انتهت خدمته بسبب الوفاة فيستحق المكافأة من يعولهم المتوفى من أهله وذويه، بدون تقيّد بقواعد الإرث الشرعي (١).
٦ - أنه يحق لرب العمل حرمان الموظف من هذه المكافأة، في بعض الحالات التي نصت عليها القوانين المنظمة، كما لو ارتكب أخطاء ألحقت برب العمل خسارة مادية كبيرة (٢).
المسألة الثانية: تكييف مكافأة نهاية الخدمة
يتوقف الحكم في زكاة مكافأة نهاية الخدمة على تكييفها الشرعي، حيث اختلف الباحثون في ذلك على الأقوال التالية (٣):
القول الأول: أجرة مؤجلة، وقال به الدكتور محمد ضناوي (٤).
القول الثاني: إنها تأمين من مخاطر انتهاء العقد، وقال به الشيخ عبد الله بن منيع (٥).
القول الثالث: التزام بالتبرع، وقال به الدكتور عبد الستار أبو غدة (٦).
стр. 247
القول الرابع: حق مالي خاص أوجبته الدولة للعامل، وقال به الدكتور محمد نعيم ياسين (١)، وبنحو ذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة عشرة، حيث عرفت بأنه: "حق مالي يوجبه القانون أو العقد للعامل أو الموظف بشروط، ويقدر بحسب مدة الخدمة، وسبب انتهائها، وراتب العامل والموظف، يدفع عند انتهاء الخدمة للعامل أو الموظف أو لعائلتهما" (٢).
أدلة الأقوال:
دليل القول الأول: أن مقدار المكافأة ملاحظ من رب العمل عند التعاقد مع العامل على الأجر، مما يجعل لها أثرًا في مقدار الأجر زيادة ونقصًا، فتكون جزءًا مؤجلًا من الأجر (٣).
ونوقش: بأن ذلك غير مسلم؛ لأن اعتبارها أجرًا يؤدي إلى محاذير شرعية تفضي لبطلان عقد الإجارة منها:
١ - جهالة الأجر حيث لا يمكن العلم به إلا في نهاية عقد العمل لأنه يختلف بحسب المدة وأجرة الشهر الأخير وسبب انتهاء الخدمة وغير ذلك من الأسباب المؤثرة في الأجرة زيادة ونقصا.
٢ - التعليق في العقد؛ لأن مكافأة نهاية الخدمة لا تستحق للعامل إلا بشروط لا يمكن التحقق منها إلا في نهاية العقد، وهذا من الغرر المؤثر في عقود المعاوضات.
стр. 248
٣ - أن عد المكافأة أجرًا يقتضي أن تدخل في ملك العامل بمجرد انتهاء المدة التي سلم نفسه فيها لرب العمل، أو بمجرد انعقاد العقد -حسب اختلاف الفقهاء- مما يقتضي عدم جواز حرمانه منها، كما أنها بوفاته تكون حقا للورثة يقتسمونه بموجب قواعد الإرث الشرعية، فلما لم يكن ذلك موجودا في مكافأة نهاية الخدمة، لم يصح تكييفها أجرًا (١).
كما أنه يلزم عند الأخذ بهذا التكييف وجوب استحقاق المكافأة بكل حال، وهذا غير متحقق؛ لإمكان حرمان الموظف منها.
دليل القول الثاني: أن هذه المكافأة تعتمد على جميع خصائص التّأمين من مؤمن ومؤمن عليه وقسط التّأمين ونتيجته (٢).
ونوقش: بأنه لا يسلم كونه تأمينًا؛ لأن التأمين عقد معاوضة بين طرفين، هما المؤمن والمؤمن له، ومقتضاه أن يأخذ كل منهما مقابل ما يدفع، فيدفع الأول أقساط التّأمين، ويلتزم الثاني مقابل ذلك بتحمل تبعة الخطر، ودفع مبلغ التّأمين في حالة وقوعه، وهذا ليس متحققا في مكافأة الخدمة؛ حيث إنها حق يلتزم رب العمل بسداده للعامل، مع عدم دفع الأخير لأي عوض مالي لرب العمل (٣).
دليل القول الثالث: لم أقف له على دليل، سوى توهينه لغير هذا التكييف.
