مؤثرًا في بيان حكم زكاة المال الْمُؤَجِّر؛ لأنّ المؤجّر مالكٌ للعين المؤجَّرة، سواء قلنا بصحة العقد أو فساده، لذا فإن حكم زكاة العين المؤجرة إيجارًا منتهيًا بالتّمليك يتخرج على حكم زكاة المستغلات، وقد تقدم بيانها وترجيح عدم وجوب زكاتها، وإنما تجب الزكاة فيما غل منها بعد حَوَلَان الحول على الغلة (١)، ولم تجب الزكاة في كامل القيمة، وإنما وجبت في الأجرة؛ لكون العين المؤجَّرة لم تعد للتقليب بالبيع والشراء، وإنما للاستغلال، مما يحول دون تحقق وصف العروض التجارية فيها (٢).
فيجب على مالك العين المؤجرة وهو المؤَجِّر زكاةُ أقساط الأجرة التي يستلمها إذا حال عليها الحول بعد قبضها، فإن شقَّ ضَبْطُ حَوْلِ كُلِّ قسطٍ لها فيمكنه تحديد وقت معين يزكي فيه ما اجتمع له من مال زكوي من تلك الأقساط.
* * *
стр. 282
المبحث الخامس عشر
زكاة مال الاستصناع
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الاستصناع
المطلب الثاني: زكاة مال الاستصناع
стр. 283
المطلب الأول تعريف الاستصناع (١)
عرف الاستصناع (٢) لدى الأحناف (٣) بتعريفات منها: تعريفه بأنه عقدٌ على مَبِيع في الذمة شرط فيه العمل (٤).
كما عرف بأنه: طلب العمل من العامل في شيء خاص، على وجه
стр. 284
مخصوص (١).
إلا أنه يلاحظ على التعريفين الإجمال في بيان حقيقة الاستصناع، ولذا فإن الأشمل في تعريفه أن يقال: عقد يُشترى به في الحال شيء مما يُصنع صنعًا يلتزم البائع بتقديمه مصنوعًا بمواد من عنده بأوصاف معينه، وبشيء محدد (٢).
ويتضح من التعريف ما يلي:
١ - أن عقد الاستصناع: عقد بيع وليس عقد إجارة أو وعدًا (٣).
٢ - أنّ الأصل في المبيع فيه أنه معدوم عند العقد والمقصود هو صنعه، فلا يجري الاستصناع في الأمور التي لا تدخلها الصنعة كالثمار والحبوب، فهذه تباع سلمًا.
٣ - أنَّه لا بد في الاستصناع من تحديد الأوصاف للمستصنع بما ينفي عنه الجهالة.
стр. 285
٤ - أنّ الثمن لا يجب تعجيله في الاستصناع، وإنما يجب معرفته نوعًا وقدرًا.
٥ - أنَّ المواد التي يتركب منها المستصنع يقدمها الصانع (١).
ويتضح مما تقدم الفرق بين الاستصناع والسلم والإجارة كما يلي:
أولًا: الفرق بين الاستصناع والسلم (٢):
المعقود عليه في السلم هو الموصوف في الذمة دون اشتراط كونه من صنعته، كما أن له أجلًا محددًا، وثمنه مقبوض مقدما، أما الاستصناع فالمعقود عليه فهو العين والعمل، فيشترط فيه الصنع ولا يشترط تعجيل الثمن، فالسلم عام في المصنوع وغيره، مع اشتراط تعجيل الثمن بخلاف الاستصناع.
ثانيًا: الفرق بين الاستصناع والإجارة:
المعقود عليه في الإجارة هو منفعة العين، أما في الاستصناع فالمعقود عليه هو العين والعمل، فيلزم الصانع إحضار المواد التي يتركب منها المطلوب صناعته، فإذا
стр. 286
أحضرها المستصنع أصبحت إجارة؛ لأن العقد وقع فيها على منفعة العامل فقط دون عين المستصنع (١).
