← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17354

نوازل الزكاة

الغفيلي، عبد الله بن منصور

Полный текст (552 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القول الثاني: وجوب زكاة الأجرة المعجلة من حولان حول على العقد، وهو المذهب عند الحنفية (١) وقول عند المالكية (٢) والشافعية، (٣) والمذهب عند الحنابلة (٤). أدلة القولين: دليل القول الأول: أن ملك المؤجر للأجرة لم يتحقق إلا بانقضاء مدّة الإجارة؛ لأنها كانت بمثابة الوديعة عنده (٥). دليل القول الثاني: أن المؤجر ملك الأجرة من حين العقد، بدليل جواز تصرفه فيها، فابتدأ الحول من حين العقد (٦). ويناقش: بأن ملكه حصل بالعقد؛ لاستحقاق العوض به، فابتدأ الحول منه، ويتأكد ذلك باشتراط تعجيل العوض (٧). الترجيح: الراجح ابتداء الحول من حين العقد لاستحقاق العوض به، وتحقق الملك للمال بذلك، ولو لم يقبض، كالدين إن كان على مليء، فإن كان معسرًا أو مماطلًا فحَولُه من قبضه، كما تقدم تقريره في زكاة الدين، فإن كان استحقاق الأجرة مؤجلا بتمام العمل، فالحول من حين حلول وقت الاستحقاق.

стр. 212

سبب الخلاف: اختلافهم في وقت استحقاق أجرة الإجارة، أيكون بالعقد أم بانقضاء مدّة الإجارة واستيفاء المنفعة؟ فمن قال باستحقاقها باستيفاء المنفعة وتمام العمل المتعاقد عليه، قال بابتداء الحول من حين استيفاء المنفعة وانقضاء مدّة الإجارة (١)، ومن قال باستحقاقها بالعقد، فَحَوْلُ زكاته من حين التعاقد قبض أم لم يقبض (٢). وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخلاف المذكور إنما هو في حال إطلاق العقد وعدم تقييد الأجرة بوقت معجل أو مؤجل، فأما عند التقييد -كما هو الحال في صناديق الاستثمار- فهم متفقون على أن الاستحقاق معلق بالشرط، (٣) وهو الذي تشهد له قواعد الشريعة وأدلتها من مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). وقوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم" (٥).

стр. 213

وقول الخليفة الراشد عمر ﵁: (مقاطع الحقوق عند الشروط) (١)، وقد تحقق التراضي بين المتعاقدين في التأجيل أو التعجيل، وانبنى البيع على ذلك، فكان العدل تحقيق ذلك. وبناء عليه فإن حول زكاة أجرة المدير للصندوق الاستثماري في هذه الحالة يبدأ من حين استحقاقه للأجرة، وذلك من العقد في واقع الاستثمارات المصرفية، فإن تخلف ذلك فمن حين الاستحقاق كما تقدم (٢). * * *

стр. 214

المبحث التاسع زكاة المال العام وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بالمال العام المطلب الثاني: زكاة المال العام المطلب الثالث: تطبيقات معاصرة لزكاة المال العام

стр. 215

المطلبْ الأول المراد بالمال العام لم يكن مصطلح المال العام شائعًا عند الفقهاء المتقدمين، وإنما كانوا يعبرون عنه بمال بيت المال (١)، فقد استخدم لفظ المال العام عند قلة من المتقدمين (٢)، وكثرة من المتأخرين (٣)، وقد عُرِّف بأنه: "المال المرصد للنفع العام، دون أن يكون مملوكا لشخص معين، أو جهة معينة، كالأموال العائدة إلى بيت مال المسلمين. . " (٤). وأشمل منه أن يعرف بأنه: المال الذي استحقه المسلمون بطريقة مشروعة، ولم يتعين مالكه، ويتولى ولي أمر المسلمين -نيابة عنهم- صرفه في مصالحهم العامة (٥).

стр. 216

ويتضح أن من أبرز سمات المال العام ما يلي: ١ - مستحقه المسلمون بلا تعيين. ٢ - المباشر للتصرف فيه هو ولي أمر المسلمين، نيابة عنهم. ٣ - مصارفه هي مصالح المسلمين العامة (١). * * *

стр. 217

المطلب الثاني زكاة المال العام تبين من تعريف المال العام بأنه غير مملوك لمعين، مما يستلزم بيان حكم اشتراط ملك المال التام بالنسبة للمزكي، حيث اتفق الفقهاء على أن الملك (١) التام للمال شرط لإيجاب الزكاة على مالكه (٢)، واختلفت أقوالهم في المراد بهذا الشرط، إلا أنه يمكن إجمالها وصياغتها في قولين (٣): القول الأول: ملك الرقبة واليد، وذلك بأن يتمكن من التصرف فيما يملك بحسب اختياره، وهو قول الجمهور من الحنفية (٤). . . . . . . . . . . . . . .

стр. 218

والمالكية (١) وقول عند الشافعية (٢)، والمذهب عند الحنابلة (٣). القول الثاني: ملك الرقبة فقط، وهو المذهب عند الشافعية (٤) الحنابلة (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قول علي ﵁: "لا زكاة في مال الضمار". وجه الدلالة: أن المال الضمار لا يقدر صاحبه على الانتفاع به، فلا يتحقق فيه الملك (٦).