ونوقش هذا التكييف: بأنه يؤدي لضياع حق العامل في حال عدول رب العمل
стр. 249
عن دفع المكافأة للعامل؛ بحجة أنها تبرع قد رجع عن إنفاذه، لا سيما مع وجود الخلاف القوي بين الفقهاء في الإلزام بالوعد (١).
دليل القول الرابع: أن من صلاحيات ولي الأمر إنشاء بعض الحقوق والواجبات على الرعية إذا اقتضت المصلحة ذلك، ومن ذلك إلزامه بتلك المكافأة؛ حيث إن جانب العامل في عقود العمل ضعيف، لكون رب العمل يفرض شروطه عليه، فلا يملك العامل سوى الموافقة عليها إذا رغب العمل، فإلزام ولي الأمر لرب العمل بتقرير مكافأة نهاية الخدمة، هو حماية لحق العامل، وتحقيق لمصلحته، ومصلحة رب العمل في اطمئنان العامل واجتهاده في عمله، كما أن ذلك هو الأقرب لواقع تلك المكافأة، مما يخلصها من الإشكالات السابقة الواردة عليها؛ لعدم وجود معنى المعاوضة فيها (٢).
الترجيح:
يترجح القول الرابع، وهو اعتبار مكافأة نهاية الخدمة حقا ماليا مفروضا من الإمام، سواء كان ذلك على بيت مال المسلمين، إذا كان الموظف يعمل لدى مؤسسات الدولة، أو كان على أرباب العمل من ملاك المؤسسات ورؤساء الشّركات، إذا كان العامل يعمل خارج مؤسسات الدولة، ومما يؤيد ذلك ما يلي:
١ - أن الطبيعة القانونية لمكافأة الخدمة تتنافى مع التكييفات الأخرى، وتتفق مع هذا التكييف، مع كونه لا مانع منه شرعًا، وتصحيح العقود بحسب الإمكان واجب (٣).
стр. 250
٢ - أن من مقاصد الشريعة حفظ حقوق الضعفاء، وحمايتهم من ظلم الأقوياء، ومن وسائل ذلك: إثبات تلك الحقوق المالية للعامل على رب العمل، وذلك من واجبات ولي الأمر لما فيه من تحقيق للعدل، وهو ما يؤكده أبو عبيد القاسم بن سلام فيما رواه بسنده من كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على البصرة، حيث جاء فيه (... وانظر مَنْ قِبَلَك من أهل الذمة، قد كَبِرَت سنه وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأَجْرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عِتْق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه في بيت المال ما يصلحه) (١).
* * *
стр. 251
المطلبْ الثاني زكاة مكافأة نهاية الخدمة
تقدم تكييف المكافأة بكونها حقًّا ماليًّا أوجبه ولي الأمر على أرباب العمل لصالح عمالهم؛ لذا فإنه لا بد لإيجاب الزكاة فيها من تحديد وقت استحقاق العامل لها وتملكها إياها، والذي يظهر أن تملك مكافأة نهاية الخدمة إنما يثبت بعد انتهاء خدمة العامل (الموظف)، وصرفها له، لما يلي:
١ - أن الحقوق المالية التي ينشؤها ولي الأمر يثبت وقت استحقاقها بتحديد المصدر لها، وقد حدد المصدر لتلك المكافأة وقت استحقاقها بانتهاء الخدمة.
٢ - أن قوانين تلك المكافأة دالة على عدم تملك العامل لها ما دام على رأس العمل، حيث منعته من جميع أنواع التصرف بها قبل انتهاء خدمته.
كما قصرت توزيعها في حال وفاة العامل على من يعولهم قبل وفاته، ولم تلتزم قواعد الإرث الشرعي، مما يؤكد أن تلك المكافأة لم تدخل في ملك العامل قبل ذلك، وإنما عند حصول موجب الاستحقاق من تقاعد أو استقالة أو وفاة (١).
٣ - أننا لو سلمنا بملك العامل لها قبل انتهاء الخدمة لا سيما على تكييفها بأنها
стр. 252
جزء من أجر العامل، فإن هذا الملك غير مستقر؛ لأن احتمال عدم استحقاق العامل لها قائم ما دام على رأس العمل، لربط الاستحقاق بشروط تختلف باختلاف الأنظمة، فمنها ما يتعلق بسبب انتهاء الخدمة، أو بمدتها، أو بسلوك العامل، وهي مع اختلافها في تعليق سبب الاستحقاق إلا أنها متفقة في كون استحقاق المكافأة معلقًا بأسباب قد تتحقق وقد تتخلف، مما يبين عدم استقرار ملك العامل لها (١).