* * *
стр. 287
المطلب الثاني زكاة مال الاستصناع
اختلف الفقهاء في حكم الاستصناع على قولين؛ قول بالجواز وآخر بالمنع (١)، إلا أنه استقر رأي جواز الاستصناع وصحته عند فقهاء العصر (٢)، والمقصود هنا بيان
стр. 288
حكم زكاة المال في الاستصناع في حق الصانع والمستصنع (١)، حيث اختلف المعاصرون في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم وجوب الزكاة على المستصنع والصانع في مال الاستصناع (٢).
القول الثاني: وجوب الزكاة على المستصنع في ثمن المصنوع حتى يستلم المصنوع، ووجوبها على الصانع في المصنوع حتى يقبضه المستصنع (٣).
القول الثالث: وجوب الزكاة على الصانع فيما يقبضه من ثمن المصنوع، مع عدم وجوب الزكاة على المستصنع في ذلك الثمن (٤).
أدلة الأقوال:
دليل القول الأول: عدم تحقق شرط الملك في العوضين، فالمستصنع لم يملك ثمن المصنوع، لأنه إن كان دفعه للصانع فقد خرج من ملكه، وإن لم يكن دفعه فهو في حكم المشغول بالدين؛ فملكه عليه غير تام، فلا تجب زكاته، وأما الصانع فإنه لا يزكي مواد المصنوع لخروجها عن ملكه بالعقد ولو لم يسلمها؛ لئلا يصير جامعًا
стр. 289
بين البدل والمبدل (١).
ويناقش: بأنه لا يسلم عدم ملك الصانع للمصنوع مطلقًا، بل هو مالك له إن كان موجودًا؛ لأنه موصوف في الذمة لا يتعين بالعقد، كما لا يسلم عدم ملك المستصنع لثمن المصنوع مطلقًا، فإنه ماله ما لم يقبضه الصانع، أو يستحقه بحلول أجله، فإن استحقه الصانع بحلول أجله فله حكم زكاة الدين بالنسبة للمستصنع، وهي واجبة في الدين الحال على مليء باذل (٢).
دليل القول الثاني: أن المستصنع لا يملك المصنوع إلا بِقَبْضِه، فيبقى مالكا للبدل المتفق عليه حتى يقبضَ المصنوع، فإن قبضه خرج البدلُ عن ملكه، وكذا الصانع تجب زكاته للمصنوع؛ لأنه مالكٌ له حتى يسلمه للمستصنع، فإذا سلمه له خرج من ملك الصانع إلى المستصنع فوجبت عليه زكاته (٣).
دليل القول الثالث: أن ما يقبضه الصانع ثمنا للمصنوع ملك له كأجرة العامل ونحوه يملكها بقبضها، وأما المستصنع فإن ثمن المصنوع دين عليه، ولا تجب الزكاة في الدين أو ما يقابله (٤).
ويناقش: بأن عدم وجوب الزكاة في الدين أو ما يقابله إنما يكون في الدين إذا حل، أما المؤجل فالأظهر أنه لا يحسم من نصاب ما تجب زكاته؛ لعدم استحقاق الدين حال الخصم.
стр. 290
الترجيح:
يترجح القول الثاني؛ وهو وجوب زكاة الثمن على المستصنع ما لم يقبضه الصانع، أو يستحقه، كما يجب على الصانع زكاة المصنوع ما لم يقبضه المستصنع أو يستحقه، وذلك لتحقق ملك المستصنع لثمن المصنوع، وتحقق ملك الصانع لعين المصنوع وموادِّه التي يتركب منها، مع عدم تَحَقُّقِ ملك الصانع للثمن ما لم يقبضه أو يستحقه، فإنْ قَبَضَه فقد تملكه، وإن استحقه ولم يقبضه فتنطبق عليه أحكام زكاة الدين، وهي إنما تجب إن كان الدين على مليء باذل، كما أن ملك المستصنع للمصنوع لا يتحقق ما لم يقبضه أو يستحقه (١)، فإن استحقه ولم يقبضه فتجري عليه أحكام زكاة الديون كما تقدم، (٢) إلا أن إيجاب الزكاة في المصنوع أو ثمنه، إنما يكون في حال وجودِهما لدى مالكهما، وبلوغِهما نِصابًا، وحَوَلَان الحول على ذلك.
