إننا نحبس التلاميذ ست سنين للدراسة الثانوية، ونحشو رؤوسهم بمعلومات أكثرها لا ينفع في الحياة. وماذا لعمري استفدت أنا -من دراسة المثلثات والهندسة النظرية وحفظ معادلات الكيمياء وقوانين الفيزياء- في الكتابة وتدريس الأدب والقضاء، وهذه هي أعمالي في الحياة؟
سيقول قائل: ومن الذي ضرب الرمل فعرف أنك ستكون أديباً أو قاضياً؟ أفما كان في الإمكان أن تكون مهندساً أو صيدلياً أو شيخ طريقة أو قاطع طريق؟ كل ذلك ممكن، ولكن الدراسة العالية هي التي حددت طريقي في الحياة.
فلماذا لم أحدده قبل ذلك بسنوات؟ لماذا لم أحدد طريقي من قبل؟
هذه هي المسألة (كما يقول شكسبير)، والآن وصلت إلى الاقتراح الذي قدمت له هذه المقدمات الطِّوال.
* * *
إن الدراسة العالية هي المقصودة بالذات، وما قبلها ثقافة عامة هي بمكان المقدّمة لها والتمهيد إليها. أفلا يستطيع الشاب الواعي دراسة الحقوق -مثلاً- من غير إحاطة بدقائق الكيمياء والفيزياء والمثلثات؟ أوَلا يكفيه أن يعرف عنها الشيء المُجمَل المختصر؟ وطالب الطب: هل يستحيل عليه تحصيله من غير معرفة بعلل الشعر واختلاف الكوفيين والبصريين؟
لقد شاهدنا محامين بارعين وقضاة لا يعرفون شيئاً عما
стр. 142
درسناه من المشتقَّات وتحول التابع. وشاهدنا أطباء استطاعوا أن ينجحوا في عمليات خطيرة وهم يجهلون شروط عمل اسم الفاعل ولا يقدرون على الموازنة بين أبي تمام والبحتري. وها هم أولاء كبار رجال المعارف المشرفون على شؤونها وعلى هذه المجلّة، سلوهم: هل يذكرون من دروس التجهيز إلا ما يتعلق بما انقطعوا له واختصوا به؟ سلوا الأستاذ الفتيح، وهو أديب وحقوقي: هل يستطيع أن يحل معادلة جبرية من الدرجة الثانية؟ وهل يعرف رمز البترول من الكيمياء العضوية؟ وسلوه مرة ثانية: هل منعه ذلك من أن يكون موفَّقاً في عمله ناجحاً فيه، معدوداً من كبار رجال التربية والتعليم؟
فما العمل؟
أنا أقول لكم، ولكن لن يسمع أحدٌ قولي لأني لست ذا شهادة في التربية والتعليم!
اجعلوا مدة الدراسة الابتدائية والثانوية معاً سبع سنين، يتمكن فيها الطالب من العربية بالمِران والتطبيق وإحياء السليقة في نفسه، لا بحشو رأسه بالقواعد وقتل وقته بمعرفة أوجه الإعراب، حتى يقيم لسانه ويتنزّه عن الخطأ الفاحش. ولا يضره -إذا رفع الاسم الواقع بعد «إذا» - أن يُعربه مبتدأ أو فاعلاً لفعل محذوف يفسّره المذكور كما يقول متحذلقة النحاة، وإذا نصب الاسم لا يضره أن يكون حالاً أو تمييزاً.
ويتعلم من دينه ما يمسك عليه إيمانَه وخلقه ويرغّبه في الخير ويصرفه عن الشر ويمنعه عن الحرام، ولا يحتاج -بعد
стр. 143
هذا- إلى عَدّ سنن الصلاة ولا إلى معرفة اختلاف الفقهاء في القُرْء: أهو الدم أم الطهر؟
ومن الرياضيات الشيءَ العملي الذي لا يُستغنَى عنه، من غير بحث في النظريات المجردة. ومن علوم الطبيعة وقوانينها ما لا بد من معرفته لإدراك ظواهر الطبيعة وأسرار المخترَعات التي يستعملها، كالرادّ والهاتف والكهرباء. وشيئاً من الصحة وتاريخ العرب وجغرافية بلادهم، ومبادئ لغة من اللغات الأجنبية ... وأمثال ذلك، فما قصدت الاستقصاء ووضع منهج كامل بل أردت التمثيل.
فإذا تخرج الطالب في هذه المدرسة عرضنا عليه فروع الجامعة ليختار واحداً منها، فإذا اختاره حضّرناه له في سنة أو سنتين أو ثلاث عند الضرورة، وعلمناه ما لا بد منه للدراسة في هذا الفرع؛ فيكون في كل كلية قسم تحضيري يتلقى فيه الطالب علومَه عن رغبة فيها وحب لها، لأنه هو الذي اختارها ولأنها وافقت هواه. وينجو -بذلك- مَن خُلق شاعراً من طلاسم الرياضيات أو الرسوب دونها والانقطاع عن المدرسة وحرمانه التحصيل من أجلها، وهو لا يحتاج إليها من بعد أبداً. ولا يتعلم كل طالب إلا ما يحتاج إليه، مع اختصار مدة الدراسة، وتقوية الاختصاص، وكسب الوقت الذي يُستفاد منه في تقوية الأجسام بالرياضة وتقويم الأخلاق بالموعظة والمراقبة.
ومن شاء الاكتفاء بالدراسة الأولى واقتحام الحياة لم نسلبه وقته، ونكون قد سلّحناه بثقافة عملية يعلو بها عن مستوى العامة
стр. 144
والسوقة، ويستطيع معها مداومة القراءة والمطالعة.
فما رأي إخواننا الأساتذة والمربين؟
* * *
стр. 145
لغة أضاعها أهلوها
نشرت سنة ١٩٥٥
في اللغة الإنكليزية -كما قالوا- حروف تُكتَب ولا تُقرَأ، وحروف تُقرَأ وهي غير مكتوبة، وحروف تُقرَأ مرّة شيئاً ومرّة شيئاً آخر، ولا بد لكل طالب لهذه اللغة أن يتعلم كيف تُكتَب كل كلمة فيها ويتعلم كيف تُلفَظ. وهي -بعدُ- لغة سماعية، لا يطّرد فيها قياس ولا تُعرَف لها قاعدة. ثم إنها لغة ليس لها نَسَب ثابت ولا أصل معروف، وحاضرُها يلعن ماضيها ويومُها يسُبُّ أمسَها، ولا يفهم إنكليزي اليوم كلامَ بُلَغاء الإنكليز في عصر المَعَرّي والشريف الرّضِيّ فضلاً عن عصر امرئ القيس وزُهَير (١)،
стр. 146
وألفاظُها لُمامة (لُمامة من العامي الفصيح) (١) من الطرق، ففيها كلمات ألمانية وكلمات فرنسية وكلمات من العربية ... وفيها
стр. 147
كلمات من كل لسان.
وهي -على هذا الضعف والعجز وهذه المعايب كلها- قد سَمَتْ بها هِمَمُ أهلها حتى فرضوها على ثلث أهل الأرض وأنطقوهم بها. واللغة العربية، وهي أكمل لغات البشر وأجودها مخارجَ وأضبطها قواعدَ، ذات القياس المطّرد والأوزان المعروفة (١)، والتي هي أقدم قِدَماً من التاريخ فلا يعرفها التاريخ إلا كاملة النموّ بالغة النضج. فمتى ولدت؟ ومتى كانت طفولتها؟ ومتى تدرّجت في طريق الكمال حتى وصلت إلينا كاملة مكمَّلة،
стр. 148
لم تحتَجْ إلى تبديل أو تعديل منذ وُجد في الدنيا تاريخ؟ بل لقد أمدَّت -بما زاد عنها من ألفاظها- أكثر لغات الأرض، ففي كل لغة منها أثر.
