← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17354

نوازل الزكاة

الغفيلي، عبد الله بن منصور

Полный текст (552 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رسول الله ﷺ قد أسلموا وكان رسول الله ﷺ يرضخ (١) لهم من الصدقات فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا فالوا هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه (٢)، وقال قتادة: المؤلفة قلوبهم أناس من الأعراب ومن غيرهم، كان رسول الله ﷺ يتألفهم بالعطية (٣) فتفسيرات السلف عامة في الرؤساء وغيرهم، كما أن المقصد هو تأليف القلب على الإسلام وهو ممكن في الرؤساء وغيرهم، وإنما تراعى المصلحة في ذلك، لا سيما مع عدم الدليل على الاشتراط، فمتى غلبت المصلحة في اختصاص الرؤساء والوجهاء بذلك دون غيرهم فيعطون منها، ومتى كانت المصلحة في إعطاء من دونهم تأليفًا لقلوبهم أو من ورائهم من الناس فإنهم يعطون منها (٤). المسألة الثانية: حكم صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم بعد وفاة النبي ﷺ - اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة مسلمين كانوا أو كفارا

стр. 352

وهو قول للمالكية، (١) والمذهب عند الحنابلة (٢) وهو قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، (٣) واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). القول الثاني: عدم جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة مسلمين كانوا أو كفارا، وهو مذهب الحنفية (٥). والمذهب عند الشافعية ما لم تنزل بالمسلمين نازلة تستوجب إعطاءهم لرفعها (٦). القول الثالث: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة إن كانوا مسلمين، فإن كانوا كفارا فيمتنع ذلك، وهو المذهب عند المالكية (٧) وقول عند الشافعية (٨).

стр. 353

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠] (١) وجه الدلالة: عموم لفظ (المؤلفة قلوبهم) فيشمل المسلم والكافر (٢). ونوقش: بأن حكم المؤلفة قلوبهم المنصوص في الآية منسوخ (٣). وأجيب: بعدم التسليم بالنسخ فالآية في سورة التوبة وهي من آخر ما نزل، ولا دليل على النسخ، فيبقى الحكم محكما (٤). ٢ - أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من المشركين والمسلمين (٥). ونوقش: بأن النبي ﷺ لم يعطهم من الزكاة وإنما أعطاهم من الغنائم ومن الفيء وخمس الخمس (٦). ويجاب: بأن هذا مسلم في بعض أعطياته ﷺ (٧) لكنه لا ينطبق عليها جميعا، فقد جاءت بعض النصوص التي تدل على إعطائهم من الصدقات، كما في حديث

стр. 354

أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله فأمر له بشياه كثيرة بين جبلين من شياه الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة (١). وفي تفسير ابن عباس ﵁ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] (٢). قال: وهم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا وكان رسول الله ﷺ يَرْضَخ لهم من الصدقات فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرا قالوا: هذا دِين صالح! وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه (٣). كما أن بعض النصوص كقوله ﷺ : "إني أعطي قريشًا أتألفهم؛ لأنهم حديث عهد بجاهلية" (٤) لم يقيد بما يدل على مصدر العطاء، فيبقى محتملًا لكونه من الزكاة أو من غيرها، ويتقوى كونه من الزكاة بعموم النص في آية الصدقات، وهو من أظهر النصوص الدالة على ثبوت مشروعية إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة عموما مسلمين أو كفارًا (٥). ٣ - أن المعنى الذي أعطى من أجله الرسول ﷺ وهو تأليف القلوب على

стр. 355

الإسلام لم ينقطع بوفاة النبي ﷺ ، فمتى دعت المصلحة للتأليف بالزكاة كان ذلك مشروعًا. ونوقش: بما تقدم من كون هذا الحكم منسوخًا (١). وأجيب: بعدم التسليم؛ لعدم الدليل على النسخ كما تقدم (٢). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم قد نسخ (٣)، واختلفوا في تحديد الناسخ، فقيل: نُسِخَ بإجماع الصحابة، حيث لم يعط أبو بكر وعمر المؤلفة قلوبهم من الصدقات، ولم ينكر عليهم بقية الصحابة، فكان إجماعًا (٤). وقيل: إن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (٥) حيث قالها عمر لعيينة بن حصن وكان من المؤلفة قلوبهم، وأراد بذلك أن يمنعه من الأخذ من سهم المؤلفة (٦). وقيل: إن الناسخ قوله ﷺ لمعاذ: "صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" (٧).

