البرية» لعثمان بن علي في تسعة عشر ألف بيت!
وإذا كانت الإلياذة تشتمل على خرافات وعلى تخيّلات، ما يَسندها واقع ولا تعتمد على حقيقة، فإن هذه الأراجيز ما فيها إلا حقائق ثابتة وتواريخ محقَّقة. هذا وأنتم تعرفون الأراجيز العلمية، كألفية ابن مالك وألفية العراقي والكثير من أمثالهما.
ولما ظنوا أنهم شبعوا من الجِدّ واكتفوا استراحوا إلى لون جديد، كما استراح أهل الفن من المصوِّرين والرسامين إلى هذه المذاهب الجديدة في الرسم، التي لا تبلغ معرفتي بها مبلغ القدرة على وصفها والكلام فيها، ولكن لا يصل عجبي منها إلى حد الإعجاب بها أو تذوقها وفهمها.
وكيف أعجب بلوحة ما أرى فيها إلا علب كبريت مكوَّمة أكواماً، أو حجارة مركومة رَكماً، أو سلّماً مقلوباً قد تعلق بخطوط متعرجة متداخلة بلا ترتيب ولا نظام ولا دقة ولا إحكام، كأنها خرابيش الدجاج على بقعة من الرمل، ثم أرى تحتها كتابة موضِّحة لها تقول إنها صورة امرأة جميلة أو مشهد غروب الشمس في البحر ... وما ثَمّ شمس ولا بحر، ما هناك إلا الفوضى والعبث! كهذا المذهب الحديث في الشعر، حيث تُرصَف كلمات جميلة لا يربط بينها رباط يتبيّنه الفكر، ولا صورة يلذّها الذوق، ولا موسيقى تطرب لها الآذان، ما هي إلا مُعجَم، ولكنه معجم قد اختلّ ترتيبه! قالوا: إن هذا هو الشعر الحديث!
والذي نعرفه أن الألفاظ أوعية للمعاني، فإذا خَلَت من المعنى المبتكَر والصورة الحلوة عادت ألفاظاً فارغة، لها إن
стр. 107
قرعتَها طنين ورنين وما فيها فائدة للمستفيدين! وصارت ألاعيب لأدباء ذلك الزمان الذي يدعوه مؤرّخو الأدب بعصر الانحطاط؛ كل هم رجاله التلاعب بالألفاظ لا يجاوزونها.
وكان المثل الأعلى لشادي الأدب -لمّا بدأنا النظر في الأدب- مقامات الحريري، يحرص أساتذتنا على أن ندمن قراءتها ونحفظ ما نستطيع حفظه منها، ونرى غاية ما يصل إليه الكاتب أن يصنع مثل ما صنع الحريري -مثلاً- في المقامة السادسة، حين التزم أن تكون فيها كلمة منقوطة بعدها كلمة مُهمَلة بلا نَقْط، وجرى على هذا في المقامة كلها، فيقول: "الكرَمُ -ثبّتَ الله جيشَ سُعودك- يَزين، واللؤم -غَضّ الدّهر جَفْنَ حسودك- يَشين ... "، وما صنعه في المقامة السادسة عشرة، حين جاء بلون آخر من ألوان اللعب بالألفاظ كان مألوفاً في ذلك العصر، هو أن يجيء بجملة إذا قرأت حروفها منكوسة، فبدأت بآخر حرف منها ورجعت إلى ما قبله، لم تتبدل الجملة. وصنع في ذلك شعراً متكلَّفاً سخيفاً (١)، حاولت أن أرويه، ثم وجدت أنني أزعج
стр. 108
بروايته القراء ولا أعوّضهم عن هذا الإزعاج متعة ولا منفعة.
ومن هذا الباب أن العماد الكاتب لما ودّع القاضي الفاضل (وهو من أساتذة هذا المذهب، مذهب الصناعة اللفظية الميتة التي لا روح فيها) قال له: «سِرْ فلا كَبا بك الفرس». وهي جملة إن عكستها لم تنعكس، فأجابه بمثلها على الفور فقال: «دام عُلا العماد».
ومن أجود ما أحفظ في هذا الباب (إن كان فيه شيء جيد!) قول القائل:
مودّتُهُ تَدومُ لكلِّ هَوْل ... وهل كلٌّ مودّتُه تَدومُ؟
خذوا حروف هذا البيت فاقلبوها تجدوها تبقى على حالها.
كانوا يَعُدّون نهاية الأرب وغاية الأدب أن يقدر الأديب على مثل هذا العبث، حتى إن الشيخ محمود الحَمْزاوي، أشهر المُفتين في دمشق في القرن الثالث عشر الهجري، ألّف تفسيراً صغيراً للقرآن مطبوعاً، وهو عندي في مكتبتي، كل حروفه مُهمَلة، أي ليس فيه حرف منقوط، فليس فيه كلمة فيها باء ولا تاء ولا جيم ولا خاء ولا شين ولا ضاد ... فتصوروا الجهد الذي بذله فيه ثم انظروا النفع الذي يأتي منه، تجدوا جهداً كبيراً ونفعاً ضئيلاً.
ورأيت من قديم في المكتبة العربية في الشام كتاباً فيه جداول أربعة أو خمسة (نسيت)، في الجدول الأول كتاب في الفقه مثلاً، وفي الثاني نحو وصرف، وفي الثالث تاريخ، وفي الرابع بحث مكتوب بلسان الترك، ثم إذا قرأت السطر كله معاً متجاوزاً حدود
стр. 109
هذه الجداول جاء معك كتاب آخر فيه علم آخر (١).
ولما شرّفني المجمع العلمي العراقي بعضويته من نحو ثلاثين سنة كان يتفضل فيرسل إليّ مطبوعاته، وهي من أنفس ما أخرجت المطابع، فلما جئت المملكة انقطعت عني واستحييت أن أسأل عنها فحُرمت منها. قرأت في مجلة المجمع يومئذ وصفاً لكتاب مثل هذا، يزيد عليه بأن فيه ثمانية جداول وأنه يُقرَأ بالمائل من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين، وفي ذلك ما يُدهش ولكنه لا يفيد (٢).
كقصة الرجل الذي قالوا إنه كان يُلقي على الأرض إبرة، ثم يلقي عليها بأخرى وهو قائم فتقع في خرمها، ولا يزال يرمي واحدة بعد واحدة حتى يجمع مئة إبرة متصلاً بعضها ببعض. فرُفع أمره إلى حاكم البلد -وكان عاقلاً كريماً- فأمر له بمئة دينار وأن يُجلَد مئة جلدة، فسألوه فقال: أما الدنانير فلهذه البراعة النادرة، وأما الجلد فلأنه صرف همته إلى هذا العبث ولم يوجّهها وجهة ينتفع بها الناس.
* * *
وإذا رجعتم إلى مجلة «الرسالة»، إلى العدد الذي صدر يوم
стр. 110
الإثنين ٢٣ رجب ١٣٥٤هـ (أي من أربع وخمسين سنة) وجدتم مقالة لي فيها وصف لكتاب عجيب ليس له في تراثنا الفكري مثيل، لا لأنه حوى من حقائق العلم أو من طرائف الفن ما لم يَحْوِه كتاب غيره، بل لأنه جاء فيه بشيء جديد من هذا الذي سمّيته «الترف العقلي»؛ فقد تعمد أن لا يأتي فيه إلا بما هو خطأ محرَّف عن أصله، معدول به عن جادة الصواب مُمال به عن سبيل الحق، فلا بيتَ يُنسَب إلى صاحبه، ولا كتابَ يُعْزى إلى مؤلفه، ولا مسألةَ تورَد على وجهها، ولا بلدةَ توضع في موضعها ... وقد أورد ذلك كله بحذق ومهارة وفرط لباقة، حتى إنك لتتلوه فتحسّ -لحلاوة ما تقرأ- أنك تقرأ حقاً وصدقاً، وما فيه من الحق والصدق شيء! (١)
ولا يقدر على الخطأ الذي لا صواب فيه إلا من يقدر على الصواب الذي لا خطأ معه؛ يحتاج كلاهما إلى علم بمواقع الخطأ ووجوه الصواب. ثم إنه حلاّه بالنكات اللغوية والمسائل النحوية والطرائف الأدبية والآراء الفلسفية، وزيّنه بالحِكَم الباهرة والأمثال السائرة، واستشهد على كل مسألة من مسائله بأقوال العرب، ولكن ذلك كله محرَّف عن الصواب.
