القول الأول: إعطاء الفقير والمسكين من الزكاة أقل من النصاب - مائتي درهم - فإن أعطي قدره أو أكثر جاز مع الكراهة. وهو المذهب عند الحنفية (١)
стр. 317
القول الثاني: إعطاء الفقير والمسكين من الزكاة ما يكفيهما ويكفي من يعولون سنة كاملة، وهو المذهب لدى المالكية (١)، وقول للشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣).
القول الثالث: إعطاء الفقير والمسكين من الزكاة ما تحصل به الكفاية على الدوام (٤)، وهو المذهب لدى الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٦).
أدلة الأقوال:
دليل القول الأول: أن إعطاء الفقير نصابًا أو أكثر يصيره غنيًّا (٧).
ويناقش: بعدم التسليم بحصول الإغناء بهذا المقدار، كما تقدم بيانه في
стр. 318
المسألة قبلها، ثم لو حصل فإنه لا يتحقق غناه إلا بعد القبض، وأما قبله فهو فقير، ولا مانع من إغنائه عن الفقر من الزكاة (١).
دليل القول الثاني:
أن وجوب الزكاة يتكرر كل حَوْل، فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله (٢).
ويُناقش: بأنه قد لا يتمكن من أخذ الزكاة كل حول، كما أن أخذه ما يكفيه من الزكاة يغنيه عن زكاة الأعوام القادمة، فيستفيد منها غيره من الفقراء.
أدلة القول الثالث:
١ - استدلوا بحديث قبيصة بن المخارق ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، -وذكر منهم- رجل تحمّل حمالةً، فحلّتْ له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلّتْ له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال: سدادًا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلّتْ له المسألة حتى يصيب قوامًا من عشى - أو قال: سدادًا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سُحْتٌ يأكلها صاحبها سحتًا" (٣).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أجاز المسألة للمحتاج حتى يصيب ما يسد حاجته، فدل على إعطائه ما تحصل به الكفاية على الدوام (٤).
٢ - أن القصد إغناؤه من الفقر، ولا يحصل إلا بذلك (٥).
стр. 319
ونوقش: بأن المقصود الإغناء المقيد عن المسألة، لا الإغناء المطلق، كما في قوله ﷺ : "أغنوهم عن المسألة هذا اليوم " (١)(٢).
ويجاب: بأن الحديث لا يصح، وعلى التسليم بصحته فإنه مختص بزكاة الفطر؛ لأنها مقدار محدد واجب على الغني والفقير الذي يملك قوت يومه، ولا يزيد مقدارها بزيادة المال، أما في زكاة المال فالمقصود هو تحقيق الكفاية.
الترجيح: الذي يترجح أنه لا حدَّ مُقَدَّرًا شرعًا للكفاية التي يستحقها الفقير من الزكاة، ولذا فإن كل موضع بحسبه، فمن الفقراء من يستطيع تحقيق الغنى بالعمل والاكتساب، ولكن تنقصه أدوات العمل وآلاته، فيمكن أن يُشترى له ذلك من الزكاة ولو كانت قيمتها أكثر من كفاية السنة، ومن الفقراء مَنْ هو مُكْتَسِبٌ، لكن لا يفي اكتسابه بحاجته، فيشرع له الأخذ من الزكاة (٣)، ومنهم ضعيف لا يمكنه الاكتساب، فإن كان يغلب على الظن تحصيله للزكاة كلَّ حَوْل، فإن الأولى أن يُعْطى كفاية السنة؛ لتمكين الفقراء غيره من الإفادة من الزكاة، أما إن غلب على الظن عدم تحصيله كفايةَ السنة كل حول من الزكاة، فإنّ للمزكي إعطاءَه كفاية العمر، لا سيما
стр. 320
وقد روى أبو عبيد آثارا عن السلف تؤيد أنهم فهموا أن المقصود من الزكاة ليس مجردَ رفع مؤقت لحال مسغبة، بل هي تحقيق للتكافل والكفاية بتحصيل الأمور الضرورية من مطعم ومسكن وملبس ومركب ونحوها من لوازم الحياة بغير سرف ولا إقتار، ومن تلك الآثار الدالة على ذلك:
قول عمر بن الخطاب ﵁ (إذا أَعْطَيْتُم فَأَغْنوا)، قال أبو عبيد: "وقد رُوِيَ ما هو أجل من هذا " (١).
قال أبو عبيد: "فكل هذه الآثار دليل على أن مبلغ ما يُعْطَاه أهل الحاجة من الزكاة ليس له وقت محظور على المسلمين ألا يعدوه إلى غيره، وإن لم يكن المعطى غارما، بل فيه المحبة والفضل إذا كان ذلك على جهة النظر من المعطي بلا محاباة ولا إيثار هوى؛ كرجل رأى أهل بيت من صالحي المسلمين أهلَ فقر ومسكنةٍ، وهو
стр. 321
ذو مال كثير، ولا منزل لهؤلاء يُئْويهم ويستر خلتهم، فاشترى من زكاة ماله مسكنًا يُكِنَّهم من كَلَب الشتاء وحرِّ الشمس، أوكانوا عراة لا كسوة لهم، فكساهم ما يستر عوراتهم في صلاتهم، ويقيهم من الحر والبرد، أو رأى مملوكا عند مليكِ سوء قد اضطهده وأساء ملكته، فاستنقذه من رِقِّه بأن يشتريه فيعتقه، أو مَرّ به ابن سبيل بعيد الشّقة نائي الدار، قد انقطع به، فحمله إلى وطنه وأهله بِكِرَاءٍ أو شراء. هذه الخلال وما أشبهها التي لا تُنال إلا بالأموال الكثيرة، فلم تسمح نفس الفاعل أن يجعلها نافلة، فجعلها من زكاة ماله، أَمَا يكون هذا مؤديا للفرض؟ بلى، ثم يكون إن شاء محسنًا، وإني لخائف على مَن صَدّ مثله عن فعله؛ لأنه لا يجود بالتطوع، وهذا يمنعه بفتياه من الفريضة، فتضيع الحقوق ويعطب أهلها" (١).