стр. 356

حيث خص إعطاء الزكاة بفقراء المسلمين، فيستحقونها بهذا الوصف لا بوصف التأليف. ونوقش: بأن دعوى النسخ مردودة لما يلي: ١ - أن الإجماع لا يكون ناسخًا للنصوص؛ لأن الإجماع إنما يكون بعد وفاة النبي ﷺ ، والنسخ يكون في حياته ﷺ (١)، قال شيخ الإسلام في الجواب عن جعل الإجماع ناسخًا ما نصه: "وقد نقل عن طائفة كعيسى بن أبان (٢) وغيره من أهل الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبى حنيفة ومالك أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب والسنة، وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن الإجماع يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخًا، فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يُجَوِّز تبديلَ المسلمين دينَهم بعد نبيهم، كما تقول النصارى من أن المسيح سَوّغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويُحِلُّوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دينَ المسلمين، ولا كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم، ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك فإنه يُستتاب كما يُستتاب أمثاله، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي فيصيب فيكون له أجران، ويخطئ فيكون له أجر واحد، وما شرعه النبي ﷺ شرعا معلقًا بسبب إنما يكون مشروعًا عند وجود السبب، كإعطاء المؤلفة قلوبهم؛ فإنه ثابت بالكتاب والسنة، وبعض الناس ظن أن هذا نُسِخَ لما رُوِي عن عمر ﵁ أنه ذكر أن الله أغنى عن التألف ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (٣) وهذا الظن غلط، ولكن عمر ﵁

стр. 357

استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السّبيل والغارم ونحو ذلك (١). ٢ - وأما اعتبار الناسخ هو قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (٢) فغير صحيح، كما تقدم من كلام شيخ الإسلام؛ وذلك لأن تلك الآية مكية (٣)، وأما آية المؤلفة قلوبهم فهي مدنية (٤)، ومن شروط النسخ تأخر الناسخ عن المنسوخ (٥)، كما أنه لا تعارض بين الآيتين حتى نلجأ للنسخ، وهو لا يكون إلا مع التعارض، فمتى أمكن الجمع فلا نسخ (٦). ٣ - وأما اعتبار قوله ﷺ لمعاذ ﵁: "صدقه تُؤخذ من أغنيائهم فتُرَدّ في فقرائهم " (٧) ناسخًا، فمقتضاه نسخ بقية الأصناف من أهل الزكاة، ممن لم يتعرض له الحديث، كالعاملين عليها وابن السّبيل، وهذا باطل، وإنما الحديث لبيان أحد أخبرني مصارف الزكاة وأوصافها التي تختلف بها عن غيرها من الضرائب المالية (٨).

стр. 358

ثم إن اختلاف الحنفية في تحديد الناسخ دليل على اضطراب قولهم وضعفه (١). ٤ - كما أن عدم إعطاء عمر ﵁ وغيره من الصحابة للمؤلفة قلوبهم بعد النبي ﷺ ليس بسبب النسخ، وإنما بسبب عدم الحاجة لتأليفهم في زمنه ﵁، وذلك يرجع تقديره لأُولي الأمر في كل زمنٍ بِحَسَبِه (٢). الدليل الثاني: زوال العلة التي من أجلها شُرعَ تأليف القلوب بالزكاة، وهي ضعف الإسلام وأهله، فقد استغنى الإسلام والمسلمون عن ذلك بعد وفاة النبي ﷺ ، فلا مقتضى لصرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم (٣). ونوقش: بأنه لا يسلم حصر علة المشروعية بضعف الإسلام وأهله، فقد أعطى النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم بعد فتح مكة وانتصار المسلمين، فَلِلتأليفِ على الإسلام عِلَل، منها ما ذكروا، وأَظْهَرُ من ذلك استنقاذ المؤلفة ومَن وراءهم من النار بإسلامهم إن كانوا كفارا، وثباتهم إن كانوا مسلمين، كما قال النبي ﷺ : "إني لأعطي الرجلَ، وغيرُهُ أحَبُّ إليّ منه، خشيةَ أن يُكَبَّ في النار على وجهه " (٤)، وهذا يكون في حال ضعف المسلمين وقوتهم، وقد نص على توسعة العلةِ الحنفيةُ أنفسهم (٥)،

стр. 359

وكذا المالكية (١) مما ينفي تقييد العلة بحال الضعف فقط. كما أنه لو سلم بحصر العلة في حال الضعف، فإنها متحققة منذ أزمان متطاولة، ولا زال المسلمون يعيشون الضعف والمذلة علي أيدي الكافرين (٢). دليل القول الثالث: بأن الزكاة من حقوق المسلمين فلا حَقٌّ فيها للكافرين (٣). ويناقش: بأنه استدلال بمحل النزاع، وأن هذا مُسَلَّم في غير المؤلفة قلوبهم، أما فيهم فغير مُسَلَّم لعموم اللفظ الوارد، مع عدم تقييده بدليل أو تعليل، بل إن التعليل يؤيد شمول المسلم والكافر؛ لأن الأظهر أن المقصود من التأليف هو طلب النصرة واستنقاذ المؤلَّف من النار، وكلاهما يصدقان على الكافر، ولا يمكن الصرف لهما من غير هذا المصرف، وقد جاء في السنة ما يؤيد ذلك، كما في حديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يُسْأَلْ شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشياه كثيرة بين جبلين من شياه الصدقة قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة (٤).