سبب الخلاف:
اختلافهم في ثبوت الملك للمستصنع في المصنوع، وثبوت الملك للصانع في البدل المتفق عليه.
* * *
стр. 291
المبحث السادس عشر
حكم احتساب الضريبة من الزكاة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الضرائب وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف بينها وبين الزكاة
المطلب الثاني: حكم احتساب الضريبة من الزكاة
стр. 292
المطلبْ الأول تعريف الضرائب وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف بينها وبين الزكاة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تعريف الضرائب (١)
стр. 293
تطلق الضريبة في الاصطلاح الفقهي على أنواع منها (١):
١ - ضريبة الجزية.
٢ - ضريبة الخراج (٢).
٣ - ضريبة عُشور التجارة (٣).
٤ - ضريبة المكوس (٤). وغيرها من الأنواع.
وليس المقصود هنا بيان هذه الأنواع (٥)؛ وإنما المراد بيان الضرائب في
стр. 294
الاصطلاح المالي المعاصر، وقد ذكروا لها عدة تعريفات، فمنها:
١ - المقدار من المال الذي تُلْزِم الدولةُ الأشخاصَ بدفعه من أجل تغطية النفقات العامة لها دون أن يقابل ذلك نفعٌ معينٌ لكل ممول بعينه (١).
٢ - فريضة إلزامية وليست عقابية، يُلْزَمُ الأفرادُ على أساسها بتحويل بعض الموارد الخاصة بهم للدولة بدون مقابل؛ لتحقيق ما تسعى إليه الدولة من أهداف طبقًا لقواعدَ محددة (٢).
ويُلحظ على التعريفين:
تخصيص دفع الضريبة بالأفراد، بينما هي مما يُلْزَمُ بها الأفراد والشّركات ونحوها، كما أنها لم تنص على أن تلك الضرائب هي دفعات نقدية.
فلذا يمكن أن نعرف الضرائب بأنها:
المقدار النقدي الذي يُلْزَمُ الأفراد والشّركات بدفعه للدولة وَفْقَ قواعد محددة، للمساهمة بتغطية النفقات العامة للدولة، وتحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية ونحوها، دون نفع معين لكل ممول بعينه.
ويتبين بذلك أن أبرز خصائص الضرائب ما يلي:
١ - أن الذي يقوم بتحصيلها جهة عامة.
٢ - أن هذا التحصيل جبري.
٣ - أن ذلك يكون وفقا لأنظمة وقوانين محددة.
стр. 295
٤ - أن الغرض الأساسي منها تغطية نفقات الدولة (١).
المسألة الثانية: بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بين الضريبة والزكاة وفيها فرعان:
الفرع الأول: أوجه الاتفاق بين الضريبة والزكاة
تتفق الضريبة مع الزكاة في بعض الأوجه، وتختلف في البعض الآخر؛ فأما أوجه الاتفاق فيمكن أن نعد منها ما يلي:
١ - الإلزام بالدفع في الضريبة والزكاة.
٢ - دفع المال في الضريبة إلى الجهة العامة؛ وهي الدولة، وكذا الزكاة فيما يجبيه السعاة منها؛ فإنه يدفع للجهة العامة، وما عدا ذلك فيمكن دفعه للأفراد.
٣ - انعدام المنفعة المادية المعينة المقابلة لدفع الضريبة والزكاة؛ فمنفعة دفع الضريبة تكمن في الإسهام في المصالح العامة للدولة، ومنفعة دفع الزكاة هي في الأجر الأخروي لدافعها.
٤ - تحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية في كلٍّ من الضريبة والزكاة، مع التفاوت بينهما في ذلك، فما تحققه الزكاة أعظم أثرا مما تحققه الضريبة، لكون مصارف الزكاة مصارف متنوعة نص عليها الشارع الحكيم (٢).
الفرع الثاني: أوجه الاختلاف بين الضريبة والزكاة
تختلف الضرائب عن الزكاة من أوجه كثيرة، من أهمها:
стр. 296
١ - الضريبة من وضع البشر، بخلاف الزكاة فهي من تشريع العليم الحكيم.
