← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17360

فصول في الثقافة والأدب

علي الطنطاوي

Полный текст (307 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دراسته حتى صارت عنده مكتبة صغيرة. ومن لم يجد مالاً فإن المكتبات العامة موجودة والمطالعة فيها مجّانية، فليذهب إليها. المهم حُسْن اختيار الكتب؛ فالكتب مثل الأطعمة، فيها النافع وفيها الضار، ومنها المغذّي المفيد، وما هو كثير الدسم عظيم النفع ولكن لا تشتهيه النفس، وما هو مُشَهٍّ لذيذ ولكن لا ينفع، ومنها السم القاتل، ومنها ما هو سم ولكنه ملفوف بغشاء من السكّر، فمن انخدع بحلاوة الغشاء قتله السم! ومَن أكل كل ما يجده -يخلط به الحلو والحامض والحار والبارد- أصابته التخمة وسوء الهضم، ومن قرأ كل شيء صار معه سوء هضم عقلي! ومن الكتب ما يُدخِل الجنةَ ومنها ما يُدخل النارَ، فلينتبه الطالب، وليسأل من يثق به من المدرّسين والعلماء، وإلاّ كان ترك المطالعة خيراً منها. لما كنا صغاراً لم يكن في أيامنا هذا الرائي (التلفزيون) ولا الرادّ (الراديو)، ولا كانت هذه الأشياء قد اختُرعت، ولم تكن السينما الناطقة قد وُجدت، فما كان عندنا من التسليات إلا المطالعة. ولم يكن شيء من أمثال هذه المجلات المصوَّرة، فكنّا إذا أردنا أن نقرأ الأشياء الخفيفة لإضاعة الوقت لا نجد إلا قصص الفروسية، كقصة عنترة وحمزة البهلوان والملكة ذات الهمة وسيرة بني هلال، وأمثال ذلك. ثم أخذنا نقرأ كتب الأدب. ولقد قرأت «الأغاني» كله (وهو في بضعة وعشرين مجلداً) في عطلتين صيفيتين متواليتين وأنا في أول الدراسة الإعدادية. لم أفهم كل ما فيه، ولا نصفه، ولكن

стр. 177

قرأته، وعلق في ذهني من أخباره شيء كثير لا أزال أذكره إلى اليوم رغم قِدَم العهد وضعف الذاكرة. * * * المطالعة ضرورية للطالب وضرورية للمدرّس؛ فالمدرس الذي يقتصر على ما تعلّمه في المدرسة، ولا يطالع ليوسع أفقه ويزيد علمه، يتخلّف عن القافلة ويصبح بين الطلاب كأنه طالب حافظ لدرسه! وهي ضرورية للطبيب، ليطّلع على ما كُشِف من أمراض وما استُحدث من طرق العلاج وما جَدّ من أدوية. وضرورية لعالم الدين، ليرى ما حدث في الدنيا فيعرف كيف يبيّن حكم الله فيه. وضرورية لعلماء الدنيا ليعرفوا أحكام دينهم وأسراره ومزاياه. ولو أردنا أن نعرف مقدار رقيّ بلد فلننظر إلى عدد الكتب التي تُباع فيه. جاءني مرة طالب يشكو مُرَّ الشكوى من كثرة ما كُلِّف بحفظه من الشعر العربي. قلت: وما الذي كُلِّفتَ به؟ قال: كُلِّفتُ بحفظ مئتَي بيت في السنة. ولما قال «مئتي بيت» ضخّم صوته ورفع حاجبيه وفتح عينيه، وضغط على الحروف كأنه يأتي بإحدى المدهشات. فقلت له: إن حمّاد الراوية كان يحفظ أكثر. قال: ومَن حمّاد الراوية؟ قلت: وجهلك به أعجب. حمّاد كان في العراق، فأبلغه والي الكوفة أن الخليفة هشام بن عبد الملك يدعوه لأمر مهم، وأعطاه

стр. 178

خمسة آلاف درهم لينفق منها على عياله في غيبته ثم سَفَّره على نفقة الخليفة إلى دمشق. أما الأمر المهم الذي استدعاه الخليفة من أجله فهو أن الخليفة كان يتوضأ والخادم يصب على يديه من الإبريق، فتذكر أن كلمة «إبريق» قد وردت في بيت شعر ولم يقدر أن يذكر البيت، فدعاه ليسأله عنه. فخبّره أن البيت هو: ودَعَوْا بالصَّبوح يوماً فجاءت ... قَيْنَةٌ في يمينها إبريقُ ثم سأله (وهنا الشاهد): كم تحفظ يا حمّاد من الشعر؟ قال: لا أدري يا أمير المؤمنين، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مئة قصيدة لمئة شاعر معروف. قال: هات. فأنشده حتى ملّ الخليفة، فوكّل به مَن يسمع منه، فأنشده من حفظه ألفين ومئتي قصيدة. فإذا كان في كل منها عشرون بيتاً على الأقل فهذه أربعة وأربعون ألف بيت ... وأنت تستكثر حفظ مئتي بيت! * * * إن الحفظ هو الميزة الأولى للذهن العربي، أو الإسلامي إن شئت؛ لأن العلوم كلها قد نُقِلت حفظاً ورُويت رواية، ولم يبدأ التدوين والتأليف إلا في أواخر القرن الثاني. وحفظ المحدّثين أعجوبة، ومنهم -كالدّارَقطني- من كان يحفظ مئة ألف حديث بسندها. هل تعرف ما هو السند؟ هو طريق رواية الحديث، أي قولهم: حدّثنا فلان عن فلان ... هذا هو السند. ومنهم من يحفظ من أسماء الرواة العشرة الآلاف وأكثر من ذلك، ومنهم من كان يسمع عشرات الأحاديث فيحفظها من مَرّة.

стр. 179

لما جاء الشافعي إلى مالك وقعد في حلقته كان مالك يُملي والطلاب يكتبون، ولم يكن مع الشافعي قلم ولا ورق، فجعل يبلّ إصبعه بريقه ويكتب على ذراعه. الكتابة لم تكن لتظهر بالطبع، ولكنه يصنع ذلك ليثبّت الأحاديث في ذاكرته. ورآه مالك فحسبه يهزأ به، فقال له: إنما أكتب ما أسمع لأحفظه، وإن شئت أعدته عليك. قال: أعده. فأعاد الدرس كله. وقصة البخاري في بغداد أعجب. لمّا جاء البخاري بغداد وقعد للدرس، وكان شاباً، أراد بعض المحدّثين أن يختبروا حفظه، فجاؤوا بمئة حديث فخلطوا مُتونها بأسانيدها، أي أنهم جعلوا سند هذا المتن لذاك وسند ذاك لهذا، ثم جاؤوا بعشرة أشخاص فحفّظوا كل واحد عشرة من الأحاديث المخلوطة. فلما قعد البخاري للدرس قام أولهم فسأله: ما تقول في حديث كذا؟ وسرد عليه أحد الأحاديث المخلوطة، فقال: لا أعرفه. فسأله عن الثاني، والثالث، إلى العاشر، وهو يقول: لا أعرفه. فلما فرغ قعد وقام الرجل الثاني فصنع مثله، والثالث والرابع ... حتى عُرضت عليه الأحاديث المئة، وهو يقول: لا أعرفها. وتعجب الناس، وظن العامة أنه رجل جاهل لأنه يُسأَل عن مئة حديث فلا يعرف منها شيئاً. فلما فرغوا قال البخاري للرجل الأول: قم. فقام، فقال له: الحديث الأول الذي سألتني عنه رويتَه كذا، وجوابه كذا، والحديث الثاني رويته كذا وجوابه كذا ... حتى أعاد الأحاديث المئة بخطئها وصوابها. وليس العجيب حفظُه الصوابَ، بل العجيب حفظه الغلط.