стр. 360

الترجيح: يترجح القول الأول، وهو جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة مسلمين كانوا أو كفارا؛ وذلك لقوة أدلته، وإمكان الإجابة عن دليل القول الثاني، ويتضح ذلك بما يلي: ١ - عموم النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قلُوبُهُمْ﴾ (١)، فهو لفظ محكم يشمل المسلم والكافر، ولا ناسخ له أو مخصص، فيبقى على عمومه وإحكامه، وكذا قد وردت السنة بإعطاء هذا الصنف من الصدقات، ولا ناسخ أو مخصص لهذا الحكم أيضًا. ٢ - أن العلل المقصودة من شرع هذا المصرف باقية إلى قيام الساعة من نصرة المسلمين أو استنقاذ الكافرين من النار، وانتفاؤها أو خفاؤها في زمن لا يعني انتفاءها في سائر الأزمان، بل إنها تزيد ظهورا مع تأخر الزمان؛ لضعف المسلمين وتسلط الكافرين. ٣ - أن المقاصد الشرعية تؤيد بقاء هذا المصرف وعمومه؛ لما فيه من إعزاز للمسلمين، وهداية لغيرهم إلى الدين القويم، وهو نوع من الجهاد في سبيل الله بالمال. وقد قال الإمام أبو جعفر الطبري (٢) في تفسيره - في تأييد هذا المعنى - كلاما متينا، ونصه كما يلي: "والصواب من القول في ذلك عندي: أن الله جعل الصدقة في معنيين أحدهما: سد خَلّة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته، فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يُعطاه الغني والفقير؛ لأنه لا يُعطاه مَن يُعطاه

стр. 361

بالحاجة منه إليه، وإنما يُعطاه معونةً للدين، وذلك كما يُعطى الذي يُعطاه بالجهاد في سبيل الله، فإنه يُعطى ذلك - غنيا كان أو فقيرا - للغزو, لا لِسَدِّ خَلَّتِه، وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء استصلاحًا بإعطائهموه أمرَ الإسلام، وطلب تقويته وتأييده، وقد أعطى النبي ﷺ من أعطى من المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح، وفشا الإسلام، وعز أهله، فلا حُجَّة لمحتج بأن يقول: "لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم، وقد أعطى النبي ﷺ من أعطى منهم في الحال التي وصفت " (١). وقال الشوكاني، بعد أن ساق بعض الأحاديث الدالة على تأليفه ﷺ : "فالتأليف شريعة ثابتة جاء بها القرآن، وجعل المؤلفة أحد المصارف الثمانية وجاءت بها السنة المتواترة، فإذا كان إمام المسلمين محتاجًا إلى التأليف لمن يخشى من ضرره على الإسلام وأهله، أو يرجو أن يصلح حاله ويصير نصيرًا له وللمسلمين كان ذلك جائزًا له " (٢). ...

стр. 362

المطلب الثاني تطبيقات معاصرة لمصرف المؤلفة قلوبهم وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم ليدفع المخاطر عن المسلمين تقدم بيان مشروعية إعطاء الكافرين من سهم المؤلفة قلوبهم، وهو قول عند المالكية والمذهب عند الحنابلة، (١) وأما الكافر الذي يرتجى دَفْعُهُ المخاطرَ عن المسلمين، لقوته أو مكانته أو نحو ذلك، مع عجز المسلمين عن القيام بما يقوم به لدفع الخطر عنهم، فلم أجد مَنْ نَصّ على هذا النوع من المؤلفة قلوبهم، وإنما نص الحنابلة على ذلك في حق المسلم، وأما الكافر فإنما يعطى في حالين: ١ - من يرجى إسلامه فيعطى لترغيبه في الإسلام. ٢ - من يخشى شره فيعطى لكف شره، وقد دل عليه تفسير ابن عباس ﵁ لقوله تعالى: ﴿وَاَلْمُؤَلَّفَةِ قلُوبُهُمْ﴾ (٢) قال: "وهم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا، وكان رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من

стр. 363

الصدقات فأصابوا منها خيرًا قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه (١). ويتبين مما تقدم أن الكافر الذي يُرتجى دفعه المخاطرَ عن المسلمين ليس من الأنواع المنصوصة عند الفقهاء المتقدمين، وقد عدَّه الشوكاني من المؤلفة قلوبهم وإن كان كافرًّا (٢)، وهو الأظهر عندي، فيجوز إعطاؤه من سهم المؤلفة قلوبهم لما يلي: ١ - أنه شبيه بالنوع المنصوص عليه عند الفقهاء، وهو من يُعطى لكف شره إن كان يُخشى منه ذلك، فنصرة المسلمين تكون بكفِّ الشر عنهم من المؤلف قلبه أو من غيره. ٢ - أن المصلحةَ المترتبةَ على تأليف من تُطلب نُصرتُه لا تقل شأنا عن مصلحة تأليف مَن يُرتجى كف شره بذلك. ٣ - أن عموم النص في قوله: ﴿وَاَلمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) لا تمتنع معه الدلالة على هذا النوع. ٤ - أن ذلك العطاء قد يكون سببًا في إسلام هؤلاء الكفار المناصرين للإسلام، حيث نص الفقهاء على مشروعية صرف الزكاة لمن يُرتجى إسلامه بذلك، وجاءت به السنة (٤).