стр. 219

٢ - أن المال الذي لا يمكن صاحبه الانتفاع به، لا يتحقق به الغنى الموجب للزكاة (١). ٣ - أن المال الذي لا يمكن صاحبه الانتفاع به، لا يتحقق فيه معنى النماء، فيأخذ حكم أموال القنية التي لا تجب فيها الزكاة (٢). أدلة القول الثاني: ١ - أن الملك فيما ضل أو غصب مما لا يقدر على الانتفاع به، باق على حكم الأصل، فوجب أن تلزمه الزكاة على حكم الأصل (٣). ويناقش: بعدم التسليم ببقائه على حكم الأصل؛ لأن المقصود من الملك هو القدرة على الانتفاع، وهو غير متحقق هنا، لعدم استقرار الملك، لاحتمال فقده، لا سيما مع غيابه. ٢ - لأن جنس المال إذا كان ناميًا وجبت فيه الزكاة وإن كان النماء مفقودًا، قياسًا على ما لو حبس ماله عن طلب النماء فعدم الدَّرّ والنسل، ولم تربح تجارته، فإنها تجب زكاته (٤). ويناقش: بأن النماء المقصود هو النماء الحقيقي أو الحكمي، فإن كان المال مقدورًا على الانتفاع به، والتصرف فيه، ولم يكن من أموال القنية والحاجة الأصلية، فإنه يعتبر ناميًا، لقابليته للنماء، بخلاف المال الضال والمغصوب ونحوهما مما لا يقدر على الانتفاع بها، فليست نامية، حقيقة ولا حكمًا، فالقياس مع الفارق.

стр. 220

الترجيح: يترجح القول بتفسير تمام الملك بأنه القدرة على التصرف بالمملوك، إلا أن ذلك لا يلزم منه إمكان التصرف فيه حالًا، وإنما يقصد منه استقرار الملك وثباته، بإمكان التصرف حالًا أو مآلًا من مالك معين، وذلك لما يلي: ١ - قوة ما استدل به القول الأول، مع الإجابة عن أدلة القول الثاني. ٢ - أن تطبيقات الفقهاء القائلين باشتراط ملك اليد والرقبة تؤكد ذلك، وأن المقصود هو استقرار الملك، وإمكان التصرف حالًا أو مآلًا، فقد أوجبوا الزكاة في الدين المؤجل (١)، وفي المال الذي نسي مكانه سنين ثم وجده (٢)، فيزكيه لما مضى من السنين، مع عدم! مكان التصرف حالًا في المال المذكور، إضافة إلى موافقة ذلك المعنى لما استدل به أصحاب القول الأول. ٣ - كما أن مقتضى تمام الملك أن يكون المالك معينًا، وهذا ما تؤكده نصوص الفقهاء، حيث لم يوجبوا الزكاة فيما أوقف أو أوصي به على غير معين (٣)، ونص

стр. 221

الشافعية على اشتراط تعيين المالك لإيجاب الزكاة (١) مع كونهم لا يشترطون إمكان التصرف لوجوب الزكاة كما تقدم، مما يؤكد اتفاق الفقهاء على ذلك. ومما يدل على اشتراط تمام الملك للمال، وكونه مملوكا لمعين، لإيجاب الزكاة فيه، ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). وجه الدلالة: أنه أضاف الأموال إليهم، في قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾. مما يدل على ملكهم إياها، واختصاصهم بالتصرف والانتفاع بها، وقد أمر بأخذ الزكاة منها، مما يدل على أن محل الزكاة هو ما يملكون من الأموال، كما أن الخطاب في هذه الآية موجه للرسول ﷺ ؛ ليأخذ الزكاة من مُلّاك الأموال المعينين؛ ولذا أضافها إليهم، ولو كانت أموالا لغير معينين، لما أضافها إليهم، وأمره بأخذ الزكاة منهم. ٢ - قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "أَعْلِمْهم أنْ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٣). وجه الدلالة: أن قوله: "من أغنيائهم". دال على ملكهم التام للمال، إذ الغنى لا يحصل إلا بذلك، كما أن وصفهم بالغنى المقتضي لأخذ الزكاة منهم دال على تعيينهم. ٣ - أن الزكاة تمليك للمستحقين، والتّمليك فرع عن الملك لمعين؛ فغير المالك المعين لا يمكنه التصرف والتّمليك المطلق للغير (٤).

стр. 222

٤ - أن الملك التام المقتضي لتعيين المالك، القادر على التصرف المطلق في المال والانتفاع به، هو الذي تحصل به النعمة، التي تستوجب الشكر بأداء الزكاة (١). فبناء على ما تقدم لا بد من تحقق ثلاثة شروط لتأثير سبب الملك في وجوب الزكاة، واعتباره ملكًا تاما، وهي: استقرار الملك، والقدرة على التصرف المطلق في المال المملوك، وكون المالك معينًا. وقد تعرض الفقهاء لمسألة زكاة مال بيت المال، وهو مال المسلمين العام، وقرروا عدم وجوب زكاتها؛ لعدم تعين مالكها، ولكونها تصرف في مصالح المسلمين (٢). كما أن بعض نصوصهم الفقهية الدالة على عدم وجوب الزكاة في أموال الغنائم قبل قسمتها (٣)، تفيد القول بعدم وجوب زكاة المال العام أيضا؛ لكون مال الغنائم من الأموال العامة، مما يجعلنا نقول باتفاقهم على ذلك (٤). وقد اتفق المعاصرون على ذلك أيضا (٥)، وإنما وقع الخلاف لديهم في زكاة المال العام إذا استثمر، وذلك على قولين:

стр. 223

القول الأول: وجوب زكاته، وهو قول محمد بن الحسن الحنفي (١) (٢)، واختاره لدكتور محمد نعيم يا سين (٣)، والدكتور رفيق المصري (٤)، والدكتور عبد الحميد لبعلي (٥)، والدكتور حسن البيلي (٦)، وهو ما أخذ به قانون الزكاة السوداني (٧). القول الثاني: عدم وجوب زكاته، ويتخرج عليه اتفاق الفقهاء المتقدم في زكاة المال العام (٨)، وهو قول جماهيرهم فيما يستثمر من هذا المال (٩)، واختاره أكثر المعاصرين، (١٠) وبه أفتت الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية (١١).

