد مدّه بمدِّ شيخه حتى عُدِل المدّ بمدّ زيد بن ثابت، الذي كان يؤدي به زكاة الفطر للرسول ﷺ ، وبمعايرة المدّ الموجود لديَّ بالماء في إدارة مختبرات هيئة المواصفات والمقاييس تبين أن سعته هي ٧٨٦ مللترًا، فيكون حجم الصاع ٧٨٦ × ٤ = ٣١٤٤ مليلترًا، ويكون الفرق بينه وبين الطريق الذي قبله ٦٣٢ مليلترًا، كما أن بينه وبين الطريق الأول ٧١٤ مليلتر، وهو فارق كبير، ويكون النصاب بناءً على النتيجة الأولى ٩٤٣. ٢٠٠ لترًا، وقد وجدت أمدادًا أخرى مسندة، إلا أن الفارق بينها وبين المد المذكور ليس كبيرًا (٢).
стр. 96
فيشكل على هذا الطريق التفاوت الكبير بينه وبين الطرق الأخرى، لا سيما مع تطرق الخطأ في صناعة الأمداد ومعادلتها، حيث يتكرر ذلك أكثر من عشرين مرة تقريبًا، مما ينتج عنه زيادة أو نقص في الأمداد بلا شك، لا سيما مع عدم توفر المقاييس في العصور السابقة.
ولذا فإن الأخذ بنتيجة هذا الطريق يكون متى غلب على الظن سلامة الأمداد من التفاوت الكبير، كما لو وجد أحد الأمداد أو الأصواع يرجع إلى زمن قديم، وتأكد لنا من إسناده ودقة رجاله، أمَّا والأمر كذلك، فالذي يظهر لي الأخذ بالطريقين الأوليين، وأدقُّهما هو الطريق الأول، وبه يتحقق اليقين لكونه الأقل، مع أن الأمر على التقريب لا على التحديد، ذلك أنه لا يمكن ضبط الصاع النبوي على التحديد لعدم وجوده بعينه، أما وزنه ثم نقله فإنه لا يسلم من التفاوت مهما دق الموزون وتماثل (١) كما أنَّ الحسابات مهما بلغت، فلا بدَّ فيها من الخلل نتيجة اختلاف المآخذ والأقيسة، وهذا هو الموافق لمقاصد الشريعة القائمة على التيسير، والذي يتأكد مراعاته هنا لا سيما مع قوله ﷺ : "إنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (٢).
فما كان من جنس تلك المسائل، وشق ضبطه على التحديد فيكون الأمر فيه على التقريب، ولا يعني ذلك التفريط، بل يجب الاجتهاد في الوصول للحق مع عدم اطراح التقادير الأخرى، لا سيما المقاربة والقائمة على أساس معتبر (٣).
стр. 97
المطلبْ الثاني المقدار الواجب إخراجه من الزكاة فيما يسقى بالآلات الحديثة
اتفق العلماء على وجوب إخراج العشر في زكاة الزروع والثمار إذا لم تُسْق بكلفة ومؤونة، ونصف العشر فيما سُقي بكلفة ومؤونة (١)، وذلك لقوله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا (٢) العشر، وفيما سُقِي بالنضح نصف العشر" (٣)، فإن قيل: هل يتغير الواجب الزكوي المخرج زيادة أو نقصًا، نظرًا لزيادة التكاليف والإنتاج أو لا؟
فالجواب: بأنه لا تأثير لنفقات الري بالوسائل الحديثة على القدر الواجب إخراجه زكاة لا زيادة ولا نقصًا، وذلك لأن الوسائل الحديثة وإن كانت باهظة التكاليف إلا أنه يترتب على ذلك زيادة في الإنتاج، فلا ينقص الواجب المخرج عن المقدر شرعًا، وهو نصف العشر لما سقي بمؤونة، كما أنه لا تأثير لزيادة الأرباح
стр. 98
باستخدام تلك الوسائل في زيادة القدر المخرج زكاة ورفعه عن نصف العشر.
ولأن هذا الربح تقابله كلفة زائدة، ولا يمكن ضبط الأمر بغير ما ضبطه به النص؛ للتفاوت في أنواع الكلفة والمؤونة والأرباح (١).
стр. 99
المطلبْ الثالث زكاة الثمار المعدة للتجارة (١)
يجتمع في الثِّمار المعدَّة للتجارة سببان للزكاة:
أولهما: كونها عروض تجارة ويجب فيها ربع العشر.