стр. 364

المسألة الثانية: صرف سهم المولفة قلوبهم في إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد تقدم بيان أقسام المؤلفة قلوبهم، ومن ذلك المسلمون الذين يُرتجى ثباتهم، وقُوة إيمانهم، وعلى ذلك جمهور الفقهاء (١)، حيث دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، كما تقدم بيانه من عموم قوله تعالى: ﴿وَاَلْمُؤَلَفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢). كما ثبت أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم في وقائع متعددة (٣)، ومن أظهر الأقسام دخولًا في هذا المسمى هم حديثو العهد بالإسلام، ممن يُرتجى ثباتهم وتقوية إيمانهم، لاتفاق الفقهاء القائلين بعدم نسخ حكم المؤلفة قلوبهم على مشروعية إعطاء هذا القسم، (٤) ولعل ذلك بسبب كونهم من المسلمين، مع الحاجة إلى تأليف قلوبهم لاستثباتهم على الدين، فيستنقذون بذلك من النار، كما أن في تأليف قلوبهم نصرة للإسلام بتقوية أتباعه وثباتهم. ومما تقدم يتبين أهمية إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد لما لها من مصالحَ شرعيةٍ كبيرة على الفرد والمجتمع، ولما في وجودها من قوة ونُصرة للمسلمين، لا سيما مع ضراوة الجهود المبذولة من أعداء الدين لصد المسلمين الجدد عن دينهم بتشكيكهم في حقائق الإسلام، مع الترغيب والترهيب، مما يؤدي

стр. 365

ببعض حدثاء العهد بالإسلام إلى النكوص عنه لضعف إيمانهم مع قوة الصارف وقلة المعين، لذا فإن من المهم جدا صرف الجهود والعناية بهذا الشأن، بالعمل المؤسسي الجماعي الذي يتسم بالقوة والتنظيم والتطور، ومن هنا فقد بحث الفقهاء المعاصرون مسألةَ دفع الزكاة من مصرف المؤلفة قلوبهم لمثل تلك المؤسسات التي تقوم برعاية المسلمين الجدد، وهو قول كثير من المعاصرين (١)، وجاء قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة مُبَيِّنًا أهم المجالات التي يُصَرف عليها هذا السهم، وذكر منها هذا النوع؛ حيث نص على ما يلي: "الثالثة: إيجاد المؤسسات العلمية والاجتماعية لرعاية من دخل في دين الله، وتثبيت قلبه على الإسلام، وكل ما يمكنه من إيجاد المناخ المناسب معنويًّا وماديًّا لحياته الجديدة" (٢).

стр. 366

القول الثاني: عدم جواز صرف الزكاة لتلك المؤسسات من مصرف المؤلفة قلوبهم، وهو قول لبعض المعاصرين (١). أدلة القولين: دليل القول الأول: أن في ذلك تثبيتًا للمسلم على إسلامه وتقويةً له، وذلك من معاني تأليف القلوب على الإسلام التي يُشرع الصرف لها (٢). دليل القول الثاني: ١ - أن تلك المؤسسات التي يُرَاد منها رعاية المسلمين الجدد لم يتحقق فيها شرط صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وهو التّمليك. ٢ - أن في الصرف لتلك المؤسسات من هذا المصرف تداخلًا بينه وبين مصرف (في سبيل الله)، ومن المعلوم أن الأخير لا يُشترط فيه التّمليك، بخلاف الأول، مما يتبين معه أن إلحاق هذه المسألة بمصرف (في سبيل الله) أظهر (٣). الترجيح: يترجح القول الثاني، وهو عدم جواز الصرف من هذا المصرف لمثل تلك المؤسسات إلا بشرط التّمليك، فيجوز صرف الزكوات التي يتملكها أولئك المسلمون، أما ما لا يُملك منها لِمُعَيَّن، كالذي يصرف في شؤون المؤسسة الإدارية والوظيفية ونحو ذلك، فإنما يجوز الصرف عليه من سهم المؤلفة قلوبهم على خلاف

стр. 367

الأصل وَفْق الضوابط التالية: ١ - قيام الحاجة الفعلية لوجود مثل تلك المؤسسات. ٢ - حاجة تلك المؤسسات الماسة إلى الصرف عليها من سهم المؤلفة قلوبهم مع تعذر الصرف عليها من الموارد الأخرى. ٣ - أن يكون الإنفاق عليها من هذا السهم بقدر الحاجة التي يتحقق معها المقصود من مشروعية هذا المصرف. المسألة الثالثة: إعطاء رؤساء الدول الفقيرة والقبائل الكافرة من الزكاة لتأليف قلوبهم للإسلام تقدم بيان مشروعية إعطاء السادة المطاعين والرؤساء في عشائرهم (١)، لتأليف قلوبهم على الإسلام، مع ما في ذلك من إسلام نظرائهم وأتباعهم، فيتبين أن إعطاء مَن كانت هذه حاله أولى من إعطاء سائر الكافرين؛ لذا فقد نصت تعاريف أكثر الفقهاء على تعيين المؤلفة بالسادة في عشائرهم والرؤساء، مما يُفهم منه تقييدهم بهذا الوصف، واستبعاد أحقية عموم الناس ممن يُرجى إسلامه أو يخشى شره، أو يُرجى إسلام نظيره أو ثباته إن كان مسلما أو نصرته، وقد تقدم ترجيح عدم اشتراط ذلك، وأن المعتبر هو تحقق المصلحة، فيصرف السهم فيمن كان صرفه فيه أنفع من غيره للإسلام والمسلمين (٢). وبناء على ذلك يتبين لنا مشروعية صرف الزكاة لرؤساء الدول الفقيرة والقبائل الكافرة إذا كان ذلك يؤلف قلوبهم للإسلام؛ لما فيه من استنقاذٍ لهم من النار، ودعوةٍ