стр. 224

أدلة القولين: أدلة القول الأول: ١ - أن مصرف المال العام مختلف عن مصرف الزكاة، مما يوجب الزكاة فيه (١). ويناقش: بأن اختلاف المصرف لا يلزم منه إيجاب الزكاة في المال العام، فتلك عبادة لا بد لإيجابها من دليل، كما أن لكل نوع من المال مصرفه المقصود شرعا، مع اتفاق تلك الأموال في بعض المصارف (٢). ٢ - أن سبب وجوب الزكاة في المال كونه ناميًا، فإذا اتخذ المال للاستثمار فقد تحقق فيه هذا السبب، فوجبت زكاته (٣). ويناقش: بأن نماء المال وحده لا يكفي لإيجاب الزكاة، فلا بد من تحقق سبب الوجوب الآخر وهو الملك. ٣ - أن المال العام أنواع؛ فمنه ما يكون مخصصا للمصالح العامة كالتعليم والصحة والمواصلات ونحوها، فلا تجب عندئذ زكاته، ومنه ما يكون مملوكا ملكية

стр. 225

خاصة للدولة بجهاتها التنظيمية والتنفيذية، كالمال العام المستثمر، فتجب عندئذ زكاته؛ لكون ملكيته تامة (١). ونوقش: بأنه لا يسلم هذا التقسيم، فالمال العام ليست ملكيته خاصة، لا للدولة ولا للناس، وإنما هو ملك للمسلمين عمومًا، بلا تعيين، ويصرفه الإمام بالنيابة عنهم في مصالحهم، سواء كان ذلك مما يصرف مباشرة في مصالحهم، أو مما يستبقى أو يستثمر، فتصرفات الدولة إنما هي باعتبار كونها نائبة عن المسلمين لا مالكة؛ ولذا فيجب عليها مراعاة المصلحة في التصرف في المال العام (٢). ٤ - أن الزكاة أصبحت لا تفي بحاجات المسلمين الضرورية، لا سيما مع تقاعس كثير من الأغنياء عن إخراجها، إضافة لعدم تخصيص كثير من الدول نصيبا للفقراء يسد حاجاتهم من الأموال العامة، مما يؤكد القول بوجوب زكاة الأموال العامة، لا سيما المخصصة للاستثمار (٣). ونوقش: بأن فاقة المسلمين، وعدم تخصيص الحكام ما يكفي للفقراء من المال العام، لا يسوّغ إيجاب الزكاة في مال لم يستكمل أسباب الوجوب؛ فالزكاة عبادة، يقتصر في إيجابها على ما ورد به النص، وأمَّا حاجة المسلمين فتستدفع بأسباب أخرى كالوقف والصدقة (٤).

стр. 226

أدلة القول الثاني: ١ - أن الزكاة لا تجب في المال إلا إذا تحقق سبب وجوبها، وهو الملك التام، فلما لم يتحقق ذلك في المال العام، لم تجب فيه الزكاة (١). ونوقش: بأن ذلك لا يصدق على جميع الأموال العامة، وذلك أن المقصود من تمام الملك هو القدرة على التصرف في المال من المالك أو نائبه، وهذا متحقق في المال العام الذي يتمكن الإمام من تنميته باستثماره بالنيابة عن المسلمين المستحقين؛ فتجب زكاته عندئذ (٢). وأجيب: بعدم التسليم؛ لأن تمام الملك لا يتحقق بمجرد إمكان تصرف الإمام في المال، وذلك لأن تصرفه مقيد بمصلحة المسلمين، وليس مطلقا، كما أن المنوب عنهم، لا يستطيعون التصرف في المال المذكور، لكونهم غير معينين، مما يتبين معه نقصان الملك (٣). ٢ - أن الزكاة لا تجب في المال إلا باعتبار الغنى، وملك المسلمين للأموال العامة لا يحقق لهم الغنى، فلا تجب فيها الزكاة (٤). ٣ - القياس على المال العام غير المستثمر، في عدم وجوب زكاته، بجامع عدم تمام الملك في كل منهما، فلا تجب فيهما الزكاة (٥).

стр. 227

الترجيح: يترجح لي القول الثاني، وهو عدم إيجاب الزكاة في المال العام المستثمر؛ لكونه غير مملوك ملكا تاما، لا سيما مع اتفاقهم على عدم وجوب زكاة المال العام غير المستثمر، فيكون حكمهما واحدا؛ لتحقق العلة المتقدمة فيهما، ولكون الناتج من الاستثمار تابعًا للأصل في الحكم، والتابع تابع ولا يفرد بحكم (١)، فضلا عن أن يكون ناقلا لحكم الأصل. مع كون الزكاة عبادة، لا بد لها من نية، ولا يمكن هذا مع عدم تعين المالك. وهذا لا يعني عدم جواز الصرف من المال العام في مصارف الزكاة عند الحاجة لذلك، بل يجب على الإمام الاجتهاد في سد حاجة المحتاجين، وتحقيق المصلحة العامة للمسلمين، إلا أن تقصيره في ذلك ليس مبررا لإيجاب الزكاة في مال لا تجب فيه. * * *

стр. 228

المطلبْ الثالث تطبيقات معاصرة لزكاة المال العام وفيه مسألتان: المسألة الأولى: زكاة الشركات التي تمتلكها الدولة (١) تقدم بيان حكم زكاة الأموال العامة المستثمرة (٢)، ومن صور ذلك التطبيقية: استثمار الدولة للأموال العامة في شركات في مختلف المجالات، سواء كان ذلك في القطاع العام أو الخاص (٣).