إذا تبين هذا فإن الزكاة لا تجب في مكافأة نهاية الخدمة قبل استحقاقها بنهاية الخدمة، وصدور قرار صرفها للموظف العامل (٢)، حيث لم يتحقق فيها شرط الزكاة وهو ملك العامل للمال واستقراره، وإنما كانت قبل صدور قرار الاستحقاق مملوكة للجهة التي صدرت منها، سواء كانت الدولة، أو المؤسسات والشّركات الأهلية، ولا يتم ملكها بصدور قرار الاستحقاق فقط، بل لا بد من قبض المستحق لها، لما قد يعترضها من تأخير أو إلغاء، وقد اختلفوا بعد ذلك، هل تجب زكاتها بعد قبضها بضمها لماله من جنسها حولًا ونصابًا، أم لا بد من حولان حول عليها بعد القبض؟ قولان:
القول الأول: وجوب زكاتها بضمها لماله من جنسها حولا ونصابا، وهو فتوى الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة (٣).
стр. 253
القول الثاني: عدم وجوب الزكاة في مكافأة نهاية الخدمة إلا بعد حولان حول على قبض المستحق لها. وهو رأي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١).
أَدلة القولين:
دليل القول الأول: أن مكافأة نهاية الخدمة تعتبر مالًا مستفادًا، وحكمه أنه يضم لجنسه من المال في الحول والنصاب.
ويناقش: بعدم التسليم بضم المال المستفاد إلى جنسه من ماله إذا لم يكن من ماله، بل الراجح فيه أن له حولًا ونصابًا مستقلين (٢).
دليل القول الثاني: أن مكافأة نهاية الخدمة مال مستفاد ليس من نماء ماله الذي عنده (٣)، بل هو نشأ بسبب مستقل وهو الخدمة التي توفرت شروط استحقاق صاحبها للمكافأة (٤).
стр. 254
الترجيح:
يتوقف الترجيح هنا على الترجيح في مسألة وقت وجوب زكاة المال المستفاد، ولذا فإني أعرضها مختصرًا كما يلي:
اختلف الفقهاء في المال المستفاد إذا كان من جنس نصاب عنده وليس من نمائه (١) على قولين:
القول الأول: لا يضم إلى حول نصابه، بل يستأنف له حول جديد وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، واستثنى المالكية السائمة فإنها تضم إلى حول سائمته (٢).
القول الثاني: يضم المال المستفاد إلى حول ماله البالغ نصابًا وهو قول الحنفية (٣).
стр. 255
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
١ - ما روي عن علي مرفوعًا: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (١).
وجه الاستدلال: أن عموم الحديث يشمل اشتراط الحول للمال المستفاد وغيره.
ونوقش: بأنه على فرض صحته فإن الحديث عام يُخَصُّ منه المال المستفاد كما خصصنا النتاج والأرباح من عموم المال المستفاد لأنها من جنس الأصل وتبع له (٢).
ويجاب: بعدم التسليم، فالحديث على عمومه، ولم يخص منه إلا ما دل الدليل على تخصيصه، ومن ذلك الأرباح والنتاج فقد اتفقوا على ضمها لأنها تبع الأصل متولدة عنه، بخلاف المال المستفاد فهو مستقل عن الأصل ومتولد عن غيره، فالقياس مع الفارق (٣).
٢ - ما روي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه" (٤).
стр. 256
ونوقش: بأن الحديث ضعيف فلا يُسلَّم الاستدلال به (١).
٣ - ولأنه مالٌ مملوك أصلًا فيعتبر فيه الحول شرطًا كالمستفاد من غير الجنس (٢).
٤ - واستدل المالكية على إيجاب ضم السائمة المستفادة إلى نصاب سائمته بأنها موكولة للساعي، فلو لم تضم لزم منه خروج الساعي أكثر من مرة خلال السنة الواحدة (٣).
ويناقش: بعدم التسليم، فلا يلزم الساعي الخروج إلا مرة واحدة، فما حال عليه الحول وجب على المزكي دفع زكاته للساعي، وما لم يَحُل حوله لا يجب عليه زكاته، والقول قوله: فإن قبل المزكي بتعجيلها أخذها الساعي منه، وإن امتنع، ورأى الساعي توكيل من يأخذها منه عند حولها فعل، أو أوكل إخراجها للمزكي إن وثق به، كما يخرج زكاة سائر ماله (٤).