هذه اللغة العظيمة قد أضاعها أهلوها وأهملوها، فلم يكفِهم أن قعدوا عن نشرها وتعليمها الناسَ (كما فعل أجدادهم من قبل) بل هم قد تنكّروا لها وأعرضوا عنها، وجَهِلها منهم حتى كثيرٌ ممّن يدرّسها في المدارس، وجَهِلها حتى كثيرون ممّن يُدْعَون أدباء فيها. بل لقد كان ما هو شر من هذا الجهل، هو أن هؤلاء (الأدباء) يقبّحون مُحَسّنات الكلام ويُزرون على البلغاء، ويحاربون البلاغة لعجزهم عن أن يأتوا بمثلها أولاً، ولأنها أسلوب القرآن ثانياً، وهم يكرهون الإسلام وكل ما هو منه بسبب، ويتمنّون أن يَدَع الناس أسلوب القرآن إلى أسلوب التوراة والإنجيل، وبيانَ النابغة والحُطَيئة والبحتري إلى «بيان ...» شعراء المهجر!
فصرتَ تقرأ كتباً ومقالات لقوم من أشباه العوامّ وهم عند الناس كتّاب ومؤلفون؛ يَلْحَنون في الفاعل والمفعول وهم من أئمة الأدب وأعيان الأدباء، ما قرؤوا يوماً كتاباً في نحو ولا صرف، ولا تمرّسوا بأساليب العرب ولا عرفوا مذاهبها في كلامها، وهم أساتذة الأدب الرسميون في الثانويات والجامعات!
ولا تغترّوا بما يَدْعون إليه من العُروبة وما يهرف به هذا العجوز ساطع الحصري، الذي كان يُعَدّ مفكراً لمّا كان الحلاقُ طبيبَ الأسنان والصيدليُّ العطارَ والكتاتيبُ رياضَ الأطفال، ثم تغيّر الزمان، فلم يعد الحلاق طبيباً ولا العطار صيدلياً ولا الكُتّاب
стр. 149
روضة، ولا الحصري مربياً ولا مفكراً.
إن العروبة، بل إن كل قومية في الدنيا، إنما تقوم على اللسان والتاريخ والعادات. وهؤلاء لا عاداتهم عادات العرب، ولا يعرفون تاريخ العرب، ولا يفهمون لغة العرب. لا أعني هذا العجوز الذي أفسد «معارف» العراق ثم أفسد «معارف» الشام ثم ذهب يفسد «معارف» مصر، والذي يتكلم الآن باللغة العرتكية (١)، لا أعنيه وحده، بل أقصدهم جميعاً، ذوي اللغات العرفسية والعركزية (٢)، ومن شكّ في هذا فليتفضل فليُرِني بليغاً واحداً في هؤلاء القوميين جميعاً.
وغيرتهم على العربية كذب. ولقد جرّبتهم السنةَ الماضية حين كنت في باكستان، وكان القوم فيها متردّدين في اختيار لغة رسمية لهم بين العربية والإنكليزية، العربية لأنها لغة قرآنهم ولأن فيهم -في دار العلوم في كراتشي، وفي معهد ديوبَنْد قرب دهلي، وفي ندوة العلماء في لَكْنَو، وفي عشرات المدارس في الهند- علماءَ بالعربية قلَّ أن تجد في مصر والشام من يدانيهم، والإنكليزية لأنها أسهل تعلّماً. ولا يمكن أن تُتَّخذ الأوردية لغة رسمية لأن أهل باكستان الشرقية لا يفهمونها، ولا البنغالية لأن أهل باكستان الغربية لا يفهمونها، وهنا خمسة وأربعون مليوناً وهنا خمسة وثلاثون، وبين اللغتين اختلاف في الأصل: هذه سنسكريتية وهذه فارسية وعربية، وفي الحروف: هذي حروفها
стр. 150
هندية وهذه حروفها عربية (١).
وكانت فرصةً لا تكون فرصةٌ أعظم منها، وكنا نستطيع فيها بشيء قليل من الجهد أن نضم إلى الناطقين اليوم بالعربية أكثرَ منهم، نضم ثمانين مليوناً. ولقد كتبت إلى هؤلاء القوميين فما اهتم بذلك أحد، وإلى الحكومات العربية فما تحركت، إلا ما كان من المفوضية السورية في كراتشي ووزارة المعارف هنا، إذ استطاعتا بأربعة مدرّسين فتح عشرين مدرسة لتعليم العربية في كراتشي، يدرس فيها ابن سبعين بجانب ابن سبع، ومدرسة لتخريج معلمين للعربية. والفرصة لا تزال سانحة، فإذا أضعناها لم نستطع أن نعوض مثلها (٢). ولقد سنحت مثلها أيام السلطان سليم حين أراد أن يتخذ العربية لغة رسمية للدولة، فلم تتم إرادته، ولو تمت لكان الأتراك كلهم اليوم عرباً.
* * *
إن العالَم الإسلامي كله مستعد للإقبال على العربية وتعلّمها إن جئناه باسم الدين، أما إن جئناه باسم القومية العربية فلن نجد خيراً. وما كان شيءٌ -عَلِمَ الله- يحزّ في نفوسنا ويُخجلنا في رحلتنا إلى الهند والملايو وأندونيسيا إلاّ العتاب الناعم الذي يلقَوْننا به على أنّا صددنا عن اليد التي مدّوها إلينا وزهدنا في
стр. 151
الأخوّة التي أكنّوها لنا، وتركنا (أو ترك ناسٌ منّا) رابطة الإسلام التي نكسب بها هؤلاء الإخوان الذين يزيدون عن ثلاثمئة وستين مليوناً لرابطة قومية لم نكسب بها إلى اليوم (ويظهر أننا لن نكسب بها من بعدُ) أحداً.
وفي أندونيسيا وفي سلطنة جوهور في الملايو، وفي كل مكان فيه مسلمون، مدارسُ للعربية مملوءة بالطلاب. ولو أنّا عرفنا لغتنا ونشطنا لخدمتها وذهبنا نعلّمها هؤلاء الطلاب الذين يريدونها، لصار العالم الإسلامي كله ينطق العربية في مئة سنة فقط، كما صار ينطقها كله في القرن الثالث الهجري.
ولكن العربية -مع الأسف- لغة أضاعها أهلوها وأهملوها، فذلَّتْ وقَلَّتْ وهي خير اللغات، وعَزّت وكَثُرَت لغة لا تصلح خادماً لها حين سَمَت بها هِمَم أبنائها.
* * *
стр. 152
آفة اللغة هذا النحو
نشرت سنة ١٩٨٨
سألني سائل من أساتذة العربية: ما هي الطريقة المُثلى لتعليم التلاميذ النحو؟ لا أريد أن تضع لي منهجاً خيالياً يحلّق في جو السماء حتى ليدهشك تحليقه، ولكن أريد طريقاً واضحاً يسهل تطبيقه ويمكن تحقيقه.
قلت للسائل: إذا رأيت وأنت في مكة رجلاً ضالاً يسألك عن الطريق، أما كنت تدلّه؟ قال: بلى. قلت: كيف تدله وأنت لا تعرف مقصده؟ إن عليك أن تسأله أولاً عن غايته، فإن كان يقصد الحرم دللته على طريق الحرم، وإن كان يريد الطائف أو جدّة أرشدته إلى طريق جدة أو الطائف. فما الغاية من تدريس النحو؟ أليست إقامة اللسان وتجنب اللحن في الكلام، فإن قرأ أو خطب أو حاضر لم يرفع منخفضاً ولم يكسر منتصباً؟ قال: بلى.