وعروض التجارة: هي كل ما أُعد للبيع والشراء من العقارات والسيارات والسلع، فإذا حال عليها الحول من نيتها للتجارة وبلغت نصابا فإن الزكاة تجب فيها، فتقوّم عند تمام الحول، ويخرج ربع عشر قيمتها، ويدل على ذلك ما رواه سمرة بن
стр. 100
جندب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان أمرنا أن نخرج الصدقة من الذي تعد للبيع (١).
وثانيهما: كونها زروعًا وثمارًا، ويجب فيهما العشر أو نصفه أو ثلاثة أرباعه.
فقد اتفق الفقهاء (٢) في زكاة الزروع والثمار على أن ما سقي بالأمطار وماء الأنهار بلا آلة وجب فيه العشر، وأما المسقي بآلة، كالدلو والدولاب والساقية والناقة ونحو ذلك فيجب فيه نصف العشر، لأن المؤنة تكثر فيه وتقل فيما يسقى بالسماء أو السيح.
وقد نقل أبو شجاع من الشافعية عن البيهقي الإجماع على ذلك، كما حكاه صاحب البحر الزخار من الزيدية، وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا، وفي صحيح مسلم: "وفيما يسقي بالساقية نصف العشر" (٣).
ولا يشترط الحول في زكاة الزروع والثمار اتفاقًا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ لأن الخارج نماء في ذاته فوجبت فيه الزكاة فورًا كالمعدن، بخلاف سائر الأموال الزكوية، فإنما اشترط فيها الحول ليمكن فيه الاستثمار.
стр. 101
وقد اتفق الفقهاء أنه لا تجب فيها الزكاة مرتين للسببين المذكورين إذا تحققت فيها شروط الوجوب، واستدلوا على ذلك بما رُوِي من حديث فاطمة بنت حسين (١) مرفوعًا: "لا ثناء في الصدقه" (٢)، وإنما يجب إحدى الزكاتين، على خلاف بينهم أي الزكاتين هي الواجبة؟
وذلك على قولين:
القول الأول: تجب فيها زكاة التجارة، وهو قول الحنفية (٣) والشافعية في القديم (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥).
القول الثاني: تجب فيها زكاة العين، وهو قول المالكية (٦) والشَّافعية
стр. 102
في الجديد (١)، وقولٌ عند الحنابلة (٢).
الأدلة:
دليل القول الأول:
استدلوا بأن زكاة التجارة أنفع للفقراء؛ لأنها تجب فيما زاد بالحساب، وتزداد بزيادة القيمة (٣).
ويناقش: بأنه لا يلزم أن تكون أنفع للفقراء بكل حال، فقد يكون المقدار المخرج زكاة زروعًا وثمارًا أكثر؛ لكونه يعادل العشر أو نصفه أو ثلاثة أرباعه، بينما زكاة عروض التجارة تعادل ربع العشر، كما أن تقويمها إذا كانت عروضًا قد يقل لانخفاض قيمتها فتقصر عن النصاب، أو يكون نصابها متدنيًا بخلاف زكاة الزروع فهي ثابتة؛ لاعتمادها على الكيل.
أدلة القول الثاني:
١ - أن زكاة العين أقوى؛ للإجماع عليها ولتعلقها بالعين (٤).
٢ - أن نصابها يعرف قطعا بالعدد والكيل، بخلاف زكاة التجارة فإنما يعلم نصابها بالتقويم وهو ظني (٥).
стр. 103
يناقش: بأن استعمال الظن وارد في زكاة العين أيضًا عند الخرص لتقويم النصاب.
٣ - أن زكاة العشر أحظّ للفقراء من زكاة ربع العشر.
يناقش: بأن زكاة العشر أحظّ من وجه، وزكاة التجارة أحظّ من وجه، كما تقدم (١).
الترجيح:
يترجح القول الثاني لما يلي:
أولًا: عموم الأدلة القاضية بإيجاب زكاة العين في الزروع والثمار.
ثانيًا: أن زكاة العين أقوى؛ للإجماع عليها، وتعلقها بعين المال المزكى.
ثالثًا: أن الشارع لم يكن ليخفى عليه عند إيجاب زكاة الزروع والثمار أن كثيرًا من زارعيها أرادوا بها التجارة، ومع ذلك اكتفى فيها بتقرير زكاة الزروع والثمار.