أدلة القول الثاني:
١ - أنَّ المال المستفاد يضم إلى جنسه في النصاب، فوجب ضمُّه إليه في الحول؛ لأنه إذا ضم في النصاب وهو سبب، فَضَمُّهُ إليه في الحول وهو شرط أولى (٥).
ونوقش: بأنّ مقصود النصاب أن يبلغ المال حدًّا يدل على الغنى ويحتمل
стр. 257
المواساة، بخلاف الحول، فإن مقصوده إرفاق الملك واستنماء المال، فلذا يجب الضم في النصاب، ولم يكن في الحول في مسألتنا هذه (١).
كما أن عموم النص يدل على اشتراط الحول في هذه الصورة، ولا يمنع من ضم مال لآخر من جنس لإكمال نصاب زكوي.
٢ - ولأنَّ إفراد المال المستفاد بالحول يفضي إلى حرج كبير ومشقة بالغة في ضبط أوقات وجوب إخراج الزكاة لتفويت إخراج بعض مقاديرها الواجبة، ولذا ضم النتاج والأرباح إلى ما كان حنسه دفعًا لهذه المفسدة (٢).
ونوقش: بأن ضم النتاج والأرباح إلى أصلها، لأنها تبع لها ومتولدة عنها، ولو سُلِّم بأنَّ عِلَّة ضمِّها ما ذكر؛ فإنه لا يُسلَّم بتحقُّقِه في مسألتنا؛ لأن الأرباح والنتاج تكثر وتتكرر ويشق ضبطها، بخلاف الأسباب المستقلة كالميراث والهبات، فيمكن ضبطها لقلة تكررها، فإن وجدت مشقة فهي دون المشقة في الأرباح والنتاج، فيمتنع القياس عليها، واليسر فيما ذكرنا أكثر، لأن الإنسان يتخيَّر بين التأجيل والتعجيل، والقول بوجوب الضم يتعين فيه التعجيل، ولا شك أن التخيير بين شيئين أيسر من تعيين أحدهما (٣).
الترجيح: يتبين مما تقدم رجحان القول الأول وهو اشتراط حول للمال المستفاد لقوة أدلته، والإجابة عن أدلة القول الثاني.
стр. 258
إذا تقرر هذا فإن الراجح في مسألة وقت زكاة مكافأة نهاية الخدمة هو القول الثاني وهو بعد حولان حول من قبضها من مستحقها.
стр. 259
المبحث الثاني عشر
زكاة الراتب الشهري
стр. 260
المبحث الثاني عشر زكاة الراتب الشهري (١)
يطلق الراتب الشهري ويراد به: الأجر الذي يتقاضاه الأجير الخاص (٢) مقابل عمله كل شهر، فهو مال مستفاد من جنس نصاب عنده وليس من نمائه، وقد تقدم بيان خلاف العلماء في ابتداء حوله، وهل يستأنف له حول جديد؟ أم يضم إلى حول النصاب عنده؟ ورجحتُ استئناف حول جديد (٣)، وينسحب هذا الخلاف والترجيح على زكاة الراتب الشهري لكونه مالًا مستفادًا من هذا النوع، فيحسب حولًا لكل راتب من حين تملكه، ويزكيه إن بلغ نصابًا، إلا أنه لما كان ضبط ذلك مما يشق لتكرر الراتب كل شهر مع اختلاط أموال الرواتب وغيرها ببعضها؛ لذلك فإنه يشرع للمكلف تحديد يوم في السنة لزكاة رواتب السنة كلها؛ فينظر ما لديه من نصاب
стр. 261
ويزكيه، فما كان منه قد حال عليه الحول وجبت زكاته، وما لم يحل حوله فإن زكاته تكون زكاة معجلة (١)، وبذلك أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، حيث جاء في الفتوى ما يلي:
стр. 262
"من ملك نصابًا من النقود ثم ملك تباعًا نقودًا أخرى في أوقات مختلفة وكانت غير متولدة من الأولى ولا ناشئة عنها، بل كانت مستقلة كالذي يوفره الموظف شهريًّا من مرتبه، وكإرث أوهبة أو أجور عقار مثلًا، فإن كان حريصًا على الاستقصاء في حقه حريصًا على ألا يدفع من الصدقة لمستحقيها إلا ما وجب لهم في ماله من الزكاة فعليه أن يجعل لنفسه جدول حساب لكسبه، يخص فيه كل مبلغ من أمثال هذه المبالغ بحول يبدأ من يوم ملكه ويخرج زكاة كل مبلغ لحاله كلما مضى عليه حول من تاريخ امتلاكه إياه.
