القول الثاني: المراد بمصرف سبيل الله هو الغزو والحج والعمرة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (١) ومذهب الحنابلة (٢).
القول الثالث: المراد بمصرف (سبيل الله) هو جميع القرب والطاعات، وهو منسوب لبعض الفقهاء (٣) وقال به كثير من المعاصرين (٤).
القول الرابع: المراد بذلك المصالح العامة، وهو قول بعض المعاصرين (٥).
القول الخامس: المراد بذلك الجهاد بمعناه العام (جهاد اليد والمالك واللسان) فيشمل ذلك القتال في سبيل الله، والدعوة إلى الله، وهو ما صدر به قرار المجمع الفقهي الإسلامي (٦)، والندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة (٧).
стр. 387
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - أن المراد من سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن هو من ذلك (١).
ونوقش: بعدم التسليم، فالواجب عند عدم النقل الشرعي الأخذ بالمعنى اللغوي، وهو يدل على العموم (٢).
٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٣) مرفوعًا: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجل اشتراها بمالة، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني " (٤).
стр. 388
وجه الدلالة: أنه ذكر منهم الغازي، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى (١).
ونوقش: بأن غاية ما يدل عليه أن المجاهد يعطى من سهم سبيل الله ولو كان غنيا، وسبل الله كثيرة لا تنحصر في الجهاد في سبيل الله (٢).
أدلة القول الثاني:
١ - حديث أم معقل ﵂ (٣) قالت: خرج أبو معقل حاجًّا مع رسول الله ﷺ ، فلما قَدِمَ قالت أم معقل: قد علمت أن عَلَيّ حِجَّة، فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه، فقالت: يا رسول الله، إنّ عَلَيَّ حجة، وإن لأبي معقل بكرًا، قال أبو معقل: صدقتِ، جعلتُه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "أَعْطِهَا فلتحج عليه؛ فإنه في سبيل الله " (٤).
ونوقش:
أولًا: بضعف الحديث (٥)
стр. 389
ثانيًا: أن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين؛ محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرّقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو مَن يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلَّف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه، ولا حاجة بهم إليه، ولا حاجة به أيضًا إليه؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو دفعه في مصالح المسلمين أولى (١).
٢ - ورود بعض الآثار الموقوفة الدالة على أن الحج من سبيل الله، كالذي ورد عن ابن عباس وابن عمر ﵃ (٢).
ونوقش: بأن أثر ابن عباس ﵄ لا يصح (٣)، وأما أثر ابن عمر ﵁ فهو وإن دل على أن الحج من سبل الله، إلا أن سبيل الله الوارد في الآية يفسر بغير ذلك، وهو الجهاد، لأنه الغالب عند الإطلاق (٤).
стр. 390
دليل القول الثالث: أن اللفظ عام، فلا يجوز قصره على بعض أفراده إلا بدليل صحيح، ولا دليل على ذلك (١).
ونوقش: بأدن ذلك غير مسلم، فهذا العموم مقيد بظاهر الاستعمال، كما أنه يلزم منه أن يكون كل مُصَل وصائم ومتصدق مستحقًّا بعمله للزكاة، ولم يقل بهذا العموم أحد من السلف أو العلماء المعروفين (٢).
أدلة القول الرابع:
١ - أنه لا يعرف لكلمة سبيل الله في القرآن معنى غير البر العام، والخير الشامل (٣).
ونوقش: بأن ذلك غير مسلم، فقد جاءت لمعانٍ متعددة، وقد كان الجهاد هو أكثر ما وردت فيه (٤).
٢ - أن النبي ﷺ ودى صحابيًّا لم يعرف قاتله من إبل الصدقة (٥).
стр. 391
وجه الدلالة: أنه إذا جاز دفع الزكاة في دية قتيل دَفْعًا للنزاع، أي من أجل المحافظة على الأمن، فمن بابٍ أولى جوازُ صرفها للمحافظة على أمن الناس وحياتهم في الدولة الإسلامية، ورعاية مصالحهم العامة (١).
ونوقش:
أولًا: بأن الحديث جاء بلفظ آخر عند البخاري وفيه أنه وداه من عنده، وقد جمع الجمهور بين الروايتين بأن الرسول ﷺ اشترى تلك الإبل من أهل الصدقة بعد أن مَلَكُوها، ثم دفعها لأهل القتيل.
ثانيًا: على التسليم بأنه وَدَاه من أموال الزكاة، فليس ذلك من المصالح العامة.
ثالثًا: أن المقصود من إعطاء الدية ليس دفع النزاع فقط، بل هو جزء من العلة، فإصلاح ذات البين، وتطييب نفوس أولياء المقتول من المقاصد الشرعية، لإعطاء الدية. ثم إن علة المحافظة على أمن الناس لا يتحقق في كل المصالح العامة (٢).
أدلة القول الخامس:
١ - أن إرادة المعنى الخاص وهو الجهاد وما كان في معناه هو الظاهر من أسلوب الحصر في آية الصدقات، فالتعميم يشمل جهات كثيرة، وهذا ينافي أسلوب حصر المصارف في ثمانية أصناف (٣).