стр. 229

وتأسيسًا على ما تقدم من أن الأموال العامة تفتقد لشرط الملك التام؛ لعدم تعين مالكها، فإنه لا تجب زكاة أموال تلك الشّركات، مهما اختلف نشاطها، أو كثرت أرباحها (١). المسألة الثانية: زكاة نصيب الدولة في الشّركات الاستثمارية يعتبر نصيب الدولة في الشّركات الاستثمارية -مساهمة كانت أو غير مساهمة- مالًا عاما مستثمرًا، كما تقدم، إلا أنه لما كان هذا النصيب مختلطًا بمال خاص لمستثمرين آخرين، استدعى ذلك النظر في تأثير خلطة المال العام بالخاص على إيجاب الزكاة في المال العام، وقد تقدم تقرير تأثير الخلطة في جميع الأموال الزكوية، (٢) إلا أن ذلك لا يلزم منه إيجاب الزكاة على من لا تجب عليه، كما هو الحال في نصيب الدولة في الشّركات المساهمة؛ لعدم أهلية الدولة للزكاة؛ لكونها لا تملك المال العام ملكًا تاما، ولذا فإن الفقهاء الذين عمموا تأثير الخلطة في الأموال الزكوية استثنوا من ذلك الأموال العامة (٣). كما قال في نهاية المحتاج (٤): "نبه بقوله: أهل الزكاة، على أنه قيد في الخليطين، فلو كان أحد المالين موقوفا أو لذمي أو مكاتب أو لبيت المال لم تؤثر الخلطة شيئا، بل يعتبر نصيب من هو من أهل

стр. 230

الزكاة إن بلغ نصابا زكاه زكاة المنفرد، وإلا فلا زكاة". وإنما تجب الزكاة على باقي الشركاء ممن تحققت فيهم موجبات الزكاة، من ملك تام لنصاب، وحولان حول (١). * * *

стр. 231

المبحث العاشر زكاة مال التأمين وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف التأمين وأنواعه المطلب الثاني: زكاة مال التأمين

стр. 232

المطلبْ الأول تعريف التأمين وأنواعه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف التّأمين لم يكن التّأمين من المعاملات المعروفة في الأزمان المتقدمة (١)، لذا فإننا لا نجد له تعريفًا إلا في كتب المعاصرين مع خلاف بينهم في تعريفه لكثرة أنواعه وعناصره؛ لذا فإنني سأسوق جملة من التعريفات، ثم أختار ما أراه منها مناسبًا، فمن ذلك تعريف التّأمين بأنه: ١ - نظام تعاقدي يقوم على أساس المعاوضة، غايته التعاون على ترميم أضرار المخاطرة الطارئة، بواسطة هيئات منظمة تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أساس

стр. 233

وقواعد إحصائية (١). ويناقش: بأن التعاون غاية للتأمين التعاوني والاجتماعي، أما التجاري فغايته الربح، كما أن هذا التعريف هو للتأمين باعتباره نظامًا، والأشمل هنا تعريفه باعتباره عقدًا. ٢ - عقد يلتزم المؤَمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤَمَّن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التّأمين لصالحه مبلغا من المال، أو إيرادا مرتبا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبيَّن بالعقد، وذلك نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن (٢). ونوقش: بأنه لم يذكر أن الخطر احتمالي، وهو من سمات التّأمين المهمة، مع ما فيه من طول (٣). ويُردّ على ذلك بأن الاحتمالية لا توجد في جميع صور التأمين؛ مثل التأمين على الحياة، فالموت ليس احتماليا وإنما واقع حتمًا. ٣ - عقد بين طرفين يلزم أحدهما بمقتضاه أن يدفع للثاني مبلغا من المال، ترميمًا لضرر لحق به بسبب حادث مبين في العقد، وذلك مقابل القسط الذي يدفعه الطرف الثاني (٤).

стр. 234

ويناقش كذلك بعدم بيان احتمالية الخطر. ٤ - التزام طرف لآخر بتعويض نقدي يدفعه له أو لمن يعينه، عند تحقق حادث احتمالي مبين في العقد، مقابل ما يدفعه له هذا الآخر من مبلغ نقدي في قسط أو نحوه (١). ويلحظ أن التعاريف متقاربة، ولعل أقربها الأخير، وهو تعريف للتأمين بصورته العامة، وأما تعريفه باعتبار أنواعه فسيأتي عند ذكر تلك الأنواع. وقد اشتمل التعريف المختار على أهم سمات التّأمين، كما في البيان التالي: فقوله: (التزام): فيه بيان أن التّأمين عقد لازم. (طرف لآخر): المؤمن والمؤمن له، وهما من أركان التّأمين. (بتعويض نقدي): وهو مبلغ التّأمين، وفيه إشارة للمعاوضة، إلا أن المعاوضة الربحية قد لا تكون مقصودة كما في التّأمين التعاوني والاجتماعي. (أو لمن يعينه): وذلك عند كون مبلغ التّأمين مشروطا لغير المؤمن. (حادث احتمالي): ليعم الخطر وغيره مما حدد في العقد، مع كونه احتماليا؛ فليس متعين الوقوع. (مقابل ما يدفعه له هذا الآخر): ويراد به المؤمن له، وفيه الإشارة للمعاوضة. (مبلغ نقدي في قسط أو نحوه): ويراد به المبلغ الذي يدفعه المؤمن له، سواء كان قسطًا، أو دفعة غير قسطية (٢).

