من عقائد تنافي الوحدانية، وتكلفهن حفظ ذلك واستظهاره قبل أن يعرفن ما التوحيد وما عقائد أهل الإسلام.
ثم إن دخلت البنت المدرسة الثانوية ألزموها أن تلبس السراويل القصار بحجة الرياضة، ثم يأتون لها بالرجل العسكري ليعلّمها أساليب القتال واستعمال السلاح، كأن الشبّان لا يدورون فارغين في الطرقات ولا تمتلئ بهم السينمات، وكأنه لم يبقَ في البلد رجال فوجب القتال على النساء! ثم زادوا فجعلوا للبنات معسكراً يَبِتْنَ فيه شهراً، يَنَمْنَ ويُقمنَ خارج بيوتهن بعيدات عن أهليهن، يشرف عليهن الرجال الأجانب عنهن. ثم إن دخلت البنت الجامعة وجدت من الاختلاط والفساد ما يغني تصوُّره عن تصويره والعلمُ به عن الكلام فيه.
* * *
ووجدت أن المجتمع قد فسد كما فسدت المدارس، وإذا لم يصل السفور إلى البنت من زميلات المدرسة وصل إليها من جارات الدار. ووجدت أن البنت إن لم تقرأ الكفر في كتب المدرسة قرأته في المجلات أو سمعته في الإذاعات ... ووجدت الداء يستشري ويزيد، فما كنا نتصوره قبل ثلاثين سنة مستحيلاً، وقبل عشرين سنة بعيداً، وقبل عشر سنين مُعيباً، صار هو القاعدة المتَّبَعة وصار هو الأصل الذي يُقاس عليه ويُرجَع إليه.
فماذا أصنع؟ إنها مشكلة، ليست مشكلتي وحدي، بل هي مشكلة كل أب له بنات. فكيف أحفظ على بناتي حجابهن؟ هذا وباء عَمَّ وانتشر، فماذا نصنع له؟ ماذا يصنع الناس في درء الوباء؟
стр. 107
كان الوباء إذا جاء أقام سنين وفتك بالكبير والصغير حتى تمتلئ البلد بالجثث وتخلو من السكان. كذلك كان يصنع في الشرق والغرب، ولكنه لمّا قدم مصر سنة ١٩٤٧ لم يلبث فيها إلا قليلاً، فما السبب؟ لقد كنت مقيماً في مصر تلك السنة وعرفت السبب: استعدت له الحكومة ونهض لمقاومته الأطباء، فحاصروه قبل انتشاره وقضوا عليه قبل استفحاله.
وهذا وباء في الدين، جعلَنا نحن المسلمين كأنّا لسنا بالمسلمين، فالعورات مكشوفة، والمحرَّمات معلَنة، والفرائض متروكة؛ كأننا والله في جاهلية جَهلاء وضلالة عمياء لم يُنزَّل علينا كتاب ولم يُبعَث فينا نبي، بل إن الجاهلية أشرف -أقسم بالله- وأعفّ وأنظف! وهل كان في الجاهلية بنت تكشف عورتها بعلم الأب وعين الأم ونظر الناس، فلا تسمع مُنكِراً ولا ترى معترضاً؟
إنه وباء في القلوب والعقائد والأخلاق، فماذا نصنع له؟
أما الحكومة، لا أعني حكومة بعينها بل أكثر حكومات البلاد الإسلامية، فلم تلتفت إليه ولم تهتمّ به، بل ربما كان منها من تشجّعه وتزيده شرّاً وانتشاراً. وأما الشعوب فلم تنتدب منها من أهل القدرة والاختصاص من يتطوع لمحاربته ودفعه على خطة مرسومة ومنهج مدروس، كما فعل الأطباء في دفع ذلك الوباء.
إن أكثر الأمة -لو أحصيت- لا تزال تؤمن بالله وتحب الخير، ولكنها قد ضعفت ثقتها بربها وضعفت ثقتها بنفسها، لا يجمعها نظام ولا يقودها قائد ولا تنطق باسمها صحيفة، بل
стр. 108
إن القانون في كثير من البلدان يصادم رغبتها وعقيدتها والصحف تنشر ما يخالف رأيها ومذهبها، فلا تزال كلَّ يوم إلى نقص.
فلم يبقَ إلا أن يحتاط كلٌّ لنفسه؛ لم يبقَ إلا أن يفرّ المرء بدينه ويجتنب أسباب الداء. لقد صدق رسول الله ﷺ وعاد الدين غريباً، فلنكن من أهله ولو تغرّبنا في بلادنا، فأولو الفضل في أوطانهم غرباء.