٢ - أن الجهاد في الإسلام لا ينحصر في الغزو الحربي والقتال بالسيف، فقد
стр. 392
صح عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: "كلمة حق عند سلطان جائر" (١).
وقال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (٢)(٣).
٣ - أن الدعوة إلى الله لو لم تكن داخلة في معنى الجهاد بالنص لوجب إلحاقها بالقياس؛ فكلاهما يُراد به نصرة دين الله وإعلاء كلمته (٤).
الترجيح:
يترجح القول الخامس، وهو تخصيص معنى سبيل الله بالجهاد، مع توسيع هذا المفهوم ليشمل كل ما يتحقق به نصرة الدين، وذلك لقوة أدلة هذا القول، ويتأكد ذلك بما يلي:
١ - أن كثيرًا من استعمالات سبيل الله تصدق على الجهاد (٥)، مما يجعل هذا
стр. 393
المعنى أقرب من غيره فقد ورد لفظ: (في سبيل الله) خمسين مرة منها؛ ثمانية وثلاثين منها مع القتال والجهاد، وثمانية مواضع مع الإنفاق؛ سبعة منها في الإنفاق مع القتال، والثامن هو آية الصدقة، والأربعة المتبقية تمام الخمسين وردت مع الهجرة التي يراد بها التوجه لديار الإسلام إعزازا للدين، فيتبين من ذلك أغلب المواضع التي ورد فيه اللفظ أريد به الجهاد (١).
стр. 394
٢ - أن تفسير مصرف في سبيل الله بالجهاد هو قول عامة السلف، وجماهير الفقهاء المتقدمين والمتأخرين (١).
٣ - أن جميع الآيات التي ذكر فيها سبيل الله مقيدا بالجهاد بالنفس ذكر معها الجهاد بالمال مما يفيد توسيع مفهوم الجهاد في سبيل الله بما هو أعم من الغزو (٢). كما جاء إطلاق الجهاد في النصوص بما هو أوسع من الغزو، في مثل قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢] (٣). وقد تقدمت بعض الأحاديث الدالة على ذلك في أدلة القول الخامس.
٤ - أن المقصود من الغزو هو نصرة الدين ودحر الكافرين المعتدين، وهذا يتحقق في الجهاد بالمال واللسان ببيان الحق والدعوة إليه ودحض الباطل ورَدّه،
стр. 395
لا سيما في هذه الأزمنة التي ساد فيه الإعلام حتى وصل لسائر بقاع الأرض، وكان له الأثر الكبير في تشكيل عقول الناس وتبديل مفاهيمهم حقا كان ذلك أو باطلًا، بل لقد أصبح الغزو الفضائي بوسائل الإعلام أشد أثرا من الغزو العسكري، مما يؤكد ضرورة عدم التفريق بين الجهاد بأنواعه المختلفة في مشروعية دفع الصدقة، مادام يقصد منه بيان الحق ودحض الباطل.
٥ - أن هذا القول هو الذي يتحقق به الجمع بين أسلوب الحصر في الآية، مع موارد اللفظة الموسعة في الكتاب والسنة، بما يفيد عدم التخصيص الضيق أو التعميم الواسع، وإنما هو تخصيص مع توسيع للمعنى لا يخرج به عن الاستعمال الشرعي الكثير، ولا يقتصر فيه على مجرد المعنى اللغوي.
وقد صدر تأييدًا لهذا القول قرارٌ من المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، ونص المقصود منه ما يلي:
وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
١ - نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظا من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢] (١).
ومن الأحاديث الشريفة، مثل ما جاء في سنن أبي داود أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي ﷺ : "اركبيها فإن الحج في سبيل الله" (٢).
٢ - ونظرًا إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن
стр. 396
إعلاء كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون - أيضًا - بالدعوة إلى الله تعالى ونشر دينه، بإعداد الدعاة، ودعمهم، ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كِلَا الأمرين جهادًا؛ لما روى الإمام أحمد والنسائي، وصححه الحاكم، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " (١).
٣ - ونظرا إلى أن الإسلام مُحَارَبٌ بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأنّ لهؤلاء مَن يدعمهم الدعمَ المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلامَ، وبما هو أنكى منه.
٤ - ونظرا إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون.
لذلك كله فإن المجلس يقرر - بالأكثرية المطلقة - دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يُعِين عليها ويدعم أعمالها في معنى: ﴿وَفِي سَبِيلِ﴾ (٢). في الآية الكريمة (٣).