стр. 180

وأغرب من هذه القصة قصة أبي العلاء المعري، ومَن رواها مؤرخ ثقة هو ابن العَدِيم (١). قال: كان المعرّي في مسجده، وكان إلى جنب المسجد روميّان يتكلمان بلسان الروم (وهو لا يعرفه)، ثم اختلفا على شيء ورفعا الأمر إلى القاضي، فطالب أحدَهما بالبيّنة. فقال له: ما كان معنا أحد، ولكن كان في المسجد شيخ يسمع كلامنا فادعُ به، فدعا القاضي بالمعرّي وسأله. فقال المعري: أنا لا أعرف ما قالا، ولكن أُعيد عليك ألفاظهما. وأعادها بالرومية! وهذه القصة -إن صَحّت- كانت من أعجب العجب. وقصة المتنبي لما وقف يشتري كتاباً صغيراً فجعل ينظر فيه، فقال له البائع: إن كنت تريد أن تشتريه فهات الثمن، وإن كنت تريد حفظه فإنك لا تستطيع أن تحفظه في وقفة. قال: ماذا يكون منك إن كنت قد حفظته؟ قال البائع: إن حفظتَه فهو لك. قال: خذ فانظر. وقرأه عليه، وإذا به قد حفظه! والغزالي ... يقول الغزالي: من أساتذتي الذين استفدت منهم قاطع طريق، خرج علينا مرة فأخذ كل ما في القافلة، وأخذ «تعليقتي» (وهي دفتر المذكرات التي كان يكتب فيها ما يسمعه من

стр. 181

العلماء). قال: فجعلت أتوسّل إليه وأقول: أنا لا آسَفُ على مال ولا متاع، ولكن تعليقتي. قال له: وما تعليقتك؟ قال الغزالي: دفتر فيه علمي كله. فضحك قاطع الطريق وقال: ما هذا العلم الذي يذهب منك إن ذهب دفتر؟ قال الغزالي: فانتبهت لهذا الدرس، وجعلت أحفظ كل شيء أسمعه لئلا يذهب إن ذهب الكتاب. ومن هنا قالوا: ليس بعِلْمٍ ما حوَى القِمَّطْرُ ... ما العلمُ إلاّ ما حواه الصّدْرُ * * * يا سادة، عندي أخبار أخرى؛ ما انتهى الموضوع ولكن انتهى الوقت، ولعلي أعود إليه في حلقة أخرى إن شاء الله. * * *

стр. 182

كلمة في اختيار نصوص الدراسة الأدبية حديث أذيع نحو سنة ١٩٦١ كنت قاعداً أفكر في موضوع أتحدث به إليكم (وأصعب شيء على المحدّث اختيار الموضوع، لا سيما إذا كان مثلي يحدث الناس من قديم، من أكثر من ربع قرن)، وإذا بي أسمع من رادّ الجيران أغنية: «أراك عَصِيّ الدّمع شيمتُك الصبرُ». وأنا قديم الإعجاب بهذه القطعة، فهي من أروع ما قال أبو فراس. فانصرفت أتتبع الرادّ بسمعي، وإذا بي أنتبه إلى شيء عجيب في هذه القطعة لم أنتبه له من قبل. بيتٌ فيها يوحي إلى سامعه بما يأباه الدين وينكره الخلق الرفيع، لأن الدين والخلق يدفعان إلى الإيثار وحب الناس، وهذا البيت يدفع إلى الأثَرَة (أو الأنانية كما يُقال اليوم) وحبّ الذات، بل إن فيه أبشع صور الأنانية وأبعدها عن الخلق القويم؛ هو قوله: «إذا مِتُّ ظَمْآناً فلا نَزَل القَطْرُ». انظروا كم بين قوله هذا وبين قول المعري: فلا نَزَلت عَليّ ولا بأرضي ... سَحائِبُ ليس تَنتظمُ البلادا

стр. 183

أبو فراس ينحطّ إلى أدنى دركات الأثرة والأنانية، لا يرتفع فيهتمّ بأهلٍ أو ولد، ولا يرتفع درجة أخرى فيهتم ببلد أو وطن، إنه لا يبالي إلا بنفسه، فإذا مات عطشان فلينقطع المطر وليحترق الزرع ولتُقفر الأرض وليعمّ القحط، وليهلك القريب والبعيد والعدو والصديق، ولا يبقَ أحد. والمعرّي يرتفع إلى أعلى درجات الإيثار، فلا يرضى أن ينزل المطر عليه ولا على أرضه وحدها، لا يرتضي إلا غيثاً عامّاً يشمل خيرُه البلادَ والعباد. كم بين هذا وبين قوله في ذلك البيت: «إذا مِتّ ظمآناً فلا نزل القطر»! ومثله البيت الآخر: ونحن أناسٌ لا تَوَسُّطَ بَيْنَنَا ... لنا الصّدرُ دون العالَمين أو القبرُ الصدر أو القبر؟ أما من توسط بينهما؟ هذا -والله- أسوأ منهج في الحياة. أي أنك إذا ركبت في سفينة ومعك أهلك وولدك وأوشكت على الغرق فقال لك الربان: ألقِ في البحر نصف أمتعتك تخلص من الغرق، قلت: لا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر؛ فإما أن أنجو بمتاعي كله أو أن أموت أنا وأهلي! وأن الطالب في الامتحان إذا ألقي عليه سؤال رأى أنه إن أجاب عليه نال درجة النجاح ولكن لم يَنَلْ درجة التفوق قال: لا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر، فإما مئة على مئة وإما الصفر! والتاجر إذا أمّل أن يربح في البضاعة ألفاً فنقص ربحه مئتين ركب رأسه وقال: لا، لنا الصدر، وآثر أن يخسر ثمن البضاعة كله عن أن ينقص ربحه مئتين!