стр. 235

المسألة الثانية: أنواع التّأمين للتأمين أنواع متعددة أهمها: تنوعه باعتبار حقيقته وشكله، حيث يتنوع بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: التأمين التجاري ، ويسمى التّأمين بقسط ثابت. وهو النوع الذي ينصرف إليه لفظ التّأمين عند الإطلاق، وينطبق عليه التعريف العام المتقدم، فهو يقوم على المعاوضة، ويقصد منه تحقيق الربح، ولا يحق للمؤمن له استعادة القسط المدفوع للمؤمن في حال عدم تعرضه للخطر المحتمل، وبتنوع التّأمين التجاري بهذا المعنى إلى أنواع: ١ - تأمين الأشخاص: وهو التّأمين الذي يبرمه الشخص ضد الأخطار التي تهدد بدنه كالتّأمين على الحياة، والتّأمين ضد الحوادث، وغيره. ٢ - تأمين الأموال: وهو التّأمين الذي يعقده الشخص لحماية الأموال ضد الأخطار، وهو يعم جميع الأموال والممتلكات العامة والخاصة، فهو أشمل أنواع التّأمين. ٣ - تأمين المسؤوليات: وهو تأمين على كل ما ينشأ من مسؤوليات تجاه الفرد أو الجماعة للغير بسبب تصرفات خاطئة، أو إهمال أو إضرار بالغير بأي سبب كان من أسباب المسؤولية المدنية، فيكون التّأمين ضد رجوع الغير بالمسؤولية على المؤمن له، كتأمين السيارات والطائرات والقطارات، ضد المسؤولية المدنية، وكتأمين الأطباء والمهندسين والمقاولين ونحوهم ممن قد يلحق عمله ضررا بالآخرين (١).

стр. 236

النوع الثاني: التأمين التعاوني، ويسمى التّأمين التبادلي ويراد به اكتتاب مجموعة من الأشخاص يتهددهم خطر واحد بمبالغ نقدية على سبيل الاشتراك، يعطى منها تعويض لكل من يتعرض للضرر من هؤلاء (١). وقد تتولى إدارة عملية التّأمين التعاوني مؤسسة أو شركة بصفة الوكالة بأجر، فيكون التّأمين التعاوني مركبًا، ويراد به: عقد تأمين جماعي، يلتزم بموجبه كل مشترك فيه بدفع مبلغ معين من المال على سبيل التبرع؛ لتعويض المتضررين منهم على أساس التكافل والتضامن عند تحقق الخطر المؤمن منه، وتدار فيه العمليات التّأمينية من قبل شركة متخصصة على أساس الوكالة بأجر معلوم (٢). النوع الثالث: التأمين الاجتماعي: وهو نظام إجباري تشرف عليه الدولة، بغرض تحقيق الضمان الاجتماعي، ويموله المؤمن عليه وصاحب العمل والدولة، بمساهمات دورية موحدة أو مختلفة في المقدار والنسبة؛ ليحصل المؤمن عليه أو من يعول على تعويض أو مكافأة أو راتب عند تحقق الخطر المؤمن ضده. ومن ذلك التّأمينات التقاعدية، والاجتماعية، والصحية، وغيرها من أنواع التّأمينات العامة (٣). * * *

стр. 237

المطلب الثاني زكاة مال التأمين وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: زكاة مال التّأمين التجاري لم أقف على بحث في حكم زكاة مال التّأمين وكيفيتها، إلا ما يتعلق بزكاة المال في بعض صور التّأمين الاجتماعي (١)؛ لذا فإني سأتحدث عن كل نوع على حدة، مبتدئًا ببيان حكم زكاة التّأمين التجاري، حيث اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التّأمين التجاري على قولين: القول الأول: التحريم وهو قول أكثر الفقهاء المعاصرين (٢)، وبه صدر قرار

стр. 238

مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (١)، والمجمع التابع لمنظمة المؤتمر (٢)، وهو قرار هيئة كبار العلماء بالسعودية (٣). والقول الثاني: الجواز، وقال به بعض المعاصرين، منهم الشيخ مصطفى الزرقا (٤). وبناء على خلافهم هذا فإنه يتخرج قولان في وجوب زكاة أقساط أو دفعات التّأمين التجاري التي يدفعها المؤمَّن له للمؤمِّن، حيث إن القول بتحريم التّأمين التجاري يجعل حكم زكاته كحكم زكاة المال الحرام، وقد تقدمت الإشارة إليه، وبينت أن القول بعدم وجوب زكاته هو قول عامة الفقهاء المتقدمين والمعاصرين (٥)، لِفَقْد شرط ملك المال الحرام بالنسبة لقابضه، لا سيما وأن القائلين بتحريم التّأمين التجاري لم يقل أحد منهم بوجوب زكاة المال الحرام فيما وقفت عليه، فيجب على المؤمن التخلص من هذا المال الذي يعتقد حرمته، فإن لم يفعل فإنه يخرج قدر الزكاة منه؛ لأن المال مملوك للمؤمِّن بعد قبضه، مع تأثيمه عند القائلين بالتحريم، ولو سلمنا بعدم استقرار الملك فيه، فإن ذلك لا يمنع مطالبته بإخراج القدر الزكوي من المال؛ إبراء للذمة، وإيصالا للحق لأهله، وفي مثل هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأموال التي بأيدي هؤلاء الأعراب المتناهبين إذا لم يُعرف لها مالك معين فإنه يخرج زكاتها، فإنها إن كانت ملكا لمن هي في يده كانت زكاتها عليه، وإن لم تكن ملكًا له ومالكها مجهول لا يعرف فإنه يتصدق بها كلها، فإذا تصدق بقدر زكاتها