وإن مما تجدر الإشارة إليه ضرورة مراعاة حال باقي فقراء البلد المستحقين، فمتى كان إيتاء كفاية العمر يؤدي إلى حرمان مستحقين آخرين من الزكاة فإنه يتعين الاقتصار على كفاية السنة، وإن كان لا يتسنى ضبط ذلك مع كثرة جهات توزيع الزكاة، وانعدام الدراسة للموارد الزكوية وواقع الفقراء ومتطلباتهم، لا سيما مع كثرتهم، مما يجعل كثيرا من مواطن البحث العلمي لتلك المسائل نظريًّا (٢).
...
стр. 322
المطلب الثالث تطبيقات معاصرة لمصرف الفقراء والمساكين
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: صرف الزكاة لحفر الآبار للفقراء
لم أقف على كلام للفقهاء المتقدمين في حُكْمِ حفر الآبار للفقراء من الزكاة، إلّا أنّ اتفاقهم على وجوب تمليك الفقراء لمال الزكاة (١) يقتضي المنعَ من صرف الزكاة في ذلك؛ لعدم تحقق التّمليك عندئذ، وإنّما المتحقق لهم من ذلك هو السقاية من تلك الآبار، وهي إلى الإباحة أقرب منها إلى التّمليك (٢)، وقد أصدرت الهيئة
стр. 323
الشرعية في بيت الزكاة الكويتي فتوى بهذا الخصوص أنقلها لأهميتها: "الأصل في الزكاة أن تُصرف للفقراء، أو توضع في مشروع يخصص نفعه أو ريعه للفقراء، على أن تبقى عين المشروع مالًا زكويًّا قابلًا للبيع عند الحاجة؛ ليصرف بدله في الزكاة عند الحاجة إلى ذلك، وهذا لا يتحقق في حفر بئرٍ في منطقة غير داخلة في ملك أحد، ويردها الغني والفقير؛ لأن الماء في مثل هذه الحالة يشترك فيه الناس غنيهم وفقيرهم، ولا يمكن منع أو امتناع الغني من ذلك، وهذا أشبه بالصدقة الجارية، أو الوقف، لكن ترى الهيئة أنه يجوز شرعًا تمليك مال الزكاة لأهل المنطقة الفقراء، ثم يوجهون إلى وضعه في حفر بئر يبيحون الانتفاع بها لهم ولغيرهم" (١).
وما ذكرته الفتوى وجيه، إلا أنه قد يتعذر حفر البئر في حال تمليكهم المال؛ لسوء تصرفهم فيه، ورغبتهم في الاستئثار بالمال، فلذا أرى جواز صرف الزكاة عندئذٍ بالضوابط التالية:
١ - أن تكون الحاجة إلى حفر البئر ظاهرة.
٢ - أن يغلب على الظن استسقاء الفقراء منه دون غيرهم، كما لو كان في منطقة تختص بهم.
стр. 324
٣ - أن يغلب على الظن أنه عند تمليكهم وتوجيهم بحفر البئر أن ذلك لن يتحقق.
٤ - ألا يمكن حفر البئر من غير مال الزكاة.
ومبتنى هذا الرأي هو إعمال المقاصد الشرعية، حيث إن تحصيل الماء للفقراء من أهم الضروريات، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] (١). فبه تُحفظ النفوس وتعيش، كما أنَّ في ذلك مواساة بليغة للفقراء وسدُّا لخَلّتهم، ثم إن القصد من تمليكهم في مثل تلك الحال دفع الحاجة عنهم، وهو متحقق في انتفاعهم بالاستسقاء من البئر كما احتاجوا.
المسألة الثانية: صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت للفقراء والمساكين
يتخرج الحكم لدى الفقهاء في هذه المسألة على ما تقدم ذكره في مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين (٢)، فبناء على رأي الجمهور المانعين من إعطائه أكثر من كفاية السنة فإنه لا يجوز صرف الزكاة لبناءٍ أو شراءِ بيتٍ للفقراء والمساكين، وأما على القول بجواز إعطائه كفاية العمر؛ فيجوز صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت للفقراء والمساكين (٣)، وقد تبين مما تقدم أنه لا مقدار محددًا للعطاء المستحق للفقير، وإنَّما ينبغي أن يضبط القول بمشروعية صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت للفقراء والمساكين بما يلي:
١ - ألا يكون الفقير قويًّا مكتسبًا، يسد كسبه حاجته لو اكتسب، فإن كان كذلك فإنه لا يجوز صرف الزكاة لشراء بيت له، وإنما تصرف في شراء ما يحتاجه من أدوات الكسب إن احتاج.
стр. 325
٢ - أن تكون قيمة البيت مناسبة لحال الفقراء بلا إسراف ولا إقتار.
