← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17360

فصول في الثقافة والأدب

علي الطنطاوي

Полный текст (307 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القراء والقَبول في الناس، جاؤوا يقبضون أجرة هذا الجهد الأول. فيزدحم عليهم الناشرون وأصحاب المجلات يطلبون منهم أن يكتبوا لهم، فيكثر في أيديهم المال ويقلّ الوقت، فيكتبون ما يخطر على البال، لا يجوِّدون ولا يحسنون، يرمون المقالة لا يبالون أجاءت بالطول أم بالعرض ... وماذا يصنعون والناشرون لا يَدَعون لهم وقتاً لتجويد؟ وأصعب منه أن يُقال لك اكتب لنا في موضوع كذا، فإذا تأخرت أو تقاعست عتبوا عليك ولاموك. يحسبون أن الأفكار في رأس الكاتب كالدراهم في كيسه والبضائع في مخزنه، لا يكلّفه إعدادها إلاّ أن يَمُدّ يدَه فيأتي بها، لا يدرون أن للنفس إقبالاً وإعراضاً، وأنها يسلس قيادها تارة وتَحْرُن تارات، وأن من كبار الكتّاب من تمرّ به أيامٌ كلما حاول الكتابة فيها وقفت يده وجمد قلمه ونضب فكره، كأنه لم يكتب شيئاً قط! وأن الفرزدق، وهو مَن هو في الشعر، كان يقول: إنها لتجوز عليّ ساعات لَقَلْعُ ضرس من أضراسي أهون عليّ فيها من بيت من الشعر! وأن جريراً، الذي كان يغرف في شعره من بحر، قضى ليلة بطولها يتمرّغ ويتلوّى كالنُّفَساء التي تعاني آلام الوضع، حتى وضع قصيدته «الدمّاغة» (١) عند مطلع الفجر!

стр. 212

وأصعب من ذلك كله مَن يأتيك من الكُبَراء والفُضَلاء أو ممن أنت معترف بحقهم أو مضطر إلى إرضائهم، فيسألك أن تُعِدّ له خطبة أو مقالة أو محاضرة في موضوع كذا ... ويشرح لك فكرته، وقد تكون سخيفة أو رَقيعة أو فاسدة، وعليك أن تتبناها وتكون أباً مزوّراً لها وتسخّر لها أسلوبك وبلاغتك، ثم تقرؤها له وتتحمّل ملاحظاته وانتقاداته، ثم تشكلها وتعلّمه قراءتها وإلقاءها، ثم تجيء بعد إلقائها فتهنّئه عليها مع المهنّئين! والقرّاء! هل تسمع يا أيها الأخ؟ القراء أشد على الكاتب من المطبعة ومن الناشرين. إنْ جَدَدْتَ لهم، قالوا: إلى متى الجِدّ؟ ألا شيء من هَزْل؟ ألا قليل من إحماض؟ وإن هزلت لهم قالوا: ما هذا العبث، وما هذا الكلام الفارغ من المعنى؟ ألا جددت ونحن في أيام جِدّ وجهاد؟ وإن سلكت بهم سبل العاطفة ووصفت لهم عواطف القلب وصبوات النفس، قالوا: يا لله، ويا للأخلاق! أمثلك يكتب في مثل هذا؟ دَعْ هذا للشبّان المراهقين وتفرّغْ لما ينفع الناس ويُصلح المجتمع. وإن أنت تفرغت لما ينفع الناس ويصلح المجتمع قالوا: ما هذا؟ أهذا أدب؟ هذا وعظ! إنما الأدب وصف صبوات النفس وعواطف القلب! * * *

стр. 213

ولو كنا في بلاد تدع الكاتب يقول ما يشاء (مما لا يقدح في خُلُق ولا دين) لهان الأمر، ولكن القراء لا يُسيغون إلا لوناً واحداً من الكلام، فإن بدّلته لهم أو جدّدت فيه لم تحتمله نفوسهم، وأصابهم منه سوء هضم عقلي، يُعقِب نوبةَ ثورة، يصيب الكاتبَ شرارُها أو تحرقه نارها. فهو مضطر أن يكون في عواطفه وآلام قلبه في واد، وفيما يكتب للناس في واد. والقراء يأخذون المجلة ليمروا عليها نظرة مسرعة وهم راكبون في الترام أو منتظرون الطعام أو متهيئون للمنام، فلا يحاولون أن يستمتعوا بها أو يستفيدوا منها، بل يحاولون انتقاصها وتجريح صاحبها. ما يدرون أن هذا الكلام الذي يقرؤونه في دقائق قد كلف صاحبه تفكير ساعات وجهد أيام، وأنه مرّ على هذه الأفكار -من يوم أن كانت بذرة في النفس ألقتها فيها رياح المصادفة، وسَقَتْها ملاحظة عابرة، ثم غذّتها الفِكَر والمشاهدات والذكريات والأحلام، إلى أن صارت مقالة مقروءة- أكثرُ مما مر على الرغيف من يوم أن كان سنبلة في الحقل إلى أن وُضع على المائدة. وربما كان الرغيف مُرّاً أو محروقاً أو غير ناضج، ولكنه لم يصل إليك حتى اعتوَرَته هذه الأيدي كلها ومرت به هذه الأطوار جميعاً. * * * فيا أيها الأخ، أرجو قبل أن تسأل عن علي الطنطاوي، وما باله لا يعطي المجلة خير ما عنده، وهل شاخ أم هرم أم أصْفَى كما تُصفي الدجاجة (١)، أن تسأل القراء: هل يَدَعون لي أن أقول

стр. 214

ما أريد؟ هل تتركني إدارة المجلة أكتب في الأدب كما كنت أكتب في «الرسالة»؟ لقد حيّروني وسدّوا عليّ مسالكي، فوقفت، لا عجزاً ولا مرضاً ولكن لأني لا أدري من أين أسير! هذه هي القصة يا أيها الأخ، فأبقِها سراً بيني وبينك ولا تطلع عليها أحداً من القرّاء. * * *

стр. 215

مقدّمة «باب البيان» نشرت سنة ١٩٥٥ جمعني موسم حج هذه السنة بالأخ الأستاذ صاحب «المسلمون». وكنا في زيارة الأستاذ رشدي ملحس رئيس ديوان جلالة الملك سعود، فجعل يثني على «المسلمون» وصاحبها، ويأخذ عليها أنها لا تُعنى بالأدب عنايتها بالعلم، ولا تجعل من صفحاتها للقلب بعض ما جعلت للعقل. والأستاذ صاحب «المسلمون» من مزاياه أنه لا يسمع اقتراحاً نافعاً إلا أخذ به؛ لذلك أخذ بهذا الاقتراح الرشيد من الأستاذ رشدي، وكلفني «فتح» هذا «الباب». ولم أدرِ -حين قبلت- أن الشباب ولّى وأن العزم وَنَى، وأن الأيام لم تُبقِ في أعصابي قوة أفتح بها باباً ولا شُبّاكاً (١)، وأني كنت أخدع نفسي وأخدع الناس حين أزعم أني ما أزال اليوم كما كنت من ربع قرن، أيامَ كنت لا أقرأ قصة ولا أتلو شعراً، ولا أشهد خَشْعَة السحَر ولا بهاء الغَداة ولا فتنة الأصيل، ولا أرى الطبيعة حين تَبْسِم بأفواه الزهر أو تضحك بخَرْخَرة السواقي