لقد تصدّعت الجبهة وانهزم الجيش وتفرّق، وبقي هاهنا وهاهناك أفراد. فليجتمع من بقي، وليتكاتفوا ويتحارسوا حتى يكثروا ويعيدوا تأليف الجيش. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (١).
* * *
стр. 109
بيان وإنذار
حديث أذيع سنة ١٩٧٢
يا سادة، كان المستعمرون على عهد نشأتنا يحكمون بلادنا، وكانت لهم على كل جبل قلعةٌ مدافعُها موجَّهة إلينا، ولهم في كل بلد جند يلوّحون بسلاحهم في وجوهنا، وكنا نثور عليهم فنقتل منهم ويقتلون منا ... ثم أوحى إليهم شيطانهم خطة فيها توفير لأموالهم وحفظ لأرواح جنودهم، هي أن يتركوا هذا الاستعمار الظاهر ويعمدوا إلى استعمار خفي، يستعمرون به القلوب لا المدن، ويسخّرون به أبناءنا للإيقاع بنا.
وكان أول ما حاربونا به أن عملوا على سلبنا أقوى أسلحتنا، وهي ديننا. ذلك أنهم علموا أنه ما دام المسلمون متمسّكين بهذا الدين الذي يدعو إلى العزة ويأمر بالجهاد، ويفتح عيون أتباعه حتى يفرقوا بين الخير والشر والصديق والعدو، فلن يصلوا منا إلى ما يريدون؛ فعمدوا إلى إضعاف الدين في نفوس أولادنا، وشقّوا لذلك الطرق وأعدّوا له الخطط، فمن تقليل ساعات الدروس الدينية في المدارس، ومن بَثّ الشر في النفوس، ومن إفساد الأخلاق بالصور والأفلام ... فنالوا بذلك ما لم ينالوا عُشرَ مِعْشاره بالقلاع والمدافع والدبابات!
стр. 110
وهذا الذي أقوله ليس خيال شاعر ولا صَوغ أديب، ولكنه حق واقع قالوه في كتبهم التي ألّفوها لأنفسهم، وقرّروه في مجتمعاتهم ووصّاهم به دهاقين سياستهم. إنهم ما حاربونا بسلاح كان أكثر أذى لنا وأشدّ نفعاً لهم من هذا السلاح الشيطاني الرهيب، وهو صرفنا على ديننا وعن دعوة ربنا. فإذا أراد المسلمون أن يردّوا أذى هذا السلاح عن أعناقهم، وأن يحبطوا كيد عدوّهم ويفوّتوا عليه الظفر بهم، فليس لهم إلا الرجوع إلى دينهم.
فيا شباب المسلمين، لا تبلغ منكم الغفلة أن يتلاعب بكم العدوّ ويسخّركم لمآربه. إنه يريد أن يصرفكم عن دينكم ليتمكن منكم ويستحوذ على خيرات بلادكم وثمرات أرضكم، فلا تستجيبوا لوساوس شياطين الإنس، وارجعوا إلى دينكم فتمسكوا به، واجهروا بدعوته، احملوا أنتم لواءها وكونوا أنتم سياجها وحُماتها، واطلبوا بذلك رضا الله لا رضا الناس، وثوابَ الآخرة لا متع الدنيا، وأعيدوا على مسمع التاريخ سِيَر شُبّان الصحابة الذين شدهوا التاريخ ببطولاتهم، أعيدوها بأفعالكم لا بأقوالكم، حتى تعلم الدنيا أن أمة محمد ﷺ لا تموت وأن دعوة الإسلام لا تنقطع، وأنه قد يهرم الدهر ويبقى الإسلام شاباً يحميه من أبنائه شبابٌ يقحمون في سبيله الأهوال ويجرعون الغصص، ويستخفّون الأثقال ولا يبالون بالموت.
ويومئذ، يوم يتعاضد المسلمون ويتضامنون ويرجعون إخوة كما أراد الله أن يكونوا، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
* * *
стр. 111
الدعوة إلى الأصول قبل الفروع
حديث أذيع سنة ١٩٧٢
الإسلام يحتاج اليوم إلى الدعوة من جديد. لا أقصد دعوة الكفار المخالفين، فهي واجبة، ولكن أمامنا ما هو أوجب وما هو أقرب، وهو دعوة شبان المسلمين والشابات المسلمات إلى الإسلام.