كما صدرت بذلك الخصوص فتوى الندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة في مصرف في سبيل الله على النحو التالي:
"إن مصرف في سبيل الله يُرَادُ به الجهاد بمعناه الواسع الذي قرره الفقهاء بما مفاده حفظ الدين وإعلاء كلمة الله، ويشمل مع القتال الدعوةَ إلى الإسلام، والعمل
стр. 397
على تحكيم شريعته، ودفع الشبهات التي يثيرها خصومه عليه، وصد التيارات المعادية له. وبهذا لا يقتصر الجهاد على النشاط العسكري وحده، ويدخل تحت الجهاد بهذا المعنى الشامل ما يلي:
أ - تمويل الحركات العسكرية الجهادية التي ترفع راية الإسلام وتصد العدوان على المسلمين في شتى ديارهم.
ب - تمويل مراكز الدعوة إلى الإسلام التي يقوم عليها رجال صادقون في البلاد غير الإسلامية، بهدف نشر الإسلام بمختلف الطرق الصحيحة التي تلائم العصر، وينطبق هذا على كل مسجد يقام في بلد غير إسلامي يكون مَقَرًّا للدعوة الإسلامية.
ج - تمويل الجهود التي تُثَبّت الإسلام بين الأقليات الإسلامية في الديار التي تسلّطَ فيها غير المسلمين على رقاب المسلمين، والتي تتعرض لخطط تذويبِ البقية من المسلمين في تلك الديار " (١).
سبب الخلاف:
يظهر مما تقدم أن سبب الخلاف هو اختلافهم حول حقيقة لفظ: (في سبيل الله) هل يُحمل على الحقيقة اللغوية؟ أم له حقيقة شرعية فيحمل عليها؟ فمن قال بِحَمْلِه على الحقيقة اللغوية فإنه يُعَمم معنى لفظ في سبيل الله، ومَن قال بثبوتِ حقيقةٍ شرعيةٍ له حمله عليه.
...
стр. 398
المطلب الثاني تطبيقات معاصرة لمصرف (في سبيل الله)
يتبين مما تقدم ترجيح أن المراد بمصرف سبيل الله نصرة الدين بالجهاد بالنفس والمال واللسان، فيشمل ذلك الدعوة إلى الله، مما يتبين معه أن من أخبرني أوجه الصرف المعاصرة في هذا السهم ما يلي:
أولًا: ما يتحقق به مطلب الإعداد للجهاد المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠] (١).
وذلك مثل:
١ - إنشاء وتمويل المصانع الحربية التي تصنع مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وشراء تلك الأسلحة عند الاحتياج.
٢ - إنشاء معاهد التدريب على الأسلحة والقتال للمؤهلين للدفاع عن ديار الإسلام.
٣ - طبع الكتب والمجلات العسكرية والتوجيهية للمقاتلين المسلمين مما يحتاجونه في جهادهم.
стр. 399
٤ - إنشاء مراكز للدراسات المختصة بمواجهة خطط الأعداء (١)، وهذه الصور المذكورة إنما يجوز صرف الزكاة فيها إذا قرر علماء الأمة انطباق الوصف الشرعي عليها.
ثانيًا: ما يتحقق به الجهاد ونصرة الدين بالدعوة إلى الله، ولذلك صور متنوعة منها:
١ - إنشاء مكاتب الدعوة والإرشاد، وتمويلها بما تحتاج إليه من أثاث ورواتب موظفين، ونحو ذلك من مستلزمات تشغيلية، فذلك مما لا تستطيع تلك المكاتب القيام بوظيفتها إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٢).
٢ - طباعة الكتب والنشرات التي تهدف لنشر العلم الشرعي والدعوة إلى الله، ونسخ الأشرطة الإسلامية التي تُعْنَى بذلك.
٣ - دعم حلقات تحفيظ القرآن وتمويلها بما تحتاج إليه، مما يحقق ما تصبو إليه من تعليم كتاب الله والعمل به، فهو من أعظم أبواب الجهاد، ذلك أن أول آية نزلت في الجهاد كانت عن الجهاد بالقرآن كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢] (٣).
٤ - إنشاء وتمويل المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية، المختصة ببيان الحق وهداية الخلق والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا سيما في هذا الزمان الذي أضحت فيه التقنية من أجدى سبل التواصل بين الأمم والبلدان.
٥ - تأسيس القنوات الفضائية الإسلامية التي تدعو إلى الله ودعمها لتحقيق
стр. 400
المقصود من إنشائها، وذلك من أعظم وسائل الجهاد بالبيان، لما له من أثبر عظيم بسبب ما يصاحب تلك القنواتِ من وسائل الجذب والتأثير، وقد أصبح الغزو الفضائي أقوى أثرًا من الغزو العسكري، لاختصاصه بالتأثير على العقول، بخلاف الغزو العسكري، فهو إنما يستولي على المحسوسات، وقد تستعصي عليه العقول والمعتقدات.
٦ - إنشاء المؤسسات الدعوية التي تُعنى بالدعوة إلى الله، سواء في ذلك دعوة الكفار لدخول الإسلام، أو دعوة المسلمين بتبصيرهم بدينهم وتثبيتهم عليه، لا سيما حديثو العهد بالإسلام.