стр. 216

أو تزأر بهدير الأنهار، ولا أرى الجمال حيثما كان، إلا توثبت القريحة وتدفقت على النفس المعاني، وازدحمت على القلم الكَلِمُ وولدت على سِنانه الفصول والمقالات. أيام كنت ... وأين مني تلك الأيام؟ كنت إن مشيت ثلاثة أكيال (١) إلى الرَّبْوة أو عشرة إلى الهامَة، أو ذهبت إلى بيروت أو إلى حمص، نشأت في النفس ألف ذكرى ونُقشت ألف صورة وانبعث ألف أمل. وهأنذا أمشي اليوم إلى آخر الأرض، إلى السند والهند وسيام وجاوة، فلا أكتب عنها إلا مُكرَهاً، كمَن ينحت من صخر، ولطالما كنت -إذا كتبت- أغرف من بحر. لقد ونى العزم وولّى الشباب، فهل ترونها أبقت لي الأيام ما أقوى به على فتح هذا الباب؟ وهل تروني أستطيع أن أجري مع هؤلاء الأدباء في ميدان، وقد غبر دهري وعتقت آرائي، حتى صرت كأني عندهم من آثار الأوّلين؟ وأين أنا منهم وأنا لا أرتضي هذه الأساليب الواهية المستعجمة التي يكتبون بها، وهم لا يرتضون أسلوبي؟ وأنا أنكر هذه الموضوعات التي لا يعرفون غيرها، وهم ينكرون موضوعاتي؟ ومَن يستمع إليّ إن قلت إن غزل الشعراء العذريين الأمويين خير من شعركم هذا الحديث؟ وإن فيمَن تعدّونهم كتّاباً (كيوسف السباعي) من لا أستطيع أن أجد فيه إلا عامياً، عامي الفكر وعامي الأسلوب، وإن هذا الهراء الذي يكتبه ويطبعه لو كتب مثلَه تلميذٌ في الثانوية ممن عرفنا في أيامنا لسقط في الامتحان؟!

стр. 217

ومن يستمع إليّ إن قلت إن الأسلوب قبل الفكرة، والعبارة قبل الغرض، وإن المقطوعة الجميلة الأسلوب الصافية الديباجة المنخولة اللفظ أفضل -ولو خلت من المعنى المبتكَر- من كل هذا الهذَر الذي تسمّونه الشعر الجديد، وإن المعاني -مهما سمت وعلت- إن جاءت في اللفظ الركيك والنظم المتهافت (كنظم الصافي النّجَفي) لم يكن فيها خير ولم تكن إلا كتماثيل الثلج، كل ما فيها من دقة الصنع وروعة الفن يذوب إن أشرقت عليه الشمس فيصير وحلاً تطؤه الأقدام؟ هذه آرائي، فهل يستمع إليّ الناس إن أنا أبديتها؟ وهل ترضى «المسلمون» عن هذه الآراء؟ وإن هي لم تكن معي فيها، فهل تدعني أقول ما أشاء على عهدتي، أم تسدّ فمي وتشدّ بنِسْعَة لساني؟ وإن هي تركتني وخلّت بيني وبين الناس، فهل بقي لي من القوة والأَيْد ما أصاول به وأجادل، وأدافع عن آرائي؟ * * * وشيء آخر؛ هو أني أعلم أن الغايات ثلاث: الحقيقة، والخير، والجمال. وأن الأدب لا يبتغي إلا الجمال وحده، هو غايته التي يمشي إليها وهو طَلِبَته التي يحرص عليها، وأن أعذب الكلام أكذبه. وهل الاستعارات والمَجازات كلها إلا أكاذيب؟ أنا أعلم هذا، وقد نشرت هذا الفصل عن الشريف الرضيّ دلالة عليه (١). ولكن الشريف وغير الشريف إنما قالوا هذا في

стр. 218

ساعات لهوهم وحظوظ نفوسهم، لم يقولوه في الأيام السود ولا وسط المَعامع الحمر. ونحن اليوم في ساحة حرب، حرب الاستعمار ومكايده، وإسرائيل وشرورها، والدول الكبيرة ومطامعها، وحرب الإلحاد والرذيلة وخبيث العادات، وحرب الفقر والمرض والجهل ... فهل يدع أدباؤنا هذا كله ويقولون مثل الذي قال الشريف الرضي؟ هل يتركون النار تأكل خضراءهم ويستلقون على ظهورهم يحلمون بقبلة من حسناء في غفلة الرقيب؟ إنه لم يبقَ في فرنسا بعد كَسْرة السبعين قلم كاتب ولا لسان أديب إلا قال فيها، مواسياً ومقوّياً وباعثاً للأمل وحافزاً للهمم، فكُتبت مئات من القصص عن مشاهد الحرب وآلاف من المقالات ودواوين من الشعر؟ فما الذي قاله أدباء العرب في «مأساة فلسطين»؟ هل يجهل أدباؤنا خطر الكلام في مصاير الأمم؟ هل نسوا أن خطبة طارق هي التي فتحت الأندلس، وخطب نابليون ربحت النصر في إسترلتز، وأن خطب فيخته أنهضت ألمانيا، وأن أشعار إقبال أقامت دولة باكستان، وأن نصائح السرهندي صنعت أورانك زيب، أعظم ملوك الهند وسادس الخلفاء الراشدين (١)؟ * * * إننا نفتح هذا الباب في «المسلمون»، فهل يحب أدباؤنا أن يدخلوا؟

стр. 219

ولا نقصره على لون من ألوان الأدب ولا على شكل من أشكاله. إنما ننشر فيه -إن شاء الله- الشعر والنثر، والبحث والوصف، والعرض والنقد، والأقصوصة والمسرحية، من كل ما نكتبه نحن أو يأتينا مما يكتب الناس وما نختاره من روائع الأدب القديم؛ لا نتقيد في النشر إلا بقيدين: (١) نقاء الديباجة وسلامة الأسلوب، حتى يكون هذا الباب متعة للأديب الضليع، وإماماً للطالب المتأدب يتبع سبيله ويسلك سننه. (٢) ثم الحفاظ على مبادئ المجلة، بأن يكون ما يُنشَر فيها من الأدب نافعاً في خلق أو دين، فإن لم يكن بعضه كذلك فلا أقل من أن يكون خالياً من كل ما يأباه الدين والخلق الكريم. والاتكال على الله، ومنه نرجو التوفيق ونستمد العون (١). * * *

стр. 220

_________ = من غرائب المصادفات وعجائب الموافقات. وقد أصدرها أولاً في القاهرة سعيد رمضان (المصري)، واستمرت كذلك ثلاث سنوات، ثم انتقلت إلى دمشق وصار مصطفى السباعي هو صاحب امتيازها ورئيس تحريرها. وفي أولى سنواتها في دمشق (سنتها الرابعة) حرّر علي الطنطاوي «باب البيان» فيها. وصدرت «المسلمون» في دمشق ثلاث سنوات، ثم انتقلت في سنتها السابعة إلى جنيف في سويسرا وعاد سعيد رمضان إلى رئاسة تحريرها. وفي السنة التي فارقَت فيها «المسلمون» الشام حوّل الشيخ السباعي ترخيصها وبدأ بإصدار «حضارة الإسلام»، وهي المجلة الجليلة التي كُتبت لها الحياة سنوات طويلة من بعد (مجاهد).