стр. 184

إن من المؤسف أن هذا البيت قد جرى على ألسنة الناس واتخذه كثير منهم منهاجاً لحياتهم، فأضاع على مَن أخذ به خيراً كثيراً. * * * وأنا أتمنى أن ينتبه إخواننا مدرّسو الأدب العربي، فلا يقتصروا على بلاغة اللفظ حين يختارون النصوص والشواهد للطلاب. إن بلاغة اللفظ هي المعيار الأول للكلام في رأي أستاذ الأدب، ولكنها لا تكفي وحدها؛ بل يجب أن ينظر إلى ما تثيره في نفس الطالب من ميول، وما توحي به من توجيه في الحياة، وما يكون لها من أثر في الخلق وفي السلوك. وإن خطبة زياد -مثلاً- من أبلغ الخطب، وخطبة الحجاج مثلها، وهما نافعتان في تقويم المَلَكة الأدبية، ولكن ما توحيان به من توجيه سيءٌ جداً، ففيهما إعلان خطة الظلم التي ينكرها الإسلام في أخذ البريء بالمجرم في خطبة زياد (١)، وطريقة الاستبداد التي يأباها الدين في حزم الناس حزم السَّلَمة وضربهم

стр. 185

ضرب غرائب الإبل في خطبة الحجّاج (١). وفي دراسة نقائض جرير والفرزدق أدبٌ كثير، وفيها -كما قال يونس- ربع اللغة، وهي أنفع شيء في إقامة اللسان وتقوية السليقة، ولكنها توحي بتحسين الأعراف الجاهلية في الحياة، تلك الأعراف التي كان إبطالها من جملة أغراض الإسلام. وفي شعر بشار وأبي نُواس وأمثالهما أدبٌ كثير، ولكنّ فيه هدمَ الأخلاق ونشرَ الفساد. وفي شعر أبي العتاهية أدبٌ كثير، ولكنّ فيه قتلَ الطموح والاستسلامَ إلى اليأس. وكذلك المتنبي في تزوير التاريخ وتشويه الحقيقة، حين يرفع سيف الدولة وهو طاغية ظالم (وإن كان قائداً مظفَّراً) ويخفض كافوراً وهو من أصلح الملوك ... والشواهد كثيرة، وأنا ما أردت الاستقصاء لكن التمثيل، لأبيّن أن أستاذ الأدب يستطيع أن يكون موجِّهاً ومُصلحاً إذا لم يكتَفِ -عند اختيار النصوص للدراسة والاستظهار- ببلاغة لفظها وصفاء ديباجتها، بل ينظر إلى ما توحي به من خُلُق وما تشتمل عليه من توجيه. * * *

стр. 186

في أصول الأدب نشرت سنة ١٩٥٥ [إلى السيد ع ح وإخوانه من الطلاب: أخذت الكتاب الذي فيه أسئلتكم، وهذا الفصل هو الجواب.] العلم والفن الحق والخير والجمال هي غايات العقول، ومقاصد المعارف، ومُثُل الناس العليا؛ فما يوصل إلى الحق من معارف البشر فهو «العلم»، وما يريدون به الجمال فهو «الفن»، وما يصلون به إلى الخير فهو «الأخلاق». والعلم والفن يختلفان غايةً وطريقاً ووسيلةً، فالعلم غايته الحقيقة، وطريقه المحاكمة، ووسيلته الفكر. والفن غايته الجمال، وطريقه الشعور، ووسيلته الذوق (١). الأدب فن من الفنون والفنون -في اختلاف مظاهرها واتحاد جوهرها- كالكلمات

стр. 187

المترادفة في التعبير عن المعنى الواحد، فالشاعر والمصوِّر (١) إذا أبصرا غروب الشمس في البحر أثار في نفسَيهما كليهما شعوراً واحداً، ولكن هذا يعبّر عنه بالألفاظ والأوزان، وذاك يعبّر عنه بالخطوط والألوان. فالصورة البارعة قصيدة من الشعر، والقصيدة العبقرية صورة من الصور. والتصوير أخو الموسيقى، وكلها مظاهر متعددة للجوهر الواحد. وليس يضر الصورة أن لا يكون للشجرة المصوَّرة فيها -مثلاً- وجود حقيقي، ولا الجملة الأدبية أن لا تكون حقيقية بجملتها وتفصيلها. ولو غربلت الأدب بغِربال الحقيقة المجرَّدة لأسقطت أغلى جواهره، من مثل قوله تعالى ﴿واسْأَلِ القَرْيَة﴾ وقوله ﴿واخْفِضْ لَهُما جَنَاحَ الذُّل﴾، لأن القرية لا تُسأل ولا تجيب والذل ليس له جناح (٢)، ولأضعت ثلاثة الأرباع من أدب كل أمة في الدنيا. الأدب والنقد وتاريخ الأدب هذا هو الأدب بمعناه العام، أما الأدب على وجه التحديد والتعريف فهو «مجموع ما في لسان من الألسنة من كلام جميل» من شعر أو نثر، ومن مذكرات أو رسائل، أو عرض (ريبورتاج) أو مقالات أو قصة أو رواية. فالأدب إنشاء وإبداع، أما النقد فهو وزن وتقويم: يشعر

стр. 188

الأديب، فيعبّر عن شعوره بقطعة من الشعر أو النثر ينشئها ويبدعها، فيجيء الناقد فيضعها في كفّة ميزانه، ويضع في الكفة الأخرى الصورةَ الكاملة التي يريدها لها، ثم يبيّن ما في القطعة من الخفة أو الرُّجْحان، ومن الكمال أو النقصان. أما تاريخ الأدب فهو ترتيب وتصنيف. الأديب يشعر فيعبّر، والناقد يزن فيقدّر، فيأتي مؤرخ الأدب فينظر في آثار الأدباء وفي أحكام النقاد، ويلحظ التسلسل الفكري والتعاقب الزمني، وينظم ذلك كله في دراسة عامة وسرد شامل. أشكال الأدب (الشعر والنثر) إن أكثر المتأدّبين لا يفرقون بين الشعر والنثر إلا بالوزن، مع أن في الموزون ما ليس بشعر، كقول ابن مالك: ولا يَصحّ الابتدا بالنَّكِره ... ما لم تُفِد؛ كعِنْدَ زَيد نَمِرَه وقول معارض الدّريدية: مَن لم يُرِد أن تنتقب نِعالُهُ ... يحملها في يده إذا مَشَى ومن أراد أن يصونَ رِجْلَهُ ... فلبسُها خيرٌ له من الحَفى وقول الآخر (وهو -إن أردت الصدق- من أصدق القول): الليل ليلٌ، والنهارُ نهارُ ... والأرضُ فيها الماء والأشجار وفي غير الموزون ما هو الشعر محض الشعر، كالذي ترجمه الزيات نثراً من شعر لامارتين، وما نثر به زكي مبارك الكثير من شعر الشريف، وفي كثير مما كتب الرافعي.