٢ - الضريبة فريضة مالية، بينما الزكاة عبادة مالية مفروضة.
٣ - الضريبة تُجْبَى من قِبَل الدولة فقط، بخلاف الزكاة، فمنها ما تجبيه الدولة، ومنها ما يدفعه الأفراد من قِبَلِ أنفسهم في المصارف الشرعية.
٤ - عقوبة الممتنع من دفع الضريبة هي عقوبة دنيوية فقط، بخلاف الزكاة فعقوبتها لا تختص بالعقوبة الدنيوية، بل تتجاوزها إلى العقوبة الأخروية.
٥ - تخضع الضريبة من حيث وعائها الضريبي، ونصابها، والمقدار واجب الدفع، إلى اجتهاد البشر من حكام ومسؤولين، فهي معرضة للتغيير زيادة ونقصا بحسب تغير حاجات الدولة، ونفقاتها العامة، ومواردها المالية، بخلاف الزكاة التي عَيَّنَ الشارع الحكيم وعاءها، فنص على أموال تجب فيها الزكاة، واستثنى أموالا من ذلك، كما عَيَّنَ النصاب الذي تجب عنده الزكاة، والمقدار الذي يجب إخراجه في كل جنس من الأموال الزكوية، وتلك شرائع سماوية ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل.
٦ - الضريبة فريضة مالية قابلة للإثبات والإلغاء، بخلاف الزكاة، فمن صفتها الثبات والدوام، فلا يجوز إلغاؤها، أو استبدالها بغيرها من الفرائض المالية البشرية.
٧ - الضريبة واجبة في الأموال النامية وغير النامية، بخلاف الزكاة فإنما تجب في الأموال النامية دون غيرها من أموال القنية والاستهلاك.
٨ - الضريبة تؤخذ من عموم المقيمين في الدولة؛ الأغنياء والفقراء، بينما الزكاة تجب على الأغنياء دون الفقراء.
٩ - الضريبة تصرف في نفقات الدولة العامة ومتطلباتها، بخلاف الزكاة؛ فإنها
стр. 297
تُصْرَف في مصارفها الثمانية المنصوص عليها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (١).
١٠ - الضريبة تختص بالدفع النقدي، بخلاف الزكاة، فمنها الأعيان كما في زكاة الخارج من الأرض وبهيمة الأنعام، ومنها النقود كما في زكاة النقدين، وعروض التجارة.
ومما تقدم يتبين الفرق الشاسع بين الضريبة والزكاة من أوجه كثيرة تقضي باختلافهما في الأحكام (٢).
* * *
стр. 298
المطلبْ الثاني حكم احتساب الضريبة من الزكاة
تبين مما تقدم أن الضريبة فريضة مالية ملزمة من الدولة لجميع القاطنين فيها، سواء كانوا من أهلها أو من الواردين للإقامة فيها؛ مسلمين كانوا أو كفارا (١)، إلا أن
стр. 299
المسلم يتوجب عليه شرعًا دفع فريضة الزكاة أيضًا، وهو الأمر الذي تسبب في إثارة هذه المسألة، لا سيما مع انتشار الضرائب في بلاد الإسلام وتقنينها (١)، مع أن بعض العلماء المتقدمين قد تكلموا عن هذه المسألة لوجود الضرائب بمسمياتها المختلفة في زمانهم، وقد نقل لنا فيها قولان:
القول الأول: جواز احتساب الضريبة من الزكاة، وهو رواية عن أحمد (٢)، واختاره النووي فيما يأخذه السلطان على أنه بدل من الزكاة (٣)، وهو قول لشيخ
стр. 300
الإسلام ابن تيمية (١).
القول الثاني: عدم جواز احتساب الضريبة من الزكاة، وهو قول جمهور أهل العلم (٢)، واختاره شيخ الإسلام في الرواية الثانية عنه (٣)، وهو ما عليه عامة الفقهاء المعاصرين (٤)، وقد أفتت به الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة (٥).