لا تعجبوا، فإن أكثر أبناء المسلمين لا يعرفون ما الإسلام. حتى الذين يصلّون منهم ويصومون، فإن الكثير منهم يصلي ويصوم بحكم العادة، ولكنه لا يعرف أسرار الصلاة والصوم ولا يعرف من أحكامهما إلا القليل.
فكيف ندعو الشبان إلى الإسلام؟
أنا أعرف من الدعاة الصالحين من يأتيه الشاب من هؤلاء يرغب في التعلم والصلاح، فلا يبدؤه بما بدأ به رسول الله ﷺ من تصحيح العقيدة أولاً، ثم بتعريفه المحرَّمات والكبائر المُجمَع عليها ليتجنبها والفروض الأساسية المُجمَع عليها ليقوم بها، لا يصنع ذلك كله، بل يبدؤه بإطلاق لحيته! وأنا لا أعترض على إطلاق اللحية ولا أزيّن حلقها، ولكن أضرب مثلاً لمن يترك
стр. 112
أركان الإسلام الأصلية ويبدأ بما وراءها، فيبذل جهداً في إقناع الشاب بإطلاق اللحية، لو بذله في تصحيح العقيدة وإقامة أركان الدين لحقق من ذلك ما يريد، ذلك لأن أصعب شيء على الشاب إطلاق لحيته، فإذا عرّفته بالله ولقّنته تعظيمه أطلق لحيته من نفسه بلا كلام، أما إذا بدأت بها فعملها على كره لها، ثم ثَقُل عليه أمرها فتركها فإنه يترك معها الدين كله. وقد شاهدنا هذا مراراً.
هذا مثال، فلا يقل بعض السامعين إن الطنطاوي يدعو إلى حلق اللحى ومخالفة السنة، فإننا في وقت حرج، والإسلام مُهاجَم في عقر داره، والإيمان نفسه مهدَّد. نحن الآن أمام خطر حقيقي وكفر صريح، فأجّلوا البحث في السنن والمكروهات، بل أجّلوا البحث في الأمور المختلَف بين فقهاء المذاهب الأربعة في أنها محرمة أو مكروهة.
* * *
خطيب الحرم في الجمعة الماضية قال كلمة صحيحة، هي أن رسول الله ﷺ لبث ثلاث عشرة سنة في مكة لا يدعو فيها إلا إلى تصحيح العقيدة وإقرار التوحيد، فلما استقر التوحيد في النفوس وصحّت العقيدة نزلت عليه تفصيلات الشريعة وآيات الأحكام.
فلماذا لا يفعل العلماء والمرشدون والدعاة إلى الله مثل فعل رسول اللهصلى الله عليه وسلم؟ التوحيد هو الأصل، فلماذا نجد من يبدأ بفروع الفروع قبل الأصل؟
جاء مرة شاب ألماني إلى دمشق، هداه الله إلى الإسلام فهو
стр. 113
يريد أن يعرف أحكامه ويتمكن منه، فدلوه على أحد المشايخ، فكان أول ما بدأه به أن يطلق لحيته وأن يختن نفسه، ثم بدأ يعلّمه أحكام الاستبراء والاستنجاء، والخلاف في جغرافية الوجه: هل يحدّه شمالاً أول الجبين أو منبت الشعر؟ وألا يضربه بالماء عند الوضوء لأن ذلك مكروه ... وأمضى سنة كاملة ما تعلم فيها إلا أقسام المياه، وأنها سبعة: طاهر مطهِّر غير مكروه، وطاهر مطهِّر مع الكراهة، وطاهر غير مطهِّر ... إلى آخره، وما حكم السمن الذي تسقط فيه فأرة والبئر التي تموت فيها هرة!
وثقوا أني أقول ما وقع، فكانت النتيجة أن الشاب رجع إلى ألمانيا وعاد إلى دينه!
وليس كلامي الآن عن غير المسلمين، بل إن الكثير من شباب المسلمين يحتاج إلى أن تدعوه إلى الإسلام من جديد. إن أعداء الإسلام ينصبون الشِّباك لاصطياد المسلمين، وشباكهم -مع الأسف- من الحرير الناعم، يضعون فيها كل ما يرغب فيه الشبان من ألوان الجمال وأنواع الملذات، يستعينون على اجتذابهم بالنساء وبالصور وبالملاهي، يخاطبونهم باللغة التي يفهمونها، يأخذونهم باسم حرية الفكر وحرية الاختلاط والتحرر من القيود.
بهذا وأمثاله أخذوا أكثر الشبان المسلمين وضمّوهم إلى صفوفهم. فإذا ألهم الله أحد الشبان الرجوع إلى الدين واتصل بأحد المشايخ، فماذا يجد؟
أنا أصف أمراضاً وأقرر حقائق، فلا يعتب عليّ أحد.