٣ - ألا توجد وجوه صرف ضرورية عاجلة تقتضي الصرف الفوري للأموال، كالغذاء والكساء، فإن وجدت فإنها تقدم؛ لأن الحاجة إليها أشد من بناء أو شراء بيت قد يستغني صاحبه عنه بالإيجار.
٤ - فإن غلب على الظن تحصيلهم قيمة الإيجار كل سنة، فإن الأولى عندي هو عدم صرف مال الزكاة في شراء البيت ليستفيد منها عدد أكبر من الفقراء في في دفع حاجاتهم المتكررة، إلا أني لا أتجاسر على منع ذلك لعدم الدليل، ولما قد يترتب على ذلك من مصلحة للمعطي والآخذ كما تقدم ذكره في كلام أبي عبيد ﵀ (١).
المسألة الثالثة: صرف الزكاة في دفع قيمة التكاليف الدراسية للطلبة الفقراء (٢)
عامة الفقهاء على جواز إعطاء الزكاة للفقير المشتغل بطلب العلم الشرعي إذا عجز عن الجمع بين طلب العلم والكسب، ويتضح ذلك لدى الحنفية والمالكية الذين يجيزون إعطاء الفقير من الزكاة وإن كان قادرًا على الكسب؛ لتحقق وصف الفقر فيه (٣).
وأما الشافعية والحنابلة فإنهم وإن اشترطوا لاستحقاق الفقير للزكاة ألا يكون
стр. 326
قويًّا مكتسبًا، إلا أنهم لم يعتبروا قدرته عندئذ؛ لصرفها في طلب العلم، وهو فرض كفاية مقدم على الاكتساب؛ لما فيه من منفعة متعدية كبيرة لطالب العلم والمجتمع (١).
ومما تقدم يتبين اتفاق المذاهب الأربعة على جواز صرف الزكاة للفقير المشتغل بالعلم الشرعي إذا لم يمكنه الجمع بين طلبه العلم واكتسابه.
وقد ألحق بعض الفقهاء المعاصرين بالعلم الشرعي سائر العلوم النافعة (٢)، ولو كانت من العلوم الدنيوية؛ وذلك لكون الدراسة من الحاجات المهمة في الحياة، ولما يترتب على ذلك من مصلحة كبيرة تتحقق للدارس والمجتمع، وهذا القول وجيه، وموافق - فيما أرى - لقول الفقهاء المتقدمين؛ لاتفاق العلة في النوعين من العلم، وهي كونهما فرض كفاية، وللحاجة إليهما. ولكن ينبغي أن يُضبط جواز ذلك بما يلي:
١ - أن يكون علمًا مباحًا نافعًا لدارسه ومجتمعه.
٢ - أن تكون التكاليف الدراسية المدفوعة من الزكاة بالمعروف، فلا تزيد عن القيمة المعتادة.
المسألة الرابعة: صرف الزكاة لتزويج الفقراء
لم ينص كثير من الفقهاء على حكم صرف الزكاة لتزويج الفقراء، إلا أن ذلك يندرج ضمنا في حديثهم عن مفهوم الكفاية التي يستحقها الفقراء، وقد تقدمت
стр. 327
الإشارة إلى خلافهم حول مقدارها (١)، فمن اعتبر كفاية العمر، فإن تزويج الفقراء ضمن ذلك بلا ريب؛ لكون الزواج من الحاجات الأساسية التي تنفق في مثلها الزكاة، بل قد نص بعض الشافعية على ذلك (٢)، أما من قيَّد مقدار الكفاية بالسنة؛ فإنه يتخرج على قولهم - فيما أرى - جواز صرف الزكاة للفقراء في حاجيات النكاح الضرورية التي تُقَارِب كفاية السنة، لا جواز صرفها لتحمل جميع تكاليف الزواج وإن كثرت، وقد أشار لنحو هذا المعنى بعض المالكية (٣)، وقد تقرر بناءً على ما رجحنا في مقدار الكفاية المستحقة للفقير جوازُ صرف الزكاة في تزويج الفقير العاجز عن تكاليف الزواج، وقد اختار ذلك كثير من فقهاء العصر وأفتوا به، وليس ثم دليل يمنع من تحفل الزكاة لتكاليف الزواج، بل إن الأدلة تدل عليه ومن ذلك:
١ - حديث قبيصة بن المخارق ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، - وذكر منهم - ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادًا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: - سدادًا من عيش. . " (٤).
стр. 328
ووجه الدلالة منه: أن تحصيل تكاليف الزواج من تحقيق قوام العيش.
٢ - أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد أقسام، أعلاها الضرورية، ومجموعها خمسة: ومنها حفظ النسل (١)، ولا يتحقق حفظه إلا بالنكاح، فكانت إقامته من تحقيق المقاصد الضرورية في الشريعة، مع ما في النكاح من تحصيل لمصالح شرعية متعددة، من مثل سد خَلّة المحتاجين، وبناء المجتمع المسلم، وتحقيق التكافل فيه، وإحصان المسلمين، وإشباع حاجاتهم الأساسية.
وقد جاء في فتاوى الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة ما يلي:
"يعطى من سهم الفقراء والمساكين ما يلي:
أ - من كان بحاجة إلى الزواج وهو عاجز عن تكاليفه المعتادة لمثله.
ب - طالب العلم العاجز عن الجمع بين طلب العلم والتكسب. . . " (٢).