стр. 368

لغيرهم للإيمان، وتقويةٍ لدين الإسلام، وقد كان لذلك أكبر الأثر في إسلام أعداد كبيرة من الناس في بعض الجهات، كإفريقيا مثلا (١). وقد جاء قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة مُبَيّنا أهم المجالات التي يصرف عليها هذا السهم، وذكر منها هذا النوع؛ حيث نص على ما يلي: "تأليف مَن يُرجى إسلامه، وبخاصة أهل الرأي والنفوذ، ممن يُظَنُّ أن له دورًا كبيرًا في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين" (٢). المسألة الرابعة: صرف سهم المؤلفة قلوبهم في القيام بحملات دعائية؛ لتحسين صورة الإسلام والمسلمين يتعرض الإسلام لهجمة شرسة من أعداء الدين يستهدفون فيها تشويه الحقائق الشرعية، وتقديم الإسلام للعالم على أنه دين العنف والتخلف، مما حجب نوره عن كثير من البشر، بل قد أدى ذلك إلى ارتداد بعضِ حدثاء العهد بالإسلام؛ لجهلهم به وضعف إيمانهم، مما يحتم على المسلمين القيام بواجب الدعوة إلى الله، وتقديم دينهم الحق للبشرية، سالمًا من الشُّبه والأباطيل الكيدية، واضحا بالأدلة والحقائق الشرعية، وهذا من أنواع الجهاد باللسان الذي أمِرَ به الرسول ﷺ ، كما في حديث أنس ﵁، قال: قال ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (٣). ولكن هل يجوز الصرف من سهم المؤلفة قلوبهم للقيام بحملات دعائية؛ لتحسين صورة الإسلام والمسلمين؟

стр. 369

لم أجد مَن نصّ على هذه المسألة من الفقهاء المتقدمين، وإنما استجد بحثها لدى بعض فقهاء العصر، وقد اختلفوا فيها على قولين: القول الأول: يجوز الصرف من سهم المؤلفة قلوبهم للقيام بحملات دعائية؛ لتحسين صورة الإسلام والمسلمين (١). القول الثاني: لا يجوز ذلك (٢). أدلة القولين: دليل القول الأول: أن في ذلك نصرةً للإسلام وتقويةً له، وذلك من معاني تأليف القلوب على الإسلام التي يُشرع الصرف لها (٣). دليل القول الثاني: ١ - أنَّ القيام بتلك الحملات الدعائية لتحسين صورة الإسلام التي شوهها المغرضون لا يتحقق فيها شرط صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وهو التّمليك. ٢ - أنَّ صرف الزكاة لنصرة الإسلام تكون من مصرف زكوي آخر، وهو مصرف

стр. 370

(في سبيل الله) لا مصرف المؤلفة قلوبهم، ولكل مصرف حكمه وأهله (١). الترجيح: يترجح القول الثاني؛ لما ذكروا من تعليل، وهو إجابة على ما استدل به القول الأول، فالأصناف الأربعة الأُوَل في آية الصدقات على سبيل التّمليك، ومنها المؤلفة قلوبهم، حيث دخلت لام التّمليك على الصنف الزكوي، بخلاف الأربعة الأُخَر؛ فقد دخل عليها حرف الجر (في)، ولا يشترط معها التّمليك، كما أنّ في ذلك تداخلا بين مصرفي المؤلفة قلوبهم و (في سبيل الله)، مع عدم الحاجة لذلك. ويحسن في ختام هذا المبحث ذكر ضوابط الصرف من سهم المؤلفة قلوبهم التي نصّت عليها الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، وهي على النحو التالي: ١ - أن يراعى في الصرف المقاصد ووجوه السياسة الشرعية، بحيث يتوصل به إلى الغاية المنشودة شرعًا. ٢ - أن يكون الإنفاق بقدر لا يضر بالمصارف الأخرى، وألا يُتوسع فيه إلا بمقتضى الحاجة. ٣ - توخي الدقة والحذر في أوجه الصرف لتفادي الآثار غير المقبولة شرعًا، أو ما قد يكون له ردود فعل سيئة في نفوس المؤلفة قلوبهم، وما قد يعود بالضرر على الإسلام والمسلمين (٢). ...