стр. 114
إما أن يتصل بشيخ من أرباب الطرق الصوفية، فيلقنه طريقته ويحمله عليها، ويُلزمه بأمور لم يفعلها الرسول ﷺ ولا أصحابه ولا الصدر الأول، ويقول له: إن هذا هو الدين. أو أن يكون الشيخ من الذين اشتغلوا بالفقه كما كان يُعرَف الاشتغال بالفقه من خمسين أو ستين سنة، وذلك بأن يقرأ الطالب على مشايخه كتب الآخرين ويفهمها، ثم يُقرئها ويُفهمها، لا يبحث عن دليل، ولا يفرّق بين الثابت بالنص وما هو مستند إلى عرف أو اجتهاد يخطئ ويصيب، فيتلقى أقوال المتأخرين من الفقهاء على أنها دين لا يُبدَّل ولا يُغيَّر. أو يكون الشيخ من الذين يهتمون بالمظاهر ويشتغلون بالتنظيم عن الغاية، فيدخل في اجتماعاته وتنظيماته، ويتعود الخوض في مسائل معينة لا يعدوها، ويرمي إلى السياسة الحاضرة أكثر مما يرمي إلى التربية الحقيقية ... وأمثال ذلك.
لا أقول إن جميع المشايخ والدعاة على هذا، لا بل إن فيهم المشايخ العلماء العاملين، ولكنهم قلة، والكثرة تشتغل بالفرع عن الأصل. الكثرة تعيش في محيط ضيق، لا تتعداه بأبصارها ولا تعرف ما وراءه، فلا تقدّر الخطر الذي يحيق بالإسلام ولا تعلم ماذا يصنع أعداء الإسلام.
لا تدري أن الإسلام عاد غريباً كما بدأ غريباً، صار غريباً في بلاده وبين أهله. إن المساجد تمتلئ بالمصلين، والناس يصومون في رمضان، والحجاج يزداد عددهم سنة بعد سنة، ولكن الصلاة والصيام والحج فقدت عند كثير من الناس روحها وبقي جسدها. إن سموم أعداء الإسلام دخلت إلى مجتمع المصلّين الصائمين، إلى بيوتهم، إلى أفكار رجالهم، إلى أزياء نسائهم، إلى مناهج
стр. 115
مدارسهم، إلى قوانين محاكمهم.
* * *
إن الإسلام مهدَّد من أساسه، ولا بد من إعداد خطط جديدة، خطط ترد خطط الأعداء، فنبدأ بالأصل وهو التوحيد، ثم ننتقل إلى ترك المحرمات، ثم إتيان الفرائض، وبعد ذلك نصل إلى الكلام في تطويل اللحية وتقصير الثوب والتسمية على الطعام، وأمثال ذلك من الفروع.
إذا دخلت شوكة في إصبع الولد بين ظفره ولحمه، وغُرِزت فيها، يهتم أبوه ويسرع به إلى الطبيب، لكن إذا كان الولد مصاباً بورم خبيث ووُضع تحت العملية الجراحية، وكان معرَّضاً للموت بين دقيقة وأخرى، ورأى الطبيب الشوكة في إصبعه فإنه لا يلتفت إليها، لأنه يشتغل بما هو أهم، بإنقاذ حياة الولد من خطر الموت.
الأمر والله جِدّ كل الجد، والإسلام مهدد حقيقة، وكثير من الشبان من أبناء المسلمين قد تمكن منهم أعداء الإسلام فحازوهم إليهم، فينبغي أن يكون اهتمامنا كله بالحفاظ على أسس الدين. لنشتغل الآن بالعقائد وبالواجبات والمحرمات.
إن جذع الشجرة قد اشتعلت من حوله النار، فاشتغلوا بالجذع ودعوا الآن الفروع والأوراق.
* * *
стр. 116
رسالة بلا عنوان
نشرت سنة ١٩٥٥
[هذه رسالة توجيه أرسلها إلينا الأستاذ الكبير قاضي دمشق، الشيخ علي الطنطاوي، قبل أن يصله العدد الأول من مجلتنا، وفيها نداء حار إلى العلماء نرجو أن يستجيبوا له، وتوجيه طيب للشباب نرجو أن يعملوا به. والمجلة تشكر الأستاذ الكريم على توجيهه الواعي (١).]