стр. 301
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
لم أقف لهذا القول على دليل صريح، إلا ما يمكن أن يلتمس له من التعليل:
١ - بالتيسير على الناس، ودفع المشقة عنهم، وذلك إذا كانت الضرائب ظالمة (١).
٢ - فأما إن كانت الضرائب مما يراعى فيها العدل، فيُعَلَّلُ لها -إضافةً إلى ما سبق- تحقيق الضريبة العادلة لمقصد الزكاة من سَدِّ خَلَّة الفقراء واستصلاح حالهم (٢).
ويجاب عن ذلك: بأن الزكاة عبادة مفروضة لها أركانها وشروطها، فلا يقوم غيرها مقامها بقصد التيسير، وإنما التيسير فيما تحتمله النصوص لا فيما ينافرها، وما أخذ من المال ظلما من مالكه؛ فإنه يرجى له الأجر عليه، وأن يخلفه الله له، كما أن هذا القدر يخصم من الوعاء الزكوي الذي تجب فيه الزكاة، وهو نوع من التيسير.
стр. 302
وأما التعليل: بأن الضرائب إذا كانت عادلة فإنها تحتسب من الزكاة، لتحقيقها لمقصد الزكاة من سَدِّ خَلَّة الفقراء، فإنه لا يُسَلَّم لما تقدم بيانه من اختصاص الزكاة بشرائط وأركان لا تجتمع مع الضريبة بحال، مع اختلاف النية في كل منهما، وعدم صرف الضريبة كلها في مصارف الزكاة، فأما إن صرفت في مصارف الزكاة، ونواها الدافعُ زكاةً فإن لاحتسابها عندئذ وجها سيأتي بيانه -إن شاء الله- (١).
أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الزكاة عبادة يُشْتَرَط فيها نيةُ التقرب إلى الله، وذلك مُتَعَذِّر في الضريبة (٢).
ويناقش: بأنه يمكن لدافع الضريبة أن ينوي عند دفعها التقربَ إلى الله، لا سيما إن كانت تصرف في مصارف الزكاة، فإن لم تكن كذلك فإن النية لا تكفي في تحويل الفريضة المالية إلى عبادة شرعية مع اختلاف الحقيقة.
الدليل الثاني: أن الضريبة تؤخذ من الناس بغير اسم الزكاة، فلا يشرع عندئذ لدافعها احتسابها من الزكاة (٣).
ويناقش: بأنَّ أَخْذَهَا بغير اسم الزكاة يكون مؤثرا إذا لم تصرف في مصارف الزكاة، وهو الغالب، فإن صُرِفَتْ في مصارفها فلا أثر لأخذها مع اختلاف المسمى.
الدليل الثالث: اختلاف الزكاة عن الضريبة من وجوه كثيرة، كمصدر التشريع،
стр. 303
وسبب الإيجاب، وأهداف كل منهما، ومصارفهما، وثبوت الزكاة في كل زمان ومكان، بخلاف الضريبة التي يرتبط ثبوتها وعدمه باجتهاد الحاكم في الحاجة إليها من عدم ذلك (١).
الترجيح:
يترجح القول بعدم مشروعية احتساب الضرائب المعاصرة من الزكاة، وإنما تخصم الضريبة من الوعاء الزكوي بعد استحقاقها، مع عدم جواز تأخير الزكاة لأجل ذلك، ويتأيد هذا الترجيح بما يلي:
١ - أن الزكاة عبادة مفروضة، لها صفات وشروط تختلف كثيرًا عن صفات الضرائب وشروطها، مما يمتنع معه إعطاءُ الضريبة حُكْمَ الزكاة.
٢ - أن الضرائب -قديمًا وحديثًا- لا تصرف في مصارف الزكاة، بل تصرف في نفقات الدولة ومتطلباتها، هذا إن سَلِمَتْ من الظلم والجور.
٣ - أننا لو سلمنا بإنفاق الضرائب على الفقراء في زمان أو مكان معين، فإن احتساب الضرائب من الزكاة عندئذ مؤداه انحسارها عن مصارفها الأخرى، وهذا ما لا يتفق مع الأدلة والمقاصد الشرعية القاضية بصرف الزكاة في مصارفها المنصوصة ما أمكن، لما في ذلك من منافع عظيمة للإسلام والمسلمين، بل ربما أدى ذلك إلى انحسار الزكاة برمَّتها، كما هو الحال في كثير من بلاد الإسلام التي زاحمت الضريبة فيها الزكاة.