стр. 371

المبحث الرابع مصرف الرقاب وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بمصرف الرقاب المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة لمصرف الرقاب

стр. 372

المطلب الأول المراد بمصرف الرقاب (١) اختلف الفقهاء في المراد بمصرف الرّقاب المنصوص عليه في آية الصدقات على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المراد بمصرف الرّقاب هم المكاتبون (٢)، فيصرف لهم دون غيرهم ليعتقوا منه، وهو مذهب الحنفية (٣). . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 373

ورواية عند المالكية (١) ومذهب الشافعية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣). القول الثاني: أن المراد به إعتاق رقاب الأرقاء المسلمين، وهو مذهب المالكية (٤) ورواية عن أحمد (٥). القول الثالث: أن المراد بمصرف الرّقاب هم المكاتبون، وإعتاق الرّقاب من المسلمين، وهو المذهب عند الحنابلة (٦)، ورجحه أبو عبيد القاسم بن سلام (٧). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - أن قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٨) كقوله: ﴿وَفِى سَبِيلِ﴾ (٩). فكما يجب

стр. 374

المراد بمصرف الرقاب الدفع للمجاهدين، فكذا يجب الدفع للرقاب، ولا يتحقق هذا إلا في المكاتب، بخلاف الإعتاق، فالدفع فيه للسيد لا للعبد (١). ٢ - أن الواجب إيتاء الزكاة، والإيتاء تمليك، والدفع إلى المكاتب تمليك، فأما الإعتاق فليس بتمليك (٢). ويُناقش هذا والذي قبله: بأن الصرف للرقاب لا يلزم منه تمليكهم، ولا الدفع لهم، وإنما صرف الزكاة فيما يتحقق فيه عتق الرقبة أو يعين على ذلك، لكون الصرف إليهم ورد بلفظ (في)، ولم يرد بلفظ اللام التي تقتضي التّمليك (٣). ٣ - الإعتاق يوجب الولاء للمعتق، فكان حقه فيه باقيا، ولم ينقطع من كل وجه، فلا يتحقق الإخلاص المشترط في العبادة، والزكاة عبادة، فلا تتأدى بما ليس بعبادة، فأما الذي يدفع إلى المكاتب فينقطع عنه حق المؤدي من كل وجه، ولا يرجع إليه بذلك نفع، فيتحقق الإخلاص (٤). ونوقش: بأنه "إن خِيف عليه أن يصير إليه ميراث عتيقه بالولاء، فإنه لا يُؤْمَن أيضًا أن يجني جنايات يلحقه وقومَه عقلُها، فيكون أحدهما بالآخر، وينبغي لمن لم يُجِز هذا أن يَكره صدقةَ الرجل على أبويه أو على أحدٍ من أقربائه خِيفةَ أن يموت

стр. 375

المعطي، فترجعَ الصدقة إلى المعطى في الميراث" (١). أدلة القول الثاني: ١ - أن كل موضع ذُكرت فيه الرقبة فالمراد عتقها كاملة، وهذا لا يتحقق في المكاتب لأنه بعض رقبة (٢). ونوقش: بأن الرقبة تطلق على العبد القِنّ (٣) وعلى المكاتب جميعًا، وإنما خصصناها في الكفارة بالعبد القِنّ بقرينة، وهي أن التحرير لا يكون إلا في القِنّ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤). ولم توجد هذه القرينة في مسألتنا، فحملناه على المكاتبين لما ذكرناه أولًا (٥). ويجاب: بأنه كما لا توجد قرينة باختصاص الرقبة بالعبد القِنّ، فكذا لا توجد قرينة باختصاصه بالمكاتب، فيبقى اللفظ عامًّا للصنفين.

стр. 376

٢ - أنه لو كان المقصود المكاتبين لاكتفى عنهم بذكر الغارمين؛ لأنهم منهم (١). ونوقش: بأنه لا يُفهم أحد المصنفين من الآخر، ولأنه جمع بينهما للإعلام بأنه لا يجوز الاقتصار على (أحدهما)، وأن لكل صنف منهما سهمًا مستقلًّا كما جمع بين الفقراء والمساكين، وإن كان كل واحد منهما يقوم مقام الآخر في غير الزكاة (٢). دليل القول الثالث: ١ - أن لفظ الرقبة عام فيشمل عتق العبد ومكاتبته (٣). ٢ - أن ابن عباس ﵁ قال: أعتق من زكاة مالك (٤). الترجيح: يترجح القول الثالث لما يلي: ١ - عموم النص، فيشمل عتق الرقبة وما دون ذلك من مكاتبة العبد.

стр. 377

٢ - عدم الدليل على تخصيص أحد المصنفين دون الآخر. ٣ - ولما تقدم عن ابن عباس ﵁ من الآثار التي تفيد ذلك، قال أبو عبيد: "وقول ابن عباس ﵁ أعلى ما جاءنا في هذا الباب، وهو أولى بالاتباع وأعلم بالتأويل، وقد وافقه الحسن على ذلك، وعليه كثير من أهل العلم " (١). ٤ - ولما في ذلك من مراعاة المصلحة في توسعة المصرف وإفادة المماليك منه، بتحرير رقابهم من الرق أو الإعانة في ذلك، مما يمكن صاحب الزكاة القليلة والكثيرة من الإسهام في هذا المصرف، بخلاف ما لو حصر ذلك بالإعتاق دون المكاتبة (٢). ...