стр. 189

وتعريف الشعر بأنه «الكلام الموزون المُقفَّى قصداً» هو تعريف العَروضيّين لا الأدباء، أما التعريف الأدبي للشعر فهو أنه «التعبير الجميل عن الشعور النبيل»؛ فما وصف شعوراً أرقّ وأنبل من شعور العامي العادي، وأثار في نفسك مثله، وعبّر عنه باللفظ الجميل فهو الشعر. والذي أراه أنا أنه لا بد من تقسيمين للكلام: تقسيم له من جهة اللفظ إلى منثور ومنظوم، وتقسيم له من جهة المعنى إلى نثر وشعر. وبذلك يكون الكلام على أربعة أنواع: شعر، وشعر منثور، ونثر، ونثر منظوم. والأدب له مظاهر وأشكال أهمها: «المذكرات»: التي يكتبها المرء لنفسه، يدوّن فيها خواطرَه وأفكاره ويصف فيها ما رأى من مشاهد وصور، لا يحتشد لها ولا يحتفل، ولا يبتغي لها إلا أسهل الأساليب وأبعدها عن الصناعة والتكلف. وربما كُتبت القصة الفنية بأسلوب المذكرات، فاستُعملت فيها طرق التحسين والتجميل وخرجت عن حد البداهة والسهولة، كآلام فيرتر (١). ثم «الرسالة»: والأصل في الرسالة أن تخاطب فيها الصديق

стр. 190

الواحد، لا تتكلف له تكلفك لجماعة القراء. وربما استُعمل أسلوب الرسائل في كتابة القصص، كقصة ماجدولين (١). ثم «العرض» (الريبورتاج). ثم «المقالة»، المقالة الوصفية، والمقالة العاطفية، والمقالة القصصية، والمقالة التحليلية. وقد نجمت فئة تدعو إلى نبذ أدب المقالات، مع أن أدب المقالات من أوسع أبواب الأدب، عندنا وعند اللاتين والسكسون وكل أمة من أمم الشرق والغرب. ثم «القصة»: وهي تُقسَّم من جهة طولها وقِصَرها إلى أقصوصة، وقصة، ورواية. ومن جهة شكلها إلى مسرحية وقصة، ومن جهة موضوعها إلى ملهاة ومأساة وملحمة (دراما)، ومن جهة أسلوبها إلى واقعية (يمكن أن تقع حوادثها لا أنها وقعت فعلاً) وخيالية وتحليلية وتصويرية، ومن جهة مصدرها إلى تاريخية واجتماعية وعاطفية، إلخ. وتشتمل كل قصة على عناصر أساسية، هي الظروف (الزمان والمكان)، والأبطال، والعقدة. وقد كان من شروطها أن تُحَلّ العقدة، ولكن من المذاهب الجديدة في الأدب ما يترك العقدة بلا حل ليجهد القارئ ذهنه في حلها. والكلام في القصة يحتاج إلى مقالات طوال، وما هذا إلا استطراد.

стр. 191

علوم الأدب والقطعة الأدبية كالعمارة المشيدة؛ لا بد لبنائها من اختيار الحجارة وتمييز أنواعها، ثم معرفة بنيتها لئلا تكون نخرة أو فارغة، ثم نحتها بحيث يركب بعضها على بعض، ثم وضع المخطط بحيث يجيء البناء وفق الطلب ومقتضى الحال، داراً أو فندقاً أو حمّاماً، ثم تجصيصها ودهنها، ثم وضع زخارفها وتحسيناتها. وحجارة البناء الأدبي الكلمات، تُعرَف أجناسها بعلم اللغة، وتركيبها وبناؤها بالصرف، ونحت أواخرها حتى يتصل بعضها ببعض بالنحو، ووضع القطعة بحسب ما تقتضيه الحال بالمعاني، والافتنان في التعبير بالبيان، والتجميل والتحسين بالبَديع والعروض. أنواع النقد والنقد نقدان: نقد القطعة من حيث لغتها وإعرابها وتأليفها ووزنها، وهذا «نقد علمي» لا يختلف فيه ناقد عن ناقد، لأن اعتماده على قواعد ثابتة وقوانين مقرَّرة، فإن اختلف فيه ناقدان رجعا إلى المعاجم الموثوق بها (١) وإلى كتب النحو والصرف والبلاغة والعروض. ونقدها من حيث جمال أسلوبها وأثرها في نفس قارئها، وهو «نقد فنّي» اعتمادُه على الذوق، فهو لذلك قد يختلف باختلاف النقّاد.

стр. 192

منهج تاريخ الأدب والتصنيف الذي قلنا إنه عمل مؤرّخ الأدب إما أن يكون تصنيفاً زمنياً (يتبع العصور)، أو تصنيفاً فنياً (يتبع المذاهب). وتقسيم العصور الأدبية تبعاً للعهود السياسية (وهو المتّبَع في تدريس الأدب في المدارس) تقسيم لا يقوم على أساس. أولاً: لأنه ليس بين السياسة والأدب تشابه ولا ارتباط، ولا تصحّ النسبة بينهما طرداً ولا عكساً، فربما ازدهر الأدب بازدهار السياسة، كصدر العهد العباسي، وربما تأخر بتقدمها، كعهد الفتح الإسلامي، وربما ارتقى بانحطاطها، كعهد الدول المنقطعة في الأندلس (١). ثانياً: لهذا الخطأ في إطلاق صفات عامة على أدب كل عصر، كما يفعل مؤلفو الكتب المدرسية، مع أن في كل عصر مجدّدين ومقلدين. ومن شعراء الجاهلية مَن وصف مظاهر الحضارة وكان شعره من أرق الشعر لفظاً وأسلوباً كعَدِيّ بن زيد، ومن شعراء عصرنا من نظم الشعر البدوي محاكاة وتقليداً كمحمود سامي البارودي. ولو صحت مقاييس هؤلاء المؤلفين لكان البارودي الشاعرَ الجاهلي وعدي الشاعرَ العصري (٢).

стр. 193

ثالثاً: لأن التطور الأدبي يخالف في طبيعته التطور السياسي، فقد زالت الدولة الأموية وجاءت الدولة العباسية خلال أيام أو أشهر، ولكن الأدب الأموي لم يذهب خلال هذه الأشهر، والشاعر الذي كان يَنْظم أيام بني أمية على أسلوب لم يبدّله لمّا تبدلت الحكومة. وكما أن الطفل لا يصير شاباً في يوم معين من شهر معين، بل يتم ذلك في المدة الطويلة ويكون كحركة الظل، تراه واقفاً وهو يمشي، فكذلك الأدب، لا يتحول إلا في الزمن المديد وبالسير البطيء. المذاهب الأدبية وخير من ذلك أن ندرس الأدب تبعاً للمذاهب الأدبية. وللإفرنج مذاهب معروفة: المذهب الاتّباعي (الكلاسيك)، والعاطفي (الرومانتيك)، والواقعي، والخيالي، والطبيعي، والرمزي. ولكل ذلك أنواع وفروع؛ فواقعية إميل زولا غير واقعية قُصّاص الروس، وتاريخية ديكنز غير تاريخية دوماس الكبير. فلِمَ لا نكشف في الأدب العربي عن الصفات المتشابهة في طائفة من الشعراء فنجعلها مذهباً؟ فيكون في الغَزَل المذهب العذري،