قلت: فما الذي يضرّه إذا نصب المنصوب أن يحسبه «تمييزاً» وهو «حال»، ما دام قد صحح المقال؟ نعم، إن ذلك يقدح في علمه ويُنقص من مقداره عند أقرانه، ولكنه لا يَحيد به عن غايته. فالمطلوب إذن تكوين المَلَكة الصحيحة لا حفظ القواعد المجرَّدة. وهل كان العربي الأول الذي أُخِذت اللغة عنه
стр. 153
يدري ما الحال وما التمييز، أو كان يعرف هذه الأسماء التي سمّيتموها أنتم ومشايخكم؟
في كتاب «الصاحبي» أن عربياً سُئل: أتجرّ فلسطين؟ فعجب وقال: "إني إذن لقوي"! ما فهم من كلمة الجرّ إلا السحب. وأنه قيل لآخر: أتهمز إسرائيل؟ قال: "ما كنت رجل سَوء"، لم يفهم من الهمز إلا شيئاً بمعنى الوكز واللكز.
و «الصاحبي» هو من أوائل ما قرأت من الكتب، ألفه أحمد ابن فارس وسمّاه كذلك تقرّباً إلى الوزير الصاحب بن عباد. وكان واحداً من اثنين هما من عباقرة علماء اللغة، وكانا في عصر واحد، أحمد بن فارس هذا وابن جِنّي.
* * *
أمامي الآن عدد من مجلة الرسالة صدر يوم ٢ شوال سنة ١٣٥٣هـ، في السنة التي قدمت فيها مكة أول مرة من خمس وخمسين سنة، فيه مقالة لي عنوانها «آفة اللغة هذا النحو». وليس هذا العنوان لي، ولكني استعرته من مقالة للأستاذ الزيات كان نشرها في الرسالة قبل هذا التاريخ.
ما قلت أنا ولا قال هو «آفة اللغة النحو» بل: «هذا» النحو؛ فالنحو هو خلاصة علوم العربية، وقد كان أكثر ما يعتنون به من علومها ونحن صغار، كما كانت العناية بالفقه من بين علوم الشريعة، لأن النحو هو الذي يستقيم به اللسان ويُجتنَب به اللحن في الكلام، والفقه هو الذي يُعرَف به الحلال من الحرام.
وكما كان الدين سهلاً قريباً، يجيء الأعرابي من باديته فيقعد
стр. 154
بين يدي رسول الله ﷺ يوماً أو بعض يوم فيعرف منه ما يكفي لصحة إسلامه، ثم يرجع إلى قومه داعياً إليه ومعلّماً، لأن الدين كان يؤخَذ من منابعه وكان مقترناً بالحياة ممتزجاً بها يبيّن حكم كل عمل من أعمالها؛ كذلك كان تعلم العربية، كان سهلاً لأنه يعتمد على إحياء المَلَكة وأخذ الطالب بحفظ الفصيح، فيتعلم العربية كما يتعلم الطفل الكلام. فلا النحو ينفصل عن شواهده وفهمها وإدراك بلاغتها، ولا الفقه يبتعد عن أدلته وفقهها والعمل بها.
ولقد كان هذا ممكناً لو كانت لغتنا، التي نديرها على ألسنتنا ونستعملها في مطالب حياتنا وفي تفاهمنا فيما بيننا، هي اللغة الفصيحة. ولم أقل «الفصحى» لأن الفُصحى مؤنث الأفصح، وأفصح لغات العرب هي التي نزل بها القرآن، وإطلاق لفظ الفصحى على كل كلام صحيح فصيح فيه من الغلوّ والمبالغة الكثير.
وقد قلت الصحيح الفصيح، إذ ما كل صحيح يكون فصيحاً، ففي العربية مثلاً فعل «حَبَّ» الثلاثي، وهو بمعنى «أحبّ» الرباعي، فاسم الفاعل منه حابٌّ بمعنى مُحِبّ، ولكن كلمة «حابّ» متروكة مرذولة وكلمة «مُحِبّ» مسلوكة مقبولة. أما اسم المفعول فلا يأتي إلا من الثلاثي. هل سمعتم شاعراً مطبوعاً بدلاً من أن يقول: أنا المحب وأنت المحبوب، يقول: أنا الحابّ وأنت المُحَبّ؟
لذلك كان من شروط فصاحة الكلمة أن تكون خالية من الغرابة، وأن تكون واضحة المعنى سائرة على ألسنة البلغاء. أما الذين يغوصون في أعماق القاموس المحيط ليستخرجوا منه
стр. 155
الكلمات العَويصة التي لا يعرف معناها إلا أئمة اللغة فليسوا في شيء من الفصاحة ولا يُعَدّون من أهلها؛ إنما الفصاحة والبيان فيما يدعونه: «السهل الممتنع»، الذي وصفه ابن المقفَّع بأنه الذي إذا سمعه الجاهل ظن لسهولته أنه يحسن مثله، فإن جرّبه امتنع عليه ولم يصل إليه. هذا كلام الله، وهو أبلغ الكلام، هل فيه الغموض المقصود، أو لفظ يصعب فهمه على العربي الذي نزل القرآن بلسانه؟ أم هو الآية في الوضوح والبيان؟ وهل تكرر ورود كلمة في القرآن كما تكرر لفظ «المُبين»؟ والمبين اسم فاعل من أبان يُبين، والجاحظ سمّى كتابه «البيان والتبيين» ما سمّاه «الغموض والتغميض»!
ولقد أمسى أبو علقمة النحوي أضحوكة التاريخ لمّا قال وقد ازدحم عليه الصبيان: ما لكم تَكَاكَاتم عليّ كَتَكَاكُئكم على ذي جِنّة؟ افرنقعوا عني! (١) وأكثر ما يصنع هذا في عصرنا ناس من الأعاجم، تعلموا العربية تعلماً وما هي في طبعهم ولا هي على ألسنتهم، فستروا بهذا الإغراب جهلَهم.
* * *
стр. 156
قلت في مقالة «الرسالة»: لقد أصبح النحو علماً عقيماً، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طِوالاً، ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإني لأعرف من شيوخنا من قرؤوه وأقرؤوه دهراً، ووقفوا على مذاهبه وعلى أقواله وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعلّلوا وناظروا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كل مذهب، ثم لا يكاد أحدهم يقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصيدة يرويها!
ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه ناس من جلّة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول! روى السيوطي في «بُغية الوُعاة» أن رجلاً قال لابن خالَوَيه (وهو النحوي الإمام الذي اختص بسيف الدولة، وسكن حلب وانتشر فيها علمه وروايته، وله مع المتنبي أخبار ومناظرات)، قال له رجل: أريد أن تعلّمني من النحو والعربية ما أقيم به لساني، فقال له ابن خالويه: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو، ما تعلمت ما أقيم به لساني!
فأي فائدة من النحو إذا كانت قراءته خمسين سنة لا تعلّم صاحبها كيف يقيم لسانه؟
(إلى أن قلت): وسبب هذا التعقيد -فيما أحسب- أن النحاة اتخذوا النحو وسيلة إلى الغنى وطريقاً إلى المال، وابتغوه تجارة وعرَضاً من أعراض الدنيا، فعقّدوه هذا التعقيد وهوّلوا أمره حتى يعجز الناس عن فهمه إلا بهم، فيأتوهم فيسألوهم، فيعطوهم، فيغتنوا.
стр. 157
وروى الجاحظ في كتاب «الحيوان» أنه قال للأخفش: ما لك تكتب الكتاب فتبدؤه عذباً سائغاً، ثم تجعله صعباً غامضاً، ثم تعود به كما بدأت؟ قال: ذلك لأن الناس إذا فهموا الواضح فسرّهم أتوني ففسّرت لهم الغامض، فأخذت منهم!
(إلى أن قلت): وزاد النحوَ تعقيداً وإبهاماً وبعداً عن الغاية التي وُضع من أجلها ما صنعه الرمّاني، المفسر العالم صاحب الدين والفصاحة والصلاح، من مزج النحو بالمنطق وحشوه به، حتى ما يقدر مَن بعدَه على تجريده منه، وحتى قال أبو علي الفارسي (وكان معاصراً له): إن كان النحو ما يقول الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان ما نقوله نحن فليس معه منه شيء!