وإن أراد الراحة وسلك طريق السماحة وطابت نفسه أن يؤثر جانب الفقراء وغيرهم من مصارف الزكاة على جانب نفسه؛ زكى جميع ما يملكه من النقود حينما يحول الحول على أول نصاب ملكه منها، وهذا أعظم لأجره وأرفع لدرجته، وأوفر لراحته وأرعى لحقوق الفقراء والمساكين وسائر مصارف الزكاة وما زاد فيما أخرجه عما تم حوله يعتبر زكاة معجلة عما لم يتم حوله.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (١).
وهذا القول هو الموافق للقواعد الشرعية لا سيما مع مشقة إخراج الزكاة
стр. 263
للرواتب الشهرية باحتساب حول لكل راتب، فالمشقة تجلب التيسير (١)، كما أن به يتحقق المزكي من زكاة ماله؛ لأن ما لم يوجد من ماله عند الوقت المعين لإخراج الزكاة لا تشرع زكاته لأنه لم يحل عليه الحول وهو نصاب، فيكون مما لم يتحقق سبب وجوبه وهو ملك النصاب.
* * *
стр. 264
المبحث الثالث عشر
زكاة الحقوق المعنوية
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الحقوق المعنوية وأنواعها
المطلب الثاني: تكييف الحقوق المعنوية
المطلب الثالث: زكاة الحقوق المعنوية
стр. 265
المطلبْ الأول تعريف الحقوق المعنوية وأنواعها
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تعريف الحقوق المعنوية (١)
تطلق الحقوق المعنوية على كل حق لا يتعلق بمال عيني ولا بشيء من منافعه
стр. 266
مثل حق القصاص والولاية والطلاق وغيرها (١). فهو مصطلح واسع يشمل جميع الحقوق غير المادية، إلا أن المقصود بها هنا: حقوق خاصة بأصحابها ذات قيمة عرفية، ترد على أشياء غير مادية من نتاج الجهد الذهني (٢). مما يتبين به عموم التسمية المذكورة، ودخول ما ليس مرادا كحقوق القصاص والطلاق ونحوها؛ لذا فقد سماها بعض الباحثين بتسميات أخرى أدق، كحقوق الابتكار لكي يشمل ذلك الحقوق الأدبية، كحق المؤلف في استغلال كتابه، والحقوق الصناعية والتجارية كحق مخترع الآلة، ومبتكر العنوان الذي أحرز الشهرة ونحو ذلك، كما أن ذلك يمنع دخول غير المراد من الحقوق غير المالية، فهي تسمية أدق من غيرها (٣).
стр. 267
المسألة الثانية: أنواع الحقوق المعنوية
وتتنوع هذه الحقوق إلى أنواع من أبرزها:
أولًا: حق التأليف (١): والمراد به ما يثبت للعالم أو المؤلف من اختصاص شرعي بمؤلفه يمكّنه من نسبته إليه، ودفع الاعتداء عنه، والتصرف فيه، واستئثاره بالمنفعة المالية الناتجة عن إستغلاله استغلالًا مباحًا شرعًا (٢).
ثانيًا: حق الاختراع (٣): ويعرف بقريب من سابقه: ما يثبت للمخترع من اختصاص شرعي بما اخترعه، يمكنه من نسبته إليه، ودفع الاعتداء عنه، والتصرف فيه، واستئثاره بالمنفعة المالية الناتجة عن استغلاله استغلالًا مباحًا شرعًا (٤).
стр. 268
ثالثًا: حق الاسم التجاري (١): يطلق الاسم التجاري على التسمية التي يستخدمها التاجر كعلامة مميزة لمشروعه التجاري عن نظائره، ليعرف المتعاملون معه نوعًا خاصًّا من السلع وحسن المعاملة والخدمة، ويشتمل على الشعار التجاري للسلعة، والعنوان التجاري وهو اسم المحل أو المنشأة، والوصف الذي يتمتع به المحل التجاري، ويمكن أن يعرف حق الاسم التجاري أيضا بأنه: ما يثبت لصاحب الاسم التجاري من اختصاص شرعي بما سماه، يمكنه من نسبته إليه، ودفع الاعتداء عنه، والتصرف فيه، واستئثاره بالمنفعة المالية الناتجة عن استغلاله استغلالًا مباحًا شرعًا.