هذا الكتاب اسمه «اختراع الخُراع» (والخُراع في اللغة داء يصيب الدابة في ظهرها فتبرك فلا تستطيع القيام)، ومؤلفه هو صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، أحد أئمة القلم والأدب في عصره، ومؤلف الكتاب الكبير «الوافي بالوفيات»، الذي يُعَد
стр. 111
من أجمع كتب التراجم.
أول هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال أبو خُرافة الهدّ القشيري سامحه الله تعالى: حضرت في بعض أوطان أوطاري وأوطار أبكاري مع جماعة ... فابتدر أحد ظرفائهم فأنشدنا بيتين هما:
لو كنت بَكْتوت امرأة جارية الفَضْل ... وكان أكل الشعير في البرد مَلْبَسكو
لا بدّ من الطلوع إلى بئرك في ... الليل وظلام النهار متضحٍ اً (١)
قال: فأخذ الجماعة في العجب مما اتفق فيهما من اضطراب النظم، واختلال القافية، وعدم الإعراب، ومخالفة أوضاع اللغة، وتناقض المعنى وفساده، والتخبيط في التاريخ ... (٢)
ثم مضى في الشرح فقال: قال الشارح عفا الله عنه: نبدأ أولاً بما في البيتين من اللغة، وثانياً بما فيهما من الإعراب، وثالثاً بما
стр. 112
فيهما من التاريخ وتقدير المعنى، ورابعاً بما فيهما من البديع، وخامساً في الكلام على ما يتعلق بعَروضهما، وسادساً بما يتعلق بعلم القافية.
القول في اللغة:
قوله «بَكْتوت»: هو اسم علم مركب من اللغة العربية والتركية، بَكْ بالعربي وتوت بالتركي، ومعناهما أمير توت. ومن قال إن معنى ذلك بالعربية أمير النيروز فلا يتأتى له ذلك، إلا إن كان النيروز في شهر توت، على ما ذكره السخاوي في «سمع الكيان».
قوله «امرأة»: المرأة مشتقة من المِرآة، وهي التي يرى الإنسان فيها وجهه إذا كانت في جيبه.
قوله «جارية»: فيها قولان، منهم من قال: هي السّاقية لأنها تجري من أسفل إلى فوق، ومنهم من قال هي في مقابلة المملوك.
قوله «الفضل»: هو كل شيء ناقص، ومنه سُمّي عبد الرحيم كاتب مروان بالفاضل لأنه كان قصيراً. وفي أمثال بُزُرْجمِهْر: «لأمرٍ ما جدع قصيرٌ أنفَه».
قوله «كان»: معلوم أنها للاستقبال، وسيأتي الكلام عليها في الإعراب.
قوله «الشعير»: معروف أنه من فواكه الآدميين، ولا يوجد إلا في جزرات الهند بالمغرب في الليل دون النهار صيفاً.
стр. 113
قوله «في الليل»: الليل معروف، وهو من الزوال إلى أذان العصر في العُرف، وفي اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها ... إلخ.
القول في الإعراب:
«لو»: حرف يجرّ الاسم ويكسر الخبر على ما ذكر الرمّاني في «شرح طبيعي الشفا» والكسائي في «رموز الكنوز». هذا مذهب الكوفيين، والصحيح أنها من الأفعال الناقصة التي لا عمل لها، وإنما قلنا إنها فعل ناقص لأنها كانت في الأصل «لوى»، فنقصت حرفاً، وإنما قلنا إنها لا عمل لها لأنها متى نقصت ضعفت عن العمل، هذا الذي ذهب إليه إقليدس وأرشميدس في مخارج الحروف وبرهنّاه مستشهدين على ذلك بقول الشمّاخ في رائيّته ... إلخ.
«أكل»: فعل مضارع، لأن في أوله أحد الزوائد الخمسة وهو الهمزة، إنما قلنا بزيادتها لأنه لا يصحّ تجريدها، تقول: كل شيء.
«الشعير»: الألف واللام أصلية، وهي نكرة إن قلنا بأنها أداة التعريف، ومعرفة إذا قلنا بأصليّتها، ذكر ذلك المبرَّد في كتاب ديسقوريدوس في باب النعت، وهو ها هنا مرفوع على الحال.
إلى أن قال: «في»: اسم، لأنه يَحسن دخول حرف الجر عليه، تقول: انتقل من الشمس إلى فيء الظل. ودخول الألف واللام، تقول: هذه الدراهم مبلغ ألفي درهم. والإضافة، تقول: أعجبني حسن فيك. والتنوين أيضاً، تقول: هذا المال فيءٌ
стр. 114
للمسلمين ... وعلى الجملة فما للنحاة في الأسماء كلمة تدخلها علامات الاسم كلها إلاّ «في»، وهي ممنوعة من الصرف لأنه اجتمع فيها من العلل أكثر مما اجتمع في أذربيجان ... إلخ.
* * *
والقطعة الموجودة من الكتاب كلها على هذا النمط، فيها طرافة وفيها غرابة وفيها مهارة، أكتفي بما نقلته عنها ورويته منها لأنه شيء لا يهمّ إلا الخاصة من القراء، وأعتذر إلى غيرهم من إيرادها والتطويل فيها، وأرجو أن يهتمّ أحد الطلاب الذين يُعِدّون لشهادة العالمية (الدكتوراة) بهذا الكتاب ويفتشوا عنه ويستقرئوا هذا النوع من الأدب، فهو موضوع جيد لرسالة مبتكَرة (١).
* * *
стр. 115
ما هي السماء ؟
نشرت سنة ١٩٨٧
إنّي تاركٌ اليومَ الأرضَ وما فيها وكاتبٌ عن السماء. لا أنقل ما في الكتب، وإن كان العلم والمعرفة يُطلَبان من الكتب أولاً، ولكني قائل شيئاً هو عند أكثر القراء جديد ربما يقرؤونه أول مرة، وهو عندي قديم، فأنا أشير إليه في كتبي المطبوعة ومقالاتي المنشورة وأحاديثي المسموعة من نصف قرن.
ولقد لخّصت الذي أكتبه اليوم في مقالة قصيرة نشرتها من نحو عشرين سنة أو قريباً منها في «الوعي الإسلامي» التي تصدر في الكويت (١)، طلبت فيها رأي العلماء، فعلّق عليها ناس أفاضل كان أظهرَهم الأستاذ الجليل الذي جمع الثقافتين: الثقافة الإسلامية العربية والثقافة الحديثة الغربية، هو الأستاذ محمد أحمد الغمراوي رحمة الله عليه، صاحب «النقد التحليلي في الرد على ما جاء به طه حسين في كتاب الشعر الجاهلي».