стр. 239

كان خيرًا من ألا يتصدق بشيء منها، فإخراج قدر الزكاة منها أحسن من ترك ذلك على كل تقدير" (١). وتكون صفة زكاة التّأمين بالنسبة لشركات التّأمين التجارية بأن تحسب الشّركة رأس مالها وأرباحها، مع الديون المرجوة لها عند الغير، وتخصم الديون التي عليها، وقيمة أصول الشّركة من الوعاء الزكوي، وتخرج قدر زكاة التجارة (ربع العشر) من المال المتبقي بعد ذلك. المسألة الثانية: زكاة مال التأمين التعاوني يختلف التأمين التعاوني عن التجاري بأن القصد فيه ليس محض المعاوضة، فإنه نوع من أنواع التكافل الاجتماعي الذي شهدت بجوازه السنة النبوية كما جاء في الصحيح في حديث الأشعريين: أنهم كانوا إذا أرملوا في الغزو أو قلَّ طعامهم في المدينة جمعوا ما كان عندهم في إناء واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فقال النبي ﷺ : "هم مني وأنا منهم" (٢). وتلك الصورة أقرب ما تكون إلى التأمين التعاوني. لذا فقد ذهبت المجامع الفقهية وعامة الفقهاء المعاصرين إلى جوازه (٣)، فأما حكم زكاته فإن الذي يظهر لي بعد التأمل في صورة التّأمين التعاوني بأنه لا زكاة في أقساطه أو دفعاته التّأمينية على المؤَمِّن والمؤمَّن له؛ فأما المؤَمِّن فإنه لا يملك

стр. 240

المال، وإنما هو وكيل بأجر عن المؤَمَّن لهم، وأما المؤمن لهم فإن المال قد خرج من ملكهم فليس لهم حق استعادته، ولا المطالبة به بناء على العقد المتفق عليه بين الطرفين، إلا في حالة انقضاء السنة المالية وزيادة مبالغ التّأمين التعاوني بعد تغطيتها للأخطار المؤمن ضدها، فإن لهم الحق في استعادة الفائض المالي بالنسبة بين جميع الشركاء، ما لم يتفق على خلاف ذلك، كأن يكون هذا الفائض من نصيب شركة التّأمين التعاوني لقاء إدارتها لأموال التّأمين، فإنه والحالة هذه يجب تزكية المال الفائض وما نشأ عنه من أرباح بعد حول من تحققه لشركة التّأمين؛ لكونها لم يستقر ملكها له قبل ذلك، كما تقدم بيانه في زكاة ربح المضاربة على المضارب (١). المسألة الثالثة: زكاة مال التأمين الاجتماعي تبين مما تقدم أن التّأمين الاجتماعي يقوم على أساس التكافل الاجتماعي، فلا تقصد به المعاوضة بين الدولة وموظفيها، فهو يتفق مع التّأمين التعاوني في مقصده؛ لذا ألحق به في الحكم لدى المجامع الفقهية وعامة الفقهاء المعاصرين، (٢) وإن كان يختلف عنه في بعض السمات، إلا أنها لا تؤثر في اختلاف حكمه عن التّأمين التعاوني، كما أنه مباين للتأمين التجاري من أوجه كثيرة، منها قيام التّأمين التجاري على الربح، بخلاف الاجتماعي فإنه يقوم على تحقيق التكافل والضمان الاجتماعي، وليس لإرادة المؤمن فيه أثرٌ في تحديد المستفيد منه، ولا في مقدار ما يستحقه؛ لكونه عقدًا إجباريًّا تقوم به الدولة أو من ينوب عنها (٣). ومن أبرز صور التأمين الاجتماعي: نظام التقاعد: المتمثل في اقتطاع الدولة