ومن رجع إلى تلك المقالة وجد فيها أمثال هذه الأخبار (١).
* * *
لقد كان النحو وسيلة لإقامة اللسان، فجعلوه غاية وعقّدوه وطوّلوا طريقه وصعّبوه على سالكه! ولقد كنت أدرّس النحو، وكنت مطّلعاً على كتبه الجديدة عارفاً بمناهج مؤلفيها وبكل الذي هو فيها، فإذا أردت الأمثلة على ما أقول انسالت عليّ، فتركت تدريس النحو من نحو أربعين سنة وقطعت صلتي بتلك الكتب ولم أعد أدري: أجَدَّ فيها جديد أم لا نزال في «شذور الذهب» و «شرح ابن عقيل» ولا يزال جديدنا «قواعد اللغة العربية» لحفني
стр. 158
ناصف وإخوانه وكتاب الشيخ مصطفى الغلاييني؟ أقول هذا ليكون عذراً لي لديكم إن ضربت الأمثلة مما كان على أيامي ولم أعرف بالتفصيل ما هو كائن في هذه الأيام.
مما كان يغيظني ويثقل عليّ هذه التعاريف التي لا أجد حاجة إليها، وكان يَؤودُني ويُعجزني أن أُفهم الصغار أن الاسم هو ما دل على معنى مستقل في الذهن وليس الزمن جزءاً منه.
إنهم يعرفون الاسم من غير أن ألزمهم حفظ هذا التعريف. فإن قلت للتلميذ: ما اسمك؟ قال: حسن، أو صالح. وإن سألته: ما اسم المكان الذي تجتمعون فيه وتدرسون في غرفه؟ قال: المدرسة. وما اسم الحيوان الذي يُربَط بالعربة فيجرّها؟ قال: الحصان ... فهم يعرفون ما هو الاسم، فلماذا أعرّفه ما هو عارف به؟
ولما كنت أنا تلميذاً كان من أصعب الأشياء عليّ أن يقول لي المدرس: كيف تصوغ المضارع من الماضي؟ أنا أصوغه ولكن لا أعرف كيف، كما أنني أمشي ولكن أعجز عن أن أشرح للناس كيف أمشي. هل أقول لهم إني أعتمد على قدم واحدة وأنقل الثانية خطوة إلى الأمام، ثم أعود فأعتمد على الثانية وأنقل الأولى حتى أجعلها أمامها؟ ما لي ولهذا الكلام؟ أنا أمشي والسلام!
وكنت أعجب من هؤلاء النحويين، لماذا لا يعلّمون التلاميذ أنها إذا جاءت قبل الفعل المضارع فاء السببية، أو واو المعية، أو لام الجحود، نصبته بعد أن كان مرفوعاً؟ لماذا يكون العامل على نصبه (أنْ) مُستَتِرةً وجوباً، لم تظهر أبداً ولم يرها أحد قط؟ هل
стр. 159
في الألفاظ جِن يَرَون ولكن لا يراهم أحد؟ وما نفع هذه الحكاية التي لا أصل لها؟ وإذا كان كل المقصود أن ننطق بالفعل المضارع منصوباً إن سبقته هذه الأدوات، سواء أكانت هي بذاتها الناصبة أم كان الناصب «أنْ» هذه التي لم يبصرها أحد، ما الفرق؟ ولماذا نتعب أنفسنا بالاشتغال بهذا العبث؟ هل هو تحقيق في قضية نصب لئلا تُقيَّد الجريمة ضد مجهول؟
ومسألة أعجب: هل توضع القواعد النحوية وفق ما نطقت به العرب، نستمدها منه ونعتمد فيها عليه، أم أن القاعدة تصير حجة على أصحاب اللغة؟
فمن أين جئتم بهذه القاعدة، وهي أن كلمة «إذا» لا تدخل على الاسم، وأنها لا تدخل إلا على فعل؟ فإذا قرأنا قوله تعالى: ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وقوله: ﴿إذا السَّمَاءُ انْفَطَرتْ﴾ وقرأنا قول لبيد: «إذا القومُ قالوا مَن فَتَىً خِلتُ أنني ...» وأبياتاً مثلها لا يبلغ العد حصرها، قلنا: إن السماء فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور، وتقديره: إذا انشقت السماء انشقت.
ما هذا الهذيان؟ وهل سمعتم عربياً عاقلاً يقول هذا الكلام؟ ولماذا لا نعلم التلاميذ أن «السماء» في قوله تعالى: ﴿إذا السّمَاءُ انْشَقَّت﴾ مبتدأ مثل كل اسم مرفوع يبدأ به الكلام؟
* * *
إن غاية النحو إقامة اللسان والبعد عن اللحن، فإذا قال قائل: «أعطِني حقّي» فقد نطق بالصواب، فإذا زاد فعرف أن
стр. 160
«حقي» مفعول به فقد زاد على المطلوب، فإن لم يعرف علامة النصب والمانع من ظهورها لم يضرّه في هذه المرحلة شيئاً.
وكنت وأنا أعلم الصغار أستعين بشيء من طريقة تعليم النحو الفرنسي، فأقول له: تطلب ماذا؟ فيقول: حقّي. فأُفهمه أن «حقي» هي مفعول به. وإذا قيل «جاء زيد» أسأله: مَن الذي جاء؟ فيقول: زيد. فأُفهمه أنه الفاعل.
وأنا إنما أريد تسهيل تعلم النحو وتعليمه، لا أريد أن أكون عوناً لأعداء العربية الذين يعملون على حرب الإسلام بحجّة تيسير قواعد اللغة العربية. إنهم يعرفون مكان العربية من القرآن، وفي إضعافها -كما يظنون- إضعاف للدين، وإفساد شعرها (الذي يُعتمَد عليه في تفسير آيات القرآن) باب من أبواب حرب الإسلام؛ فهم لا يعملون ابتغاء التجديد وحده، بل يريدون حرب الإسلام من كل طريق يستطيعون أن يسلكوه وأن يصلوا به إلى ما يريدون.
والذي أقترحه هو أن نفرّق بين اثنين: القراءة الصحيحة وفهم النص فهماً إجمالياً، وفقه النص وفهمه فهماً دقيقاً. نكتفي بالأول من التلميذ المبتدئ، فحسبُه أن يقرأ بلا خطأ وأن يُلِمّ بالمعنى إلماماً.
ومعرفة المعنى الإجمالي يعين على الإعراب، والتدقيق في الإعراب يساعد على فقه النص. أضرب أمثلة مما يخطر على بالي الآن، ولو حصرت ذهني واتسع وقتي لجئت بأكثر منها.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾، معناه
стр. 161
الإجمالي ظاهر، والإعراب يوضّح المعنى التفصيلي؛ فإذا كانت كلمة «الكبرى» مفعولاً به للفعل «رأى» يكون المعراج هو أكبر المعجزات الظاهرة بعد القرآن (لأن فيه خَرْقاً لقانون عام من قوانين الوجود التي سَنّها موجِدُه)، وإن كانت صفة لكلمة «آيات» كان المعنى أنه رأى واحدة من الآيات الكبرى.
وفي القرآن آيات لا يكاد يُفهَم المراد منها إلا بشيء من الإعراب، كقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغَاءَ رِضْوانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها﴾، ويكون المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء مرضاة الله، ما كتبها الله عليهم، ثم ما رعوها حق رعايتها.
وآيات إذا اختلّ إعرابها نقلَت قارئها من الإيمان إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿إنّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلمَاءُ﴾ (١).