стр. 194

والمذهب القصصي، والمذهب الصوفي، والمذهب المادي، يلتقي في كل مذهب كلُّ من ذهب إليه من الشعراء، من لدن امرئ القيس إلى شعراء هذا العصر. ويكون مثل ذلك في المدح والهجاء والوصف والرثاء ... وهذه الرابطة في المذهب أقوى من رابطة العصر التي يتمسك بها واضعو مناهج الأدب في المدارس. عيوب في برامج الأدب المدرسية من عيوب هذه البرامج أنها تأتي التلميذ المبتدئ الذي لا عهد له بالأدب فتفرض عليه أصعب نصوصه وأبعدَها عنه ألفاظاً ومعاني وأسلوباً وموضوعاً، وكلما ازداد قوة زادته تسهيلاً، حتى ينتهي بدرس الأدب العصري! وهو ضد ما توجبه الفطرة وما تدعو إليه قواعد التعليم وما يراه صاحب الذوق السليم. ومن عيوب هذه المناهج أنها تهمل الأدب نفسَه وتُعنى بتاريخه، فتعرّف الطالب بمزايا الأديب ومكانته ونسبته إلى أدباء عصره، ولكنها لا تفرض عليه فهم شعره، ولا تلزمه دراسة نصوص منه دراسةَ لغةٍ وبلاغة وتحليل. ولست أدري كيف يدرس الطالب شاعراً وهو لم يفهم شعره! وإنْ شرح المدرّسون والمؤلفون بيتاً اقتصروا على تفسير الغريب من ألفاظه، مع أنه ربما فُهمت ألفاظه كلها ولم يُفهَم معناه. ولقد اشتغلت مرة شهراً كاملاً حتى فهمت معنى هذا البيت وأدركت ما هو الذي عضّ برأسه: وما زلتُ خيراً منك مُذْ عَضَّ كارهاً ... برأسِك عادِيُّ النِّجادِ رَكوبُ (١)

стр. 195

مع أن ألفاظه كلها مفهومة. وكنت أشرح بعض كتب الأدب لطلاب القسم العالي في الكلية الشرعية في سوريا، فكانت تمرّ بي أبيات كثيرة أفهم معاني ألفاظها كلها ولا أدرك حقيقة المراد منها. لذلك كانت طريقة شرّاحنا الأوّلين -في شرح المفردات ثم تفسير المعنى- أقوَمَ وأوْصَلَ إلى الغاية. وربما توقف فهم المعنى على مسألة فقهية، كبيت أبي تمام: بسُنَّة السَّيْفِ والخَطّيِّ من دَمِهِ ... لا سُنّةِ الدّينِ والإسلامِ مُختضبِ (١) أو مسألة فلكية، كقوله عن الأبراج:

стр. 196

ما كان مُنقلِباً أو غيرَ مُنْقَلِبِ (١)

стр. 197

أو مسألة تاريخية، كقوله (١): مُصْفَرّةٌ مُحْمَرّةٌ فكأنّها ... عُصَبٌ تَيَمَّنُ في الوَغَى وتَمَضَّرُ الأسلوب ومن أكبر عيوب برامجنا أنها لا تعنى بدراسة الأسلوب، مع أن غاية ما يبلغه الأديب إدراك مزايا الأساليب. و «الأسلوب» كلمة لا تزال مُبهَمة، لم يُحدَّد معناها تحديداً منطقياً يجمع أفراد ما تدل عليه ويُخرج أضدادها. والذي أراه أن الأسلوب يتصل -أولاً- بالكلمات: غرابة ووضوحاً ورقّة وجَفاء. ولكل كاتب أو شاعر قاموس خاص؛ مجموعة من الكلمات يدور كلامه عليها ويُكثر من استعمالها، وأول معالم الأسلوب عند أديب أن تعرف له هذه الكلمات. ثم الجمل: طولاً وقِصَراً، وبياناً وغموضاً، واشتمالاً على السَّجْع والمُحَسِّنات أو خُلُوّاً منها. ثم معرفة نوع هذا الأسلوب: هل هو أسلوب صحفي، أو علمي، أو خطابي، أو عاطفي، أو وصفي ... وهل تكثر فيه الصور أو تكثر الأفكار.

стр. 198

ثم الروح التي تلوح من ثناياه: هل هي روح جِدّ أم فكاهة، وحماسة أم هدوء، وتفاؤل أم تشاؤم، وصراحة أم مُداورة ولفّ وتعريض. ثم النسق: هل يُكثر من المقدّمات والاستطرادات أم يدخل في صلب الموضوع فوراً، وهل هو من أرباب الاختصار أم من أصحاب التطويل. ثم الموضوعات، ولكل أديب موضوعات يحبّها ويطرقها، وأخرى لا يدنو منها ولا يتكلم فيها. وأنت إذا أدمنت النظر في آثار كاتب وأكثرت القراءة له، ثم وجدت قطعة له ليس عليها اسمه، عرفته بها من هذه الصفات التي ذكرتها لك. وبشّار لما سمع هذا البيت: وأنكرَتْني، وما كانَ الذي نكرت ... من الحوادثِ إلا الشّيبَ والصّلَعَا منسوباً إلى الأعشى حكم أنه ليس له، من كلمة واحدة فيه عرف أنها ليست من قاموس الأعشى. * * * والخلاصة: أنكم قد تصيرون نُقّاداً بالاطلاع على علوم الأدب، وإدمان النظر في آثار بُلَغاء العرب، والتمرس بأساليبهم ومحاولة الوقوف على مزاياها وخصائصها. وقد تكونون مُؤرِّخين

стр. 199

للأدب إذا ضممتم -إلى ذلك كله- الوقوفَ على آراء النُّقّاد ومعرفة المذاهب الأدبية. أما أن تكونوا أدباء مُبدعين، كُتّاباً وشعراء وقَصَصيّين، فإن ذلك يحتاج إلى شيء آخر، شيء لا أملكه لكم ولا يستطيع أحدٌ أن يُهديَه إليكم هو «المَلَكة الأدبية»، وهي يا إخواني منحة من الله يمنحها من يشاء. والسلام عليكم ورحمة الله (١). * * *

стр. 200

الوصف الخيالي والوصف الواقعي نشرت سنة ١٩٥٥ [كتب إليّ طالب جامعي يسألني بيان الفرق بين الوصف الخيالي والوصف الواقعي. ويقول إنه سمع من مدرّسي الأدب وقرأ في كتبه كلاماً طويلاً في التعريف بهما، ولكن لم يَضِحْ له الفارق بينهما.] وأنا لن أقول له في الجواب كلاماً طويلاً ولا قصيراً، ولكن أسوق مثالين يُغْنيان عن هذا الكلام. المثال الأول قول أبي تمام في حريق عَمّورية (١): لقد تركتَ -أميرَ المُؤمنينَ- بها ... للنّارِ يوماً ذَليل الصَّخْرِ والخَشَبِ