* * *
стр. 269
المطلب الثاني تكييف الحقوق المعنوية
يتبين مما تقدم أن التأليف والاختراع والاسم التجاري وما يتبعه، تُكْسِب صاحبها حقوقا لكونها من نتاجه فهو أحق بما نتج عنها من غيره، وهذه الحقوق الناتجة قسمان:
القسم الأول: الحق الأدبي
ويراد به ما يثبت للمبتكر من اختصاص شرعي غير مالي، بابتكاره الذهني، يمكِّنه من نسبته إليه، والتصرف فيه، ودفع الاعتداء عليه (١).
وثبوت هذا الحق مما لا ينبغي أن يختلف فيه، فقد دلت عليه نصوص الشريعة وقواعدها، بل إن الحق الأدبي من بدائِهِ العلم عند المتقدمين وإن لم يلقبوه بذلك، ويضعوا له أنظمة وقواعد؛ لأنها أمور فطرية تقتضيها الديانة والأمانة، وخرقها مناقض للفطرة، فضلًا عن خرق سنن الشريعة وهديها (٢).
стр. 270
القسم الثاني: الحق المالي
وهو قسيم للحق الأدبي، ويراد به ما يثبت للمبتكر من اختصاص شرعي بابتكاره الذهني، يمكنه من التصرف فيه، والاستئثار باستغلاله استغلالًا مباحًا شرعًا (١).
ومما تقدم يتبين أن الحقوق المعنوية بشقيها المالي والإداري حقوق غير مادية، ذات قيمة مالية معتبرة شرعًا وعرفًا، ولها شَبهٌ كبير بالمنافع (٢) من جهة انعدام المادية، وتحقق المالية في كل منهما (٣).
ولا يظهر لي مانع من اعتبارها حقًّا من جهة ثبوتها، ومنفعةً من جهة الاستفادة منها مع انعدام ماديتها (٤).
وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي باعتبارها حقوقا ذات قيمة مالية، ونصه: "الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لِتَمَوُّلِ الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها" (٥).
стр. 271
فيتبين مما تقدم أن الحقوق المعنوية مال، وهذا مُتَّفِقٌ مع مذهب جمهور الفقهاء الذين يوسعون معنى المال ليشمل كل ما كان له قيمة مادية بين الناس، ويشرع الانتفاع به سواء كان عينيًّا أو معنويًّا (١)، خلافًا للحنفية الذين يخصون المال بما له قيمة من الأعيان (٢).
ولا شكّ أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأظهر، لما يلي:
١ - أن مسمى المال من المسميات المطلقة التي لم يرد لها حدٌّ شرعًا ولا لغة، فيكون مردُّها للعرف، وقد تعارف الناس على مالية غير الأعيان مما له قيمة كالمنافع وبعض الحقوق.
٢ - أن الأدلة الشرعية جاءت باعتبار غير الأعيان كالمنافع أموالًا، كما في قوله ﷺ : "أَنْكَحْتُكَهَا بما معك من القرآن" (٣). فجعل صداق المرأة منفعة، وهو
стр. 272
لا يكون إلا مالًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١).
٣ - أنّ حصر المالية بالأعيان لا دليل عليه، فكل ما أمكن تموله مما له قيمة يُعَدُّ مالًا، بل إن الأعيان لا تقصد إلا لمنافعها (٢).
وقد ترتب على اختلافهم في تعريف المال خلافهم في مالية المنافع، فالجمهور يعدون المنافع أموالًا (٣)، وأما الحنفية فلا يعدونها كذلك (٤).
* * *
стр. 273
المطلبْ الثالث زكاة الحقوق المعنوية
تبين مما تقدم أن الحقوق المعنوية تعد أموالًا مملوكة لأصحابها، إلا أنه قد اختلف المعاصرون في وجوب زكاتها على قولين:
القول الأول: عدم وجوب زكاتها، وقال به الدكتور محمد البوطي (١) والدكتور عبد الحميد البعلي (٢).