стр. 221

كلمات في الأدب نشرت سنة ١٩٤٦ النثر والشعر في المدارس كنت كلما درّست الأدب العربي أعجب لما أجد من انصراف الطلاب عن نثره إلى شعره، على حين أنهم أميَل إلى النثر في الأدب الفرنسي منهم إلى الشعر، ففكرت فرأيت أن السبب في ذلك المناهج. فالذي تقرّر المناهج تدريسه من النثر العربي في مصر والشام والعراق لا يخرج في جملته عن رسائل ميتة لا روح فيها، أو فقرات جامدة مسجَّعة أو غير مسجَّعة، ليس فيها وصف يهز القلب أو معنى يوقظ الفكر، حتى إن ما يُختار لمثل الجاحظ (وهو في رأيي أحد الخمسة الذين انتهت إليهم إمامة النثر العربي؛ الجاحظ وأبي حيان التوحيدي والغزالي وابن خلدون ومحيي الدين بن عربي) هو من المُمِلّ المُضجِر، كوصف الكتاب وصفاً هو مجموعة جمل مستقلة تشبه حِكَم أكثم بن صيفي، ليس بينها ارتباط، ولا يفسدها التقديم فيها ولا التأخير، ويصعب استظهارها وحفظها، مع أن للجاحظ المعجِب المطرِب والمبهِج المرقِص من القصص والأوصاف؛ فكان من ذلك أن رغب

стр. 222

الطلاب عن أدبنا وكرهوه، وآثروا عليه الأدب الفرنسي لأنهم وجدوه أقرب إلى قلوبهم وأدنى إلى أفكارهم. ودواء هذا الداء أن يخرج واضعو المناهج من هذه الزاوية التي حبسوا أنفسهم والطلابَ فيها إلى فضاء الأدب ورحبه، ويدَعوا الصاحب والقاضي الفاضل، وهذه الرسائلَ الباردة، وهذا الأدبَ الميّت الذي لا روح فيه ولا جمال ولا يصح أن يكون مثالاً يُحتذَى ودليلاً يُتّبَع، ولا يجوز أن يُعرَض على الطالب إلا على أنه لون من ألوان الكتابة فيدرسه دراسة المؤرخ له لا دراسة المتأدب به، ويفتشوا بين العلماء والمؤرّخين والصوفية عن ذَوي الملكات البيانية، فيجدوا فيهم من لا يُعَدّ معه أدب الصاحب وعبد الرحيم البيساني (١) إلا لعب أطفال. أذكرُ -على سبيل المثال- ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر»، وموضوعه ظاهر من اسمه، وهو خواطر كانت تخطر له فيدوّنها في هذا الكتاب. وليس في هذا الكتاب بلاغة الجاحظ وابن قتيبة ولا صناعة ابن العميد ولا فحولة الجرجاني، ولكن فيه شيئاً ليس مثله عند أولئك جميعاً، هو هذه السهولة وهذه السلاسة، وهذا الصدق في تصوير الخواطر، وهذا الإلمام بالمسائل النفسية والاجتماعية والدينية، وما فيه من وثبات ذهنية

стр. 223

عجيبة وما يقوم به من تحبيب الأدب إلى الطلاب. وهذا الكتاب لو نُشر اليوم على أنه لبعض الكتّاب العصريين لقامت له الصحف الأدبية وقعدت وهللت له وكبرت، وأحلّته الذروة والسنام (١). وأذكرُ ابن السماك، هذا الرجل الذي تدل الفقرات القليلة التي رُوِيَت له على أنه أحد أفراد الدنيا في بلاغة القول وصفاء الأسلوب وعلوّ التفكير، ولم يفكر مع ذلك أحد في استقراء أخباره وتتبع آثاره (٢)، وابن حزم في «طوق الحمامة»، وابن القيّم في «روضة المحبين»، وابن داود الظاهري، والطبري، والغزالي، وابن عربي، وأبا حيان، والشافعي، وأمماً لو أَحَبَّ واضعو المناهج العناية بآدابهم لوجدوا شيئاً يُنسيهم وينسي الطلاب الصاحبَ بن عباد وأضرابَه. * * *

стр. 224

الكتب المدرسية والكتب الأدبية زرت من سنين أحد الناشرين في دمشق، وكان عنده صديقي الأستاذ عز الدين التَّنوخي، ومعه كتاب «المثنّى» لأبي الطيب اللغوي، الإمام العَلَم قريع ابن خالويه وزميله في بلاط سيف الدولة، وقد وقع على النسخة الوحيدة منه التي ليس لها في الأرض ثانية، بدليل أنها ليست في خزانة من الخزائن العامة في الشرق ولا في الغرب، وأنه أعلن في مجلة المَجْمَع العلمي العربي السؤال عنها فلم يكن عند أحد علم بها. والنسخة صحيحة مقابَلة بالأصل، أي بنسخة المؤلف، عليها تعليقات بخطوط كبار العلماء كابن الشِّحْنَة وغيره، فاشتغل بنَسْخها وتصحيحها ومعارضتها بكتب اللغة أمداً طويلاً، فرأيته يعرض عليه طبعها بشرط واحد: هو أنه لا يشترط شرطاً ولا يريد مالاً ولا يبتغي على تعبه أجراً. وعند الناشر معلّم يعرض عليه كتاباً في القراءة والمطالعة، كل عمله فيه أنه نسخ من كتب الأدب قصصاً وأحاديث كتبها في أوراق ثم جمعها فخاطها، فجعلها - بإذن الله- كتابَ مطالعةٍ للصفوف الثانوية، وهذا المؤلف يأبى إلا أن يكون أربعون في المئة من النسخ المطبوعة ثمن تعبه! وقد مرت الآن سنوات على هذه المقابلة، طبع فيها هذا الناشر مئة كتاب مدرسي، وكتاب «المثنى» لا يزال مخطوطاً في دار أبي قيس! (١)

стр. 225

أدباء المجالس من الأدباء مَن كنت أقرأ له فلا أبتغي بلاغة ولا لَسَناً ولا بياناً إلا وجدت عنده فوق ما أبتغي، فأتخيل شخصه وأتوهّمه على أوفى ما يكون عليه المتفوّه اللسِن، ثم ألقاه فألقى الرجل الساكت الصَّموت الذي لا يكاد يتكلم حتى تكون أنت الذي يسأله ويدفعه إلى الكلام، وإذا تكلم أخفى صوته ولطّف حروفه حتى لا يُسمَع منه ولا يُفهَم عنه. ومن الأدباء من ألقاه في مجلس فأجد المحاضر الفيّاض الذي ينتقل من نكتة إلى نكتة ومن قصة إلى أبيات من الشعر، فيبتدع لها المناسبات ويلقيها بصوت قوي، ويتكئ على الحروف ويعظّم مخارجها، فأُكبره وأعظمه وأسأله أن يكتب مقالة أو ينشئ فصلاً، فيفرّ منه فراراً ويسوّف ويعتذر ... فإذا أُحرِج وكتب جاء بشيء هو أشبه بسفرة المُسَحِّر، فيها من كل طعام لقمة، ولكن الحلو مع الحامض والحار مع البارد، وكل طعام مع طعام. وقد تتبعت أحوال هؤلاء، فوجدت أكثرهم على غير علم ولا اختصاص، ولا يطالع بجِدّ ولا يبحث بإمعان، ولا تدع له المجالس وقتاً لدرس ولا بحث، وإنما يحفظ الرجل منهم طائفة من الأخبار الأدبية والنوادر فيحملها معه أياماً يعرضها في كل مجلس، ويعيدها بعينها حتى ترِثّ وتَبلى وتصبح كالثوب الخَلق، فيعمد إلى غيرها فيصنع به مثلما صنع بها، ولا يدرك الناس الفرق بينه وبين الأديب المبدع الباحث، فيطلقون على الاثنين اسم «الأديب». فمتى يميز الناس بين الأديب الحق، وبين أديب المجالس؟ * * *