وقد أفتت اللجنة الدائمة في السعودية بجواز صرف الزكاة في الإعانة على الزواج من غير إسراف (٣).
стр. 329
المسألة الخامسة: صرف الزكاة لعلاج الفقراء
لم أقف على نص للفقهاء في حكم علاج الفقير من الزكاة، إلا أن العلاج مما يدخل في مفهوم الكفاية التي اختلف الفقهاء حول الحد المستحق للفقير منها، فيكون حكم صرف الزكاة في ذلك منبنيًا على ما تقدم تقريره من اتفاقهم على استحقاق الفقير كفاية السنة، واختلافهم فيما زاد على ذلك، فيكون صرفها في التكاليف العلاجية التي يحتاجها الفقير لسنة واحدة مشروعا عند الجميع، وأما ما زاد على السنة فإنه يُشرع عند القائلين باستحقاق الفقير لكفاية العمر؛ وهم الشافعية والحنابلة في رواية (١)، إلا أن تجويز صرف الزكاة لعلاج الفقراء لا بد له من ضوابط، وهي على النحو التالي:
١ - ألا يتوفر علاجه مجانًا، فإن توفر فلا يجوز صرف الزكاة متى كان الاستطباب مُحَقّقًا للمقصود من دفع المرض، مع عدم المنَّة في ذلك، كما لو أمكن علاجه في المستشفيات الحكومية، وكان ممن تنطبق عليه شروطها.
٢ - أن يكون العلاج لما تمس الحاجة لمعالجته من الأمراض، فأما ما كان من الأمور التجميلية الكمالية، أو كان من الأمراض اليسيرة الشائعة التي لا يلحق الشخصَ بتركها ضررٌ، فإني لا أرى مشروعية صرف الزكاة لعلاج مثل تلك الأمراض؛ لخروج ذلك عن الحاجات الأساسية التي يحتاجها الفقير، والتي شرعت الزكاة في هذا المصرف لسدها.
٣ - أن يراعى في مقدار تكاليف العلاج عدم الإسراف والإقتار، فمتى تحقق المقصود من العلاج بتكاليف أقلَّ لم يلجأ إلى ما هو أعلى من ذلك؛ لأن القصد هو دفع المرض، فمتى تحقق ذلك بمقدار، كانت مجاوزته سرفًا، وهو محرم، كما قال
المبحث الثاني
مصرف العاملين على الزكاة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بالعاملين على الزكاة
المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة للعاملين على الزكاة
стр. 332
المطلب الأول المراد بالعاملين على الزكاة
يتفق الفقهاء بأن وصف العاملين عليها يُرَاد به السُّعَاةُ الذين ينصبهم الإمام لجمع الزكاة من أهلها (١)، ويختلفون في تفاصيل ذلك المعنى والزيادة عليه؛ فالحنفية يقتصرون على الوصف المذكور (٢)، بينما يوسع الجمهور معنى العاملين عليها ليشمل مع جمع الزكاة تفريقها وتوزيعها (٣).
стр. 333
قال البغوي (١) في تفسير لفظ العاملين عليها: "هم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها، ووضعها في حقها " (٢).
ولا شك أن توسعة معنى العاملين عليها - كما هو مذهب الجمهور - هو الموافق لمدلول اللفظ، وللمقصود من الزكاة، وهو إيصالها لمستحقيها وإغناؤهم بها، وهذا مما لا يتم الواجب إلا به، وليس الجامع للزكاة بأولى من الموزع لها في الأخذ من سهم العاملين عليها؛ لاشتراك المصنفين في القيام بمصلحة الزكاة وإيصالها لمستحقيها، والعمل فيها، كما أن ذلك هو ما تدل عليه السنة العملية فقد أمر النبي ﷺ معاذًا أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها في فقرائهم (٣).
ورُوِي أن زيادا وَلّى عمران بن حصين الصدقة، فلما جاء قيل له: أين المال؟ قال: أو للمال بعثتني، أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله ﷺ ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله ﷺ (٤)، وعن أبي جحيفة قال: أتانا مصدق النبي ﷺ فأخذ الصدقة
стр. 334
من أغنيائنا، فوضعها في فقرائنا، وكنت غلاما يتيما، فأعطاني منها قلوصا (١).
وإن كان لا يظهر في أن الحنفية وغيرهم يقصرون اللفظ على الجباية دون التفريق والتوزيع، لكن لعلهم اكتفوا بالأول لدلالته على الثاني؛ لذا فقد جعل بعض الفقهاء المعنى عامًّا لكل مَن يحتاج إليه فيها، كما صنع ابن قدامة ﵀ حيث قال عن العاملين عليها: "وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها، وجمعها، وحفظها، ونقلها، ومَن يعينهم ممن يسوقها ويرعاها ويحملها، وكذلك الحاسب والكاتب والكيّال والوزَّان والعدَّاد، وكل مَن يحتاج إليه فيها" (٢).
وقد قال الماوردي (٣) ﵀ في هذا المعنى ما نصه: "السهم الثالث
стр. 335
سهم العاملين عليها وهم صنفان: أحدهما: المقيمون بأخذها وجبايتها، والثاني: المقيمون بقسمتها وتفريقها من أمين ومباشر متبوع وتابع، جعل الله تعالى أجورهم في مال الزكاة، لئلا يؤخذ من أرباب الأموال سواها " (١).
فيتبين مما تقدم أن جهاز العاملين عليها في العصر الحاضر يشمل قسمين؛ قسما لتحصيل الزكاة، وقسما لتوزيعها (٢).