والذي أعادني إلى الكلام في هذا الموضوع مقالة قرأتها قبل
стр. 116
أيام، فعدت لأسأل: ما هي السماء؟
وسيعجب أكثر القرّاء ويقولون: ارفع رأسك في النهار ترَ فوقك بحراً أزرق ما لأوله بداية ولا لآخره نهاية، فإن كان الليل صار ملاءة سوداء لا يدرك البصر طرفيها قد طُرِّزت بلآلئ مضيئة تلمع مثل النجوم. هذه هي السماء، فهل يجهل أحدٌ السماء حتى يسأل: ما هي السماء؟
* * *
ما هذا السقف الأزرق إلا الهواء. ولما أطلق الروس أول مركبة اخترقته زُلزلت عقول كنّا نحسبها أثبت من الجبال، وخفَّتْ أحلامٌ كانت أثقل من الرواسي، وكاد قوم يكفرون بعد إيمانهم، فحسبوا -جهلاً منهم- أنهم شاركوا الله في ملكه بما وصلوا إليه من العلم، وأنهم سيّروا في الفضاء قمراً آخر مثل القمر.
وكنت أذيع يومئذ أحاديث دائمة من إذاعة دمشق، فقلت معلقاً على هذا الخبر: إنما مَثَلكم ومَثَل قمركم كجماعة من النمل كانت في قريتها في يوم عاصف، فحملت نملة منها قطعة من القش، ثم أفلتتها فحملتها الريح مسافة عشرة أمتار، فظنت النملة أنها صارت من الآلهة ... ولا إله إلا الله (١). وجاء بعد ذلك مَن يكتب أن العلم قد انتصر على الطبيعة وقهرها، فأذعتُ حديثاً آخر قلت فيه إن القشة ما طارت إلا بالقانون الطبيعي الذي طبع الله الكون عليه، وما يستطيع أحد أن يقهر الطبيعة، وإن قال ذلك سفاهة وجهلاً.
стр. 117
وقد نبّهَنا الله إلى ذلك في القرآن، ولكن أين من يتنبّه؟ ألم تقرؤوا خبر الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربه أنْ آتاه الله المُلك؟ ﴿إذْ قَالَ إبْراهيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُميتُ، قالَ: أنا أُحْيي وَأُميتُ﴾، أي أنه يأتي برجل حكم عليه بالقتل فيعفو عنه فيحييه، ويعمد إلى آخر فيقتله فيميته. على أنه ما أحيا ولا أمات إلا بالسنن التي سنّها الله والقوانين الطبيعية التي طبع الله الكونَ عليها، فلمّا طلب منه إبراهيم شيئاً يَخرج على هذه القوانين فقال له: ﴿فإنّ اللهَ يَأتي بالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ، فَاتِ بها مِنَ المَغْرِبِ﴾ ماذا كان جوابه؟ ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾.
ولقد قلت من سنين في بعض أحاديثي «على مائدة الإفطار» في رمضان: إن لكل عصر وثنية، وإن وثنية هذا العصر هي المبالغة في تقدير العلم وتقديسه وجعله نداً للدين! وما العلم؟ العلوم الطبيعية عند أهلها هي: الوصول إلى معرفة قانون الله بالمشاهدة، ثم بالتجرِبة، ثم بالمعرفة.
مراحل لا بد منها؛ نيوتن مثلاً شاهد شيئاً يسقط، فراقبه ولاحظه وفكّر فيه، ثم فرض فرضية وجاء بنظرية، ثم أراد أن يختبر صحةَ هذه النظرية من بطلانها وصوابَها من خطئها فعمد إلى التجربة؛ فإذا اتحدت الظروف -ولو اختلفت البلدان- ثم كانت النتيجة واحدة فذلك هو القانون الطبيعي. وإذا قلت «الطبيعي» فلست أعني هذه المقالة الحمقاء التي كان يقول بها السفهاء والسخفاء، من أن الطبيعة هي التي خلقت وهي التي صنعت وهي التي عملت، بل أعني بقول «الطبيعي» أنه ليس من عمل البشر.
وإلا فما الطبيعة؟ إن لفظها «فَعيلة» بمعنى مَفعولة، أي أشياء
стр. 118
مَطبوعة، وكل مطبوع لا بد له من طابع. وقد بطلت الآن هذه المقالة وانصرف العلماء الكبار عنها وعادوا إلى إدراك الحقيقة الكبرى، وهي الإيمان بأن لهذا الكون خالقاً حكيماً قادراً سميعاً بصيراً. واقرؤوا إن شئتم كتاب «العلم يدعو إلى الإيمان» وكتاب «الطب محراب الإيمان»، والكتب الكثيرة التي أُلِّفت في موضوعه وفي معناه.
هذا هو العلم. ثم إننا لم نُؤْتَ منه إلا قليلاً؛ عرفنا قانون الجاذبية، ولكن ما هي الجاذبية؟ ما ماهيّتها؟ وعرفنا الكهرباء وقوانينها وظواهرها، وجعلناها علماً يدرَّس في المدارس والجامعات وألّفنا فيها كتباً ومجلدات، ولكن هل عرف أحد ماهيّة الكهرباء؟ إننا نعلم أنها إن قُطعت الأسلاك انطفأت المصابيح ووقفت الآلات وفقدنا هذه الطاقة التي دعوناها الكهرباء، ولكن هل الأسلاك هي الكهرباء؟ (١) ﴿وَمَا أُوتيتُم مِنَ العِلْمِ إلاّ قَليلاً﴾.
стр. 119
إن البشر إنما ﴿يَعْلَمونَ ظاهِراً مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيا﴾، أما الحقائق والماهيّات فلم يصل إليها علمهم.
أنا أفكر وأعلم أن الدماغ (أي المخ) له صلة قوية بالتفكير، فإن اختلّ جزء منه اختلّ الفكر، ولكن هل الفكر هو الدماغ؟ لمّا انتصر المذهب المادي في أواخر القرن التاسع عشر قال هيغل (أو إسبنسر، نسيت من منهما القائل): «إن الدماغ يفرز الفكر كما تُفرز الكَبِدُ الصفراءَ». ثم صارت هذه المقالة تاريخاً يدوَّن ونادرة تُروى. لقد أبطل هنري برغسون وأصحابه نظرية الماديين، وإن عادت إليها الحياة شيئاً قليلاً على يد الماركسيين. ومذهب ماركس
стр. 120
آيل إلى الزوال، لقد بدت في الجو علائم نهايته (١).
وعرفنا من قديم أن الإيمان والعاطفة والحب متصلة كلها بالقلب، والشعراء في كل لغة ولسان يقولون: سرقَت الحبيبة قلبي، وسكنت قلبي، ومزقت قلبي ... ولست أدري ماذا صنعت غير هذا بقلبه! فهل عرفنا حقيقة الصلة بين الإيمان والحب وبين القلوب التي في الصدور؟
* * *
إن الأرض ذرة صغيرة في هذا الفضاء، فما الذي عرفناه من خبر هذا الفضاء؟ عرفنا بعلومنا ما يعرفه أطفال يلعبون على شاطئ البحر المحيط، جمعوا قليلاً من الأصداف الملوَّنة وحسبوا أنهم وضعوا أيديهم على ما في البحر. وهذا المثال ضربه -كما أذكر- نيوتن، ليس المثال من عندي.
وهذه القوانين الطبيعية: هل تَنْفُذُ هي نفسها في العوالم البعيدة عنا التي لا نعرف إلا لمحة عنها، أم هي قاصرة على عالمنا الأرضي وما يقاربه؟
لذلك رجعت أفكر في خلق السماوات والأرض، فلم أجد عند البشر علماً منه؛ إن الله ما أطلعهم إلا على طرف من أطراف هذا الفضاء، وسترون أن هذا الفضاء كله جزء من العوالم الكبيرة
стр. 121
التي خلقها الله، فجئت أسأل عنها مَن خلقها. وما شهدنا خلقها ولا خلق أنفسنا.