стр. 226

حرية الكتابة لست أدعو في هذه الكلمة إلى سلب الكتّاب حرية الكتابة، ولكني أدعو إلى الإبقاء على حرية الناس في التديّن والتخلق بكريم الأخلاق. وإن لكل حرية حدوداً لا ينبغي لها أن تعدوها، وإلا كانت حريةَ المجنون الذي يفعل ما شاء وشاء له الجنون. أنت حر في دارك، ولكنك لا تستطيع أن تتخذ منها أتوناً للفحم ولا ماخوراً للفجور، ولا تستطيع أن تحرقها أو تنسفها بالبارود. وأنت حر في نفسك، ولكنك لا تقدر أن تبسط سفرتك فتأكل في المحراب يوم الجمعة والناس في الصلاة، ولا تقدر أن تلقي الصحون وتصلي على المائدة ساعة الوليمة في الحفل الحاشد، أو أن تحضر المحاضرة بلباس الحمّام، أو أن تصرخ في المستشفى أو تغني في المأتم! وأنت حر في قلمك، ولكنك لا تملك أن تدعو إلى هدم استقلال وطنك، والخروج على قوانين بلادك ... إنهم يمنعونك ويُسكتونك ويضربون -إن فعلتَ- على يدك. فلماذا لا يمنعونك أن تكفر بالله، وتهدم الأخلاق، وتُخرج الناس على الدين، والأخلاقُ أساس الاستقلال والدين أَوْلى من القانون؟ وكيف صحّ ذلك المنع وساغ ولم يمسس حرمة هذه الحرية ولم يَنَلْ من قدسيتها، ولا يصح هذا ولا يسوغ ولا يكون إلا عدواناً على حرية الكتابة وإلحاداً فيها؟ أوَليس من عمل الحكومة الذي كانت من أجله الحكومات أن تقر الأمن في الأمة، وتضمن لها العزة والسيادة بين الأمم؟

стр. 227

إنه لا يكون أمن أو تكون عزة إلا بالخلق المتين وبالدين، فإن ذهبا لم يخلفهما شيء. وما القانون؟ هو الشرطي، فإن أمن العاصي أن يراه الشرطي أو يدري به القاضي أو يناله العقاب، ركب في طريق الغواية رأسَه فلم يردّه شيء. أما المؤمن فيردعه عن المعصية علمُه أن الله مطّلع عليه في سره وعلنه، وأما صاحب الخلق فربما رده خلقه وعصمه الله به. فلماذا نهدم بأيدينا هذين الحصنين، وندع الضعف والهوان يدخلان علينا بدخول الإلحاد والفجور؟ أوَمِن العدل أن تحفظ الحكومة أموال الناس من اللصوص وتضيّع عقائدهم، وتحمي جسومهم من القَتَلة وتبيح قلوبهم، وتقيم الحراس يحرسون البيوت والأثاث وتدع أعراض البنات وأخلاق الصبيان هملاً يسرقها ويعبث بها كل صحفي مفسد وشاعر ماجن وكاتب خبيث؟ سيقولون: حرية الكتابة. نعم، إنها حرية ينبغي أن تصان وتُضمَن، ولا يُعتدَى عليها ولا يُنال منها، ولكن الدين والأخلاق ينبغي -كذلك- أن يُصانا وأن يُضمَنا وأن لا يُعتدَى عليهما ولا يُنال منهما. فإن تعارض الأمران فلنحمل أخف الضررين ولنقبل بأهون الشرّين، وأهونهما أن نخسر حرية الكتابة أحياناً لنحفظ الدين والشرف، لا أن نخسر الدين والشرف لنحفظ «حرية الكتابة»، ونقول لكل صاحب نِحلة ضالّة أو هوى خبيث أو رأي هدّام: اكتب ما تريد واطبعه، وهاته نقرأه على أبنائنا وبناتنا ونَصُبّه في عقولهم وننشّئهم عليه!

стр. 228

ونحن اليوم في مطلع حياة جديدة، وقد غيرت هذه الحرب (١) المقاييس وبدّلت قِيَم الأشياء في أفهام الناس، وكانت امتحاناً قاسياً للأمم، لم تنجح فيه أمة فشا فيها الفجور وعمّت الفاحشة وضعفت الرجولة ونُسيت العقيدة. ولن يدوم نجاح لأمة لا تزال تستهين بالعفاف وتميل إلى المجون وتؤمن بالكفر، وحسبنا فرنسا مثلاً معروضاً لكل ذي عينين تبصران وعقل يفكر. فلنعتبر بغيرنا قبل أن نصير عِبرة للمعتبرين، ولتفهم حكوماتنا أنه لا حياة لنا إلا إذا أنشأنا من أبنائنا جيلاً مؤمناً متين الخلق، ظاهر الرجولة، مقبلاً على الجِدّ عارفاً بالواجب عليه. فإذا تركت الحكومات الصحفيين والكتّاب (أعني بعضهم) ينقض كل يوم حجراً من صرح الأخلاق ويوهي جانباً، وينشر في الناس حديث الشهوة البهيمية، ويستكثر من القراء بإثارة أحط الغرائز البشرية، لم ننشئ -والله- إلا جيلاً رَخواً ضعيفاً، هَمُّه شهوته ومطلبه لذته، قد ضاعت رجولته وذهبت قوته ... ثم نبني بهذا الجيل مجدنا ونقيم عزنا، ونأخذ بين الأمم مكاننا؟! إن المسألة أكبر من أن نلوك فيها هذه الألفاظ: «حرية الكتابة» و «حرية الفكر». إنها مسألة حياة أو موت! * * * وما في نشر الفاحشة صعوبة ولا يحتاج إلى عبقرية أو بلاغة