стр. 378

المطلب الثاني تطبيقات معاصرة لمصرف الرقاب وفيه مسألتان: المسألة الأولى: صرف الزكاة من سهم الرّقاب لفكاك الأسرى المسلمين (١) تقدم بيان المراد بمصرف الرّقاب، وأنه عام في فك رقبة العبد بعتقه أو مكاتبته (٢)، إلا أن الفقهاء اختلفوا أيضا في شمول مصرف الرّقاب للأسرى على قولين: القول الأول: عدم جواز صرف الزكاة لفك الأسرى من سهم الرّقاب، وهو مذهب الحنفية (٣) وقول عند المالكية (٤) ومذهب الشافعية (٥) ورواية عند الحنابلة (٦).

стр. 379

القول الثاني: جواز صرف الزكاة لفك الأسرى من سهم الرّقاب، وهو قول عند المالكية (١) والمذهب عند الحنابلة (٢)، واختاره شيخ الإسلام (٣). أدلة القولين: دليل القول الأول: لم أقف لهم على دليل صريح، إلا أنّ مَنْعَهُم لذلك هو بسبب اختصاص النص بفك الرّقاب، وليس من ذلك فكاك الأسرى؛ لأنهم أحرار، وأما الرّقاب فيراد بها الأرِقّاء (٤). ويُناقش: بأن اللفظ في اللغة كما يُطلَقُ على فكّ رقبة العبد من الرِّقّ، فإنه يطلق على فك رقبة الأسير من الأسر، (٥) ثم إننا لو سلمنا بعدم اشتمال النص على فكاك الأسرى، فإن القياس يمكن أن يُلحق فك الأسير بفك الرقيق من الرق (٦). أدلة القول الثاني: ١ - أن في ذلك فك رقبة من الأسر، فهو كَفَكّ الرقبة من الرق (٧).

стр. 380

٢ - أن في ذلك إعزازا للدين، فهو كصرفه للمؤلفة قلوبهم (١). ٣ - أن المال المدفوع إلى الأسير في فك رقبته، كالمال المدفوع للغارم لفك رقبته من الدين (٢). الترجيح: يترجح القول بجواز صرف الزكاة من سهم الرّقاب لفك الأسرى لقوة حجته، ويتقوى ذلك بما يلي: ١ - أن النص جاء بلفظ في الرقاب ولم ينص فيه على الأَرِقَّاء أو العبيد، وهذا يدل على عموم اللفظ وشموله للعبد والمكاتب والأسير، فالأخير رقبته مقيدة بالأسر، ويكون الصرف عليه بفكاكها من الأسر. ٢ - أن من المعاني اللغوية لفك الرّقاب، فكاك رقاب الأسرى. ٣ - أننا لو سلمنا بعدم دلالة النص على فك الأسير، فإن قياس الأولى يقتضيه، وهو ما يفيده كلام القاضي ابن العربي -رحمه الله تعالى - (٣) في قوله: "إذا كان فك رقبة المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزا من الصدقة، فَأَوْلى وأَحْرى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رِقّ الكافر وذُلّه" (٤). كما أنه يخاف على الأسير المسلم القتل أو الردة عند أَسْرِه من الكافرين.

стр. 381

٤ - أن الأدلة قد جاءت بالأمر بفك الأسارى كقوله ﷺ : "فكوا العاني " (١). وقد لا يتحقق ذلك إلا بالمال، ومن موارده الكبرى بيت مال المسلمين، والزكاة والصدقة. ويتبين مما تقدم أنه يشرع للمسلمين في هذا الزمان افتكاك أسراهم من الكفار بفديتهم من سهم الرّقاب من الزكاة، لا سيما في مثل هذا الزمان الذي أوقف فيه الرق ومنع فيه ملك اليمين. ويتنازع افتكاك الأسير مصرفا (الرّقاب) و (سبيل الله) إلا أن الأقرب إليه هو مصرف الرّقاب؛ لما تقدم ذكره، فينبغي تقديم الصرف منه، فإن احتاج المسلمون إلى الأخذ من مصرف (سبيل الله) لنفاد الأول، وترجحت مصلحة استنقاذ أسراهم على سائر أوجه الجهاد فإن لأُولِي الأمر منهم فعل الأصلح (٢). المسألة الثانية: صرف الزكاة من سهم الرّقاب لفكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين في ظل ضعف المسلمين، وتسلط الكافرين عليهم، واحتلالهم لبلدانهم نشأ خلاف فقهي معاصر (٣) في حكم صرف الزكاة من سهم الرّقاب لفكاك الشعوب المسلمة من احتلال الكفار وذلك على قولين:

стр. 382

القول الأول: مشروعية صرف الزكاة من سهم الرّقاب لتلك الشعوب المحتلة من الكافرين؛ لدحر المحتلين، وهو قول بعض المعاصرين (١). القول الثاني: عدم مشروعية صرف الزكاة من سهم الرّقاب لتلك الشعوب. وهو قول أكثر الفقهاء المعاصرين (٢). دليل القول الأول: أن استرقاق الشعوب في عقائدها وأموالها وسلطانها وحرياتها أشد وأخطر من استرقاق الفرد في حريته (٣). ونوقش: بأن ذلك توسع يُفقد كلمة الرّقاب مدلولها الأصلي، مع عدم الحاجة إليه، لوجود مصارف أخرى يُشرع الصرف منها في تلك الأحوال كمصرف (في سبيل الله)؛ لكون التحرر من تسلط الكافرين من الجهاد الشرعي (٤). دليل القول الثاني: أن احتل الله الكافرين لبلاد المسلمين ليس داخلا في دلالة لفظ الرّقاب لغة ولا شرعًا (٥).