стр. 201

غادَرْتَ فيها بَهيمَ الليلِ وهْو ضُحىً ... يُشِلّهُ (١) وَسْطَها صُبْحٌ مِنَ اللهَبِ حتى كأنَّ جَلابيبَ الدُّجى رَغِبَتْ ... عن لونِها، أو كأنَّ الشّمسَ لم تَغِبِ ضَوْءٌ من النّارِ، والظَّلْماءُ عاكِفَةٌ ... وظُلْمَةٌ من دُخانٍ في ضُحىً شَحِبِ فالشّمسُ طالِعَةٌ مِنْ ذا وقد أَفَلَتْ ... والشّمسُ واجِبةٌ مِنْ ذا ولم تَجِبِ فانظر كيف وصف الحريق: ١ - أتت النّار على كل ما في البنيان من حجر وأخشاب، فأفاض الشاعر على هذه الحقيقة خيالَه وصَبَّ في هذه الجامدات الحياة، فإذا الجذوع التي كانت تتمايل تيهاً وفخراً والصخرُ الذي كان يَشمخ عُجْباً وكِبْراً قد عادا -أمام النار- ذليلَين مَهينَين. ٢ - ولم تكن هذه الصورة إلا ارتفاع الطيّارة عن الأرض في طريقها إلى طِباق الجو؛ فلما فرغ منها أوغل في خياله، فإذا هذا الحريق يجيء بأعجوبة، فيبدّل قوانين الكون ويداخل الأوقات بعضها ببعض، فيجعل الليل البهيم ضُحى سافراً. ٣ - ثم لا يدعك تطمئن إلى هذه الصورة العجيبة ولا ينتظرك لتفكّر فيها وتدرك أسرارها، حتى يسرع إليك فيمحوها ويقرّر أنه لم يبدَّل الليل ضُحىً، فالليل ليل، ولكن الصبح عجّل في مسيره

стр. 202

فطرد ظلام الليل قبل الأوان! ٤ - فتفكر في هذا الصبح: كيف جاء قبل موعده؟ وتحاول أن تستمرئ هذه القصة، وإذا به يفاجئك بأن الصبح ليس الصبح المعتاد، ولكنه صبح من اللهب! ٥ - ثم يدع هذا كله ويأتي بشيء جديد، هو أن هذا أيضاً ليس صبحاً حقيقياً ولا صبحاً من اللهب، ولكنه الليل مَلَّ ثيابه السود فاستبدل بها -هذه المرّةَ- الثياب البيض. ٦ - ثم يرجع فيقول: لا، لا شيء من ذلك كله؛ فلا الليل تبدل ضحى ولا الصبح طرد الليل ولا استُبدلت ثياب بثياب، وإنما المسألة أن الشمس لم تغب، فمن هنا جاء هذا الضياء. ٧ - فإذا اطمأننت إلى هذا التفسير المعقول عاد يحوّلك عنه ويقول لك إن هذا الضوء ليس ضوء الشمس. إذن ما هو يا سيدنا الشاعر؟ قال: هو ضوء النار، والظلام لا يزال عاكفاً. فتقول: وهذا أيضاً معقول، فالنار من شأنها أن تضيء في الظلام. ٨ - فيسرع إليك فيقول: ولكن هذا الظلام ليس ظلام الليل، بل هو ظلام الدخان. ٩ - وليس الوقت ليلاً أضاءته النار، ولكنه ضحى شاحب سوّده الدخان! ١٠ - وما دام الوقت ضحى فالشمس طالعة. فتتحول الصورة إلى ضحى تبدو شمسه ويحجبها هذا الدخان بظلامه. ١١ - فيقول: لا؛ إن التي طلعت ليست الشمس، ولكنها

стр. 203

شمس أخرى، شمس من ضياء النار، أما الشمس الحقيقية فقد أفلت. ١٢ - فتقول: هذا حسن، قد أفلت الشمس وغابت، فهي إذن غائبة. فيقول: لا، إنها ليست غائبة الغياب المعروف، ولكن غيّبَها الدخان، وهي في الحقيقة لم تَغِبْ. فهذه اثنتا عشرة صورة في خمسة أبيات، تلاعب فيها بألباب السامعين وجاء فيها بشيء قد يدعو إلى الإعجاب، لما فيه من التصرف في أفانين القول وما فيه من العجيب النادر من التَّشابيه والاستعارات. ولكن هل عرفتَ ما هو هذا الحريق؟ وكيف كان؟ وما الذي احترق؟ إلى آخر ما يعرض للذهن من أسئلة. أوَلا ينطبق هذا الوصف على حريق روما على عهد نيرون، وحريق الأموي أيام السلطان عبد الحميد، وعلى كل حريق في الدنيا؟ ألم تشعر أنك لم تخرج منه -على إبداعه- بشيء؟ هذا مثال للوصف الخيالي. * * * المثال الثاني قول البحتري في موكب المتوكل يوم العيد: أظْهَرْتَ عِزَّ المُلكِ فيهِ بجَحْفَلٍ ... لَجِبٍ يُحاطُ الدِّينُ فيهِ ويُنْصَرُ خِلْنا الجِبالَ تَسيرُ فيهِ وقد غَدَتْ ... عُدَداً يَسيرُ بها العَديدُ الأكثرُ

стр. 204

فالخيلُ تَصهَلُ والفوارسُ تدّعي ... والبِيضُ تلمعُ والأسنّة تُزهِرُ والأرضُ خاشعةٌ تَميدُ بثِقْلِها ... والجوُّ مُعتَكرُ الجوانبِ أغبرُ حتى طلعْتَ بضَوْءِ وجهكَ فانْجَلَتْ ... تلك الدُّجى وانْجابَ ذاك العِثْيَرُ (١) وافْتَنَّ فيك النّاظرون فإصْبَعٌ ... يُومَا إليك بها وعَيْنٌ تَنظُرُ ذكَروا بطلعتِكَ النبيَّ فهلّلوا ... لمّا طلَعْتَ منَ الصفوفِ وكبّروا ومشَيت مِشيةَ خاضعٍ متواضعٍ ... للهِ، لا يُزهَى ولا يَتكبّرُ حتى انتهيتَ إلى المُصَلّى لابساً ... نورَ الهُدى يبدو عليكَ ويَظهَرُ فَلَوَ انّ مشتاقاً تكلّف فوقَ ما ... في وُسعِهِ لسعى إليكَ المِنبرُ فأنت هنا مع البحتري على أرض الواقع، تمشي صاحِياً تعرف أين تضع قدمك، وقد كنت مع أبي تمام تطير على أجنحة الخيال في كون عجيب، تبدلت فيه قوانين الوجود وتغير مسير الأفلاك وتداخلت فيه الأوقات، ترى ما يُدهش ويُعجب ولكنك لا تدرك حقيقة ما ترى.