стр. 229

أو أدب أو نبوغ، وحسب الرجل أن ينشر في كتاب ما يُطوى في الخلوة، أو أن يظهر في صورة ما يستر من العورة، حتى ينال منه ما يريد. فتجرأ الناس على الأدب واقتحموا حِماه من غير أن يُعدّوا لذلك عدته، من وقوف على اللغة وأساليبها، واطلاع على صرفها ونحوها، ونظر في رسائل بلغائها ودواوين شعرائها ... وفيمَ هذا العناء كله، وأدب الشهوة لا يحتاج إليه ولا يعتمد عليه؟ وما هي إلا سهرة في الخمّارة أو ليلة في المرقص، حتى تجمع أسبابَه كلها ومقوماته! طُبع في دمشق منذ سنة كتاب صغير، زاهي الغلاف ناعمُه، ملفوف بالورق الشفّاف الذي تُلَفّ به علب الشكلاطة في الأعراس، معقود عليه شريط أحمر (كالذي أوجب الفرنسيون -أولَ العهد باحتلالهم الشام- وضعه في خصور بعضهن ليُعرَفن به!) فيه كلام مطبوع على صفة الشعر، فيه أشطار طولها واحد إذا قستَها بالسنتيمترات، يشتمل على وصف ما يكون بين الفاسق القارح والبغيّ المتمرسة المتوقحة، وصفاً واقعياً لا خيال فيه، لأن صاحبه ليس بالأديب الواسع الخيال، بل هو مدلل غني عزيز على أبويه، وهو طالب في مدرسة، وقد قرأ كتابَه الطلابُ في مدارسهم والطالبات! وفي الكتاب -مع ذلك- تجديدٌ في بحور العَروض؛ يختلط فيه البحر البسيط بالبحر الأبيض المتوسط! وتجديدٌ في قواعد النحو، لأن الناس قد مَلّوا رفع الفاعل ونصب المفعول، ومضى عليهم ثلاثة آلاف سنة وهم مقيمون عليه، فلم يكن بُدٌّ

стр. 230

من هذا التجديد! ومع ذلك فقد قرأنا في الجرائد من نحو شهر أن صاحب هذا الكتاب قد دُعي إلى محطة الإذاعة في القاهرة ليذيع منها شعره، رغبة منهم بنشر الأدب السوري وتوثيقاً للتعاون الثقافي بين الأقطار العربية! وإذا نزلت بهذا الأسلوب دركة أخرى، وجعلت الموضوع كله في وصف بنات «المحل العمومي» وما يكون منهن وصفاً سافراً مفصَّلاً، جاء معك ديوان «قالت لي السمراء» لنزار قباني الذي صدر في دمشق منذ سنتين! وإذا زدت لغة هذا الديوان لعنة على لعنتها، وأسلوبَه عَمىً على عَماه، وموضوعَه فجوراً على فجوره، جاء معك ذلك الكتاب الذي أصدره في دمشق من نحو عشر سنين موظف عامي صغير في دائرة الصحة (١). وهاكم مثالاً آخر؛ هو الكتاب الذي صدر في دمشق منذ عهد قريب، واسمه «مختصر تاريخ الحضارة العربية». وقد وُضع لطلاب المدارس الثانوية، ونصف مباحثه في القرآن وعلومه، والحديث وفنونه، والفقه أصوله وفروعه، والكلام، والفِرَق الإسلامية وعقائدها ... والذي راع صدورُه العلماءَ لما فيه من التخليطات التي يُكفَّر بمثلها المؤمن ويُجَهَّل العالم، ويُضحَك منه على ذقن قائله. وألّف مفتي الجمهورية لجنة للنظر فيه، فنظرت فوجدت فيه من الغلطات ما لا ينتهي العجب من صدوره ممن ينتسب إلى العلم ولو من وراء خمسة جدود، فكان مثال مؤلفيه

стр. 231

فيه كالنحوي إذا ألف في علم التشريح والكيميائي إذا كتب في فن التمثيل! على أن النظر في الغلاف إلى اسم مؤلفَيه يُبطل هذا العجب، لأن أحدهما اسمه جورج كذا، والآخر اسمه من أسماء المسلمين، ولا أعرف عنه ولا عن زميله شيئاً، ولكن أبحاث الكتاب تدل على أن هذا المسلم أجهل بعلوم المسلمين من الخواجة جورج! إنها حرية الكتابة، فليتعلم طلابنا الأباطيلَ على أنها حقائق، والأوهام على أنها الإسلام، ويحفظوها ليؤدّوها يوم الامتحان، ما دامت هذه الحرية مَصونة وما دام الكلام في الحد منها عدواناً على الفكر المقدس! * * *

стр. 232

إلى الأستاذ الرافعي نشرت في مجلة «الرسالة» سنة ١٩٣٤ أَعِرْني -يا سيدي- هذا القلم السحري الذي تكتب به، لأصف لك الشعور الذي خامرني وإخواني هنا حين قرأنا فصلك الأخير: «قصة زواج»، فما أدري والله كيف أصفه لك. وقد والله قرأناه مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، وقد والله قطعنا القراءة مرة وثانية وثالثة، لأننا لم نكن نملك نفوسنا أن تُفلت من قيود المادّة وتنفذ من بين السطور إلى عالم أسمى وأوسع، تطير في أرجائه لتلحق بهذه البلاغة العلوية التي تسمو بِتاليها وتسمو، حتى تدنو به من حدود العالم الكامل، عالم القرآن، وتريه تحقيق ما قاله فيها سعد: كأنها تنزيل من التنزيل! وقد والله خرجنا منها وكأننا لم نعرف عبد الملك أمير المؤمنين وسعيداً سيد التابعين إلا الساعة ... فإذا أنت قد نقلت المُلْكَ والجلال من ذاك إلى هذا، وإذا مقالة منك واحدة تغلب عبد الملك على جيوشه وأمواله وملكه، ثم تجرّده منها، ثم تعرضه جسداً هزيلاً، وتمنح سعيداً -على فقره وتواضعه- أسمى العظمة والهيبة والجلال. وأقسم لقد سمعت هذه القصة وقرأتها، وحفظتها وحدّثت

стр. 233

بها، وانحدرت بين أذني ورأسي ولساني عشرين مرة، ثم كأني لم أسمع بها إلا الآن، وكأني كنت فيها في ليل مظلم فطلعَت عليّ مقالتك شمساً ساطعة؛ عرفت معها كيف تكون حُصَيَّاتُ الليل لآلئَ النهار. فما بالك بمن لم يسمع باسم سعيد؟ وما بالك بمن لا يعرف في الدنيا أدباً إلا الأدب الذي يسقط علينا من باريس أو لندن، ولا يدري من البلاغة إلا أنها التي تلوح بين سطورها رؤوس البنادق وأفواه المدافع وأجنحة الطيارات؟ ومثل أولئك كثير؛ فقد عابوك بالغموض ورمَوَك بالإبهام، وادّعَوا أن كتبك لا تُفهَم ومعانيك لا تُسَاغ، فلما ظهر أن في الغرب شاعراً فحلاً مذهبه الغموض يتخذه ويدعو له ويدافع عنه، أصبح الغموض فناً من فنون الأدب تُتمَحَّل له الأسباب وتُتلمَّس له الدّوَاعي! فما الذي جعل سيئة الرافعي حسنة بول فاليري، إلا أن ذاك من فرنسا وهذا من مصر؟ أما إن هذا الإيمان بالغرب إذا انتقل من الشيوخ إلى الشبّان لم يكن إلا كفراً بالشرق وإلحاداً بالعقائد الشرقية وجهلاً باللغة الشرقية وخروجاً من الجلدة الشرقية! وإن عندنا في دمشق ندوة أرادت أن تَعيب مَجْمَعنا الأدبي (١)، فلم تجد أبلغ في العيب