٤ - أن المسلم مأجور على ما يصيبه من مشقة إثر اجتماع الضريبة مع الزكاة، إن هو احتسب ذلك عند الله، كما أن المال لا تنقصه الزكاة والصدقة، بل تطهره ويبارك فيه (٢).
стр. 304
الفصل الثالث
النوازل في مصارف الزكاة
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: مصرف الفقراء والمساكين
البحث الثاني: مصرف العاملين على الزكاة
البحث الثالث: مصرف المؤلفة قلوبهم
البحث الرابع: مصرف الرقاب
البحث الخامس: مصرف (في سبيل الله)
المبحث السادس: مصرف ابن السبيل
стр. 305
المبحث الأول
مصرف الفقراء والمساكين
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: قدر الغنى المانع من أخذ الزكاة
المطلب الثاني: مقدار ما يعطاه الفقير والمسكين
المطلب الثالث: تطبيقات معاصرة لمصرف الفقراء والمساكين
стр. 306
المطلب الأول قدر الغنى المانع من أخذ الزكاة (١)
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز تمليك الزكاة للغني من مصرف الفقراء والمساكين (٢)، وقد دل على ذلك أدلة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (٣).
ووجه الدلالة: أن الله حصر جواز إعطاء الزكاة لهذه الأصناف، وليس منها الغني.
стр. 307
وفي حديث عبيد الله بن عدي (١) قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله ﷺ وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخَفَضَه، فرآنا جَلْدَيْن، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حَظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" (٢).
واختلفوا في مقدار الغنى المانعِ من أخذ الزكاة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن الغنى المانعَ من أخذ الزكاة هو ما تحصل به الكفاية، فإن لم يجد ذلك جاز أخذ الزكاة، ولو ملك نصابًا، وهو المذهب لدى المالكية (٣) والشافعية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥).
القول الثاني: إن الغنى المانعَ من أخذ الزكاة هو الغنى الموجبُ لها، فمَن ملك نصابًا من الأموال الزكوية حَرُمَ عليه أن يأخذ من الزكاة، وهو مذهب الحنفية (٦)، وقول للمالكية (٧).
стр. 308
القول الثالث: من ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب، فلا يجوز له الأخذ من الزكاة ولو كان محتاجًا، وهو المذهب عند الحنابلة (١).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
١ - أن النبي ﷺ قال لقبيصة بن مخارق ﵁ (٢): "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة. . . " وذكر منهم: "ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلتْ له المسألة حتى يصيبَ قِوامًا من عيش" أو قال: "سِدادًا من عيش (٣) " (٤).
стр. 309
وجه الدلالة: أنه أباح المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد، ومعناه أن مَن أصاب الكفاية لا تحل له المسألة.
ونوقش: بأن الحديث لم يتعرض للحد المانع من أخذ الزكاة، وإنما ذكر حد تحريم المسألة، وقد تحرم المسألة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته من غير المسألة (١).
ويجاب: بأن تحريم المسألة إنما يكون لوجود الغنى من السائل.
٢ - لأن الحاجة هي الفقر، والغنى ضدها، فمن كان محتاجًا فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة، سواء ملك نصابًا أو لم يملك.
دليل القول الثاني:
ما جاء عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لمعاذ ﵁ حين بعثه لليمن: "وأَعْلِمْهُمْ أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٢).
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قسم الناس قسمين: الأغنياء والفقراء، فجعل الأغنياء يؤخذ منهم، والفقراء يُرَد فيهم، فكل مَن لم يؤخذ منه يكون مردودًا فيه، فيجوز إعطاؤه من الزكاة (٣).
стр. 310
دليل القول الثالث:
ما رُوِي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَن سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشًا (١)، أو خدوشًا (٢)، أو كدوحًا (٣) في وجهه". فقيل: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال: "خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب" (٤).