* * *
стр. 162
والموضوع كما قلت موضوع واسع، والكلام فيه طويل، ويستحق أن تخصص له وزارة المعارف (أو إحدى الهيئات التي تُعنى باللغة وبالأدب) ندوة تحشد فيها بعضاً من كبار الأدباء وعلماء العربية، الذين مارسوا التدريس وعرفوا مشكلاته، ليبحثوا عن دواء لهذا الداء.
* * *
стр. 163
مقالة للطلاب
كيف كنا وكيف صرتم
نُشرت سنة ١٩٨٨
هذه المقالة للطلاب، أو هي عن الطلاب. ولكن لا أريد أن أزيدهم بها عبئاً على عبئهم، ولا أن أجعلها درساً أضيفه إلى الدروس التي يُمضون نهارَهم في تلقّيها وليلَهم في مراجعتها والنظر فيها، والتي أعلم أن أكثرهم لا يستريح إليها ولا يستمتع بها، بل قد يتمنى الخلاص منها.
ولقد كنت مثلهم؛ أُساقُ إلى المدرسة سَوْقَ المحكوم عليه إلى السجن، وإن وجدت المدرسة يوماً مغلقة أو المدرّس غائباً أو مريضاً فرحت بإغلاق المدرسة وغياب المدرّس. أقول لكم الحقيقة، فلا يصعُبْ عليكم سَماعُ الحقيقة. وإن جاءت يوماً عطلةٌ طارئة سرّتني العطلة الطارئة. وبقي هذا الشعور معي يلازمني حتى كبرت وصرت في الجامعة، ثم غدوت معلماً في المدارس الابتدائية، ثم في الثانوية، ثم صرت محاضراً فأستاذاً في الجامعة، ثم في قسم الدراسات العليا فيها.
بل أنا أفرح اليوم حين يهتف بي (أي يكلمني بالهاتف) ولدي الأستاذ عبد الله رَوّاس، مخرج برنامجي في الرائي (التلفزيون)،
стр. 164
فيقول إن التسجيل قد أُجِّل، فأحس كأن حِمْلاً ثقيلاً كان على عاتقي وأُنزل عنه.
حديث اليوم للطلاب، ولكني أَعِدُهم بأني لن ألبس جُبّة المعلم ولن أحمل عصاه (وإن لم يعد للمعلم اليومَ جُبّة يلبسها ولا عصا يحملها) ولن أخاطبهم من الأعالي، من فوق مِنَصّة التدريس، ولن آتيهم بالنصائح التي ماتت ودُفنت في الكتب من سنين طِوال، أستخرج جُثَثها فألقيها على رؤوسهم؛ لأن النصيحة لا تفيد إلا إن جاءت حيّة تمشي على الأرض كما يمشي الأحياء من الناس، تعيش معهم، تستمدّ من حياتهم، تُصوّر مجتمعهم. ثم إنها تُعطى مثلما يعطي الطبيبُ الدواءَ، كل يوم ثلاثة أقراص. ولو أنك وجدت النفع فيها فأخذت حبّات القارورة كلها معاً لانقلب النفع إلى ضرر، بل ربما صار الشفاء المرجوّ هلاكاً محقَّقاً.
والذين يتكلمون في الرائي أو يخطبون على المنابر فيصبّون الوعظ صبّاً على رؤوس الناس لا يكادون ينفعون الناس، بل إنهم يخالفون سنة الإسلام. لمّا بعث عمرُ بن الخطاب عبدَ الله ابن مسعود إلى العراق داعياً ومعلماً جعل لهم مجلساً للوعظ والتذكير، فقالوا له: زدنا. قال: لا، إني أخاف أن تَمَلّوا، فقد كان الرسول ﵊ يتخوّلنا بالموعظة حتى لا نَمَلّ.
فإذا كان الصحابة، وهم -كما سماهم خالي محب الدين الخطيب- «الجيل المثالي» الذي لم تَرَ عينُ التاريخ جيلاً خيراً منه يمكن أن يُمِلَّهم استمرارُ الجِدّ وتوالي المواعظ، فكيف لا يمل من مثل ذلك طلاب المدرسة وسامعو الإذاعة ومشاهدو الرائي؟
* * *
стр. 165
وأنا معلم قديم، بل إنني من أقدم المعلمين الذين يمشون اليوم على وجه هذه الكرة، قَلَّ مَن أمضى في التعليم مثل ما أمضيت فيه من السنين، من سنة ١٣٤٥هـ قبل أن أكمل التعلّم، كنت طالباً مع الطلاب الكبار ومعلماً للتلاميذ الصغار، ولم أنقطع تماماً عن التعليم إلى الآن؛ إنها ستون سنة، فكم من الأحياء اليوم مَن أمضى ستين سنة في التعليم؟
علّمت في المدارس الأولية، التي تقابل مدارس الحضانة في هذه الأيام، لولا أن مدارس الحضانة فيها أَوَانس لِطاف ظِراف عندهن اللعب والألطاف والأولاد يسرحون في حديقة فيها الورد والزهر، وفي تلك المدارس -التي بدأت أعلّم فيها- شيوخ غِلاظ شِداد هم في الناس كزبانية جهنم في الملائكة (ونعوذ بالله من جهنم وزبانيتها)؛ ما عندهم إلا الفَلَق ولا يخاطبون التلاميذ إلا بلغة الخيزران أو قضبان الرمّان، لا يُسمعونهم النصائح من آذانهم بل من بُطون أقدامهم.
قضيت في مثل هذه المدارس (أو هي على التعبير الصحيح «الكتاتيب») بعضَ يوم حدّثتكم مرة عما وجدت فيه، وكان ذلك سنة ١٣٣٢هـ ولم أكمل السنوات الخمس الأولى من عمري، وقد مرّ عليه أكثر من ثلاثة أرباع القرن ولا يزال سواده أمام عيني، ولا تزال مرارته في حلقي وذكراه غَصّةً في نفسي (١).
стр. 166
والعجب أن من الناس -على هذا- من يحنّ إلى أيام تلك الكتاتيب ويتمنى أن تعود!
ثم علّمت في طبقات المدارس كلها، في الشام مُدُنِه وقُراه، وفي العراق شماليّه وجنوبيّه، وفي المملكة غربها ووسطها، وألقيت عشرات وعشرات وعشرات من المحاضرات في هذه البلاد، وفي الأردن وفي لبنان (وهما في العرف العربي من الشام) وفي مصر، وفي كراتشي وبومباي وسنغافورة وجاكرتا وسورابايا في آخر المشرق من جنوبي آسيا، وفي مدن الغرب من أوربا، في ألمانيا وبلجيكا وهولندا، وكنت فيها كلها أَلقَى الطلاب وأحاورهم، أسمع منهم وأُسمعهم وأعرف ما عندهم.
فما الذي وجدت بعد هذا كله؟
وجدت أن الطلاب الآن هم -في الجملة- غير الطلاب الذين عرفتهم بالأمس؛ لا أعني أن أشخاصهم قد تبدلت، فهذا واضح لا يحتاج إلى إيضاح، ولكن أعني ما في رؤوسهم من علم، وما على ألسنتهم من فصاحة وبيان، وما في قلوبهم من خير ومن إيمان.
стр. 167
أما العلم فأظن أننا لو نظرنا إلى المناهج الآن لوجدناها أوسع حدوداً وأكثر إحاطة وأجمع لمسائل العلم، ووجدنا فيها ما لم نكن نجده على أيامنا. ولكن إن أبصرنا الطلاب ورغبتهم بالعلم، وإقبالهم عليه وحبهم إياه، وجدناهم قد نزلوا بدلاً من أن يصعدوا، وضعُفوا بدلاً من أن يقوَوا. وليس هذا في المملكة وحدها، ولا في الشام معها، بل هو أمر يكاد يكون عاماً مشاهَداً في جميع بلدان هذا الشرق العربي. لقد غدا قدراً مشترَكاً بين الطلاب جميعاً.