стр. 383

الترجيح: يترجح القول الثاني لما يلي: ١ - عدم الدليل على دخول تحرير الشعوب من الكافرين في مصرف (الرقاب). ٢ - عدم الحاجة إلى ذلك؛ لوجود الموارد الأخرى لتحقيق المقصود، سواء كان ذلك من مصرف (في سبيل الله) أو من غيره من موارد بيت المال. ٣ - أن تسلط الكافرين على المسلمين موجود في العهد النبوي والقرون المفضلة، ولم ينقل عنهم الصرف من سهم الرّقاب لدفع ذلك (١). ...

стр. 384

المبحث الخامس مصرف (في سبيل الله) وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بمصرف الزكاة (في سبيل الله) المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة لمصرف (في سبيل الله)

стр. 385

المطلب الأول المراد بمصرف الزكاة (في سبيل الله) اتفق الفقهاء على أن الغزاة ممن يشملهم مصرف سبيل الله (١)، واختلفوا فيما عدا ذلك على أقوال عدة، ثم توسع الخلاف في هذا العصر؛ ليكون مجمل أقوالهم في المسألة خمسة أقوال: القول الأول: المراد بمصرف سبيل الله هو الغزو، وهو قول أبي يوسف (٢) من الحنفية (٣)، ومذهب المالكية (٤) والشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)، رجحها ابن قدامة (٧).

стр. 386

القول الثاني: المراد بمصرف سبيل الله هو الغزو والحج والعمرة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (١) ومذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: المراد بمصرف (سبيل الله) هو جميع القرب والطاعات، وهو منسوب لبعض الفقهاء (٣) وقال به كثير من المعاصرين (٤). القول الرابع: المراد بذلك المصالح العامة، وهو قول بعض المعاصرين (٥). القول الخامس: المراد بذلك الجهاد بمعناه العام (جهاد اليد والمالك واللسان) فيشمل ذلك القتال في سبيل الله، والدعوة إلى الله، وهو ما صدر به قرار المجمع الفقهي الإسلامي (٦)، والندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة (٧).

стр. 387

الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - أن المراد من سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن هو من ذلك (١). ونوقش: بعدم التسليم، فالواجب عند عدم النقل الشرعي الأخذ بالمعنى اللغوي، وهو يدل على العموم (٢). ٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٣) مرفوعًا: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجل اشتراها بمالة، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني " (٤).

стр. 388

وجه الدلالة: أنه ذكر منهم الغازي، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى (١). ونوقش: بأن غاية ما يدل عليه أن المجاهد يعطى من سهم سبيل الله ولو كان غنيا، وسبل الله كثيرة لا تنحصر في الجهاد في سبيل الله (٢). أدلة القول الثاني: ١ - حديث أم معقل ﵂ (٣) قالت: خرج أبو معقل حاجًّا مع رسول الله ﷺ ، فلما قَدِمَ قالت أم معقل: قد علمت أن عَلَيّ حِجَّة، فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه، فقالت: يا رسول الله، إنّ عَلَيَّ حجة، وإن لأبي معقل بكرًا، قال أبو معقل: صدقتِ، جعلتُه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "أَعْطِهَا فلتحج عليه؛ فإنه في سبيل الله " (٤). ونوقش: أولًا: بضعف الحديث (٥)

стр. 389

ثانيًا: أن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين؛ محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرّقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو مَن يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلَّف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه، ولا حاجة بهم إليه، ولا حاجة به أيضًا إليه؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو دفعه في مصالح المسلمين أولى (١). ٢ - ورود بعض الآثار الموقوفة الدالة على أن الحج من سبيل الله، كالذي ورد عن ابن عباس وابن عمر ﵃ (٢). ونوقش: بأن أثر ابن عباس ﵄ لا يصح (٣)، وأما أثر ابن عمر ﵁ فهو وإن دل على أن الحج من سبل الله، إلا أن سبيل الله الوارد في الآية يفسر بغير ذلك، وهو الجهاد، لأنه الغالب عند الإطلاق (٤).

стр. 390

دليل القول الثالث: أن اللفظ عام، فلا يجوز قصره على بعض أفراده إلا بدليل صحيح، ولا دليل على ذلك (١). ونوقش: بأدن ذلك غير مسلم، فهذا العموم مقيد بظاهر الاستعمال، كما أنه يلزم منه أن يكون كل مُصَل وصائم ومتصدق مستحقًّا بعمله للزكاة، ولم يقل بهذا العموم أحد من السلف أو العلماء المعروفين (٢). أدلة القول الرابع: ١ - أنه لا يعرف لكلمة سبيل الله في القرآن معنى غير البر العام، والخير الشامل (٣). ونوقش: بأن ذلك غير مسلم، فقد جاءت لمعانٍ متعددة، وقد كان الجهاد هو أكثر ما وردت فيه (٤). ٢ - أن النبي ﷺ ودى صحابيًّا لم يعرف قاتله من إبل الصدقة (٥).
следующие страницы →