مَن شهد نفسه لمّا كان نطفة في دم أبيه؟ ثم صار جنيناً في بطن أمه؟ ثم كان وليداً لا يعقل ولا يذكر ولا يفهم؟ إنها مرحلة من حياة آمن بها لأن أهله خبّروه بخبرها. وحياتنا طريق طويل طويل في بَيداء ممتدة واسعة، في وسطها قرية منوَّرة، فأنا لا أرى من الطيارة إلا هذه البقعة الصغيرة التي فيها الأنوار، وقبلها مراحل من الطريق وبعدها مراحل، أما ما كان قبلها فصدّقتُ خبره لمّا سمعته من أهلي، فلماذا لا أصدق خبر ما بعدها وقد خبّرني به خالقي وخالق أهلي؟
لقد علّمونا -مثلاً- أن الأرض قد انفصلت عن الشمس، وهذه هي نظرية لابلاس. ولكن القرآن الذي أنزله خالق الأرض والشمس يقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُم لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً، ذلكَ رَبُّ العَالمين. وَجَعَلَ فيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا، وَبَارَكَ فيهَا، وَقَدَّرَ فيهَا أَقْوَاتَها في أَرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً للسَّائِلينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأرْضِ ائْتِيَا طَوْعَاً أو كَرْهَاً، قَالَتَا: أتَيْنَا طائِعِين. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، وَأَوْحَى في كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾؛ وهذا كلام رب العالمين صريح أن الأرض خُلقت قبل السماء، وأن السماء لمّا خُلقت الأرض كانت دُخاناً، أي غازات أو ما يشبهها، أو مادة أثيرية لا نعرف كُنهها.
وكنت أعجب كيف تكون الأرض أصل هذا الكون الواسع، وهي منه كالقطرة من البحر العظيم والرملة الواحدة من الصحراء
стр. 122
الكبرى، ثم ذكرت أن هذه هي سنة الله في كونه، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾. أليس كل شيء في الدنيا مركَّباً من هذه الذرة الصغيرة؟ وكل حي من هذه الخلية التي لا تُرى؟ فلِمَ لا تكون الأكوان من هذه الأرض؟
ولقد خبّرني الأستاذ عمر الحكيم ﵀ (وكان يدرّس هنا في الكلية في مكة) أنهم عدلوا عن نظرية لابلاس وأعرضوا عنها ولم يبقَ متمسّكاً بها إلا الفرنسيون أو بعضهم عصبيةً منهم لصاحبها، وسرد في ذلك كلاماً طويلاً وسمّى لي مراجع كثيرة لم أحفظ أسماءها. والأستاذ عمر الحكيم كان -كما يقولون اليوم- موسوعة، فهو عسكري تخرج في أكبر مدرسة عسكرية في فرنسا، من سان سير، وهو أكبر أستاذ كان عندنا في الجغرافية، وكان مطّلعاً على جانب كبير من العلوم الإسلامية ومتقناً للفرنسية والألمانية ويحسن الإنكليزية، والعربية لغته، ﵀ ورحم أباه خالد الحكيم، الذي كان من المقرَّبين من الملك المؤسِّس عبد العزيز عليه رحمة الله.
* * *
فما السماء؟
السماء في لغة العرب كل ما علاك فأظلّك.
أما المقرَّر في العلم فهو أن الشمس والقمر يسبحان في الفضاء (وهذا أمر صرّح به القرآن فقال: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُون﴾)، وأن الشمس -على بعدها عنا- يصل نورها إلينا في نحو ثمان دقائق، لأن النور يقطع في مسيره ثلاثمئة ألف
стр. 123
كيل (كيلومتر) في الثانية؛ أي أنها تبعد عنا ثمان دقائق بالزمن الضوئي، والقمر يبعد عنا ثانية وثلث الثانية بهذا الزمن، فلو أننا استطعنا أن نصنع مركبة تسير بسرعة الضوء (وهي أقصى سرعة ممكنة، فإنْ زادت السرعة على ذلك ذهب الجسم -كما يقول آينشتاين- وتحول إلى طاقة) لبلغنا القمر في ثانية وثلث الثانية، ولوصلنا إلى الشمس في ثماني دقائق.
وأن هذه الأجرام التي تظهر لنا نقطة في الفضاء في الليلة الظلماء (وقد لا تظهر لنا أبداً) منها ما يبعد عنا ألف ألف (أي مليوناً) من السنين بالزمن الضوئي، ومنها ما يبعد عنا مئة مليون وألف مليون سنة وأكثر. فاحسبوا كم «ثمان دقائق» في هذه المدة التي تبلغ ألف مليون سنة لتتصوروا كم هي أبعد من الشمس.
أما كبرها، فنحن نعلم أن القمر أصغر من أرضنا، والأرض لا تعد شيئاً إلى جنب الشمس، ومن النجوم العملاقة ما لو أن الشمس أُلقِيت فيه هي وسيّاراتها لكانت بالنسبة إليه كحبة رمل ألقيت في بَوادي نجد، أو كقطرة ماء قُطِرت في البحر المحيط!
وهذه النجوم والأجرام -على ضخامتها- كثيرة لا تُحصى، يزيد عددها على ملايين الملايين، وتسير بسرعة مهولة، ومع ذلك لا تصطدم إلا إذا اصطدمت ستُّ نحلات تطير وحدها حول الأرض، لأن هذا الفضاء واسع واسع كسَعَة جوّ الأرض بالنسبة إلى النحلات كما يقول مؤلف كتاب «النجوم في مسالكها»!
فأين مكان السماء من هذا الفضاء؟
الله خبّرنا أن السماء ليست حدوداً وهميّة، بل هي «جرم»
стр. 124
حقيقي لأنه سمّاها «بناء» وقال «بَنَيْناها»: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنَّاهَا؟﴾، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَاً شِدَاداً﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا؟﴾. وقال: ﴿اللهُ الذي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾. ووصفها بأنها سقف لهذا العالم فقال: ﴿وَجَعَلْنَا السّمَاءَ سَقْفاً﴾، وقال: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوع﴾، وجعل لها أبواباً تُفتَح وتُغلَق، فقال: ﴿فَفَتَحْنَا أبْوابَ السّمَاء﴾، و ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوابُ السّمَاء﴾، ونفى أن يكون فيها منافذ غير هذه الأبواب، فقال: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج﴾، وأن السماء تُفتَح يوم القيامة: ﴿وَفُتِحَتِ السّمَاء﴾، وأنها تَنْشَقّ: ﴿فإذا انْشَقَّتِ السّمَاء﴾ وتنفطر وتُكشَط. وبيّنت النصوص أن السماوات سبع: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوات﴾، ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوات﴾، ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوات﴾. وأن الله قد جعلها طِباقاً، قال: ﴿سَبْعَ سَمَاوات طِباقاً﴾.
فليست السماء خطوطاً وهمية هي مدارات الكواكب كما ذهب إلى ذلك جماعة من الفضلاء أخطؤوا وما أصابوا، وليست السماء حاجزاً متصوَّراً، بل هي كما وصفها ربنا بناء؛ إنها مادة محيطة بهذا الفضاء وما فيه، ولها أبواب تُفتَح وتُغلَق، وعليها حَرَس، وإذا جاء الموعد تُطوَى السماءُ ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب﴾.
ثم إن الله بعد أن وصف السماء بأنها بناء وأنها سقف مرفوع أكمل الصورة فجعل لهذا السقف مصابيح، فقال: ﴿وَزَيَّنّا السّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابيحَ﴾، وصرّح بأن هذه المصابيح هي الكواكب: ﴿بِزينَةٍ الكَوَاكِب﴾، فدلّ ذلك على أن الكواكب تحت السماء الدنيا لأن المصابيح لا تكون إلا تحت السقف.
стр. 125
والذي تبين لي من هذا كله، من نصوص الكتاب المُبين ومن مقرَّرات علماء الفلك، أن الشمس وتوابعها (وهنّ الأرض وأخواتها) وهذه النجوم والأجرام التي لا يُحصى عددها تسبح في فضاء عظيم، وهذا الفضاء تحيط به كله «كرة» هائلة، وهذه الكرة هي «السماء الدنيا»، وهذا العالَم بأرضه وشمسه وأجرامه جميعاً في وسطها.