القول الثاني: عدم وجوب الزكاة في حقوق التأليف والابتكار، ووجوبها في الاسم التجاري والترخيص والعلامة التجارية إذا تحققت فيه شروط زكاة عروض التجارة (٣)،
стр. 274
وقال بذلك الدكتور النشمي (١)، وبه صدرت فتوى الندوة السابعة لقضايا الزكاة المعاصرة (٢).
أدلة القولين:
دليل القول الأول: أن الحقوق المعنوية هي حقوق ذهنية، وليست سلعا يمكن إدخالها في كينونة الإعداد للبيع، وأما الحقوق المالية التي تنطوي عليها فليست منفصلة عن ثمراتها ونتائجها المادية؛ لذا فإنه لا يتحقق فيها شرط النماء (٣).
ويناقش: بأن كون الحقوق ذهنية لا ينفي ماليتها، بل هي حقوق لها قيمة مالية، فلا مانع من كونها عروضا تجارية، متى انفصلت عن آثارها.
دليل القول الثاني: أن تلك الحقوق لا تخلو، إما أن يمكن انفصالها عن موضوعاتها، وإعدادها للتجارة كما في الاسم التجاري والترخيص والعلامة التجارية، أو لا يمكن ذلك كما في حقوق التأليف والابتكار، فإن أمكن انفصالها فإنها تكون عرضًا تجاريا تجب زكاتها إذا انطبقت عليها شروط زكاة عروض التجارة، وإن لم يمكن انفصالها وإعدادها للتجارة فلا تجب زكاتها لعدم تحقق شرط النماء فيها (٤).
الترجيح:
يترجح القول الثاني لقوة تعليله، لا سيما وأن بيع تلك الحقوق قد يكون بمعزل
стр. 275
عن آثارها، ويتضح ذلك في الحقوق التي ليس لها آثار كالترخيص التجاري قبل استحداث المنشأة التجارية ونحو ذلك، فإنه متى أعد المال للتجارة حقًّا كان أو عينًا وجبت زكاته بعد استيفاء شروط وجوبها.
стр. 276
المبحث الرابع عشر
زكاة مال الإجارة المنتهية بالتمليك
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك
المطلب الثاني: زكاة مال الإجارة المنتهية بالتمليك
стр. 277
المطلب الأول تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: التعريف الإفرادي
وفيها فرعان:
الفرع الأول: تعريف الإجارة (١) تعريف الإجارة اصطلاحًا: عرفت بتعريفات كثيرة، لعل من أجمعها تعريفها بأنها: عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدّة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم (٢).
стр. 278
ويتبين من التعريف أن الإجارة قسمان:
١ - إجارة أعيان.
٢ - إجارة أعمال.
الفرع الثاني: تعريف التّمليك (١)
عُرِّف التّمليك اصطلاحًا بأنه: جعل الغير مالكًا للشيء، والمقصود هنا تمليك الغير عَيْنًا بعوض معلوم (٢).
المسألة الثانية: تعريف الإجارة المنتهية بالتّمليك باعتباره مركبًا
يعد عقد الإجارة المنتهية بالتّمليك عقدا حديثا (٣)، فلم يعرّف في كتب الفقهاء المتقدمين، وإنما عرّفه المعاصرون بعدة تعريفات منها:
تعريفه بأنه: تمليك المنفعة ثم تمليك العين نفسها في آخر المدة (٤).
стр. 279
ويؤخذ عليه الإجمال في بيان حقيقة العقد، وأوضح منه أن يعرف عقد الإجارة المنتهية بالتّمليك بأنه: عقد على إيجار عين معلومة، تدفع أجرتها على أقساط في مدّة معينة، يتبعها تمليك للعين نفسها بمقتضى العقد الأول، أو بعقد جديد مقابل عوض معلوم أو بدون عوض (١).
ويتبين من التعريف أن للإجارة المنتهية بالتّمليك صورا منها:
١ - عقد إجارة مقرونة بهبة السلعة للمستأجر في نهاية المدة، فيتملك المستأجر السلعة بلا ثمن، ويكتفي بأقساط الإجارة المتقدمة.
٢ - عقد إجارة مقرونة ببيع السلعة للمستأجر في نهاية المدة، فيتملك المستأجر السلعة بثمن يقابل الملكية.