٧ - إنشاء الإذاعات الإسلامية ودعمها، لكي يصل صوت الحق إلى أصقاع الأرض، فإن مدى تلك الإذاعات الصوتية يتجاوز مدى القنوات المرئية؛ لسهولة الحصول عليها واستقبال إرسالها، مما يُمَكّن مختلف فئات الناس من الاستماع إليها، كما إنه من السهل اصطحاب المذياع والاستماع إليه في أوضاع مختلفة، بخلاف القناة الفضائية؛ فهي محدودة الانتقال والحركة.
٨ - تأسيس الصحف والمجلات الإسلامية الهادفة للدعوة الصحيحة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، القائمة ببيان الحق ودحض الباطل.
ونحو ذلك من الوسائل الحديثة التي يتحقق بها المقصود من الدعوة إلى الله ببيان الهدى ودين الحق، فذلك من الجهاد بالبيان، وهو من أسباب نصرة الدين وهداية العالمين التي لم يُشرع الجهاد إلا لها، ولذا جاء الأمر بالجهاد الشامل، كما قال ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " (١)، والأولى مما تقدم تقديم ما يختص بدعوة غير المسلمين لكون ذلك هو الألصق بمعنى الجهاد مع عظيم أثره.
стр. 401
المبحث السادس
مصرف ابن السبيل
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بابن السبيل
المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة لابن السبيل
стр. 402
المطلب الأول المراد ابن السبيل (١)
عرف الفقهاء ابن السبيل بتعريفات متقاربة، فقد عرفه الحنفية بقولهم: هو الغريب المنقطع عن ماله وإن كان غنيًّا في وطنه (٢)، ووسعه بعض متأخريهم ليشمل المقيم الذي لا يستطيع الوصول لماله (٣).
стр. 403
كما عرفه المالكية بأنه: الغريب المحتاج لما يوصله إلى بلده إذا كان سفره في غير معصية (١).
وعَرَّفَه الشافعية بأنه: المسافر، أو مَن ينشئ السفر وهو محتاج في بلده (٢).
وعرفه الحنابلة بأنه: المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده (٣).
ومما تقدم يتبين أن الفقهاء يتفقون على أن ابن السبيل هو المسافر المنقطع في سفره عن ماله، فلا يستطيع العودة إلى بلده (٤)، وأما المقيم فيختلفون في عَدِّهِ من أبناء السبيل واستحقاقه للزكاة بهذا الاعتبار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه ليس من أبناء السبيل، فلا يُعْطَى من الزكاة بهذا الاعتبار مُطْلَقًا، وهو قول الجمهور من الحنفية (٥) والمالكية (٦) والحنابلة (٧).
القول الثاني: إن المقيم يكون من أبناء السبيل إذا كان مُنْشِئًا للسفر من بلده، لكنه لا يجد المال الذي يعينه على السفر، وهو مذهب الشافعية (٨).
القول الثالث: إن المقيم يكون من أبناء السبيل إذا لم يستطع الحصول على
стр. 404
ماله في بلده، ولو لم ينشئ سفرا، وهو قول متأخري الحنفية (١).
أدلة الأقوال:
دليل القول الأول:
١ - أن السبيل هو الطريق، وابن السبيل الملازم للطريق، الكائِنُ فيها، كما يقال: ولد الليل، للذي يُكْثِر الخروج فيه (٢).
٢ - أنه لا يُفْهم من ابن السبيل إلا الغريبُ دون مَن هو في وطنه، ولو بلغت به الحاجة كل مبلغ، فوجب حمله على المتعارف عليه (٣).
دليل القول الثاني: قياس المنشئ للسفر على المجتاز، بجامع احتياج كل منهما لأهبة السفر (٤).
ويناقش: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن ابن السبيل إنما أُعْطِيَ لإيصاله إلى بلده وماله وأهله، بخلاف المنشئ للسفر من وطنه إلى بلد آخر، فحاجته أقل من حاجة المنقطع عن بلده وماله.
دليل القول الثالث: أن الحاجة هي المعتبرة، وقد وُجِدَت؛ لأنه فقير يدًا، وإن كان مقيمًا، فألحق بالمسافر المنقطع عن ماله (٥).
ويناقش: بأن إلحاقه بالفقير إن تحققت حاجته أولى من إلحاقه بابن السبيل، لاختصاص ابن السبيل بوصف السفر والانقطاع عن الأهل والمال.
стр. 405
الترجيح:
يترجح القول الأول؛ لأن مفهوم اللفظ يدفع إرادة غيره، لا سيما مع دلالة اللفظ على معنى السفر والغربة والانقطاع عن الأهل والوطن، مما يحتاج معه إلى نفقة تُوصله إلى بلده، بخلاف المقيم الذي لا يحتاج إلى ذلك، وإنما قد يحتاج إلى النفقة عليه وعلى من تلزمه نفقته، وهذه إنما يستحقها إن عدمها بفقره، لا بكونه ابن سبيل، فهو فقير حكما لعجزه عن التصرف في ماله (١).