стр. 241

من راتب الموظف أثناء خدمته مبلغا ماليا حتى انتهاء خدمته، باستكمال مدّتها، أو بلوغ الموظف سِنًّا معينة، أو وفاته، أو عجزه، فتصرف له الدولة أو لمن عينه النظام ممن يعولهم الموظف راتبًا تقاعديا شهريًّا، أو مكافأة دفعة واحدة إذا لم يستكمل شروط الراتب التقاعدي، ويتم تمويل هذا النظام باقتطاع الدولة لنسبة معينة من راتب الموظف أثناء خدمته، مع مساهمة الدولة بنسبة تزيد أو تنقص عن نسبة الموظف، واستثمار هذه الأموال، (١) وهو بهذا يعد أحد صور التّأمين من جهة استكماله لأركانه، فالمؤَمِّن: هو الدولة، والمؤمَّن عليه: هو الموظف ومَن يعول، والقسط التّأميني: هو ما يُستقطع من راتب الموظف، ومبلغ التّأمين: هو ما يُدْفع للموظف أو مَن يقوم مقامه من راتب تقاعدي أو مكافأة، والخطر هو انتهاء خدمة الموظف بموته أو عجزه أو غير ذلك. وقد تقدم بيان حكمه والفرق بينه وبين التّأمين التجاري، وأما حكم زكاته فالذي يظهر فيه ما يلي: تبين مما تقدم أن طبيعة الراتب التقاعدي والمكافأة التقاعدية واحدة، فهي مبالغ مستحقة من الدولة للموظف عند انتهاء خدمته بموجب التزام الدولة بذلك طبقا لنظام التّأمين الاجتماعي، وتبعًا لذلك فإن تحديد ملك الموظف للمكافأة أو الراتب التقاعدي إنما يتحدد بتحديد أنظمة التّأمين الاجتماعي التي قررت هذا الحق للموظف، وعند النظر في تلك الأنظمة نجدها تتفق أن الموظف لا يستحق المكافأة التقاعدية إلا بعد انتهاء خدمته، كما لا يستحق الراتب التقاعدي إلا بنهاية كل شهر بعد انتهاء خدمته، فإذا أردنا تطبيق حكم الزكاة عليها بالنسبة للموظف وجدناها تفتقد لشرط مهم من شروط وجوب الزكاة وهو تمام الملك؛ فالموظف لا يحق له المطالبة بهذه الحقوق قبل نهاية خدمته، وحلول الوقت المتفق عليه بين الطرفين لاستحقاقها،

стр. 242

مما يتبين به عدم وجوب زكاتها على الموظف، وأما الدولة فلا تجب زكاتها عليها كذلك؛ لأنها جهة عامة لا تملك، وقد تبين عدم وجوب زكاة المال العام (١). * * *

стр. 243

المبحث الحادي عشر زكاة مكافأة نهاية الخدمة وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بمكافأة نهاية الخدمة وتكييفها المطلب الثاني: زكاة مكافأة نهاية الخدمة

стр. 244

المطلبْ الأول المراد بمكافأة نهاية الخدمة وتكييفها (١) وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بمكافأة نهاية الخدمة يكثر إطلاق هذا المسمى على المكافأة التي قررتها القوانين عند انتهاء عقد العمل، وقد عرفت من أهل الاختصاص بتعريفات، من أهمها: أنها التزام مصدره المباشر القانون، وسببه ما أداه العامل من خدمات لرب العمل نتيجة للعقد الذي تم بينهما (٢). إلا أنه يلحظ أن في هذا التعريف إجمالًا؛ ولذا فإن الأوضح في تعريفها أن يقال: حق مالي أوجبه ولي الأمر بشروط محددة، على رب العمل لصالح العامل عند انتهاء خدمته، وذلك بأن يدفع رب العمل للعامل مبلغًا نقديًّا دفعة واحدة، ويكون مقدارها بحسب مدّة الخدمة وسبب انتهائها والراتب الشهري

стр. 245

الأخير للعامل (١). ولهذه المكافأة شروط وأنظمة تفصيلية تختلف من بلد لآخر، وليس هذا موضع بسطها ومناقشتها، وإنما سأذكر أبرز خصائصها؛ لأتوصل بذلك إلى تكييفها، ولذا فإن من أبرز سمات مكافأة نهاية الخدمة ما يلي (٢): ١ - أنها التزام فرضه ولي الأمر على رب العمل لصالح العامل (الموظف)، ولا يخضع في فرضه ولا في صفته إلى إرادة طرفي العقد (٣). ٢ - أن مقدار المكافأة يتحدد بناء على سبب انتهاء خدمته، ومدتها، ومقدار الراتب الأخير الذي كان الموظف يتقاضاه قبل انتهاء خدمته (٤). ٣ - أن وقت استحقاقها هو الوقت الذي تنتهي فيه خدمة الموظف، فلا يحق له المطالبة بها قبل انتهاء خدمته، كما لا يجوز له التنازل عنها (٥). ٤ - أنه لا يشترط استقطاع شيء من راتب الموظف أثناء مدّة خدمته، كما هو الحال في المكافأة التقاعدية (٦). ٥ - أن المستحق للمكافأة هو الموظف، إذا انتهت خدمته أثناء حياته، فإن

стр. 246

انتهت خدمته بسبب الوفاة فيستحق المكافأة من يعولهم المتوفى من أهله وذويه، بدون تقيّد بقواعد الإرث الشرعي (١). ٦ - أنه يحق لرب العمل حرمان الموظف من هذه المكافأة، في بعض الحالات التي نصت عليها القوانين المنظمة، كما لو ارتكب أخطاء ألحقت برب العمل خسارة مادية كبيرة (٢). المسألة الثانية: تكييف مكافأة نهاية الخدمة يتوقف الحكم في زكاة مكافأة نهاية الخدمة على تكييفها الشرعي، حيث اختلف الباحثون في ذلك على الأقوال التالية (٣): القول الأول: أجرة مؤجلة، وقال به الدكتور محمد ضناوي (٤). القول الثاني: إنها تأمين من مخاطر انتهاء العقد، وقال به الشيخ عبد الله بن منيع (٥). القول الثالث: التزام بالتبرع، وقال به الدكتور عبد الستار أبو غدة (٦).