وقد استثنى فقهاء المالكية (٣)، وهو الوجه الأصح عند الشافعية (٤) الحارس والراعي والخازن من سهم العاملين عليها، وعلل المالكية ذلك بأنه لا حاجة إليهم لوجوب تفرقة الزكاة فورًا، وفي حال الاضطرار إليهم فيعطون من بيت المال (٥).
ويجاب عن ذلك بعدم التسليم؛ لأن النص يصدق على هؤلاء لعملهم في الزكاة وقيامهم بمصلحتها، كما أن الحاجة إليهم ماسة، لا سيما مع كثرة الأموال الزكوية وتعذر إنفاقها فورًا.
وأما القول بدفع أجورهم من بيت المال عند الاضطرار فهو مسلَّم في حال عدم
стр. 336
كفاية سهم العاملين عليها لتغطية مستحقاتهم، وأما مع الكفاية فلا دليل يوجب ذلك، بل هم بذلك يزاحمون المستحقين في بيت المال حقوقهم.
كما استثنى الشافعية في الوجه الأصح الكيَّال والوزَّان وعاد الغنم (١)، وجعلوها على المالك، وعللوا ذلك بأنها لتوفية ما عليه، وقاسوها على أجرة الكيال في البياع، فهي على البائع (٢)، وهذا مُسَلَّمٌ فيما كان قبل قبض العامل للزكاة، كتمييز المزكي لماله الزكوي من غيره، فأما بعد دفع مال الزكاة للعامل فإن ما ينشأ بعد ذلك من عمل يتعلق بجمع الزكاة أو نقلها أو حفظها، ونحو ذلك فإنه يكون من عمل عامل الزكاة الذي يحتاج إليه في ذلك، فيستحق به الأخذ من سهم العاملين، وهذا مما لا خلاف فيه حتى عند الشافعية (٣).
وقد أصدرت الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة تعريفًا شاملًا لمصرف العاملين عليها، جاء فيه ما يلي: "العاملون على الزكاة هم كل من يعيِّنهم أولياء الأمور في الدول الإسلامية، أو يرخصون لهم، أو تختارهم الهيئات المعترف بها من السلطة أو من المجتمعات الإسلامية للقيام بجمع الزكاة وتوزيعها، وما يتعلق بذلك من توعيةٍ بأحكام الزكاة، وتعريف بأرباب الأموال وبالمستحقين، ونقل وتخزين وحفظ وتنمية واستثمار" (٤).
стр. 337
المطلب الثاني تطبيقات معاصرة للعاملين على الزكاة
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: صرف الزكاة من سهم العاملين عليها للموظفين في المؤسسات الزكوية
اتسعت المجالات المعاصرة للعاملين على الزكاة سواء في جمعها أو توزيعها؛ لكثرة الموارد الزكوية، وتوسع مصارفها، وتنوع أعبائها، وتطور أوضاعها (١)؛ فأقيمت لأجل ذلك الصناديق والمؤسسات الخيرية التي تختص بجمع الزكاة وتوزيعها، وانتظمت تلك الجهاتُ موظفين في مختلف المجالات، سواء كانوا إداريين أو فنيين أو محاسبين أو باحثين شرعيين أو غيرهم، ممن تحتاج إليهم تلك الجهات في تنفيذ أعمالها التي تقوم على جباية الزكاة وتفريقها على مستحقيها؛ لذا فإن البحث يرتكز على حكم الصرف من سهم العاملين عليها لتغطية رواتب هؤلاء الموظفين.
ويتبين الحكم بتنزيل المراد بوصف العاملين على الزكاة وتطبيقه على واقع تلك المؤسسات، والتأكد من مدى استحقاقهم للأخذ من مصرف العاملين عليها.
стр. 338
وتحسن الإشارة ابتداءً إلى أن العاملين على الزكاة الذين يتقاضون راتبًا مكافئًا لعملهم من بيت المال لا يحق لهم الجمع في الأخذ بين بيت المال وسهم العاملين عليها، ولم أقف على خلافٍ في ذلك بين الفقهاء، فقد قرروا أن الحاكم والقاضي لا يحق لهم الأخذ من مصرف العاملين عليها لأخذهم من بيت المال، وكذا غيرهم (١).
وبتطبيق ذلك على الواقع نجد أن الموظفين في المؤسسات المختصة بجباية الزكاة وتوزيعها على نوعين:
النوع الأول منهم: ممن يتقاضى مرتبا دوريًّا من بيت مال الدولة لأجل هذا العمل، كما هو الحال في أقسام جباية الزكاة الحكومية التي تديرها الدولة، فهؤلاء كما تقدم لا يستحقون الأخذ من هذا المصرف.
النوع الثاني: العاملون في المؤسسات والجهات الأهلية التي تديرها مجالس خيرية، وإنما تشرف عليها الدولة إشرافًا عامًّا، وإلا فهي مستقلة عن الدوائر الحكومية في إدارتها المباشرة، وبالتالي فإنها تُمَوَّل من المحسنين، وهذا النوع من الموظفين هم ممن ينطبق عليهم وصف العاملين في الزكاة، وذلك لما يلي:
١ - أن النص القرآني ذَكَرَ وصف العاملين عليها في أصناف الزكاة بلا تقييد، وهذا يشمل كل مَنْ عمل عملًا في سبيل تحقيق مهمة جمع الزكاة أو توزيعها، سواء باشر ذلك أو لم يباشر، كالحافظ لها والكاتب والقاسم والحاشر (٢) والكيَّال والوَّزان
стр. 339
والعدَّاد والساعي والراعي والسائق والحمَّال والجمَّال وغيرهم ممن نص الفقهاء عليهم (١). ولا شك أن هؤلاء الموظفين سواء منهم من باشر جمع الزكاة وتوزيعها أو لم يباشر، كالإداري والمحاسب والباحث والفني والمراقب وغيرهم، ممن يساهمون بفاعلية في إيصال الزكاة لمستحقيها على الوجه المطلوب.