رابعًا: أننا لو قلنا بتساوي الأدلة، فليس إيجاب زكاة التجارة فيها بأولى من إيجاب زكاة الزروع والثمار، فنبقى على الأصل وهو المتعلق بعين المزكى، وهو زكاة الزروع والثمار.
ولتنزيل حكم الثمار المعدة للتجارة على الواقع فإنها لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون مالكها يزرعها ثم يبيعها، فإنَّه يجري في هذه المسألة الخلاف السابق، ويترجح ما سبق وهو زكاتها زكاة العين بإخراج العشر أو نصفه من الزروع والثمار، والمتعين غالبًا في هذه الأزمان هو نصف العشر، لوجود الكلفة في الزراعة والتخزين ونحوها من متطلبات الزراعة الحديثة.
стр. 104
الحال الثانية: أن يكون مالكها يشتري المحصول بعد حصاده ليبيعه، فتجب فيها زكاة التجارة؛ لأنها عروض تجارة، ولم تصدق عليها أحكام زكاة الزروع والثمار؛ لأنها إنما تكون عند الحصاد؛ لعموم الآية: ﴿وَكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). ولذلك قال الإمام مالك ﵀: "والأمر عندنا في الرجل يشتري بالذهب أو الورق حنطة أو تمرًا أو غيرهما للتجارة، ثم يمسكها حتى يحول عليها الحول، ثم يبيعها، أن عليه فيها الزكاة حين يبيعها إذا بلغ ثمنها ما تجب فيه الزكاة، وليس ذلك مثل الحصاد يحصده الرجل من أرضه، ولا مثل الجداد".
وقال في المنتقى معلقًا على كلام الإمام مالك: "وهذا كما قال، أنه إذا اشترى حنطة أو تمرًا للتجارة ثم باعه بعد الحول، فإنَّه يزكي ثمنه زكاة الأثمان، ولا يزكيه زكاة الحبوب؛ لأنَّ الحبوب إنَّما تزكى زكاتها عند تنميتها على وجه الحرث وهو الزراعة، والتنمية بالتجارة إنَّما هي تنمية الذهب والفضة، والذي يراعى في ذلك جهة التنمية، فإن كانت من جهة الزراعة روعي فيها نصاب الحب، وكانت الزكاة في عينه، وإذا كانت التنمية بالتجارة روعي نصاب الثمن، وكانت الزكاة في قيمة الحب دون عينه" (٢).
علمًا بأنَّ القدر الواجب في الحالين المذكورتين إنَّما يجب إخراجه بعد تحقق ما يلي:
стр. 105
أولًا: بلوغ المال الزكوي نصابًا وهو خمسة أوسق في زكاة الزروع والثمار (١)، وقد تقدمت معادلتها بالمكاييل والأوزان الحديثة (٢)، أما في زكاة التجارة فيكون النصاب هو نصاب النقدين بعد تقويم العروض، وسيأتي بيانه تفصيلاً إن شاء الله (٣).
فإن بلغت إحدى الزكاتين نصابًا دون الأخرى، فإنَّه يجب إخراج الزكاة مما بلغ نصابًا، سواءً كانت زكاة تجارة، أو زكاة زروع وثمار، لوجود مقتضيها من غير معارض (٤).
ثانيًا: يتم حساب المال الذي يخضع للزكاة بعد استخراج الأصول الثابتة المستخدمة في إنتاج وبيع تلك الثمار، مثل الأبنية والأجهزة كالثلاجات والمعدات الزراعية ونحوها، لكونها عروض قنية، وليست للتقليب والنماء، فلا يجب فيها زكاة التجارة، وهي ليست من الزروع والثمار فزكاتها إنما تؤخذ منها (٥).