ويحسن في هذا المقام ذِكْرُ فتوى الندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة المتعلقة ببيان المراد من ابن السّبيل وشروطه وبعض الأحكام المتعلقة به، وذلك على النحو التالي:
١ - ابن السبيل: هو المسافر فعلًا، مهما كانت مسافة سفره الذي طرأت عليه الحاجة بسبب ضياع ماله أو نفاد نفقته، وإن كان غنيًّا في بلده.
٢ - يشترط لإعطاء ابن السبيل من الزكاة ما يلي:
стр. 406
أ - ألا يكون سفره سفر معصية.
ب - ألا يتمكن من الوصول إلى ماله.
٣ - يُعطى ابن السّبيل مقدار حاجته من الزاد والرعاية والإيواء، وتكاليف السفر إلى مقصده، ثم الرجوع إلى بلده.
٤ - لا يُطلب من ابن السبيل إقامةُ البينة على ضياع ماله أو نفاد نفقته، إلا إذا ظهر من حاله ما يخالف دعواه.
٥ - لا يجب على ابن السبيل أن يقترض ولو وجد مَنْ يُقْرِضه، ولا أن يكتسب وإن كان قادرًا على الكسب.
٦ - لا يجب على ابن السبيل أن يَرُدَّ ما فَضَلَ يزيده من مال الزكاة عند وصوله إلى بلده وماله، والأَوْلَى أن يَرُدَّ ما فضل - إن كان غنيًّا - إلى صندوق الزكاة، أو إلى أحد مصارف الزكاة.
٧ - يندرج في مفهوم ابن السبيل بالقيود والشروط السابقة كلٌّ من:
أ - الحجاج والعمار.
ب - طلحة العلم والعلاج.
ج - الدعاة إلى الله تعالى.
د - الغزاة في سبيل الله تعالى.
هـ - الْمُشَرَّدون أو الْمُهَجَّرون عن ديارهم أو مساكنهم إلى أن يستوطنوا غيرها.
و- المغتربون عن أوطانهم إذا أرادوا العودة ولم يجدوا ما يوصلهم إليها.
ز - الْمُرَحَّلُون عن أماكن إقامتهم.
стр. 407
ح - المهاجرون الفارُّون بدينهم الذين حِيلَ بينهم وبين الوصول إلى ديارهم أو الحصول على أموالهم.
ط - المراسلون والصحفيون الذين يسعون لتحقيق مصلحة إعلامية مشروعة (١).
...
стр. 408
المطلب الثاني تطبيقات معاصرة لابن السبيل
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: الْمُبْعَدُون عن بلادهم التي بها أموالهم
لا يخلو حكم الْمُبْعَدين عن بلادهم وأموالهم من المسلمين عن حالين:
الحال الأولى: أن تُرتجى عودتهم لبلادهم، فلهم حكم أبناء السبيل؛ لانطباق الوصف المقرر في حق أبناء السبيل عليهم، وهو سفرهم مع انقطاعهم عن أموالهم.
الحال الثانية: ألا تُرتجى عودتهم أو يطول بهم المقام مع حاجتهم، كما هو الحال مع المشردين من أبناء فلسطين، فإنهم يُعطون عندئذ بوصف الفقر لا بوصف أبناء السبيل، وذلك لأن حال الإقامة في حقهم أظهر من حال السفر، كما أن إعطاء ابن السبيل إنما يكون لإيصاله لبلده التي بها ماله، فإن كان ذلك متعذرًا فإنه لا يتحقق فيه موجب الإعطاء المختص بابن السبيل (١).
стр. 409
المسألة الثانية: المحرومون من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة
لم أقف على قول للفقهاء المتقدمين في حكم إعطاء هذا الصنف من مصرف ابن السبيل، وقد تعرض بعض المعاصرين لها، وكان لهم في ذلك قولان:
القول الأول: إن المحرومين من المأوى في بلادهم من أبناء السبيل المستحقين للزكاة، وممن قال به الدكتور يوسف القرضاوي (١).
القول الثاني: إن المحرومين من المأوى ليسوا من أبناء السبيل، وقال به الدكتور عمر الأشقر (٢).
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
١ - دخولهم في تفسير ابن السبيل بمعنى السُّؤَّال، كما نص عليه بعض الحنابلة (٣).
ويُناقش: بعدم التسليم بهذا التفسير لغة واصطلاحًا، إذ إن ابن السبيل يطلق في اللغة على المسافر، كما أن تفسير الفقهاء لابن السبيل يدور حول المسافر كما هو رأي الجمهور (٤)، ويدخل فيه منشئ السفر، كما هو مذهب الشافعية (٥)، أو الغني في
стр. 410
بلده الذي لا يستطيع الوصول لماله، كما هو قول متأخري الحنفية (١)، فأما المقيم المحتاج للمال فهو فقير لا ابن سبيل (٢).
٢ - أن المحرومين من المأوى هم أبناء الطريق، لسكنهم في الطرقات والتجائهم إليها، فيأخذون حكم المسافر المنقطع عن ماله (٣).