٢ - كما أن ذكر وصف العاملين عليها دال على أنه هو سبب الإعطاء من الزكاة، فمتى تحقق وصف العمل استحق العامل الأخذَ من الزكاة مقابل عمله، وذلك بقياس غير المنصوص من الأعمال الوظيفية المذكورة على المنصوص عليه لدى الفقهاء مما تقدم ذكره، وذلك أنَّ ذِكْر الحكم - وهو الإعطاء من الزكاة - مقرونًا بوصف مناسب، وهو العاملين عليها، دالٌّ على أن هذا الوصف هو علة الحكم، كما هو مقرر عند الأصوليين في إثبات علة القياس من النص غير الصريح بطريق التنبيه والإيماء (٢).
فيتبين مما تقدم استحقاق الموظفين في المؤسسات الزكوية الأخذ من مصرف العاملين عليها، وفق الضوابط التالية:
١ - أن يكون العمل الذي يقوم به الموظف مما يحتاج إليه في جمع الزكاة وتوزيعها، سواء كان من الأعمال المباشرة للجمع والتوزيع، أو من الأعمال
стр. 340
المساعدة في ذلك، كا لذي يقوم به المحاسبون والباحثون الشرعيون، والإداريون، ونحوهم ممن يُحتاج إليهم للقيام بمهمة العاملين في الزكاة، ولو كثروا (١).
فأما إن كان الموظف يعمل في قسم لا علاقة له بالزكاة كأقسام الصدقات والأوقاف والاستثمار ونحوها، فإنه لا يتحقق فيه وصف العاملين عليها فلا يستحق عندئذ من مصرف العاملين عليها (٢). ومثل ذلك إن كان الموظف ممن لا يحتاج إليه في العمل المناط به، فيمكن الاستغناء عنه بلا ضرر أو مشقة، فإنه لا يستحق من مصرف العاملين؛ لما في ذلك من تضييع لمال الزكاة، وصرف لها في غير موطن الحاجة مع وجود كثير من المستحقين في سائر المصارف، ولذا فقد استثنى الفقهاء بعض العاملين في الزكاة لعدم الحاجة إليهم (٣).
٢ - أن يُرَاعى في ذلك إعطاء العامل بقدر عمله، وهو موجب العدل معه، فلا ينقص من حقه، وموجب العدل مع غيره، فلا يزاد في نصيب العامل، فيترتب على ذلك النقص على باقي المستحقين (٤).
стр. 341
المسألة الثانية: صرف الزكاة من سهم العاملين عليها للنساء العاملات في المؤسسات الزكوية
تقدم في المسألة السابقة بيان مشروعية دفع رواتب الموظفين في المؤسسات الزكوية من مصرف العاملين عليها، ومن المعلوم أن تلك المؤسسات لا تخلو من النساء العاملات، لا سيما مع الحاجة لوجودهن للتعامل مع مثيلاتهن من النساء المحتاجات أو المتصدقات.
فهل يشمل حكم العاملين عليها الإناث أيضا، أم هو يختص بالذكور؟
لم ينص أكثر الفقهاء على هذه المسألة، ولعلَّ ذلك لوضوحها لديهم، أو لعدم الحاجة إليها عند بعضهم، وبالنظر في أقوال الفقهاء الذين ذكروها نجد أن في المسألة قولين:
القول الأول: اشتراط الذكورة في العاملين عليها، فلا يجوز الصرف من هذا
стр. 342
السهم للنساء العاملات، وإنما يصرف لهن من الصدقات، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣).
القول الثاني: جواز الصرف من سهم العاملين عليها للنساء، وعدم اشتراط الذكورة لذلك. وهو قول بعض الحنابلة (٤)، ورجحه بعض المعاصرين (٥).
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
١ - أنها نوع من الولاية، وولاية المرأة لا تجوز، لقوله ﷺ : "لن يفلح قوم وَلَّوْا أمرهم امرأة" (٦)(٧).
ويناقش: بأن محل الولاية الممنوع هو الولاية العامة، أما تولية المرأة ما
стр. 343
يناسب حالها ويوافق طبيعتها، فلا مانع منه.
٢ - أنه لم ينقل أن امرأة وليت عمالة الصدقات من عصر النبوة حتى العصور المتأخرة، مما يدل على عدم جواز تولي المرأة لذلك (١).
ويناقش: بأن عدم نقل ذلك لا يدل على تحريمه، فقد يكون سبب ذلك عدم الحاجة لتولي المرأة والاستغناء بالرجل عنها، كما أن عدم النقل لا يدل على نقل العلم (٢).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] (٣).
ووجه الاستدلال منه: أنه لفظ مذكر فظاهره يصدق على الذكور دون الإناث (٤).
ونوقش: بعدم التسليم، فاللفظ يراد به الذكور والإناث بدليل ألفاظ باقي المصارف كالفقراء والمساكين والغارمين، وهي شاملة للمذكر والمؤنث (٥).