ولهذه الكرة سمك الله أعلم بمقداره، قال تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا﴾، وهي في فضاء لعله مثل هذا الفضاء أو أصغر أو أكبر، وحوله كرة أخرى لها سمك هي السماء الثانية، ثم فضاء، ثم كرة ... وهكذا إلى السماء السابعة. وبغير هذه الصورة لا تكون السماوات «طِبَاقاً»، لا تكون طِباقاً إلا إن انطبقت كلُّ نقطة فيها على التي تقابلها من الأخرى.
وبعد السماء السابعة مخلوقات يستحيل على العقل أن يتخيلها أو يتصورها، منها الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالأرْضَ﴾، ثم العرش: ﴿وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظيم﴾، وسِدْرة المُنتهى، وما عبّر الله عنه بما لم تره إلا عين بشرية واحدة، أكرم الله صاحبها فأراه هذه الآية الكبرى ليلة المعراج، هي عين نبينا وحبيبنا محمد ﷺ .
هذه كلها عظمة المخلوق، فما بالكم بعظمة الخالق؟ لا إله إلا هو، تعالى عمّا يقول الظالمون عُلُوّاً كبيراً.
* * *
أما آية ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فيهِنَّ نُورَاً﴾ (أي في السماوات)
стр. 126
فلا تدلّ على غير ما قلت، لأن القمر إذا كان في السماء الدنيا فهو في السماوات كلها، كما لو كانت جوهرة في علبة، وهذه العلبة في علبة أخرى، والثانية في ثالثة، فقلتَ إن في هذه العلبة جوهرة. والآيتان الأوْلَيان أصرح، ولا يُترَك الدليل القطعي لدليل محتمَل (١).
ولمّا صعدوا إلى القمر أنكر ذلك بعضُ المشايخ ونسوا أنه كان علينا -نحن المسلمين- أن نسبقهم في الوصول إلى القمر، لأن ديننا دين علم، ولأن أول كلمة من كتابنا كانت كلمة ﴿اقْرَأ﴾ وأول تمجيد فيه لله أنه ﴿عَلّمَ بالقَلَمِ، عَلّمَ الإنْسَانَ ما لَمْ يَعْلَم﴾، وأن الله أعطانا عقولاً تفكّر وقال لنا: ﴿انْظُرُوا مَاذا في السَّماواتِ وَالأرْضِ﴾. وظنوا أن القمر في السماء وأن السماء لا يمكن أن يبلغها أحد، واستندوا إلى أحاديث رُويت ولا تفيد العلم، ونسوا أن الله يقول في القرآن: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَينِ وَأَوْحَى في كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا، وَزَيَّنّا السّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابيح﴾، وبيّن في الآية الأخرى (والقرآن يفسّر بعضُه بعضاً): ﴿إنّا زَيَّنّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزينَةٍ الكَواكِبَ﴾؛ فالله قد جعل السماء سقفاً محفوظاً وجعل الكواكب مصابيح، والمصابيح إنما تكون تحت السقف.
وإذا نحن وصلنا إلى القمر والمريخ، بل والشمس، فأين القمر والمشتري والشمس من السماء؟ إذا كان بعد الشمس عنا كبعد إبهامك عن خنصرك تكون السماء أبعد عنك من أميركا بملايين الملايين من المرات!
стр. 127
وإذا كان علماء الفلك يقولون بأن من النجوم والمجرات ما يسير الضوء الصادر عنه في الفضاء من أول الزمان ولم يصل إلينا إلى الآن، فمعنى ذلك أننا لو اخترعنا مركبة فضائية تسير بسرعة الضوء ولو ركبنا فيها يوم وُلد نوح وسرنا من ذلك الوقت إلى اليوم لا نكون قد قطعنا من طريق السماء (الدنيا) إلا كما تقطع النملة التي تمشي دقيقة واحدة من هنا إلى أميركا!
* * *
وأنا حين أنتهي إلى هذه الصورة وأرى أن عالمنا كله -بأجرامه وفضائه- محبوس في وسط الكرة الصغرى التي هي السماء الدنيا، أجد ذهني ينتقل إلى الجنين «المحبوس» في بطن أمه. هذا الجنين لو استطعت أن تسأله واستطاع أن يجيبك وقلت له: ما هي الدنيا؟ لقال لك: الدنيا هي هذا البطن وهذه الأغشية. فلو خبّرته أن ها هنا دنيا أكبر، عالَماً فيه برّ وبحر وسهل وجبل ومدن كِبار، وأن داراً واحدة من دور هذه المدن أكبر من دنياه هو بملايين المرات، لم يستطع أن يفهم ما تقول أو أن يتصوره. وكذلك نحن حين نسمع أن الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض وأن قصراً واحداً من قصورها أكبر من هذه الأرض كلها.
إن نسبة مُلك الله إلى هذا «الفضاء» الذي فيه الكواكب والنجوم والمجرات كنسبة هذا الفضاء إلى بطن الأم، بل هو أكبر. فسبحان الله، لا إله إلا الله، وما أحمق من لا يؤمن بالله!
والله الذي خلق هذه المخلوقات التي يعجز العقل عن تصوّر
стр. 128
مدى كبرها خلق أخرى يعجز عن تخيل مدى صغرها؛ ففي الذرة التي لا تراها العين شبه هذه الفضاء، فيها قريب مما فيه من الأجرام الدقيقة التي تمشي على نظام قدّره رب العالمين، يدور بعضها من حول بعض، تتقارب وتتباعد وتختلف وتأتلف على قانون محكم وضعه رب العالمين. وفي الخلية الحية وما كشفوه فيها من المورِّثات التي تنقل بعض الطبائع والسّمات من الآباء إلى الأبناء آية أخرى.
وفي كل شيء له آية، ولكن الناس في غفلة عن ذكر الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَميعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمينِه﴾، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله﴾.
* * *
стр. 129
رأي للبحث والمناقشة
من هو العربي ؟
نشرت سنة ١٩٧٩
من العربي؟ هذا هو موضوع المقال.
وربما عجب ناسٌ من هذا السؤال ورأوا الأمر أوضح من أن يُستوضَح عنه وأهون من أن نشتغل بالكلام فيه. وأنا أسأل هؤلاء الإخوان: هل العربية بالنَّسَب أم باللسان؟
إذا كانت بالنسَب فماذا نكون نحن، وما لأكثرنا نسب في العرب؟ وما دام الناس لآدم، وآدم واحد جاء منه كثير وصار من أبنائه الشعوب والقبائل، وما دام لكل قبيلة وشعب أول (أي أب) تنتمي إليه وتبدأ منه، فمن هو أبو العرب الذي كان منه أولهم وإليه انتماؤهم، فمَن نَسَلَه هذا الأب كان عربياً، ومن سبقه أو جاء من غيره لم يكن من العرب؟
وإذا كانت باللسان وكان اللسان هو الميزان، فهل كان لسانُ الأقدمين من سكان اليمن ولسانُ عاد وثمود وطسم وجديس، لساناً عربياً؟ وهل صحيح ما يقولونه من أن العرب عارِبة ومُستعربة، وأن المستعربة هم أبناء إسماعيل ومنهم بنو هاشم رهط محمد ﷺ ؟
стр. 130
الذي أراه أنا أن اللسان العربي الذي نتعارفه اليوم، ونرجع إلى المعاجم في تحقيق مفرداته، وإلى الصرف في اشتقاق كلماته، وإلى النحو في ضبط حركاته، ما جُمعت شوارده ولا قُعِّدت قواعده إلا اعتماداً على ما جاء في القرآن وعلى ما أُثر عن العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، من أشعار وأقوال يرجع العلماء إليها ويستشهدون بها، فما نطقوا به فهو الصحيح المقبول، وما خالفه فهو اللحن المرذول؛ المدار في ذلك كله على «السَّماع» منهم والموافقة لهم، لا دخل فيه للعقل ولا للمنطق.