стр. 311
ونوقش: بأنه على التسليم بصحة الحديث، فإنه محمول على أن النبي ﷺ قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه خمسين درهمًا (١).
الترجيح:
يترجح قول الجمهور لقوة ما استدلوا به من المنقول والمعقول، فالغنى المانع من أخذ الزكاة هو ما تحصل به الكفاية، فمن وجد من المال ما يكفيه ويكفي من يمونه فهو غني، لا تحل له الزكاة، ومن لم يجد ذلك حلت له الزكاة ولو كان يملك نصابًا، وأما تحديد الكفاية المعتبرة فإنه يرجع للعرف؛ لإطلاق الشرع له، وكل ما أطلقه الشرع ولا ضابط له، فضابطه العرف (٢).
إلا أن الفقهاء اختلفوا في استحقاق الفقير للزكاة إن كان قويًّا مكتسبًا على قولين:
стр. 312
القول الأول: استحقاق الفقير الزكاة ولو كان قادرًا على الكسب، وهو مذهب الحنفية (١) والمالكية (٢).
القول الثاني: عدم استحقاق الفقير للزكاة إن كان قادرًا على الكسب، وهو مذهب الشافعية (٣) ورواية عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الأول:
١ - أن الذي يملك أقل من نصاب يعد فقيرًا، سواء كان قادرًا على الكسب أو لم يقدر (٥).
ويناقش: بأنه إن كان قادرا على كسبٍ يدفع حاجته فلا يعد فقيرًا، بل هو غني حكمًا؛ لأن دفع الحاجة نفي للفقر.
٢ - حديث عبيد الله بن عدي ﵁ وفيه: أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فيهما البصر وخفضه، فرآهما جَلْدَيْن، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حَظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" (٦).
ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قال: "إن شئتما أعطيتكما". مما يدل على جواز الأخذ والإعطاء (٧).
стр. 313
ونوقش: بأن ذلك معارض بقوله ﷺ : "ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" كما سيأتي بيانه (١).
أدلة القول الثاني:
١ - حديث عبيد الله بن عدي المتقدم وفيه: "ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" (٢).
ووجه الدلاله منه: تقرير عدم استحقاق الزكاة للقوي المكتسب.
ونوقش: بأن الحديث دل على تحريم مسألة القوي المكتسب، لا عدم استحقاقه (٣).
وأجيب: بعدم التسليم، فالحديث شامل لتحريم السؤال والإعطاء للقادر المكتسب، وأما قول النبي ﷺ "إن شئتما أعطيتكما". فدال على جواز إعطاء سائل الزكاة إن كانت حاجته لا تندفع باكتسابه، كما إذا لم يجد كسبا يليق به أو يكفيه.
٢ - أن من له كسب يكفيه غني بكسبه؛ لأنه قادر على دفع حاجته ونفي فقره.
الترجيح:
يترجح القول الثاني لقوة دليله وتعليله، إلا أن ذلك مقيد بكسب حلال يليق به، كما نص عليه الشافعية وغيرهم (٤)؛ لأن ما لم يكن من الكسب كذلك فوجوده كعدمه.
المطلب الثاني مقدار ما يعطاه الفقير والمسكين (١)
اختلف الفقهاء في مقدار ما يعطاه الفقير والمسكين (٢) من الزكاة على أقوال ثلاثة:
стр. 316
القول الأول: إعطاء الفقير والمسكين من الزكاة أقل من النصاب - مائتي درهم - فإن أعطي قدره أو أكثر جاز مع الكراهة. وهو المذهب عند الحنفية (١)
стр. 317
القول الثاني: إعطاء الفقير والمسكين من الزكاة ما يكفيهما ويكفي من يعولون سنة كاملة، وهو المذهب لدى المالكية (١)، وقول للشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣).
القول الثالث: إعطاء الفقير والمسكين من الزكاة ما تحصل به الكفاية على الدوام (٤)، وهو المذهب لدى الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٦).
أدلة الأقوال:
دليل القول الأول: أن إعطاء الفقير نصابًا أو أكثر يصيره غنيًّا (٧).