أدلة القول الثاني: لم أقف لهم على أدلة إلا عدم الدليل على اشتراط الذكورة، فيبقى الأصل وهو العموم.
الترجيح: يترجح القول بجواز صرف سهم العاملين عليها للنساء لعدم الدليل على المنع،
стр. 344
إلا أن ذلك مقيد بالأعمال التي لا تقتضي اختلاطا بين الرجال والنساء، ولا يترتب عليها مخالفات شرعية، كعملها في الأقسام النسائية التي تستقبل المتصدقات والفقيرات، وتتحقق من أوضاع الأخيرات ومدى حاجتهن الفعلية للزكاة، ونحو ذلك من الأعمال المتصلة بالنساء، لا سيما أن عددا كبيرا من أولاء أرامل أو مطلقات، لا يجدن من أوليائهن من يقوم بشؤونهن، فتولي المرأة لتلك المهام خيرٌ من تولي الرجل لها، لما يترتب عليه من مباشرة لشؤون النساء.
المسألة الثالثة: صرف الزكاة من سهم العاملين عليها للقائمين على استثمار أموال الزكاة
تقدم بيان وصف العاملين عليها، وقد ذكر الفقهاء عند ذلك وظائف متعددة، سواء كان منها المباشر لجباية الزكاة وتفريقها، أو المساعد في ذلك، وقد بيَّنَّا وجه الاستدلال بلفظ العاملين عليها في شمول الوظائف المتعددة التي تحقق المقصد في جمع الزكاة وتوزيعها، (١) ومن هؤلاء الذين يشملهم وصف العاملين عليها صنف القائمين على استثمار أموال الزكاة، وذلك عند القائلين بجواز استثمار أموال الزكاة (٢) فيعتبرون من العاملين عليها لما يلي:
١ - انطباق دلالة عموم اللفظ على القائمين بالاستثمار؛ لقيامهم بالعمل في مصلحة تنمية مال الزكاة، كما يمكن الاستدلال على أخذهم بقياسهم على المنصوص عليه لدى الفقهاء، كالساعي على الزكاة بجامع العمل في الزكاة من كل منهما.
٢ - أن منفعة استثمار الزكاة وتنميتها لا تقل عما يذكره الفقهاء من وظائف
стр. 345
تندرج تحت وصف العاملين عليها، إذا تحققت فيها الشروط اللازمة من أَمْنِ المخاطرة بتلك الأموال، وعدم وجود الحاجة الماسة إليها التي تحول دون استثمارها، بل ربما كان في استثمار أموال الزكاة من المحافظة عليها وتنميتها لإفادة أكبر عدد من المستحقين ما لا يكون في غيرها من وظائف العاملين على الزكاة.
فيتبين مما تقدم مشروعية الصرف من سهم العاملين على الزكاة للقائمين على استثمار أموال الزكاة فيما يقابل عملهم من أجرة، وذلك مشروط بما تقدم في المطلب السابق من عدم أخذهم من بيت المال راتبًا دوريًّا، وكونهم من المعنيين باستثمار أموال الزكاة لا غيرها من الأوقاف أو الصدقات (١).
...
стр. 346
المبحث الثالث
مصرف المؤلفة قلوبهم
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بالمؤلفة قلوبهم، وحكم صرف الزكاة لهم
المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة لمصرف المؤلفة قلوبهم
стр. 347
المطلب الأول المراد بالمؤلفة قلوبهم وحكم صرف الزكاة لهم
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المراد بالمؤلفة قلوبهم تعددت تعاريف الفقهاء للمؤلفة قلوبهم، فقد عرف الحنفيةُ المؤلفةَ قلوبهم بقولهم: "كانوا قومًا من رؤساء العرب كأبي سفيان بن حرب (١)، وصفوان بن أمية (٢)، وعيينة بن حصن (٣)،. . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 348
والأقرع بن حابس (١)، وكان يعطيهم رسول الله ﷺ بفرض الله سهما من الصدقة يؤلفهم به على الإسلام، فقيل: كانوا قد أسلموا، وقيل كانوا وعدوا أن يسلموا" (٢).
ونص المالكية على أن الموَلَّف قلبُه: كافر يعطى من الصدقة ليسلم (٣)، كما عرفوهم بأنهم: قوم ذوو ومحمد وسعة وقدرة على الأداء، أجابوا إلى الإسلام، ولم يتمكن من نفوسهم (٤).
وأما عند الشافعية فهو: من أسلم ونيته ضعيفة أو له شرف يتوقع بإعطائه إسلام غيره (٥).
стр. 349
وأما الحنابلة فكانوا في ذلك أوسع من غيرهم، وأكثر تفصيلًا، ويتبين ذلك من تعريفهم للمؤلفة قلوبهم بما يلي:
"هم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين " (١).
ومع وجود بعض الاختلاف في تعاريف الفقهاء، إلا أنها تركز على مقصد واحد، هو إعطاء من لا يتمكن الإسلام من قلبه إلا بالعطاء (٢).
ويتبين مما تقدم أن هذا الصنف ينقسم قسمين:
١ - كفار.
٢ - مسلمون.
فأما الصنف الأول: وهم الكفار فينقسمون قسمين أيضا:
أ - مَن يرجى إسلامه فيعطى لترغيبه في الإسلام.
ب - مَن يخشى شره فيعطى لكف شره.