فلننظر إلى لسان (١) حِمْيَر ومن كان قبلهم من سكان اليمن، وإلى ما وصل إلينا من بقايا ألسن عاد وثمود والعمالقة، وما جاء في قانون حمورابي: هل هو موافق للسان العرب الذي نزل به القرآن ونُظمت فيه المعلقات؟
الجواب: لا. وهذا شيء اتفقت عليه كلمة علمائنا الأولين وكشوف المُحْدَثين من الأثريين؛ فلقد رُوي عن شيخ الرواة وإمام أهل العربية أبي عمرو بن العلاء أنه قال: «ما عربية حمير بعربيتنا ولا لسانهم بلساننا». وذكروا أنه لما قدم وفد عرب الشمال على سيف بن ذي يزن يهنّئونه باسترجاع اليمن قال لأحدهم: ثِبْ. وكان الملك على ظهر غمدان، فوثب الرجل من سطح القصر فما وصل الأرض إلا وقد تقطع. فعجب الملك وقال: ما له؟ قالوا:
стр. 131
أنت قلت له «ثِبْ». قال: «من دخل ظَفار حَمَّر». أي تعلم لسان حمير. وزعموا أن «ثب» في لسانهم بمعنى «اقعد»، وأنا أسرد القصة من حفظي، وليس تحت يدي وأنا أكتب هذا المقال شيء من المراجع لأرجع إليه.
وأذكر أننا درسنا في الجامعة المصرية (وقد حضرت فيها فترة من سنة ١٩٢٨) في كتاب للمستشرق جويدي صُوَرَ نُقوشٍ وجدوها على قبور في اليمن، لا تُفهَم ولا يُحكَم بأنها من لسان العرب. فلسان حمير -إذن- غير لسان قريش. فإذا كانوا هم العرب العاربة وكان لسانهم هو العربي كان القرآن منزَّلاً بغير العربية لأنه مخالف للسان حمير ... مع أن القاعدة الثابتة التي ينبني هذا الكلام كله عليها هي أن القرآن نص عربي، وكل نتيجة تخالف هذه المقدمة مردودة.
فالعرب -إذن- هم قريش ومن نطق بلسانهم الذي نزل به القرآن، فمن وافقهم كان من أهل العربية، ومن خالفهم لم يكن من أهلها. ولسان حمير ومن كان قبلها في اليمن مخالف له، فهل نقول إن حمير ليست من العرب؟ وهل يمكن أن يقال -على هذا- إن العرب هم ثمرة زواج إسماعيل من جرهم، كما كان العبرانيون ثمرةَ زواج يعقوب من أهل فلسطين؟
وأزيد الكلام بياناً: إن إبراهيم هو جدّ العرب وجدّ العبرانيين، ولكنه ليس عربياً ولا عبرانياً. وقد افترق أولاده، فكان إسماعيل أبا العرب وإسحاق أبا العبرانيين، وإسماعيل وإسحاق كلاهما غير عربي ولا عبراني. وقد ابتدأ ظهور العبرانيين بظهور
стр. 132
بني إسرائيل (الذي هو يعقوب ﵇، فهل ابتدأ ظهور العرب، أعني الناطقين بلغة القرآن، بظهور أولاد إسماعيل؟
وإن قلنا إن العرب في الماضي هم سكان الجزيرة العربية الذين كانوا يتكلمون بلسان العرب المعروف الآن، الذي هو لسان القرآن؟ فماذا يكون أسلافهم إذن، ممن يسمَّون -خطأً- العرب العاربة أو العرب البائدة؟
وهل هذا الاختلاف بين اللسانين كاختلاف لسان الإنكليز اليوم عن لسانهم قبل قرون، بحيث لا يفهم إنكليزي اليوم لغة إنكليز القرن العاشر؟ أو كاختلاف لسان الفرنسيين والطليان عن لسان اللاتين الذي كان منه اشتقاقه وإليه مَرَدّه؟
وأنا أعلم أن القول بأن "عاداً وثمود وسبأ وأمثالهم عربٌ" هو عند أكثر الناس من البديهيات (١)، ولكن هذه البديهية يعترضها اختلاف اللسان: فكيف يكونون عرباً، بل كيف يكونون هم العرب العاربة، ولسانهم غير لسان القرآن الذي لا ينكر أحدٌ أنه هو اللسان العربي المبين؟
هذا سؤال أسأله، لا أقرر قاعدة ولا أحكم حكماً، ومن كان عنده رأي فليعرضه للمناقشة. (٢)
* * *
стр. 133
هذي شهورنا
نشرت سنة ١٩٥٦
يستعمل إخواننا المصريون للشهور الشمسية أسماء أجنبية (يناير وفبراير، إلخ)، ونستعمل نحن أسماء الشهور التي كان يستعملها العرب؛ وهي: كانون الثّاني، شُبَاط، آذار، نَيْسَان، أَيّار، حَزيران، تَمّوز، آب، أَيلول، تِشْرين الأول، تِشْرين الثاني، كانون الأول.
قال أبو العلاء المَعَرّي:
تشتاقُ أيّارَ نفوسُ الوَرى ... وإنّما الشَّوقُ إلى وَرْدِهِ
وقال ابن الزَّيات:
ما غَالَني عنك أيلولٌ بلذّته ... وطِيبِه، ولنِعمَ الشهرُ أيلولُ
وقال صَفيّ الدين الحِلّي:
والغُصنُ قد كُسِي الغلائلَ بعدما ... أخذت يدا كانونَ في تجريدِهِ
وقال فتيان الشّاغوري:
قد أجْمَدَ الخمرَ كانونٌ بكل قَدَحْ ... وأخمدَ الجَمْرَ في الكانونِ حين قَدَحْ
стр. 134
الكانون في شطر البيت الثاني هو الموقد، وبين المصراعين تجانس غير تام.
وقال سبط ابن التعاويذي:
يا عليُّ يومُنا ... أولُ يوم من شُباطْ
أنا في مجلسِ لَهْوٍ ... وسرورٍ وانبِساط
وقال ابن المعتز:
حبَّذا آذارُ شهراً ... فيه للنّور انتشارُ
ينقصُ الليلُ إذا ... حلَّ ويمتدُّ النّهارُ
وقال شوقي:
آذارُ أقبَلَ قُمْ بنا يا صاحي ... حَيِّ الرّبيعَ حديقةَ الأرواحِ
وقال محمد البزم:
قرأتُ شِعرَك في آبٍ فخُيِّلَ لي ... أنّي أُقَلَّبُ في أحشاءِ كانونا
* * *
стр. 135
اقتراح في التعليم
نشرت سنة ١٩٥٣
مارست التعليم ستاً وعشرين سنة، علّمت خلالها في المدارس الأوّلية القروية في سَقْبا وزاكية، والمدارس الابتدائية في دمشق: الملك الظاهر وخالد وطارق، والمدارس الأهلية: الأمينية والكاملية والجوهرية، والمدارس الثانوية في دمشق ودير الزور وبغداد والبصرة وكركوك والقاهرة، والكلّيات الشرعية في دمشق وبيروت وبغداد، ودار المعلمين العالية في بغداد، ودرّست أطفالاً وشبّاناً وبنين وبنات، ولا أزال إلى اليوم أمارس التدريس مع القضاء في ثانويتين للبنين وللبنات. فاجتمع لي -من ذلك- من التجارب في التعليم ما لا أظنه اجتمع لكثيرين من المدرسين؛ أعان على ذلك طولُ المدة وتعدُّدُ البلاد، وأنه مرّ عليّ ألوفٌ وألوفٌ من التلاميذ، وتحصّل لي من ذلك آراء سأحاول أن ألخّص شيئاً منها لهذه المجلة (١).