стр. 205

أنت هنا أمام «فِلْم» ناطق، ينقلك إلى ذلك الزمان وذلك المكان، ويريك ما رأى مَن شهد الموكب. ألا ترى الجيشَ أمامك بعدده الكثير وآلاته الضخمة التي تشبه الجبال، من الدبّابات والعَرّادات والكِبَاش والمَنْجَنيقات (١)؟ ألا تسمع صهيل الخيل

стр. 206

وصياح الفرسان؟ ألا ترى السيوف والأسنّة تلمع خلال الغبار؟ ألا تحسّ كأنْ قد مادت الأرض تحت أقدامك؟ وإنك لفي هذه الضجة وهذه الحركة، وإذا بكل متحرك قد سكن وكل صوت قد سكت، وإذا بالغبار قد انجاب، فتسأل: ماذا جرى؟ فتُجاب همساً أنْ قد وصل الخليفة. ولا تسمع من هذه الخلائق كلها رِكزاً، ولا ترى إلا رؤوساً متدانية تتناجى في خفوت، وأصابع ممتدة تشير إليه، وأنظاراً جائلة تحاول أن تقع عليه. حتى إذا برز من بين الصفوف وصار

стр. 207

وسط الساحة ارتجّت الدنيا بالتكبير والتهليل؛ لا يكبّرون للمنصب ولا للرغبة ولا للرهبة، ولكن لأنهم ذكروا بطلعته النبي ﷺ . وإذا هو يمشي مشية خاشع متواضع، متواضع لله لا للناس، حتى وصل إلى المُصلّى (١). فهل غاب عنك شيء من دقائق هذا المشهد؟ هل يمكن أن ينطبق هذا الوصف على كل موكب كما انطبق ذاك على كل حريق؟ هذا هو الوصف الواقعي، وإن كانت قد خالطَته صور من غير الواقع، كلبس النّور وسعي المنبر؛ فقد سرق البحتري «سعي المنبر» من «سعي المكان الجَديب» عند أبي تمام، ولكنه سرق واسترقّ وأخذ وزاد. وإذا لم يَكْفِ السائلَ المثال، كانت لي عودة إلى هذا المجال. * * *

стр. 208

حرفة الأدب نشرت سنة ١٩٥٥ هذا هو جوابك يا أخي الأستاذ حسني (١): هل تعرف من هو الشهيد الحي؟ ومن هو المعذَّب في الأرض؟ ومن هو أحق بالرّثاء والإشفاق؟ ليس السجين المكبَّل بالقيود الذي يقطع الحجارة من جَلْمَد الصخر، ولا الذي يغوص في أعماق اللجَج يبحث عن اللؤلؤ في بطن البحر، ولكنه المسكين الذي قُدِّر عليه أن يستخرج رزقه من أضيق أبواب الرزق: من شق القلم. هو من اتخذ الكتابة حرفة له، فهو يكتب دائماً وأبداً، يكتب وهو خامل كسول، ويكتب وهو مريض موجع، ويكتب وهو حزين مهموم. إن رأى الناسُ مشهداً من مشاهد الطبيعة فوقفوا يستمتعون به، وقف هو يفكر كيف يصوغ شعوره كلاماً يعرضه على الناس. وإن قرأ الناس قصة أو مرّ بهم نعيم أو مسّهم بؤس، اختزنوا عواطفهم في صدورهم وتجرّعوها أو تعللوا بها على مهل، وراح

стр. 209

هو يبحث عن تعبير يذيع به عواطفه وينشرها. كل ما عنده للناس، أفراحه وأتراحه، وحبه وبغضه، وهو أبداً يَصُفّ كلاماً، هو أبداً يكتب؛ يفيق فيكتب، وينام وهو يكتب، ويحسّ أن الأفكار تصطرع أحياناً في رأسه وتتراكض حتى لتكاد تصدع أصداغه، فيستيقظ من أعماق منامه ليشعل المصباح إلى جانب سريره ويكتب (١)، فإذا أفرغ ما في رأسه وحسب أنه سينام وثبت أفكار أخرى تضرب على جوانب رأسه من داخل ليقوم فيفتح لها! فلا يستمتع بيقظة ولا منام، ولا يعرف لذة التأمل ولا فتنة الأحلام، ولا يعيش ساعة لنفسه بل يعيش عمره كله للناس. ويا ليته يكتب حينما يريد، وأنّى، وهو يكتب حينما تريد المطبعة؟ والمطبعة لا ترحم، المطبعة كجهنّم، كلما قيل لها: هل امتلأت؟ تقول: هل من مزيد؟ الفكرة التي تحتاج إلى يومين لتنضج، توجب عليك المطبعة أن تعبّر عنها اليوم وأن تجيء بها كاملة ناضجة تعجب القراء. فكيف تضع الأم وليدها قبل أن يستكمل مدة حَمْله، ويكون كاملاً مكملاً لا سَقْطاً ولا مشوَّهاً؟ والأفكار لا تأتي إلا على مهل، تنساب انسياباً، وما على الكاتب إلا أن يستلقي ويسترخي ويدوّن ما يعرض له؛ كصائد

стр. 210

الأسماك، ينصب شبكته ويقعد ساكناً ينتظر، فإن وثب وتحرك وهزّ الشبكة فرّت منها الأسماك. والمطبعة تريد منك أن تثب وراء السمكة فتمسكها بيدك وتضعها في الشبكة، تريد أن تجمع أفكارك كلها بنفسك وتصبّها على الورق! والموضوع الذي يحتاج إلى عشر صفحات عليك أن تكتبه في صفحتين لأن المطبعة لا تحتاج إلا إلى اثنتين. وإن عرضت لك -وأنت تنظر في تجارب الطبع- كلمة أفضل من كلمة أو جملة أحسن من جملة فإيّاك أن تبدّلها، لأن المطبعة يتعبها هذا التبديل. وخذ بعد ذلك ما شئت من التَّطْبيعات والتصحيفات وتحريف الكلم عن مواضعها وإبدالها بغيرها، وانْشَقَّ غضباً وغيظاً، فليس ينفعك الغضب ولا يجدي عليك الغيظ بعدما سار هذا التحريف وشَرّقَ وغَرّبَ وهو محمول عليك ومنسوب إليك، وأنفك -ولا مؤاخذة- في الرغام! وأصعب شيء على الكاتب أن يَكثُر عليه العمل حتى لا يدع له وقتاً يداخل فيه الناس ويخالطهم. وهذا الاختلاط هو الزِّناد الذي يقدح شرر الفكرة، وما يراه أو يسمعه هو المادة التي يصنع منها أدبه. فكيف يُنتج معملٌ فَقَدَ الزِّناد الذي يدير المحرك والموادَّ الأولية التي تشغّل المعمل؟ لذلك تجد أكثر الكتّاب يجودون في الشباب أكثر مما يجودون في الكهولة، يكتبون في شبابهم للأدب المَحْض، يريدون أن يشقّوا لهم طريقاً وسط الزحمة فيتخذون لذلك أقوى العُدَد، يتعبون ويكِدّون، لا يبالون في سبيل التجويد وقتاً ولا جهداً، حتى إذا عُبِّد لهم الطريق وضمنوا لأنفسهم الحظوة عند