فإن جئنا إلى العربية وعلومها، ومعرفة قواعدها والتمكن منها والبعد عن اللحن فيها، رأينا عجباً لو جاء يحدّثنا به واحدٌ ونحن صغار لحسبناه هارباً من البيمارستان!
* * *
أنا هنا للصدق لا للمجاملة، جئت لأكون مؤرّخاً لا شاعراً مَدّاحاً. أنا كالطبيب، فهل تقبل من الطبيب أن يكتم عنك مرضك وأن يقول لك إنك صحيح معافى سليم من العلل، حتى يستفحل المرض ويفوت أوان المداواة فلا يفيد الدواء؟
كان أكثر طلاب الثانوية منا يقرأ الكتاب الأدبي فلا يلحن، أو يزلّ لسانه باللحن الخفيف فينبهه رفيقه فيعود إلى الصواب. كنا نقرأ في مثل «عيون الأخبار» لابن قُتَيبة و «الكامل» للمبرَّد.
هل تصدّقون أني قرأت «الأغاني» كله وأنا لا أزال طالباً؟ أعترف الآن أنني لم أفهم كل ما فيه من الشعر وأني كنت أتخطى
стр. 168
بعضه، أمرّ به ولا أقف عليه، ولكني قرأته. فهل في الطلاب اليوم من قرأ «الأغاني»؟ ولولا الحياء لقلت: كم من أساتذة العربية مَن قرأه كله؟
كنا نستدرك ونحن طلاب على الشعراء الكبار! لما قال خير الدين في قصيدته في الثورة السورية: «غضبت لسوريا الشهيدة أمة» قلنا: أخطأ خير الدين، فلا يقال «سوريا الشهيدة» بل «سوريا الشهيد».
ولقد أمضينا أياماً نفتش فيها -بإرشاد أستاذنا الجندي- عن «مواضيع» جمع موضوع، هل لها وجه من الصحة أم الحق ما قاله في ردّه على اليازجي من أن الصواب أن يُقال «موضوعات»؟
لقد كان أستاذنا الجندي وأستاذنا المبارك يمنعاننا من قراءة الجرائد والمجلات وأكثر القصص، خوفاً علينا من أن تتسرب العُجْمة ويمشي اللحن إلى ألسنتنا.
لقد كلفنا سليم الجندي -لما جاءنا أستاذاً للعربية في مكتب عنبر في الشام سنة ١٩٢٣ - أن نحفظ قصيدة المتنبي التي ودّع بها سيف الدولة: «وا حرَّ قلباهُ ممّن قلبُهُ شَبِمُ»، وبعد أن شرحها لنا عاد فقال لنا: دعوها، فإن المتنبي شاعر مولَّد لا يُحتَجّ بعربيّته، وراح يختار لنا من الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام ما لا أزال إلى الآن -بعد خمس وستين سنة- أحفظ طائفة صالحة منه. وطلاب اليوم إن كُلِّفوا حفظ مئتَي بيت في العام كله عدّوا ذلك من المصائب التي لا تُحتمَل!
стр. 169
كانوا يختارون لنا روائع الشعر الجاهلي والإسلامي، فانظروا اليوم في كتب المختارات التي يضعونها بين أيدي الطلاب ليكون ما فيها قدوة لهم يتّبعون أثره ويمشون على طريقه. انظروا، ماذا ترون؟ رأيت مرة في كتاب مدرسي قصيدة لرجل يدعونه بدر شاكر السيّاب، لولا أنها مكتوبة بحروف عربية لما فهمت منها شيئاً! أفبمثل هذا الشعر تريدون أن تنشّئوا أولادكم على الفصاحة وعلى البيان وعلى فهم إعجاز القرآن؟!
* * *
واللحن؟ ألا نسمع اللحن الآن في كل مكان؟ هل يخلو منبر من خطباء يلحنون في خطب الجمعة في المسجد، وفي المحاضرات الأدبية في النوادي، وفي دروس الأدب في كليات الجامعات؟
كم عدد الذين يقرؤون نصاً قديماً ولا يلحنون فيه؟ إنهم يلحنون حتى في كتاب الله إذا قرؤوا من آياته، وفي أحاديث رسول الله ﷺ إن روَوا منها! وفي ذهني الآن أمثلة كثيرة بما وقع من اللحن الشنيع من المذيعين، بل ممن تعدّونهم من الأدباء الكبار، أستطيع أن أسردها، ولكنني لا أريد أن أسوء أحداً بها.
سمعت من قريب حديث عائشة لما جاءتها المرأة ومعها ولداها، فأعطتها تمرة. لم يكن في بيت رسول الله وسيد البشر ﷺ شيء يؤكَل إلا هذه التمرة، تمرة واحدة! فقسمتها بينهما، فلما دخل رسول الله ﵊ خبّرته بذلك، فقال: وما يعجبك منها؟ «يعجّبك»، بتشديد الجيم، أي: ما الذي يجعلك
стр. 170
تعجبين؟ فقرأها المذيع: وما الذي يُعجِبك؟ كأن ما فعلته لا يستحق العجب منه ولا الإعجاب به!
ولطالما عرض الرائي آية أو حديثاً، نراه أمامنا مكتوباً كتابة صحيحة فيجيء المذيع فيقرؤه قراءة مَلحونة! وكم مرة نبّهناهم فقلنا لهم: قولوا «أذان» الظهر، فلا يقولون ولا يكتبون إلا «آذان» الظهر، كأن للظهر عيوناً وآذاناً!
كان مقرَّراً علينا في أول المدرسة المتوسطة كتاب «قواعد اللغة العربية» لحفني ناصف، الأديب العلامة، ولإخوانه الذين لا يقلّون عنه. كنا نقرؤه في السنة التي تلي الشهادة الابتدائية، وكنا نفهمه، وكنا نحفظه. فكم من الأساتذة الكبار مَن يحفظه الآن؟ إن هذا الكتاب -على صغره- يكفي مَن أحاط به فلا يحتاج معه إلى غيره، وإن كان كالطعام المركَّز الكثير الفوائد ولكنه صعب الهضم، الذي لا تقبله إلا المِعَد القوية والأجسام الصحيحة.
وأنا لا أريد أن تعودوا إليه بالذات، بل أريد أن أريكم الفرق ما بيننا لما كنا طلاباً وبين الطلاب الآن.
إن اللسان من عناصر وجود كل أمة ومن أمارات حياتها، ولسان العرب على التخصيص، لأنه اللغة الرسمية لكل مسلم. إنه لسان كتابه الذي هو عماد دينه والذي لا تصحّ صلاة المسلم إلا بتلاوة شيء منه؛ فالعربية والإسلام مقترنان اقتران الفَرْقَدين، لا يختلفان ولا يتنافران، إنما يكون اختلاف الدعوة في العربية إذا جاءت بما يخالف مبادئ الإسلام أو يقرر للأفراد رابطة تربطهم حتى يصيروا أمة غيرَ رابطة الإسلام.
стр. 171
ونرى -على هذا- من العرب المسلمين من يميل عنها إلى الإنكليزية، يتظرّف بالنطق بها، يزعم أنها أوسع من العربية لأن «القاموس المحيط» ما فيه إلا ستون ألف مادة و «لسان العرب» (وهو أوسع المعاجم) فيه ثمانون ألفاً، ولأن معجم أكسفورد في الإنكليزية -كما سمعنا- ومعجم لاروس الكبير في الفرنسية -كما رأينا وعلمنا- فيه أضعاف ذلك العدد من الكلمات، وينسى هؤلاء أن مَثَل الاثنين كمثل رجلين، أحدهما عنده عشرة أولاد خرجوا كلهم من صلبه وولدتهم زوجته، والآخر عنده خمسون ولكنهم لُقَطاء، فهو كلما رأى لَقيطاً حمله إلى بيته وضمه إلى أسرته وعدّه من ولده، وما هو من لحمه ودمه ولا يجمعه نسب بأبيه ولا بأمه (١).