وما أنشره اليوم اقتراح أنا أعلم أن دون الأخذ به عقبات، وأنه دعوة لقلب أوضاع المدارس وإبدال طرائق التعليم، ولكن
стр. 136
ذلك لا يمنع من درسه وبحثه، لأن كل اقتراح أو رأي بذرة تُلقَى في الأذهان، إما أن تموت وإما أن يكون منها الدَّوحة الباسقة والشجرة العظيمة. وما من شجرة -مهما عظمت وبسقت- إلا وأصلها بذرة.
والذي نبهني لهذه الاقتراح وجعلني أبحث فيه مرة في الرسالة من عهد بعيد (١) أنه كان لي أخ دعاه داع صحي إلى ترك المدرسة، فانقطع عنها وأقبل يطالع من كتب الأدب والتاريخ ما لا يثقل عليه ولا ينال من صحته، فقرأ فيما قرأ «تاريخ الطبري» كله و «الأغاني» وكتباً أخرى من هذه البَابَة، ثم رأى أن يدخل امتحان الكفاية (وتسميتها بالكفاءة لا وجه له (٢))، فاستعد لذلك شهراً واحداً، ثم دخله فكان من الناجحين، على أن الناجحين في تلك السنة كانوا دون الثلث. وعاد إلى مثل ما كان عليه حتى كان امتحان النهاية (البكالوريا) (٣) فاستعد له أشهراً ونجح فيه.
стр. 137
ففكرت في أمره، وجعلت أسائل نفسي: فإذا كانت الغاية النجاح في هذا الامتحان، وكان ذلك يتم بدراسة أشهر أو سنة على أبعد تقدير، فلِمَ ندرّس الطلاب هذه العلوم في سنين طويلة؟ ولماذا نضيع زهرة شباب أبنائنا في المدرسة لنعلمهم ما لا يكاد ينفعهم في حَيَواتهم إذا هم خرجوا من المدرسة إلى الحياة، ولم يقدروا أن يشتغلوا بعد ذلك بما يشتغل به العامي الجاهل من أعمال اليد وأشغال السوق؟ ألا يمكن أن نعلّم كل طالب ما ينتفع به ويميل إليه، ونعفيه من علوم يكرهها ولا فائدة لها في حياته؟
ثم ركزت السؤال فقلت: ما هي الغاية من التعليم؟
* * *
إن الغاية إما أن تكون الشهادة، أو تكون العلم لذاته، أو تكون الإعداد لخوض لُجّة الحياة والفوز في اجتيازها.
أما «الشهادة» فلا بحث فيها لأنها عَرَض لا جوهر، ووسيلة إلى غيرها، لا يصح الوقوف عليها ولا القناعة بها. وهي -بعدُ- كاسمها، شهادة، قد تكون مزكّاة عادلة، وقد تكون شهادة زور تعطى لغير أهلها وتُمنَح غيرَ مستحقها. وماذا ينفع الفقير المفلس أن يشهد له عُدول البلد بأنه أغنى الأغنياء؟
أما «العلم» فإني أذكر ما جرّبته بنفسي وما شاهدت عليه تلاميذي. ولقد كنت في دراستي الثانوية مُجَلّياً دائماً، وما كنت مقصراً في درس حتى الرياضيات، ولقد بقي من أساتذتنا الهاشمي والكيّال والشمّاع (مدّ الله في أعمارهم)، فاسألوهم: هل كنت إلا سابقاً في الرياضيات وفي الطبيعيات؟ ولقد كتبت مرة في
стр. 138
جريدة «اليوم» سنة ١٩٣٠ أدّعي الجهل المطبق بالرياضيات -على عادة الأدباء- فردّ عليّ أستاذنا مسلّم عناية (رحمة الله على روحه) وشهد لي بأني كنت من السابقين فيها.
وما قلت هذا تمدّحاً وفخراً بل لأقرر أني -على رغم هذا كله- لم يبقَ عندي الآن مما درست من العلوم إلا ما كان طبعي منصرفاً إليه من علوم الدين واللسان والتاريخ والفلسفة، وما عدا ذلك من العلوم الرياضية والطبيعية (١) فلا أكاد أعرف منه الآن إلا أشياء عامة جداً، أما التفاصيل والدقائق وأعيان المسائل فقد نسيتها كلها، ولو سئلت عما أعرفه من المثلثات مثلاً لأجبت صادقاً بأني لا أعرف إلا شيئاً اسمه الجيب والتَّجيب (وأظن أن اسمه تمام الجيب) والمماس (ولا أذكر ما هو على التحقيق)، حتى موضوع علم المثلثات على وجه التحديد نسيته، مع أن علامتي في هذا الدرس سنة درسناه كانت تسعاً من عشر وكنت تلك السنة الأول في صفي. والشيء الذي لم أنسَه ولم أجد في الحياة وقد عرفت العمليات الجراحية، وآلام النوبات الرملية، والضياع في الصحراء، وشهدت حربين اثنتين، حرب ١٩١٤ وحرب ١٩٣٩، وذقت الفقر وموت الأم والأب ... فلم أجد في ذلك كله ما هو أصعب منه، فهو الجذر التكعيبي والعياذ بالله من ذكره!
أما الكيمياء العضوية فلا أعرف منها الآن إلا أن فيها شيئاً اسمه الميثان، وتركيبه جزء من الفحم وأربعة من مولِّد الماء (٢).
стр. 139
ولا أعرف عنها وعن الفيزياء (١) إلا أن الكيمياء تبحث في التبدّلات الجوهرية في المواد وتلك تبحث في التبدلات العارضة. ودرست الجغرافية (٢) الطبيعية والسياسية والاقتصادية، ومع ذلك فقد سمعت في الرادّ من أيام اسم بلد فلم أدرِ أين يقع حتى بحثت عنه على المصوَّر.
وكل من عرفت من الطلاب هذه حالهم؛ ينسى أكثرهم كل شيء إلا شيئاً انقطع له واختص به، ويحفظ الأقلُّ منهم خلاصات موجَزة. أفما كان خيراً لو أقرأناهم هذه الخلاصات وحدها من الأصل؟
ولست أقول: دعوا هذه العلوم لا تُقرئوها التلاميذ، ولكن أقول إن هذا الخلط بين العلوم الكثيرة يؤدي إلى إضاعتها كلها، وهذا سرّ ما نشكوه من ضعف الطلاب في مصر والشام والعراق في اللغة، وهي أداة العلم كله، وما نلمسه من عقم القرائح وفَقْد المخترع والباحث.
ولو أنّا رجعنا إلى طريقة أجدادنا الذين كانوا يتعلمون علمين اثنين أو ثلاثة، فإذا أحسنوها أخذوا في غيرها، لكان أجدى علينا.
* * *
стр. 140
فمدارسنا -إذن- لا توصل إلى الغاية العلمية النظرية، فلننظر إلى الغاية العَمَلية: هل تبلّغنا إياها؟
هل تُعِدّ مدارسُنا التلاميذَ إعداداً جيداً للنجاح في الحياة، وضمان الكسب الطيب والعيش الرغد، مع الخلق القويم والإيمان العميق؟ الجواب -فيما أحسب- مُشاهَد ملموس؛ هو أن مدارسنا، معشرَ العرب لا معشر السوريين فقط، لا تكاد تخرّج إلا أطباء أو محامين أو مدرّسين أو موظفين.