ويناقش: بأن المراد بالسّبيل طريق السفر الذي ينقطع به المسافر عن بلده وماله.
دليل القول الثاني: أنهم مقيمون، وليس لهم مال، فيصدق عليهم وصف الفقر دون غيره من الأوصاف التي يستحق بموجبها الزكاة (٤).
الترجيح:
الراجح هو القول الثاني، لظهور تعليله، ولما في ذلك من التمييز بين وصف ابن السبيل ووصف الفقير.
المسألة الثالثة: المغتربون عن أوطانهم لطلب العلم أو العمل يسافر بعض المسلمين إلى بلاد أخرى لطلب علم ديني أو دنيوي، أو للبحث عن فُرَص وظيفية أجدى من تلك الموجودة في بلاده، إلا أنه قد يحتاج في غربته تلك إلى النفقة عليه لاستكمال دراسته أو للبحث عن الوظيفة، فهل يشرع إعطاؤه من مصرف ابن السّبيل؟
стр. 411
جواب ذلك فيما يظهر لي هو بالتفصيل في حالهم كما يلي:
أولًا: أن يكون لهم مال في بلادهم لم يستطيعوا الوصول إليه، أو الانتفاع به، فإن أمرهم لا يخلو من حالين:
١ - أن يكونوا قد أقاموا في البلد الذي سافروا له واستقروا فيه، فإنهم ليسوا أبناء سبيل؛ لأن ذلك إنما يصدق على المسافر، لا المقيم.
٢ - فإن كانوا لم يقيموا ويستقروا بعد في تلك البلاد فلا يخلو:
أ - إن كان يغلب على الظن رجوعهم قريبًا فيعطون من مصرف ابن السبيل ما يعينهم للعودة إلى بلادهم.
ب - فإن كانوا سيبقون مدة طويلة للدراسة أو العمل فلهم حكم المقيم مما يمنع أَخْذَهُم من هذا المصرف المختص بالمسافر المجتاز، فإن احتاجوا أخذوا من مصرف الفقراء (١).
ثانيًا: ألا يكون لهم مال في بلادهم التي سافروا منها، فلهم حكم الفقراء عندئذ لِمَا تقدم تقريره في المراد بابن السبيل (٢).
стр. 412
المسألة الرابعة: المسافرون لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين
إذا أراد المسلم السفر لدراسة أو عمل يحتاجه المسلمون ويعود عليهم بالنفع العام، فهل له حكم ابن السبيل فيُشرع إعطاؤه قبل سفره النفقةَ التي يحتاجها لهذا السفر أم لا يُشرع ذلك؟ اختلف بعض المعاصرين في حكم عَدِّهِ من أبناء السبيل المستحقين للزكاة على قولين:
القول الأول: إنه من أبناء السبيل، فيجوز إعطاؤه نفقةَ سفره من هذا المصرف، وهو قول الدكتور يوسف القرضاوي وغيره من المعاصرين (١).
القول الثاني: إنه ليس من أبناء السبيل، فلا يشرع إعطاؤه من هذا المصرف، وقال به الدكتور عمر الأشقر (٢).
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
١ - أن ذلك داخل في معنى ابن السبيل كما هو مذهب الشافعية في حق من يريد سفرًا ولا يجد نفقة (٣).
стр. 413
ونوقش: بعدم التسليم، فابن السبيل هو المسافر فعلًا، لا المنشئ للسفر، كما هو مذهب الجمهور، مع كون القائل بذلك أخذ يقول الشافعي فيما إذا كان في سفره مصلحة للمسلمين، ولم يأخذ بإطلاق الشافعي في حق كل من أنشأ سفرًا وهو لا يجد نفقة، وفي ذلك تجزئة للقول على خلاف مراد الإمام، لأنه مبني على أصل واحد، وهو أن الآخذ لحاجته وهو يريد سفرًا ممن لا مال عنده يُعَدُّ ابن سبيل؛ لأنه سينفق المال في سفره، فكل من كان هذا حاله جاز له الأخذ، فالقول بجواز الأخذ في حال دون حال غير متجه (١).
٢ - أن في إعطائه إعانةً له على خير عام للملة والأمة، فأشبه الإعطاء في سبيل الله، وأشبه إعطاء الغارمين لإصلاح ذات البين، فلو لم يكن إعطاءً بالنص لكان إعطاء بالقياس (٢).
ويناقش: بأنه إذا ثبت أن في إعطائه نفعًا عامًّا للأمة، فله الأخذ من مصرف في سبيل الله، ولا حاجة للقياس هنا مع إمكان العدول للأصل، لا سيما مع عدم تحقق وصف ابن السبيل في حق مَن كانت هذه حاله.
٣ - أنَّ لفظ (ابن السبيل) معطوف على لفظ (في سبيل الله)، فيكون التقدير وفي ابن السبيل، مما يفيد أن المقصود صرفها في جهة ابن السبيل فلا يشترط تمليكه إياها، فيصح أن تدفع لشركة الطيران التي سيسافر عليها، أو الجامعة التي سيدرس فيها، أو مقر إقامته في بلد السفر (٣).