٣ - عقد إجارة مقرونة بوعد من المؤجر للمستأجر ببيعٍ، أو هبةِ السلعة له في نهاية المدة، فيخير المستأجر عند انتهاء الإجارة في تملك السلعة بعقد جديد، أو عدم تملكها (٢).
* * *
стр. 280
المطلب الثاني زكاة مال الإجارة المنتهية بالتمليك (١)
اختلف فقهاء العصر في حكم الإجارة المنتهية بالتّمليك، وذلك بناء على اختلاف صورها، مع اختلافهم فيما بني عليه من مسائل (٢)، إلا أني لا أرى ذلك
стр. 281
مؤثرًا في بيان حكم زكاة المال الْمُؤَجِّر؛ لأنّ المؤجّر مالكٌ للعين المؤجَّرة، سواء قلنا بصحة العقد أو فساده، لذا فإن حكم زكاة العين المؤجرة إيجارًا منتهيًا بالتّمليك يتخرج على حكم زكاة المستغلات، وقد تقدم بيانها وترجيح عدم وجوب زكاتها، وإنما تجب الزكاة فيما غل منها بعد حَوَلَان الحول على الغلة (١)، ولم تجب الزكاة في كامل القيمة، وإنما وجبت في الأجرة؛ لكون العين المؤجَّرة لم تعد للتقليب بالبيع والشراء، وإنما للاستغلال، مما يحول دون تحقق وصف العروض التجارية فيها (٢).
فيجب على مالك العين المؤجرة وهو المؤَجِّر زكاةُ أقساط الأجرة التي يستلمها إذا حال عليها الحول بعد قبضها، فإن شقَّ ضَبْطُ حَوْلِ كُلِّ قسطٍ لها فيمكنه تحديد وقت معين يزكي فيه ما اجتمع له من مال زكوي من تلك الأقساط.
* * *
стр. 282
المبحث الخامس عشر
زكاة مال الاستصناع
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الاستصناع
المطلب الثاني: زكاة مال الاستصناع
стр. 283
المطلب الأول تعريف الاستصناع (١)
عرف الاستصناع (٢) لدى الأحناف (٣) بتعريفات منها: تعريفه بأنه عقدٌ على مَبِيع في الذمة شرط فيه العمل (٤).
كما عرف بأنه: طلب العمل من العامل في شيء خاص، على وجه
стр. 284
مخصوص (١).
إلا أنه يلاحظ على التعريفين الإجمال في بيان حقيقة الاستصناع، ولذا فإن الأشمل في تعريفه أن يقال: عقد يُشترى به في الحال شيء مما يُصنع صنعًا يلتزم البائع بتقديمه مصنوعًا بمواد من عنده بأوصاف معينه، وبشيء محدد (٢).
ويتضح من التعريف ما يلي:
١ - أن عقد الاستصناع: عقد بيع وليس عقد إجارة أو وعدًا (٣).
٢ - أنّ الأصل في المبيع فيه أنه معدوم عند العقد والمقصود هو صنعه، فلا يجري الاستصناع في الأمور التي لا تدخلها الصنعة كالثمار والحبوب، فهذه تباع سلمًا.
٣ - أنَّه لا بد في الاستصناع من تحديد الأوصاف للمستصنع بما ينفي عنه الجهالة.
стр. 285
٤ - أنّ الثمن لا يجب تعجيله في الاستصناع، وإنما يجب معرفته نوعًا وقدرًا.
٥ - أنَّ المواد التي يتركب منها المستصنع يقدمها الصانع (١).
ويتضح مما تقدم الفرق بين الاستصناع والسلم والإجارة كما يلي:
أولًا: الفرق بين الاستصناع والسلم (٢):
المعقود عليه في السلم هو الموصوف في الذمة دون اشتراط كونه من صنعته، كما أن له أجلًا محددًا، وثمنه مقبوض مقدما، أما الاستصناع فالمعقود عليه فهو العين والعمل، فيشترط فيه الصنع ولا يشترط تعجيل الثمن، فالسلم عام في المصنوع وغيره، مع اشتراط تعجيل الثمن بخلاف الاستصناع.
ثانيًا: الفرق بين الاستصناع والإجارة:
المعقود عليه في الإجارة هو منفعة العين، أما في الاستصناع فالمعقود عليه هو العين والعمل، فيلزم الصانع إحضار المواد التي يتركب منها المطلوب صناعته، فإذا