стр. 211

القراء والقَبول في الناس، جاؤوا يقبضون أجرة هذا الجهد الأول. فيزدحم عليهم الناشرون وأصحاب المجلات يطلبون منهم أن يكتبوا لهم، فيكثر في أيديهم المال ويقلّ الوقت، فيكتبون ما يخطر على البال، لا يجوِّدون ولا يحسنون، يرمون المقالة لا يبالون أجاءت بالطول أم بالعرض ... وماذا يصنعون والناشرون لا يَدَعون لهم وقتاً لتجويد؟ وأصعب منه أن يُقال لك اكتب لنا في موضوع كذا، فإذا تأخرت أو تقاعست عتبوا عليك ولاموك. يحسبون أن الأفكار في رأس الكاتب كالدراهم في كيسه والبضائع في مخزنه، لا يكلّفه إعدادها إلاّ أن يَمُدّ يدَه فيأتي بها، لا يدرون أن للنفس إقبالاً وإعراضاً، وأنها يسلس قيادها تارة وتَحْرُن تارات، وأن من كبار الكتّاب من تمرّ به أيامٌ كلما حاول الكتابة فيها وقفت يده وجمد قلمه ونضب فكره، كأنه لم يكتب شيئاً قط! وأن الفرزدق، وهو مَن هو في الشعر، كان يقول: إنها لتجوز عليّ ساعات لَقَلْعُ ضرس من أضراسي أهون عليّ فيها من بيت من الشعر! وأن جريراً، الذي كان يغرف في شعره من بحر، قضى ليلة بطولها يتمرّغ ويتلوّى كالنُّفَساء التي تعاني آلام الوضع، حتى وضع قصيدته «الدمّاغة» (١) عند مطلع الفجر!

стр. 212

وأصعب من ذلك كله مَن يأتيك من الكُبَراء والفُضَلاء أو ممن أنت معترف بحقهم أو مضطر إلى إرضائهم، فيسألك أن تُعِدّ له خطبة أو مقالة أو محاضرة في موضوع كذا ... ويشرح لك فكرته، وقد تكون سخيفة أو رَقيعة أو فاسدة، وعليك أن تتبناها وتكون أباً مزوّراً لها وتسخّر لها أسلوبك وبلاغتك، ثم تقرؤها له وتتحمّل ملاحظاته وانتقاداته، ثم تشكلها وتعلّمه قراءتها وإلقاءها، ثم تجيء بعد إلقائها فتهنّئه عليها مع المهنّئين! والقرّاء! هل تسمع يا أيها الأخ؟ القراء أشد على الكاتب من المطبعة ومن الناشرين. إنْ جَدَدْتَ لهم، قالوا: إلى متى الجِدّ؟ ألا شيء من هَزْل؟ ألا قليل من إحماض؟ وإن هزلت لهم قالوا: ما هذا العبث، وما هذا الكلام الفارغ من المعنى؟ ألا جددت ونحن في أيام جِدّ وجهاد؟ وإن سلكت بهم سبل العاطفة ووصفت لهم عواطف القلب وصبوات النفس، قالوا: يا لله، ويا للأخلاق! أمثلك يكتب في مثل هذا؟ دَعْ هذا للشبّان المراهقين وتفرّغْ لما ينفع الناس ويُصلح المجتمع. وإن أنت تفرغت لما ينفع الناس ويصلح المجتمع قالوا: ما هذا؟ أهذا أدب؟ هذا وعظ! إنما الأدب وصف صبوات النفس وعواطف القلب! * * *

стр. 213

ولو كنا في بلاد تدع الكاتب يقول ما يشاء (مما لا يقدح في خُلُق ولا دين) لهان الأمر، ولكن القراء لا يُسيغون إلا لوناً واحداً من الكلام، فإن بدّلته لهم أو جدّدت فيه لم تحتمله نفوسهم، وأصابهم منه سوء هضم عقلي، يُعقِب نوبةَ ثورة، يصيب الكاتبَ شرارُها أو تحرقه نارها. فهو مضطر أن يكون في عواطفه وآلام قلبه في واد، وفيما يكتب للناس في واد. والقراء يأخذون المجلة ليمروا عليها نظرة مسرعة وهم راكبون في الترام أو منتظرون الطعام أو متهيئون للمنام، فلا يحاولون أن يستمتعوا بها أو يستفيدوا منها، بل يحاولون انتقاصها وتجريح صاحبها. ما يدرون أن هذا الكلام الذي يقرؤونه في دقائق قد كلف صاحبه تفكير ساعات وجهد أيام، وأنه مرّ على هذه الأفكار -من يوم أن كانت بذرة في النفس ألقتها فيها رياح المصادفة، وسَقَتْها ملاحظة عابرة، ثم غذّتها الفِكَر والمشاهدات والذكريات والأحلام، إلى أن صارت مقالة مقروءة- أكثرُ مما مر على الرغيف من يوم أن كان سنبلة في الحقل إلى أن وُضع على المائدة. وربما كان الرغيف مُرّاً أو محروقاً أو غير ناضج، ولكنه لم يصل إليك حتى اعتوَرَته هذه الأيدي كلها ومرت به هذه الأطوار جميعاً. * * * فيا أيها الأخ، أرجو قبل أن تسأل عن علي الطنطاوي، وما باله لا يعطي المجلة خير ما عنده، وهل شاخ أم هرم أم أصْفَى كما تُصفي الدجاجة (١)، أن تسأل القراء: هل يَدَعون لي أن أقول

стр. 214

ما أريد؟ هل تتركني إدارة المجلة أكتب في الأدب كما كنت أكتب في «الرسالة»؟ لقد حيّروني وسدّوا عليّ مسالكي، فوقفت، لا عجزاً ولا مرضاً ولكن لأني لا أدري من أين أسير! هذه هي القصة يا أيها الأخ، فأبقِها سراً بيني وبينك ولا تطلع عليها أحداً من القرّاء. * * *

стр. 215

مقدّمة «باب البيان» نشرت سنة ١٩٥٥ جمعني موسم حج هذه السنة بالأخ الأستاذ صاحب «المسلمون». وكنا في زيارة الأستاذ رشدي ملحس رئيس ديوان جلالة الملك سعود، فجعل يثني على «المسلمون» وصاحبها، ويأخذ عليها أنها لا تُعنى بالأدب عنايتها بالعلم، ولا تجعل من صفحاتها للقلب بعض ما جعلت للعقل. والأستاذ صاحب «المسلمون» من مزاياه أنه لا يسمع اقتراحاً نافعاً إلا أخذ به؛ لذلك أخذ بهذا الاقتراح الرشيد من الأستاذ رشدي، وكلفني «فتح» هذا «الباب». ولم أدرِ -حين قبلت- أن الشباب ولّى وأن العزم وَنَى، وأن الأيام لم تُبقِ في أعصابي قوة أفتح بها باباً ولا شُبّاكاً (١)، وأني كنت أخدع نفسي وأخدع الناس حين أزعم أني ما أزال اليوم كما كنت من ربع قرن، أيامَ كنت لا أقرأ قصة ولا أتلو شعراً، ولا أشهد خَشْعَة السحَر ولا بهاء الغَداة ولا فتنة الأصيل، ولا أرى الطبيعة حين تَبْسِم بأفواه الزهر أو تضحك بخَرْخَرة السواقي
следующие страницы →