стр. 247

القول الرابع: حق مالي خاص أوجبته الدولة للعامل، وقال به الدكتور محمد نعيم ياسين (١)، وبنحو ذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة عشرة، حيث عرفت بأنه: "حق مالي يوجبه القانون أو العقد للعامل أو الموظف بشروط، ويقدر بحسب مدة الخدمة، وسبب انتهائها، وراتب العامل والموظف، يدفع عند انتهاء الخدمة للعامل أو الموظف أو لعائلتهما" (٢). أدلة الأقوال: دليل القول الأول: أن مقدار المكافأة ملاحظ من رب العمل عند التعاقد مع العامل على الأجر، مما يجعل لها أثرًا في مقدار الأجر زيادة ونقصًا، فتكون جزءًا مؤجلًا من الأجر (٣). ونوقش: بأن ذلك غير مسلم؛ لأن اعتبارها أجرًا يؤدي إلى محاذير شرعية تفضي لبطلان عقد الإجارة منها: ١ - جهالة الأجر حيث لا يمكن العلم به إلا في نهاية عقد العمل لأنه يختلف بحسب المدة وأجرة الشهر الأخير وسبب انتهاء الخدمة وغير ذلك من الأسباب المؤثرة في الأجرة زيادة ونقصا. ٢ - التعليق في العقد؛ لأن مكافأة نهاية الخدمة لا تستحق للعامل إلا بشروط لا يمكن التحقق منها إلا في نهاية العقد، وهذا من الغرر المؤثر في عقود المعاوضات.

стр. 248

٣ - أن عد المكافأة أجرًا يقتضي أن تدخل في ملك العامل بمجرد انتهاء المدة التي سلم نفسه فيها لرب العمل، أو بمجرد انعقاد العقد -حسب اختلاف الفقهاء- مما يقتضي عدم جواز حرمانه منها، كما أنها بوفاته تكون حقا للورثة يقتسمونه بموجب قواعد الإرث الشرعية، فلما لم يكن ذلك موجودا في مكافأة نهاية الخدمة، لم يصح تكييفها أجرًا (١). كما أنه يلزم عند الأخذ بهذا التكييف وجوب استحقاق المكافأة بكل حال، وهذا غير متحقق؛ لإمكان حرمان الموظف منها. دليل القول الثاني: أن هذه المكافأة تعتمد على جميع خصائص التّأمين من مؤمن ومؤمن عليه وقسط التّأمين ونتيجته (٢). ونوقش: بأنه لا يسلم كونه تأمينًا؛ لأن التأمين عقد معاوضة بين طرفين، هما المؤمن والمؤمن له، ومقتضاه أن يأخذ كل منهما مقابل ما يدفع، فيدفع الأول أقساط التّأمين، ويلتزم الثاني مقابل ذلك بتحمل تبعة الخطر، ودفع مبلغ التّأمين في حالة وقوعه، وهذا ليس متحققا في مكافأة الخدمة؛ حيث إنها حق يلتزم رب العمل بسداده للعامل، مع عدم دفع الأخير لأي عوض مالي لرب العمل (٣). دليل القول الثالث: لم أقف له على دليل، سوى توهينه لغير هذا التكييف. ونوقش هذا التكييف: بأنه يؤدي لضياع حق العامل في حال عدول رب العمل

стр. 249

عن دفع المكافأة للعامل؛ بحجة أنها تبرع قد رجع عن إنفاذه، لا سيما مع وجود الخلاف القوي بين الفقهاء في الإلزام بالوعد (١). دليل القول الرابع: أن من صلاحيات ولي الأمر إنشاء بعض الحقوق والواجبات على الرعية إذا اقتضت المصلحة ذلك، ومن ذلك إلزامه بتلك المكافأة؛ حيث إن جانب العامل في عقود العمل ضعيف، لكون رب العمل يفرض شروطه عليه، فلا يملك العامل سوى الموافقة عليها إذا رغب العمل، فإلزام ولي الأمر لرب العمل بتقرير مكافأة نهاية الخدمة، هو حماية لحق العامل، وتحقيق لمصلحته، ومصلحة رب العمل في اطمئنان العامل واجتهاده في عمله، كما أن ذلك هو الأقرب لواقع تلك المكافأة، مما يخلصها من الإشكالات السابقة الواردة عليها؛ لعدم وجود معنى المعاوضة فيها (٢). الترجيح: يترجح القول الرابع، وهو اعتبار مكافأة نهاية الخدمة حقا ماليا مفروضا من الإمام، سواء كان ذلك على بيت مال المسلمين، إذا كان الموظف يعمل لدى مؤسسات الدولة، أو كان على أرباب العمل من ملاك المؤسسات ورؤساء الشّركات، إذا كان العامل يعمل خارج مؤسسات الدولة، ومما يؤيد ذلك ما يلي: ١ - أن الطبيعة القانونية لمكافأة الخدمة تتنافى مع التكييفات الأخرى، وتتفق مع هذا التكييف، مع كونه لا مانع منه شرعًا، وتصحيح العقود بحسب الإمكان واجب (٣).

стр. 250

٢ - أن من مقاصد الشريعة حفظ حقوق الضعفاء، وحمايتهم من ظلم الأقوياء، ومن وسائل ذلك: إثبات تلك الحقوق المالية للعامل على رب العمل، وذلك من واجبات ولي الأمر لما فيه من تحقيق للعدل، وهو ما يؤكده أبو عبيد القاسم بن سلام فيما رواه بسنده من كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على البصرة، حيث جاء فيه (... وانظر مَنْ قِبَلَك من أهل الذمة، قد كَبِرَت سنه وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأَجْرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عِتْق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه في بيت المال ما يصلحه) (١). * * *
следующие страницы →