стр. 350
وأما الصنف الثاني: وهم المسلمون فعلى أربعة أقسام:
أ - مَن يرجى بعطائهم إسلام نظرائهم من الكفار.
ب - مَن يرجى بعطائهم قوة إيمانهم.
ج - مَن يرجى بعطائهم دفعهم عن المسلمين ونصرتهم لهم.
د - من يرجى بعطائهم جبايتهم الزكاة ممن لا يعطيها.
١ - فكل هؤلاء يشملهم عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] (١) , فيجوز إعطاؤهم من الزكاة (٢).
ويتبين بذلك رجحان تعريف الحنابلة لعمومه من غير اشتراط كونهم من السادات والرؤساء لعدم الدليل على ذلك بل الدليل جاء بخلافه، فقد قال النبي ﷺ : "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه مخافة أن يكب في النار على وجهه " (٣) والنص عام في الرؤساء وفيمن دونهم.
وقد قال ابن عباس ﵁ في المؤلفة قلوبهم: هم قوم كانوا يأتون
стр. 351
رسول الله ﷺ قد أسلموا وكان رسول الله ﷺ يرضخ (١) لهم من الصدقات فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا فالوا هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه (٢)، وقال قتادة: المؤلفة قلوبهم أناس من الأعراب ومن غيرهم، كان رسول الله ﷺ يتألفهم بالعطية (٣) فتفسيرات السلف عامة في الرؤساء وغيرهم، كما أن المقصد هو تأليف القلب على الإسلام وهو ممكن في الرؤساء وغيرهم، وإنما تراعى المصلحة في ذلك، لا سيما مع عدم الدليل على الاشتراط، فمتى غلبت المصلحة في اختصاص الرؤساء والوجهاء بذلك دون غيرهم فيعطون منها، ومتى كانت المصلحة في إعطاء من دونهم تأليفًا لقلوبهم أو من ورائهم من الناس فإنهم يعطون منها (٤).
المسألة الثانية: حكم صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم بعد وفاة النبي ﷺ -
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة مسلمين كانوا أو كفارا
стр. 352
وهو قول للمالكية، (١) والمذهب عند الحنابلة (٢) وهو قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، (٣) واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).
القول الثاني: عدم جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة مسلمين كانوا أو كفارا، وهو مذهب الحنفية (٥).
والمذهب عند الشافعية ما لم تنزل بالمسلمين نازلة تستوجب إعطاءهم لرفعها (٦).
القول الثالث: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة إن كانوا مسلمين، فإن كانوا كفارا فيمتنع ذلك، وهو المذهب عند المالكية (٧) وقول عند الشافعية (٨).
стр. 353
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠] (١)
وجه الدلالة: عموم لفظ (المؤلفة قلوبهم) فيشمل المسلم والكافر (٢).
ونوقش: بأن حكم المؤلفة قلوبهم المنصوص في الآية منسوخ (٣).
وأجيب: بعدم التسليم بالنسخ فالآية في سورة التوبة وهي من آخر ما نزل، ولا دليل على النسخ، فيبقى الحكم محكما (٤).
٢ - أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من المشركين والمسلمين (٥).
ونوقش: بأن النبي ﷺ لم يعطهم من الزكاة وإنما أعطاهم من الغنائم ومن الفيء وخمس الخمس (٦).
ويجاب: بأن هذا مسلم في بعض أعطياته ﷺ (٧) لكنه لا ينطبق عليها جميعا، فقد جاءت بعض النصوص التي تدل على إعطائهم من الصدقات، كما في حديث
стр. 354
أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله فأمر له بشياه كثيرة بين جبلين من شياه الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة (١).
وفي تفسير ابن عباس ﵁ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] (٢). قال: وهم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا وكان رسول الله ﷺ يَرْضَخ لهم من الصدقات فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرا قالوا: هذا دِين صالح! وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه (٣).
كما أن بعض النصوص كقوله ﷺ : "إني أعطي قريشًا أتألفهم؛ لأنهم حديث عهد بجاهلية" (٤) لم يقيد بما يدل على مصدر العطاء، فيبقى محتملًا لكونه من الزكاة أو من غيرها، ويتقوى كونه من الزكاة بعموم النص في آية الصدقات، وهو من أظهر النصوص الدالة على ثبوت مشروعية إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة عموما مسلمين أو كفارًا (٥).
٣ - أن المعنى الذي أعطى من أجله الرسول ﷺ وهو تأليف القلوب على
стр. 355
الإسلام لم ينقطع بوفاة النبي ﷺ ، فمتى دعت المصلحة للتأليف بالزكاة كان ذلك مشروعًا.
ونوقش: بما تقدم من كون هذا الحكم منسوخًا (١).
وأجيب: بعدم التسليم؛ لعدم الدليل على النسخ كما تقدم (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم قد نسخ (٣)، واختلفوا في تحديد الناسخ، فقيل: نُسِخَ بإجماع الصحابة، حيث لم يعط أبو بكر وعمر المؤلفة قلوبهم من الصدقات، ولم ينكر عليهم بقية الصحابة، فكان إجماعًا (٤).
وقيل: إن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (٥) حيث قالها عمر لعيينة بن حصن وكان من المؤلفة قلوبهم، وأراد بذلك أن يمنعه من الأخذ من سهم المؤلفة (٦).
وقيل: إن الناسخ قوله ﷺ لمعاذ: "صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" (٧).