ثالثًا: مضي الحول، ويتحقق ذلك بالحصاد في زكاة الزروع والثمار، وبتمام سنة قمرية على العروض من حيث نية التجارة فيها، فإن سبق حول إحداهما الأخرى
стр. 106
стр. 107
المطلبْ الرابع زكاة الحيوانات المتخذة للاتجار بنتاجها كالألبان ونحوها (١)
فإن مما لا يخفى تنوع التجارات في هذه الأزمنة وكثرتها، ومن تلك التجارات التي نمت، وكثر طلابها وارتفعت أرباحها؛ تجارة المنتجات الحيوانية كالألبان والبيض ونحوها، مع عدم بحث تلك المسألة عند متقدمي الفقهاء؛ لندرة وقوعها قديمًا، مما يستدعي بحث المسألة ببيان أقسامها وأحكامها (٢)، وقد تعرَّض لها بعض الفقهاء المعاصرين، إلا أنها ما زالت تحتاج إلى البحث والتحرير؛ لذا فإنه يمكن تقسيم تلك المنتجات الحيوانية إلى قسمين - وذلك بحسب الحيوانات المنتجة - على النحو التالي:
стр. 108
القسم الأول: أن تكون الحيوانات المنتجة مما تجب الزكاة في عينه، كسائمة بهيمة الأنعام من إبل وبقر وغنم، فقد اختلفوا في حكم الزكاة فيها، وفي منتجاتها على أقوال ثلاثة وهي:
القول الأول: وجوب تزكية السوائم مع إنتاجها زكاة التجارة، وقال بذلك الدكتور أحمد الكردي (١)، والدكتور محمد رأفت عثمان، حيث قال: ما تنتجه هذه الحيوانات من ألبان، وما يستخرج منها، كالجلد والزبد والقشدة، وكذلك لحوم ما يذبح منها وجلودها، فإن الموجود منه في نهاية العام يجب أن تقومه الشركة وتضيف القيمة إلى ثمن الحيوانات نفسها المنتجة له، إذا بلغ ذلك كله نصاب زكاة الأثمان وجب أن يخرج منه ربع العشر، وهذا ما صرَّح به الفقهاء القدامى، حيث يقول جلال الدين المحلِّي (٢) في شرحه لمنهاج الطالبين للنووي بعد أن ذكر الرأي الجديد والقديم للشافعي القائل بتزكية الحيوانات زكاة التجارة: "تقوَّم مع دَرِّها ونسلها، وصوفها، وما اتخذ من لبنها، بناء على أن النتاج مال تجارة" (٣).
القول الثاني: تزكى الحيوانات المنتجة زكاة السائمة (٤)، وتزكى غلتها زكاة
стр. 109
التجارة، وقال بذلك الدكتور محمد بن عبد الغفار الشريف (١).
القول الثالث: تُزَكَّى الغَلَّة زكاة النقود، ويكون ذلك عند استفادته أو بعد حولان حول على ذلك، وقال بذلك الدكتور الخضر علي إدريس (٢)، وعليه العمل في ديوان الزكاة بالسودان (٣)، ومال إليه الشيخ عبد الله بن منيع، مع جعل زكاة الغلة بعد حولان الحول (٤).
الأدلة:
دليل القول الأول: أن الحيوان ونتاجه مال قصد به التجارة فيجب تزكيته زكاة التجارة.
ونوقش: بأنه لا يُسَلَّمُ بأن المال في هذه الصورة هو عروض تجارة، وذلك لأنَّ العروض هي التي تُعدُّ للتقليب في البيع والشراء، وليس الأمر كذلك هنا،
стр. 110
فالحيوانات لا يقصد الاتجار ببيعها وشرائها، وإنما ببيع نتاجها (١).
دليل القول الثاني: أن الحيوانات المنتجة مما تجب الزكاة في عينه؛ لكونها سائمة أنعام، أما نتاجها كالألبان ونحوها فهي مال آخر تجب فيه زكاة التجارة، فهما مالان تجب في كُلٍّ منهما زكاة تختلف عن الأخرى لاختلاف سببها، ففي سائمة الأنعام تجب الزكاة بسبب السَّوم، وفي الغلة أو النتاج تَجِب الزكاة بسبب الاتجار به.
ونوقش: بأن وصف التجارة يزيل سبب زكاة السوم، وهو الاقتناء لطلب النماء، كما أَنَّهما في الحقيقة مال واحد، فالغلّة ناتجة عن الحيوان، ولا يجوز تثنية الزكاة في الملك الواحد (٢).
دليل القول الثالث: أن هذه الحيوانات مستغلات تجب الزكاة في غلتها، لأنَّ الغلة مال نامٍ قائم تجب تزكيته، وليس هو عرض تجارة ولا زرع، وهو آيل لأثمان يقبضها صاحبها، فتجب تزكيتها زكاة النقود (٣).
ونوقش: بأنه لا يُسَلَّم اعتبارها مستغلات؛ لكون الأصل الذي نتجت عنه الغلة تجب الزكاة في عينه، وأما الغلَّة فإن بقيت وحال عليها الحول فهي مال تجارة لا أثمان، وإن بيعت فالزكاة واجبة في قيمتها بعد حولان الحول وما نتج عنها من أرباح (٤).