стр. 234

من قولها: «إن المجمع ثقافته شرقية»! بل لقد ضبطتنا متلبسين بالجريمة وأشهدت علينا أننا كنا نحمل كتباً صفراء، وكان الذي نحمله «شرح المواقف» للسيد. ومثل هؤلاء لا يقرؤون الأدب العربي إلا إذا صيغ هذه الصياغة! * * * وعندنا أن هذه القصة بكل ما قرأنا -في العربية- من قصص ما يزال أكثر أصحابها يُنشئون أدباً فرنسياً أو إنكليزياً بحروف عربية. وعندنا أنك إذا استكثرت من هذا النوع غَطّيت على خيام أهل الجديد ودُورهم المَبنيَّة من الطين والقش بقصر شامخ من الصخر يَثبت ما ثبت الدهر. وعندنا أن مئة قصة من مثل هذه القصة تنشئ الأدب العربي إنشاء جديداً، وتخرج من الشيخ الهِمّ الفاني الذي ينتظر الموت شاباً قَويّاً بَهيّاً جاء يستأنف الحياة بحنكة الشيخوخة، وتجعل من الأدب العربي أدبين: أدب أربعة عشر قرناً، وأدب الرافعي! ولست والله أمدحك لأتملّقك وأتزلف إليك، وما بي -بحمد الله- رذيلة التملّق والتزلف. بل إني لأنقم منك أحياناً أنك تبالغ في الدقة وتُمعن في السَّبْك الفنّي لمعانيك وألفاظك حتى ما أكاد أفهم عنك. وإننا لنحفظ جُمَلك هذه الغامضةَ ونتنادر بها، على حين أنك تعرف من نفسك القدرة على أسهل الكلام وأوضحه وأن شعرك ليّن سائغ عذب كالماء. ولكني أمدحك -وما أجدني صنعت شيئاً- لأنك في نفسي أكبر من ذاك؛ إنك واحد من عشرة هم كُتّاب العربية في كل

стр. 235

عصورها، إنك لسان القرآن الناطق. فاقبل تحياتي وإكباري وشكري، وأسألك أن تَزيدنا من هذا النوع من الأدب، وأن تستكثر من هذه الفصول الاجتماعية، وأن تعلم أن مقالاتك في الزواج كان لها من الأثر ما لا يكون لقانون صارم من ورائه السجن والغرامة. علي الطنطاوي (عضو المجمع الأدبي بدمشق) * * *

стр. 236

أسلوب الرافعي حديث أذيع سنة ١٩٧٧ سألني سائل عن أسلوب الرافعي. وأسلوبُه على أربعة أنواع: (١) أسلوبه في كتاباته التي يتفلسف فيها ويكتب فيما يسميه «فلسفة الحب»، ككتابه «رسائل الأحزان» وكتابيه الآخرين: «أوراق الورد» و «السحاب الأحمر»، وهو أسلوب معقَّد مصطنَع ثقيل، وإن كان مملوءاً بالتَّشابيه النادرة، والاستعارات العجيبة، والصناعة البيانية. (٢) أسلوبه في تآليفه العلمية، ككتابه «تاريخ آداب العرب»، ومنه الجزء الخاص بإعجاز القرآن، وهو أسلوب جَزْل متين صحيح يشبه أسلوب الجُرْجَاني في «دلائل الإعجاز». (٣) أسلوبه في مقالات «الرسالة» التي جمعها في كتاب «وحي القلم»، وهو أسلوب ممتاز، فيه بيان وبلاغة وفيه -غالباً- وضوح. وخيره ما كان على صورة قصة، كقصة «أمراء للبيع» و «قصة زواج». (٤) أسلوبه في النقد، وهو مملوء بالسخرية والتعالي

стр. 237

والهَمْز واللَّمْز، وإن كان نقده لطه حسين -في كتاب «تحت راية القرآن» - نقداً نظيفاً، أما نقده للعقّاد في كتاب «على السَّفّود» فهو هجاء بَذيء، لذلك لم يطبع اسمَه عليه. أما أسلوبه في شعره فسهل واضح حماسي جداً، فيه مبالغات ولكنها مقبولة، وهو أنجح شاعر في نَظْم الأناشيد؛ مثال ذلك نشيده «اسلمي يا مصر»، ونشيد «سعد»، ونشيده العظيم «ربَّنا إيّاكَ نَدعو رَبَّنا» الذي يقول فيه: إنّما الإسلامُ في الصحرا امْتَهَدْ ليَجيءَ كلُّ مسلم أسد أما الذي يُنتقَد عليه فهو اعتداده الشديد بنفسه وتعاليه على خصومه، وتعقيد عباراته وبذاءة ألفاظه أحياناً. لكنه في كتاباته كلها (إلاّ ما يسميه فلسفة الحب) يدافع عن الإسلام والعروبة ويقف لأعدائها بالمرصاد، وقد بقي أربعين سنة أو أكثر وهو الممثّل الأول للأدب الإسلامي والمدافع عنه. ﵀. * * *

стр. 238

طه حسين في دمشق نشرت سنة ١٩٥٥ دعا رئيس الجامعة السورية في الأسبوع الماضي إلى المحاضرة التي سيلقيها الدكتور طه حسين حول «بعض خصائص الشعر العربي القديم في سوريا». وكانت الدعوة ببطاقة من جنس بطاقات الأعراس دعاه فيها «عميد الأدب العربي». ورأى الناس هذا اللقب، ورأوا الأزمة المصطنَعة في توزيع البطاقات، وسمعوا طبول الدعاية الضخمة التي قُرعت لهذه المحاضرة، فحسبوا أنهم سيلقَون فيها ليلة العمر؛ فتسابقوا إليها وازدحموا عليها، وبيعت البطاقة بليرة، وظنّوا أن الدكتور سيُريهم السُّها (١) ويكشف لهم أميركا، فإذا هو يريهم القمر ويكشف لهم إسبانيا! وإذا هو يبدأ -على عادته دائماً- بهذا اللتّ والعَجْن (٢)،

стр. 239

وأنه "جاء ليتحدث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سوريا، وما كان يحبّ أن يتحدث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سوريا، وإن كان يسعده أن يتحدث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سوريا، لأنه ليس من السهل ولا من المَيسور الحديث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سوريا، وأنه يجد المشقة والعسر في الحديث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سوريا، ولكن هذه المشقة وهذا العسر يُحتمَلان في سبيل الحديث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سوريا ... " إلخ. وبعد هذا الدهليز الملتوي المُلتَفّ الذي يمتد ميلاً أوصلنا إلى دار من ثلاث غرف، فقال كلاماً مُعاداً مكرَّراً موجوداً في كل كتاب من كتب الأدب المؤلَّفة لصفوف البكالوريا. ولحن لَحْنات في الإلقاء، وجاء -على عادته أيضاً- بأحكام قائمة على الوهم مَبنيّة على الباطل، فتوهّم أن عَدِيّ بن الرِّقاع لم يقل بيته المشهور: تُزْجِي أَغَنَّ كأنّ إبْرَةَ رَوْقِهِ (١) ... قَلَمٌ أصابَ من الدَّوَاةِ مِدادَها ارتجالاً، ولكن بعد طول الرويّة والبحث والحذف والتصحيح. ودليل طه أن طه نفسه لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا التشبيه البارع ارتجالاً، فيجب أن يكون عَديّ، الشاعر المطبوع، مثل طه! ونسي طه أنه لا يستطيع أن يأتي بمثل ذلك ولو بحث