أما الوظائف فعددها محدود لا يمكن أن يتسع لكل المتعلمين، ولا ينبغي أن يتسع لهم. وأما الأطباء والمحامون في دمشق فقد صاروا من الآن أكثر من اللازم بكثير، وغدا جلّهم يقنع بالربح القليل. أما التجارة والزراعة وسائر طرق الرزق فإن أكثر أهلها أو كلهم ممّن لم تخرّجهم المدارس، بل خرّجوا أنفسهم في مدرسة الحياة الكبرى.
وأصل المسألة أن نظام التعليم في بلادنا كالدار القديمة التي بُنيَت من غير هندسة وعلى غير مخطَّط، لا يفتأ أصحابها يتعاهدونها بالإصلاح، ويحاولون مرة جعلها على الأسلوب العربي، وتارة على الأسلوب القوطي، وطوراً على الأسلوب الأميركي الحديث، ينفقون عليها أضعاف ما يكفي لبناء دار جديدة، ويرضون أن يجعلوها -من كثرة التجارب وتعدد الأساليب- كالثوب المرقَّع، ولكنهم لا يجرؤون على هدمها من أساسها وتنظيف أرضها وبنائها من جديد على هندسة صالحة ونمط صحي نافع.
стр. 141
إننا نحبس التلاميذ ست سنين للدراسة الثانوية، ونحشو رؤوسهم بمعلومات أكثرها لا ينفع في الحياة. وماذا لعمري استفدت أنا -من دراسة المثلثات والهندسة النظرية وحفظ معادلات الكيمياء وقوانين الفيزياء- في الكتابة وتدريس الأدب والقضاء، وهذه هي أعمالي في الحياة؟
سيقول قائل: ومن الذي ضرب الرمل فعرف أنك ستكون أديباً أو قاضياً؟ أفما كان في الإمكان أن تكون مهندساً أو صيدلياً أو شيخ طريقة أو قاطع طريق؟ كل ذلك ممكن، ولكن الدراسة العالية هي التي حددت طريقي في الحياة.
فلماذا لم أحدده قبل ذلك بسنوات؟ لماذا لم أحدد طريقي من قبل؟
هذه هي المسألة (كما يقول شكسبير)، والآن وصلت إلى الاقتراح الذي قدمت له هذه المقدمات الطِّوال.
* * *
إن الدراسة العالية هي المقصودة بالذات، وما قبلها ثقافة عامة هي بمكان المقدّمة لها والتمهيد إليها. أفلا يستطيع الشاب الواعي دراسة الحقوق -مثلاً- من غير إحاطة بدقائق الكيمياء والفيزياء والمثلثات؟ أوَلا يكفيه أن يعرف عنها الشيء المُجمَل المختصر؟ وطالب الطب: هل يستحيل عليه تحصيله من غير معرفة بعلل الشعر واختلاف الكوفيين والبصريين؟
لقد شاهدنا محامين بارعين وقضاة لا يعرفون شيئاً عما
стр. 142
درسناه من المشتقَّات وتحول التابع. وشاهدنا أطباء استطاعوا أن ينجحوا في عمليات خطيرة وهم يجهلون شروط عمل اسم الفاعل ولا يقدرون على الموازنة بين أبي تمام والبحتري. وها هم أولاء كبار رجال المعارف المشرفون على شؤونها وعلى هذه المجلّة، سلوهم: هل يذكرون من دروس التجهيز إلا ما يتعلق بما انقطعوا له واختصوا به؟ سلوا الأستاذ الفتيح، وهو أديب وحقوقي: هل يستطيع أن يحل معادلة جبرية من الدرجة الثانية؟ وهل يعرف رمز البترول من الكيمياء العضوية؟ وسلوه مرة ثانية: هل منعه ذلك من أن يكون موفَّقاً في عمله ناجحاً فيه، معدوداً من كبار رجال التربية والتعليم؟
فما العمل؟
أنا أقول لكم، ولكن لن يسمع أحدٌ قولي لأني لست ذا شهادة في التربية والتعليم!
اجعلوا مدة الدراسة الابتدائية والثانوية معاً سبع سنين، يتمكن فيها الطالب من العربية بالمِران والتطبيق وإحياء السليقة في نفسه، لا بحشو رأسه بالقواعد وقتل وقته بمعرفة أوجه الإعراب، حتى يقيم لسانه ويتنزّه عن الخطأ الفاحش. ولا يضره -إذا رفع الاسم الواقع بعد «إذا» - أن يُعربه مبتدأ أو فاعلاً لفعل محذوف يفسّره المذكور كما يقول متحذلقة النحاة، وإذا نصب الاسم لا يضره أن يكون حالاً أو تمييزاً.
ويتعلم من دينه ما يمسك عليه إيمانَه وخلقه ويرغّبه في الخير ويصرفه عن الشر ويمنعه عن الحرام، ولا يحتاج -بعد
стр. 143
هذا- إلى عَدّ سنن الصلاة ولا إلى معرفة اختلاف الفقهاء في القُرْء: أهو الدم أم الطهر؟
ومن الرياضيات الشيءَ العملي الذي لا يُستغنَى عنه، من غير بحث في النظريات المجردة. ومن علوم الطبيعة وقوانينها ما لا بد من معرفته لإدراك ظواهر الطبيعة وأسرار المخترَعات التي يستعملها، كالرادّ والهاتف والكهرباء. وشيئاً من الصحة وتاريخ العرب وجغرافية بلادهم، ومبادئ لغة من اللغات الأجنبية ... وأمثال ذلك، فما قصدت الاستقصاء ووضع منهج كامل بل أردت التمثيل.
فإذا تخرج الطالب في هذه المدرسة عرضنا عليه فروع الجامعة ليختار واحداً منها، فإذا اختاره حضّرناه له في سنة أو سنتين أو ثلاث عند الضرورة، وعلمناه ما لا بد منه للدراسة في هذا الفرع؛ فيكون في كل كلية قسم تحضيري يتلقى فيه الطالب علومَه عن رغبة فيها وحب لها، لأنه هو الذي اختارها ولأنها وافقت هواه. وينجو -بذلك- مَن خُلق شاعراً من طلاسم الرياضيات أو الرسوب دونها والانقطاع عن المدرسة وحرمانه التحصيل من أجلها، وهو لا يحتاج إليها من بعد أبداً. ولا يتعلم كل طالب إلا ما يحتاج إليه، مع اختصار مدة الدراسة، وتقوية الاختصاص، وكسب الوقت الذي يُستفاد منه في تقوية الأجسام بالرياضة وتقويم الأخلاق بالموعظة والمراقبة.
ومن شاء الاكتفاء بالدراسة الأولى واقتحام الحياة لم نسلبه وقته، ونكون قد سلّحناه بثقافة عملية يعلو بها عن مستوى العامة
стр. 144
والسوقة، ويستطيع معها مداومة القراءة والمطالعة.
فما رأي إخواننا الأساتذة والمربين؟
* * *
стр. 145
لغة أضاعها أهلوها
نشرت سنة ١٩٥٥
في اللغة الإنكليزية -كما قالوا- حروف تُكتَب ولا تُقرَأ، وحروف تُقرَأ وهي غير مكتوبة، وحروف تُقرَأ مرّة شيئاً ومرّة شيئاً آخر، ولا بد لكل طالب لهذه اللغة أن يتعلم كيف تُكتَب كل كلمة فيها ويتعلم كيف تُلفَظ. وهي -بعدُ- لغة سماعية، لا يطّرد فيها قياس ولا تُعرَف لها قاعدة. ثم إنها لغة ليس لها نَسَب ثابت ولا أصل معروف، وحاضرُها يلعن ماضيها ويومُها يسُبُّ أمسَها، ولا يفهم إنكليزي اليوم كلامَ بُلَغاء الإنكليز في عصر المَعَرّي والشريف الرّضِيّ فضلاً عن عصر امرئ القيس وزُهَير (١)،