ونوقش: بأنه ليس فيما ذكر دليل على جواز إعطائه من الزكاة قبل سفره
стр. 414
وانقطاعه عن ماله، فابن السبيل يأخذ لكونه ابنَ سبيل، ولذا فإنه يأخذ قدر حاجته حتى عند الشافعي، ولا يجوز توسعة هذا المعنى بلا دليل، مع وجود المصارف الأخرى التي يمكن أن تغطي ما فيه منفعة عامة وتقوية للمسلمين (١).
وإنما ينطبق ما استدلوا به في حق المسافر الذي انقطع عن ماله، وهو محتاج إلى العودة لبلده، سواء كان سفره لمصلحة عامة أو خاصة، إلا أن ذا السفرة العامة أولى من غيره عند حاجته بالزكاة، إن كان ذلك من مصرف ابن السبيل أو من مصرف سبيل الله فيما فيه تقوية للمسلمين وعزٌّ لهم.
دليل القول الثاني: إن ابن السبيل هو المسافر الذي يأخذ لضياع ماله أو نفاد نفقته، فأما من عزم على السفر ولو لمصلحة عامة فإنه غير داخل في هذا المعنى لغة وفي اصطلاح أكثر أهل العلم (٢).
الترجيح:
يترجح القول الثاني لظهور تعليله، ويتقوى ذلك بما يلي:
١ - أن إطلاق ابن السبيل في اصطلاح أكثر أهل العلم يصدق على المسافر الذي انقطع عن ماله، وإنما يعطى ما يَتَبَلَّغُ به للعودة إلى بلده، فإن كان قد وقع في هذا المعنى خلاف لدى الفقهاء، فإن اللغة تؤيد قول الجمهور المذكور.
٢ - أن المسافر لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين بالقوة والعزة، يُشرع له الأخذ من مصرف في سبيل الله؛ لما في ذلك من معنى تقوية المسلمين التي شرع الجهاد لأجلها، كما تقدم تقريره في المبحث السابق، وعليه فلا حاجة لأخذه من
стр. 415
مصرف ابن السبيل ومزاحمةِ أهله المستحقين، مع وجود المصارف الأخرى التي تندرج تلك الحالة تحتها.
***
стр. 416
الفصل الرابع
استثمار أموال الزكاة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: استثمار أموال الزكاة
المبحث الثاني: تكاليف استثمار أموال الزكاة
المبحث الثالث: زكاة مال الزكاة المستثمر
стр. 417
المبحث الأول
استثمار أموال الزكاة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: استثمار أموال الزكاة من قِبَل مالك المال أو وكيله
المطلب الثاني: استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ الإمام أو نائبه
стр. 418
المطلب الأول استثمار أموال الزكاة من قبل مالك المال أو وكيله (١)
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم تأخير إخراج الزكاة
إن استثمار المكلفِ لماله الذي وجبت فيه الزكاة يترتب عليه تأخيرُ إخراج الزكاة عن وقتها، مما يستدعي بحثَ تلك المسألة لبيان حكم استثمار أموال الزكاة، حيث اختلف الفقهاء فيها على قولين:
стр. 419
القول الأول: إن الزكاة تجب على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها بعد وجوبها إلا لعذر شرعي، وهو المذهب عند الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤).
القول الثاني: إن الزكاة تجب على التراخي لا الفور، وهو قول أكثر الحنفية (٥)، وقول عند الحنابلة (٦).
стр. 420
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
١ - ورود الأمر المطلق بإيتاء الزكاة في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] (١)، والأمر المُطْلق يقتضي الفور؛ ولذلك يستحق المؤخر للامتثال العقابُ، ولذلك أخرج الله تعالى إبليس من الجنَّة، وسخط عليه ووبَّخه بامتناعه عن السجود، ولو أن رجلًا أَمَرَ عبْدَه أن يسقيَه، فأخَّر ذلك استحق العقوبة، ولأن جواز التأخير ينافي الوجوب؛ فالواجب ما يُعاقَب صاحبه على تركه، ولو جاز التأخير لجاز إلى غير غاية، فتنتفي العقوبة بالترك (٢).
٢ - عن عقبة بن الحارث (٣) قال: صلى النبي ﷺ العصر فأسرع، ثم دخل البيت، فلم يلبث أن خرج، فقلت، أو قيل له، قال: "كنت خلفت في البيت تبرًا من الصدقة، فكرهت أن أبيته فقسمته" (٤).
وجه الدلالة: أنه ﷺ بادر بقسمة الصدقة وأظهر الكراهة من التأخر من ذلك،
стр. 421
مما يدل على فورية إخراج الزكاة. قال ابن حجر (١): "قال ابن بَطَّال (٢): فيه أن الخير ينبغي أن يُبَادر به، فإن الآفاتِ تَعْرِض، والموانعَ تمنع، والموت لا يُؤْمن، والتسويف غير محمود.