стр. 240

وفكر، وأن أسلوبه أسلوب علميٌّ خالٍ من كل مزايا الأساليب الأدبية الحافلة بالصور المليئة بالتشبيهات والاستعارات. وما دام قد ثبت أن عدياً لم يأتِ بهذا البيت الواحد إلا بعد الرَّوِيّة، فقد ثبت -قِياساً عليه- أن شعر عديّ كله شعر روية وبحث، وما دام شعر عديّ شعر روية وبحث فالشعر الشامي كله شعر بحث وروية وإعداد. وهكذا صدر الحكم الطاهَوي! تخيّلَ حَبّة فبنى منها قُبّة، والقبة ولدت قِباباً، والقباب شكّلت مدينة ... وما كانت المدينة قط إلا في هذا الخيال السقيم! وهذه مصيبة طه حسين، بدأت معه من يوم خلع عمامته الأزهرية وخلع معها عقله ودينه، فأظهر من «آثاره» ما تستر الهرّة أمثالَه من «آثارها»، حين نشر ذلك الخزي الذي سماه كتاب «الشعر الجاهلي»، ولا تزال معه إلى اليوم. وما لقيت أحداً ممن سمع المحاضرة إلا أحسّ أنه خُدع بهذه الدعاية (١)، وأن المحاضرة تافهة الموضوع فارغة من المعاني، وأن إلقاء المحاضر -على جودته- إلقاء نَمَطي بلهجة واحدة ونغمة مستمرة، لا يظهر عليه أثر الحياة، ولا تتبدل رنّته في استفهام ولا تقرير ولا مفاجأة ولا تعجّب، وأن محطاته كلها واحدة، تنتهي بشِدّة على الحرف منكَرة، وقلقلة في غير موضع قلقلة.

стр. 241

ولكن كل واحد من السامعين كان يخشى أن يصرّح بما أحس به -بعد هذه الدعاية المسرحية التي كانت للمحاضرة- فيُتّهَم بعدم الفهم! ولو كانت هذه المحاضرة كلمة ألقيت في حفلة شاي بمناسبة عارضة لكان للرجل بعض العذر، ولكنه موضوع أعدّه من أكثر من سبع سنين، وقد خبّرَ به صديقي الأستاذ سعيد الأفغاني سنة ١٩٤٧ وقال له إنه يريد أن يحاضر به في دمشق، وخبّرني الأستاذ الأفغاني بهذا من سنين. ولا عجب أن يجيء هذا من طه، ولكن العجب من أهل الشام، يَدَعون الكَفِيّ القدير من أهل بلدهم، ويُجَنّون بكل قادم عليهم فيرفعونه إلى حيث لا تحمله أجنحته؛ فيوماً ترتَجّ البلد ويطير العقل منها لأن طه حسين جاء يحدّثها بما يعرفه كل مدرّس للأدب في الثانوي وكل طالب للأدب في الجامعة، ويوماً تُقيم مهرجاناً لأبي ماضي، ويوماً تبتدع عيداً قومياً لإحياء ذكرى هذا المأفون ابن سرجون! فمتى يعقل الشاميون؟! * * *

стр. 242

طه حسين في الميزان حديث أذيع نحو سنة ١٩٧٥ لما توفي الدكتور طه حسين (١) وردت عليّ أسئلة تطلب أن أبيّن القول فيه، وقد أجبت عنها في برنامجي في الرائي (التلفزيون) جواباً مفصَّلاً ألخصه الآن فيما يلي: الجواب يختلف باختلاف المقياس الذي نقيس به عظمة الرجال، والمقاييس تختلف باختلاف الغايات والمقاصد. فإن كنا نريد مَن يَؤُمّنا في الصلاة قدّمنا من العلماء الأقرأ، وإن طلبنا مَن يُفتينا اخترنا الأعلم والأفقَه، وإن كان المقصد خطبة تُلقى جئنا بالأفصح الأَبْيَن، وفي مباراة المصارعة أو العَدْو طلبنا الأقوى عضلاً والأخفّ حركة، وفي درس التدريب العسكري تُركت هذه المقاييس كلها وقُدِّم الأطول فمَن كان أقل منه طولاً ... وعند الله لا عبرة لشيء من هذا كله ولا وزن له، وإنما يَرْجَح ميزانُ من كان أكثر إيماناً وأصلح عملاً. فإذا كانت عظمة الأديب إنما تُقاس بذيوع الاسم وانتشار الصيت، فلا شك أن طه حسين أذْيَع أدباء العصر اسماً وأكثرهم

стр. 243

انتشارَ صيت. وإن كانت بما يشغل به الناسَ ويصرف أنظارهم بذلك إليه، كان طه حسين الأول في هذا المجال. وإن كانت باقتفاء أسلوبه ومحاولة المتأدّبين تقليده والنسج على نَوْله، فإن أسلوب طه حسين هو المُجَلّي في هذا الميدان. وإن كانت بآثاره (صالحة كانت أو طالحة، خيّرة أو شريرة) فطه حسين أشد الأدباء تأثيراً في الشباب وفي المجتمع. وهو قوي الشخصية، نافذ القول، وله مزايا أُخَر. وهو خير مَن شرح الشعر الجاهلي القديم شرحاً عَذْباً سهلاً حبّبه إلى الشباب ورغّبهم فيه. ولكن أسلوبه -لما تستلزمه طبيعة الإملاء- مليء بالتكرار والإسهاب الذي يصل أحياناً إلى حد الإملال والاستثقال. وليس لأسلوبه أناقة الزيّات، ولا خفّة المازني، ولا فكر العقاد، ولا حوار الحكيم، ولا واقعية أحمد أمين، ولا جمال أسلوب زكي مبارك. ولم ينجح في القصة، وقد كرّر محاولة تأليفها. ولا شك أن كتاب «الأيام» عمل أدبي جميل، ولكنها قصة حياته وليست قصة موضوعة، ولا تقاس بالقصص الأدبية العالمية، لأن الذي في «الأيام» وصف جميل لوقائع، وتلك صور من الحياة فيها اصطفاء وفيها جمع وتأليف، ولها عقدة وحل، وفيها مجهول يتطلّع إليه القارئ وتدور عليه القصة. * * * على أنّي ما سُئلت عن طه حسين من وجهة نظر الناقد أو المؤرّخ الأدبي، وإنما سألني عنه مَن هو من الشبّان المسلمين