* * *
стр. 172
الضَعْف في العربية داء وَبيل، والكلام فيه طويل طويل، لا تكفي فيه مقالة ولا مقالات، وما أدري لماذا لا تعقد إحدى جامعات المملكة مؤتمراً للنظر فيه ومعرفة أسبابه، تدعو إليه كبار أساتذة العربية والمشتغلين بها، فيبحث في أسباب هذا الضعف.
ولست ألقي تبعته على الطلاب وحدهم (وإن كانت هذه المقالة موجَّهة إليهم)، بل ربما كانوا آخرَ مَن يُلقى عليه اللوم. بل السبب أولاً في اختيار الأساتذة ومعلّمي العربية، فإن منهم مَن لا يتقنها ولا يكاد يفهم الوسط من نصوصها، فكيف يعطي مَن يكون جيبه فارغاً؟
فالمسألة تحتاج إلى مؤتمر يُبحث فيه في أساتذة العربية، وفي مناهجها التي ينبغي أن تُنقَّى من التعريفات ومن كثير من المنعطفات التي لا ضرورة لها ولا داعي إليها (كبحث «أنْ المُضمَرة» مثلاً)، وأن ننظر فيما يعرض لها في حياتنا العامة فيفسدها ويعمل على إضعافها، كالأغاني ولغة التمثيليات والمسلسلات والشعر العامي.
والبحث طويل، ولا بدّ من رجعات إليه.
* * *
стр. 173
المطالعة
حديث أذيع سنة ١٩٦٦
أريد أن أدلكم اليوم على شيء فيه لذة كبيرة، وفيه منفعة كبيرة، وتكاليفه قليلة. فهل تحبون أن تعرفوا ما هو؟
هو المطالعة. ولقد جرّبت اللذائذ كلها فما وجدت أمتع من الخلوة بكتاب. وإذا كان للناس ميول وكانت لهم رغبات، فإن الميل إلى المطالعة والرغبة فيها هي أفضلها.
وهذا الكلام للسامعين جميعاً؛ للطالب، وللمدرّس، وللطبيب، وللمرأة في بيتها، وللمسافر وللمقيم.
الطالب إذا اقتصر على دروس المدرسة ولم يطالع لا يصير عالماً. وما دروس المدرسة؟ إن مثال ما يقرؤه الطالب في الثانوية مثال من يريد أن يعمل وليمة، فهو يدخل المطعم ليختار طعام الوليمة، فيذوق لقمة من هذا ولقمة من ذاك، فإذا أعجبه لون اشترى منه. والطالب يذوق في الثانوية لقمة من لون التاريخ، ولقمة من الحساب، ولقمة من النحو، ولقمة من الكيمياء ... ليرى ما ترغب فيه نفسه ويميل إليه طبعه فيُقبل عليه، فإذا اكتفى بما درسه في المدرسة لم يحصّل شيئاً، لأن اللقمة لا تُشبع الجائع!
стр. 174
فليتعود الطلاب المطالعة، وليبدؤوا بالكتب الخفيفة السهلة. لي أخ أحببت أن أعوّده على المطالعة وهو صغير، فأتيته بقصة عنترة في ثمان مجلدات. وقصة عنترة مكتوبة بأسلوب فصيح، وفيها فروسية وفيها أدب، وفيها كثير من أخبار العرب، وإن كان مخلوطاً فيها الحقُّ بالباطل والواقعُ بالخيال، وليست كقصص هذه الأيام. فقرأها كلها، المجلدات الثمانية، وحفظ أكثر ما فيها. ثم أتيته بفتوح الشام (المنسوب للواقدي)، وهو كتاب مزيج من التاريخ ومن القصة، فقرأه، ثم تدرّج في المطالعة حتى صار يقرأ الكتب الكِبار (١).
فليبدأ الطلاب ولو بالقصص، على أن يختاروا منها القصص البليغة الأسلوب، العالية الهدف، العميقة المغزى. ولقد تُرجِمت أكثر القصص الأدبية العالمية، كالتي ترجمها المنفلوطي أو تُرجمت له فكتبها بأسلوبه أو ترجمها الزيّات، وغيرها من كتب التراجم التي هي أجمل من القصص. وأنا أوصي الطلاب والطالبات بقراءة كتاب «التلميذة الخالدة» الذي ألّفته بنت مدام كوري وقَصَّت فيه حياةَ أمها مدام كوري مكتشفة الراديوم.
ثم ينتقلون من القصص إلى كتب الأدب، فيقرؤون -مثلاً-
стр. 175
«البخلاء» للجاحظ، و «كليلة ودمنة» لابن المقفّع. ثم يقرؤون كتباً أنفع، ككتاب «صيد الخاطر» لابن الجوزي، وكتاب الحارث المحاسبي «الرعاية لحقوق الله»، ثم يقرؤون كتب العلم.
وخير ما يقرؤون القرآن، بشرط أن يفهموا ما يقرؤون، وقراءةُ سورة قصيرة مع الفهم والتدبّر خير من ختمة بلا فهم ولا تدبّر. القرآن أساس البلاغة في القول، فضلاً عن كونه أساس الهداية للقلب، وكونه دستور الحياتين وسبب السعادتين. والذين تسمعون عنهم من بلغاء النصارى في هذا القرن ما بلغوا هذه المنزلة إلا بدراسة القرآن، كالشيخ ناصيف اليازجي وابنه إبراهيم اليازجي، وفارس الخوري، هذا وهم نصارى، ونحن أَوْلى بهذا الكتاب.
فليتعود الطلاب المطالعة بأن يقرؤوا كل يوم خمس صفحات، لا يتركونها أبداً. أنا من نصف قرن أقرأ ما لا يقل معدّله اليومي عن عشرين صفحة، بل لا يكاد يقل عن خمسين، فاحسبوا كم يبلغ مجموع عشرين صفحة في اليوم في خمسين سنة؟ أكثر من ثلث مليون.
لا تعجبوا، فكثير من الناس قرؤوا أكثر من ذلك، العقاد مثلاً أعرف أنه قرأ أكثر منها. أما العلماء المتقدّمون فمنهم من بلغت مؤلفاته، لا مطالعاته، خمسين ألف صفحة.
ومن كان من الطلاب يملك مالاً -من راتب من الدولة أو نفقة له من أبيه- فليخصص منه كل شهر خمسة ريالات أو عشرة لشراء الكتب، على أن يحسن اختيار ما يشتري، يجد أنه لم يكمل
стр. 176
دراسته حتى صارت عنده مكتبة صغيرة. ومن لم يجد مالاً فإن المكتبات العامة موجودة والمطالعة فيها مجّانية، فليذهب إليها.
المهم حُسْن اختيار الكتب؛ فالكتب مثل الأطعمة، فيها النافع وفيها الضار، ومنها المغذّي المفيد، وما هو كثير الدسم عظيم النفع ولكن لا تشتهيه النفس، وما هو مُشَهٍّ لذيذ ولكن لا ينفع، ومنها السم القاتل، ومنها ما هو سم ولكنه ملفوف بغشاء من السكّر، فمن انخدع بحلاوة الغشاء قتله السم! ومَن أكل كل ما يجده -يخلط به الحلو والحامض والحار والبارد- أصابته التخمة وسوء الهضم، ومن قرأ كل شيء صار معه سوء هضم عقلي!
ومن الكتب ما يُدخِل الجنةَ ومنها ما يُدخل النارَ، فلينتبه الطالب، وليسأل من يثق به من المدرّسين والعلماء، وإلاّ كان ترك المطالعة خيراً منها.
لما كنا صغاراً لم يكن في أيامنا هذا الرائي (التلفزيون) ولا الرادّ (الراديو)، ولا كانت هذه الأشياء قد اختُرعت، ولم تكن السينما الناطقة قد وُجدت، فما كان عندنا من التسليات إلا المطالعة. ولم يكن شيء من أمثال هذه المجلات المصوَّرة، فكنّا إذا أردنا أن نقرأ الأشياء الخفيفة لإضاعة الوقت لا نجد إلا قصص الفروسية، كقصة عنترة وحمزة البهلوان والملكة ذات الهمة وسيرة بني هلال، وأمثال ذلك.