زاد غيره: وهو أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعدُ عن المَطْل المذموم، وأرضى للرب، وأَمْحى للذنب" (٣).
٣ - أن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء، وهي حاجة ناجزة، فيجب أن يكون الوجوب ناجزًا (٤).
٤ - أن الزكاة عبادة تتكرَّر، فلم يَجُزْ تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها، كالصلاة والصوم (٥).
أدلة القول الثاني:
١ - أن مُطْلق الأمر لا يقتضي الفور؛ ولذا يجوز للمكلَّف تأخير إخراج الزكاة، فالمطلوب الأداء، ولم يتعرّض الأمر المطلق للوقت (٦).
ونوقش:
أولًا: بأننا لا نُسَلّم بكون الأمر عند الإطلاق يقتضي التراخي؛ بل هو على
стр. 422
الفور على الراجح أصوليا لما يلي:
١ - أن الله أمر بالمسارعة والمسابقة في الخيرات، كما في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (١).
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (٢). فهو أَمْر بالمسارعة، وأمره يقتضي الوجوب.
ب - أن مقتضاه عند أهل اللسان الفور؛ فإن السيد لو قال لعبده: اسقني.
فأَخّر، حسن لومه، وتوبيخه وذمه، ولو اعتذر عن تأديبه على ذلك، بأنه خالف أمري وعصاني، لكان عذره مقبولًا.
ج - أنه لا بد من زمان، وأَوْلى الأزمنة عقيب الأمر، ولأنه يكون ممتثلًا يقينًا، وسالمًا من الخطر قطعًا، ولأن الأمر سببٌ للزوم الفعل، فيجب أن يتعقبه حكمه كالبيع والطلاق وسائر الإيقاعات؛ ولذلك يعقبه العزم على الفعل والوجوب (٣).
ثانيًا: لو سلمنا بأن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، فإنه يقتضيه هنا لوجود قرينة تدل عليه، وهي دفع حاجة الفقير المعجلة، فلو لم يكن الأمر على الفور لم يحصل المقصود على التمام (٤).
٢ - أنّ مَن عليه الزكاة إذا هلك نصابه بعد تمام الحول والتمكن من الأداء لا يضمن، ولو كانت واجبة على الفور لَضَمِن، كمن أخَّر صوم شهر رمضان عن وقته، فإنه يجب عليه القضاء (٥).
стр. 423
ونوقش: بأن مسألة عدم الضمان بهلاك النصاب مسألة خلافية مبنية على مسألةِ فوريةِ إخراج الزكاة، فيضمن عند من يقول بالفورية، ولا يضمن عند من لا يقول بها (١).
الترجيح:
يترجح القول الأول لقوة أدلته، وإمكان الإجابة عن أدلة القول الثاني (٢)
стр. 424
المسألة الثانية: حكم استثمار أموال الزكاة من قبلَ المالك
ويتبين مما تقدم أن الراجح عدم جواز استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ المالك، وذلك لما يلي:
١ - أن استثمار أموال الزكاة يحتاج لمدة طويلة مما يؤدي لتأخير إخراج الزكاة، وهذا يضر بالمستحقين، وقد تقدم ترجيح القول بوجوب إخراج الزكاة عند وجوبها على الفور.
٢ - أنه قد ينشأ عن الاستثمار خسارة، فيضمن المالك ذلك، فيعجز عن التعويض، فيضيع حق الفقراء.
٣ - أن مال الزكاة المستثمر قد يَدُرُّ أرباحًا طائلة، تصيب المزكي بالطمع، مما قد يؤدي لعدوله عن إخراج الزكاة، أما إخراجها فورًا فهو أقطع للطمع، وأبعد عن الجشع (١).
المسألة الثالثة: حكم استثمار أموال الزكاة من قِبَلِ وكيل مالك المال (٢)
اتفق الفقهاء على مشروعية التوكيل في إخراج الزكاة، (٣) فيأخذ الوكيل حكم الأصيل، وهو مالك المال فيما يتعلق به من أحكام، ومن ذلك حكم استثمار مال الزكاة، وقد ترجح في المسألة السابقة عدم جواز ذلك في حق مالك المال، فلا
стр. 425
يجوز أيضا في حق الوكيل أن يستثمر مال الزكاة بعد تعلق حق المستحقين به، ومما تجدر الإشارة إليه أن الوكيل قد يكون شخصًا حقيقيّا، وقد يكون شخصًا حُكْميًّا يتمثل في جهة، كالمؤسسات والمكاتب الخيرية التي لم تُكَلّف من الإمام بجمع الزكاة وتفريقها، فتكون وكيلة عن المالك فقط، فينطبق عليها حكم المالك في استثمار أموال الزكاة كما تقدم تقريره، فإن كُلّفَتْ من الإمام أو أذن لها بالقيام بذلك فهي وكيلة عن المالك والمستحق في وقت واحد، فيكون لاستثمارها لأموال الزكاة بحث آخر سيأتي بيانه - إن شاء الله - في المسألة التالية (١).
...