ويناقش: بعدم التسليم بحصول الإغناء بهذا المقدار، كما تقدم بيانه في
стр. 318
المسألة قبلها، ثم لو حصل فإنه لا يتحقق غناه إلا بعد القبض، وأما قبله فهو فقير، ولا مانع من إغنائه عن الفقر من الزكاة (١).
دليل القول الثاني:
أن وجوب الزكاة يتكرر كل حَوْل، فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله (٢).
ويُناقش: بأنه قد لا يتمكن من أخذ الزكاة كل حول، كما أن أخذه ما يكفيه من الزكاة يغنيه عن زكاة الأعوام القادمة، فيستفيد منها غيره من الفقراء.
أدلة القول الثالث:
١ - استدلوا بحديث قبيصة بن المخارق ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، -وذكر منهم- رجل تحمّل حمالةً، فحلّتْ له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلّتْ له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال: سدادًا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلّتْ له المسألة حتى يصيب قوامًا من عشى - أو قال: سدادًا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سُحْتٌ يأكلها صاحبها سحتًا" (٣).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أجاز المسألة للمحتاج حتى يصيب ما يسد حاجته، فدل على إعطائه ما تحصل به الكفاية على الدوام (٤).
٢ - أن القصد إغناؤه من الفقر، ولا يحصل إلا بذلك (٥).
стр. 319
ونوقش: بأن المقصود الإغناء المقيد عن المسألة، لا الإغناء المطلق، كما في قوله ﷺ : "أغنوهم عن المسألة هذا اليوم " (١)(٢).
ويجاب: بأن الحديث لا يصح، وعلى التسليم بصحته فإنه مختص بزكاة الفطر؛ لأنها مقدار محدد واجب على الغني والفقير الذي يملك قوت يومه، ولا يزيد مقدارها بزيادة المال، أما في زكاة المال فالمقصود هو تحقيق الكفاية.
الترجيح: الذي يترجح أنه لا حدَّ مُقَدَّرًا شرعًا للكفاية التي يستحقها الفقير من الزكاة، ولذا فإن كل موضع بحسبه، فمن الفقراء من يستطيع تحقيق الغنى بالعمل والاكتساب، ولكن تنقصه أدوات العمل وآلاته، فيمكن أن يُشترى له ذلك من الزكاة ولو كانت قيمتها أكثر من كفاية السنة، ومن الفقراء مَنْ هو مُكْتَسِبٌ، لكن لا يفي اكتسابه بحاجته، فيشرع له الأخذ من الزكاة (٣)، ومنهم ضعيف لا يمكنه الاكتساب، فإن كان يغلب على الظن تحصيله للزكاة كلَّ حَوْل، فإن الأولى أن يُعْطى كفاية السنة؛ لتمكين الفقراء غيره من الإفادة من الزكاة، أما إن غلب على الظن عدم تحصيله كفايةَ السنة كل حول من الزكاة، فإنّ للمزكي إعطاءَه كفاية العمر، لا سيما
стр. 320
وقد روى أبو عبيد آثارا عن السلف تؤيد أنهم فهموا أن المقصود من الزكاة ليس مجردَ رفع مؤقت لحال مسغبة، بل هي تحقيق للتكافل والكفاية بتحصيل الأمور الضرورية من مطعم ومسكن وملبس ومركب ونحوها من لوازم الحياة بغير سرف ولا إقتار، ومن تلك الآثار الدالة على ذلك:
قول عمر بن الخطاب ﵁ (إذا أَعْطَيْتُم فَأَغْنوا)، قال أبو عبيد: "وقد رُوِيَ ما هو أجل من هذا " (١).
قال أبو عبيد: "فكل هذه الآثار دليل على أن مبلغ ما يُعْطَاه أهل الحاجة من الزكاة ليس له وقت محظور على المسلمين ألا يعدوه إلى غيره، وإن لم يكن المعطى غارما، بل فيه المحبة والفضل إذا كان ذلك على جهة النظر من المعطي بلا محاباة ولا إيثار هوى؛ كرجل رأى أهل بيت من صالحي المسلمين أهلَ فقر ومسكنةٍ، وهو