ثم أخذنا نقرأ كتب الأدب. ولقد قرأت «الأغاني» كله (وهو في بضعة وعشرين مجلداً) في عطلتين صيفيتين متواليتين وأنا في أول الدراسة الإعدادية. لم أفهم كل ما فيه، ولا نصفه، ولكن
стр. 177
قرأته، وعلق في ذهني من أخباره شيء كثير لا أزال أذكره إلى اليوم رغم قِدَم العهد وضعف الذاكرة.
* * *
المطالعة ضرورية للطالب وضرورية للمدرّس؛ فالمدرس الذي يقتصر على ما تعلّمه في المدرسة، ولا يطالع ليوسع أفقه ويزيد علمه، يتخلّف عن القافلة ويصبح بين الطلاب كأنه طالب حافظ لدرسه! وهي ضرورية للطبيب، ليطّلع على ما كُشِف من أمراض وما استُحدث من طرق العلاج وما جَدّ من أدوية. وضرورية لعالم الدين، ليرى ما حدث في الدنيا فيعرف كيف يبيّن حكم الله فيه. وضرورية لعلماء الدنيا ليعرفوا أحكام دينهم وأسراره ومزاياه. ولو أردنا أن نعرف مقدار رقيّ بلد فلننظر إلى عدد الكتب التي تُباع فيه.
جاءني مرة طالب يشكو مُرَّ الشكوى من كثرة ما كُلِّف بحفظه من الشعر العربي. قلت: وما الذي كُلِّفتَ به؟ قال: كُلِّفتُ بحفظ مئتَي بيت في السنة.
ولما قال «مئتي بيت» ضخّم صوته ورفع حاجبيه وفتح عينيه، وضغط على الحروف كأنه يأتي بإحدى المدهشات.
فقلت له: إن حمّاد الراوية كان يحفظ أكثر.
قال: ومَن حمّاد الراوية؟
قلت: وجهلك به أعجب. حمّاد كان في العراق، فأبلغه والي الكوفة أن الخليفة هشام بن عبد الملك يدعوه لأمر مهم، وأعطاه
стр. 178
خمسة آلاف درهم لينفق منها على عياله في غيبته ثم سَفَّره على نفقة الخليفة إلى دمشق. أما الأمر المهم الذي استدعاه الخليفة من أجله فهو أن الخليفة كان يتوضأ والخادم يصب على يديه من الإبريق، فتذكر أن كلمة «إبريق» قد وردت في بيت شعر ولم يقدر أن يذكر البيت، فدعاه ليسأله عنه. فخبّره أن البيت هو:
ودَعَوْا بالصَّبوح يوماً فجاءت ... قَيْنَةٌ في يمينها إبريقُ
ثم سأله (وهنا الشاهد): كم تحفظ يا حمّاد من الشعر؟ قال: لا أدري يا أمير المؤمنين، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مئة قصيدة لمئة شاعر معروف. قال: هات. فأنشده حتى ملّ الخليفة، فوكّل به مَن يسمع منه، فأنشده من حفظه ألفين ومئتي قصيدة. فإذا كان في كل منها عشرون بيتاً على الأقل فهذه أربعة وأربعون ألف بيت ... وأنت تستكثر حفظ مئتي بيت!
* * *
إن الحفظ هو الميزة الأولى للذهن العربي، أو الإسلامي إن شئت؛ لأن العلوم كلها قد نُقِلت حفظاً ورُويت رواية، ولم يبدأ التدوين والتأليف إلا في أواخر القرن الثاني.
وحفظ المحدّثين أعجوبة، ومنهم -كالدّارَقطني- من كان يحفظ مئة ألف حديث بسندها. هل تعرف ما هو السند؟ هو طريق رواية الحديث، أي قولهم: حدّثنا فلان عن فلان ... هذا هو السند. ومنهم من يحفظ من أسماء الرواة العشرة الآلاف وأكثر من ذلك، ومنهم من كان يسمع عشرات الأحاديث فيحفظها من مَرّة.
стр. 179
لما جاء الشافعي إلى مالك وقعد في حلقته كان مالك يُملي والطلاب يكتبون، ولم يكن مع الشافعي قلم ولا ورق، فجعل يبلّ إصبعه بريقه ويكتب على ذراعه. الكتابة لم تكن لتظهر بالطبع، ولكنه يصنع ذلك ليثبّت الأحاديث في ذاكرته. ورآه مالك فحسبه يهزأ به، فقال له: إنما أكتب ما أسمع لأحفظه، وإن شئت أعدته عليك. قال: أعده. فأعاد الدرس كله.
وقصة البخاري في بغداد أعجب. لمّا جاء البخاري بغداد وقعد للدرس، وكان شاباً، أراد بعض المحدّثين أن يختبروا حفظه، فجاؤوا بمئة حديث فخلطوا مُتونها بأسانيدها، أي أنهم جعلوا سند هذا المتن لذاك وسند ذاك لهذا، ثم جاؤوا بعشرة أشخاص فحفّظوا كل واحد عشرة من الأحاديث المخلوطة. فلما قعد البخاري للدرس قام أولهم فسأله: ما تقول في حديث كذا؟ وسرد عليه أحد الأحاديث المخلوطة، فقال: لا أعرفه. فسأله عن الثاني، والثالث، إلى العاشر، وهو يقول: لا أعرفه.
فلما فرغ قعد وقام الرجل الثاني فصنع مثله، والثالث والرابع ... حتى عُرضت عليه الأحاديث المئة، وهو يقول: لا أعرفها. وتعجب الناس، وظن العامة أنه رجل جاهل لأنه يُسأَل عن مئة حديث فلا يعرف منها شيئاً. فلما فرغوا قال البخاري للرجل الأول: قم. فقام، فقال له: الحديث الأول الذي سألتني عنه رويتَه كذا، وجوابه كذا، والحديث الثاني رويته كذا وجوابه كذا ... حتى أعاد الأحاديث المئة بخطئها وصوابها.
وليس العجيب حفظُه الصوابَ، بل العجيب حفظه الغلط.
стр. 180
وأغرب من هذه القصة قصة أبي العلاء المعري، ومَن رواها مؤرخ ثقة هو ابن العَدِيم (١). قال: كان المعرّي في مسجده، وكان إلى جنب المسجد روميّان يتكلمان بلسان الروم (وهو لا يعرفه)، ثم اختلفا على شيء ورفعا الأمر إلى القاضي، فطالب أحدَهما بالبيّنة. فقال له: ما كان معنا أحد، ولكن كان في المسجد شيخ يسمع كلامنا فادعُ به، فدعا القاضي بالمعرّي وسأله. فقال المعري: أنا لا أعرف ما قالا، ولكن أُعيد عليك ألفاظهما.
وأعادها بالرومية! وهذه القصة -إن صَحّت- كانت من أعجب العجب.
وقصة المتنبي لما وقف يشتري كتاباً صغيراً فجعل ينظر فيه، فقال له البائع: إن كنت تريد أن تشتريه فهات الثمن، وإن كنت تريد حفظه فإنك لا تستطيع أن تحفظه في وقفة. قال: ماذا يكون منك إن كنت قد حفظته؟ قال البائع: إن حفظتَه فهو لك. قال: خذ فانظر. وقرأه عليه، وإذا به قد حفظه!
والغزالي ... يقول الغزالي: من أساتذتي الذين استفدت منهم قاطع طريق، خرج علينا مرة فأخذ كل ما في القافلة، وأخذ «تعليقتي» (وهي دفتر المذكرات التي كان يكتب فيها ما يسمعه من