стр. 244

لأتكلم عنه من الوجهة الإسلامية. أنا لا أقول إن طه حسين ملحد زنديق، وأرى أنه يؤمن بالله، لكنه إيمان بوجوده وأنه الرب، وهذا لا يكفي ما لم يكن معه إفراده بالعبادة وأداء ما أوجب الله على عباده. وطه حسين من آثاره أنه سَنَّ سُنّة إدخال البنات الجامعات واختلاطهن بالشبّان، وما نرى ونلمس من نتائج هذه السنّة. على أن الله لا يسألني يوم القيامة عن طه حسين ولا عن غيره، بل يسألني عن نفسي: ماذا أقرأ وماذا أنصح الشبّان أن يقرؤوا؟ ويعاقبني إن كتمت الحق عنهم أو غششتهم فصرفتهم عنه. فهل أنصح الشبان بقراءة كتب طه حسين، وإن دعاه الصاوي يوماً «عميد الأدب العربي» فمشت الكلمة في الناس؟ الجواب: لا. «لا» بالقول الصريح، و «لا» بالقلم العريض؛ لأن لطه حسين كتباً فيها بلاء كبير -ككتابه «مستقبل الثقافة» - وكتباً فيها تمجيد للوثنيات اليونانية، وكتباً فيها الكفر الصريح. ولقد كنت في مصر أدرس في دار العلوم سنة ١٩٢٨ (وكنت مع الشهيد السعيد سيد قطب في سنة واحدة، ولم أكمل)، ويومئذ صدر كتابه «الشعر الجاهلي» الذي يكذّب القرآنَ صراحة، والذي أُلِّفت عشرات الكتب في ردّه وإبطاله، من أشهرها كتاب الغمراوي «النقد التحليلي» وكتاب السيد الخضر «نقض كتاب الشعر الجاهلي» و «تحت راية القرآن» للرافعي، واتسعت القضية حتى دخلت الندوة (البرلمان). وكتبه تفيض بالتناقض؛ يسوق الرأي ثم يعود فيأتي بضدّه.

стр. 245

وما كان طه يوماً من كتّاب الدعوة، ولا من أنصار الإسلام، ولا رضي عنه الإسلاميون أبداً، حتى كتابه الذي قلت عنه إنه من روائع الأدب (الأيام) فيه عبارة أخجل من الله أن أرويها وترتجف أعصابي خوفاً من هذه الجرأة على الله، ولا أدري إذا بُدِّلت هذه العبارة أو عُدِّلت في الطبعات الجديدة من الكتاب، وهي قوله: "إن الصبي (يعني نفسه) أضاع ما كان معه من القرآن كما أضاع نعله"! أستغفر الله. صحيح أن كتابه «مرآة الإسلام» (١) ليس فيها ما يؤخَذ عليه، ولكن النصيحة للمؤمنين والقول الحق في كتبه: أني لا أرى في قراءتها خيراً للشبان المتدينين، وأرى الابتعاد عنها لسلامة دينهم وضمان آخرتهم. * * *

стр. 246

صوت من وراء القرون نشرت سنة ١٩٥٥ [قال لَقيط بن يَعْمَر الإيادي ينذر قومَه غزو كسرى إياهم (وكان كاتباً في ديوانه)، وكأن هذه القصيدة صوت من وراء الغيب، قطع إلينا أكثر من ثلاثة عشر قرناً لينذرنا خطر إسرائيل. (١)] أبلِغْ إياداً وخَلِّلْ في سَراتِهُمُ ... إنّي أرى الرأيَ -إنْ لم أُعْصَ- قد نَصَعا يا لَهْفَ نفسيَ إنْ كانت أمورُكُمُ

стр. 247

شَتّى وأُبرِمَ أمرُ النّاسِ فاجْتَمَعَا ألا تخافون قَوْماً -لا أبَا لَكُمُ- ... أَمْسَوا إليكم كأمثال الدَّبا سِرَعا (١) في كلّ يومٍ يَسُنُّون الحِرابَ لكم ... لا يَهْجَعونَ إذا ما غافلٌ هَجَعا ما لي أراكُمْ نِياماً في بُلَهْنيَة (٢) ... وقد تَرَوْنَ شِهابَ الحَربِ قد سَطَعا فاقنوا جِيادَكُمُ (٣) واحمُوا ذِمارَكُمُ ... واسْتَشْعروا الصبرَ لا تستشعروا الجَزَعا اُذْكوا العيونَ وَراء السَّرْحِ واحترِسوا ... حتى تُرى الخيلُ من تَعْدائها رُجُعا لا تُثمروا المالَ للأعداءِ إنّهُمُ ... إنْ يَظهروا يَحْتووكُمْ والتِّلادَ مَعَا (٤) هيهاتَ لا مالَ مِنْ زَرْع ولا إبل

стр. 248

يُرجَى لغابِركم إنْ أنفُكُمْ جُدِعَا ماذا يَرُدّ عليكم عزَّ أوّلكم ... إنْ ضاعَ آخِرُكم أو ذَلّ واتَّضَعا؟ * * * يا قومُ لا تأمَنوا إن كنتمُ غُيُراً ... على نِسائكُمُ كسرى وما جَمَعا (١) هو الجَلاءُ (٢) الذي تبقى مذلّتُهُ ... إنْ طار طائرُكُمْ يوماً وإنْ وَقَعا هو الفَناءُ الذي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ ... فمَنْ رأى مثلَ ذا رأياً ومَن سَمِعا؟ * * * قومُوا قِياماً على أَمْشاطِ أرْجُلِكُم ... ثمّ افْزَعوا، قد ينالُ الأمنَ مَنْ فَزِعَا وقَلِّدوا أمرَكُمْ -لله دَرُّكُمُ- ... رَحْبَ الذّراعِ بأمرِ الحَرْبِ مُضْطَلِعا لا مُتْرَفاً إنْ رَخَاءُ العَيشِ ساعَدَهُ

стр. 249

ولا إذا عَضَّ مَكروهٌ بِهِ خَشَعا لا يَطْعَمُ النّومَ إلاّ رَيْثَ يَبْعَثُهُ ... هَمٌّ، يكادُ حَشاهُ يقطعُ الضِّلَعا مُسَهَّدُ النومِ تَعنيه أمورُكمُ ... يَرومُ منها إلى الأعداء مُطَّلعا وليس يَشغَلُهُ مالٌ يُثَمِّرُهُ ... عنكم ولا وَلَدٌ يَبغي له الرِّفَعا * * * لقد بذلتُ لكم نُصحي بلا دَخَلٍ ... فاسْتَيقِظوا، إنّ خيرَ العِلْمِ ما نَفَعا هذا كتابي إليكُمْ والنَّذيرُ لكُمْ ... لِمَنْ رَأى رأيَهُ منكُمْ ومَنْ سَمِعا * * *

стр. 250

ثالث الحرمين نشرت سنة ١٩٥٥ [هذه قطعة من قصيدة، ما قال ناظمها بيتاً من الشعر قط قبلَها ولا قاله بعدَها، أعدّها في ساعة واحدة، وألقاها على الملك سعود وغلام محمد حاكم الباكستان في الحفلة الكبرى في فندق بيج في كراتشي، ننشرها لنهزّ بها الشعراء، علّهم يقولون ما لم يستطع ناظمُها أن يقول: (١)] أجَلالةَ المَلكِ العظيم سُعودِ ... صقرَ الجزيرة وابنَ خير جُدودِ يا خادمَ الحَرَمينِ: تَترُكُ ثالثَ ... الحَرَمينِ يَعدو فيهِ كلبُ يَهودِ؟ هوَ حِصنُ حقٍّ غابَ عنهُ حُماتُهُ ... هُوَ قلعةٌ لكنْ بغَيرِ جُنودِ لا العطرُ والنَّدُّ المصفّى طِيبُهُ ... لكنَّ ريّاهُ شذى البارودِ
следующие страницы →