أعتذر إليكم إذ أبطأت عنكم. وما أبطأت كسلاً ولا تهاوناً، ولكن دأبي -إذا دُعيت إلى الكتابة في مجلة جديدة- أن أرقب العدد الأول منها لأعرف مطلب أصحابها ومشرب كتّابها، ولأدري كيف أخاطب قرّاءها وأختار الموضوعات الصالحة لها، فلما تصرَّمَت الأيام ولم ترسلوا إليّ المجلة كتبت هذه الرسالة، فإن وجدتم فيها الشيء الذي تريدونه مني وكانت تصلح لمجلتكم فانشروها، وإن كانت لا تصلح فاطووها.
стр. 117
وأنا لا أعرف ما أسلوب مجلتكم، ولكني لو كنت من أصحاب الرأي فيها لاقترحت عليكم أن تجعلوا مقصدها الأول هو تعريف المسلمين بالإسلام وترجمة علومه إلى لسان العصر، لأن الإسلام في ذاته قوة لا يقوم لها شيء في الدنيا، ولذلك سار في الأرض وانتشر، وما زال ينتشر إلى اليوم بلا تبشير به ولا دعوة منظَّمة إليه. وما أُتِي المسلمون إلا من جهلهم بالإسلام. ولقد كنت أقول دائماً لمجدد العصر الشيخ حسن البنا ﵀ وانتقم له ممّن سفك دمه) كنت أقول له دائماً إن موطن الضعف في الإخوان هو جهلهم بالدين، حتى إنه -غفر الله له- ألزمني بأن أجعل جلسات أسبوعية لبعض رؤساء الشُّعَب في مصر، وكان هؤلاء الرؤساء من طلبة الجامعة على الغالب، من كلياتها المختلفة، فمنهم طالب الطب وطالب الأدب وطالب الهندسة، وكانت لي معهم مجالس كثيرة وجدت فيها أن أكثرهم لا يعرف موضوعات العلوم الإسلامية ولا فيمَ تبحث، ولا يستطيع أن يفرق بين أصول الفقه وأصول الدين، ولا يعرف شيئاً من مصطلح الحديث، ولا وقوف له إلا على ما لا يكاد يُذكَر من كتب الثقافة الإسلامية ... هذا على رغم ما شهدته فيهم من صدق الإيمان وتوقّد النشاط ومَضاء العزم، واستعدادهم لاقتحام النار والحديد بصدورهم ابتغاء نصر الإسلام وإعلاء كلمة الله.
وأنا أعلم أن لهؤلاء الشباب في جهلهم هذا بعض العذر، فهم قد درسوا في المدارس الرسمية، وهذه المدارس لا تزال تمشي على الطريق الذي سيّرها فيه دَنْلوب في مصر وراجِهْ في سوريا وأمثالُهما، وهو طريق يبعدها عن الدين وعلومه بدعوى
стр. 118
التجديد وترك التعصب ومجاراة الأمم الراقية. وهي دعوى كاذبة، والحقيقة فيها أن أوربا أدركت من زمن بعيد قوة الإسلام فعملت على تجريد المسلمين من هذه القوة، فهوّنت عليهم أمر دينهم وهوّلت عليهم بهذه الألفاظ الطنّانة، فصدق ذلك السخفاءُ منهم وحسبوا أنهم لا يكونون متمدنين إلا إن تركوا الدين. ولست أدري متى ينتبه المسلمون ويدركون هذه الخدعة؟
ثم إن هؤلاء الشباب إذا أرادوا أن يعرفوا الإسلام بأنفسهم لم يجدوا أمامهم إلا هذه الكتب القديمة، وهي موضوعة لزمان غير زمانهم ومكتوبة بأسلوب لا يفهمونه ولا يفهمه إلا المتمكن من علم المنطق، الممارس لهذه الكتب المتلقّيها عن مشايخها، وإلا العلماء، وأكثرهم بعيد عن الشباب والشبابُ بعيدون عنهم، لا صلة بينهم وبينهم، فكيف يعلم هؤلاء الشباب ما الإسلام؟
إنهم لا يمكن أن يعرفوا الإسلام إلا بأن تعمد مجلة كمجلتكم إلى علماء الدين فتكلّفهم بتبسيط علوم الإسلام، ونشر خلاصات عن مباحثها العلمية بأسلوب أدبي سهل، ودلالة القرّاء على كتبها وإرشادهم إلى مراجعها. وفي مصر وفي الشام من يستطيع أن يقوم بهذا العمل على أكمل وجه، كالأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاّف والأستاذ الشيخ شلتوت، وأمثالهما.
وأن يكون مقصدها الثاني بعث روائع تاريخنا ومناقب رجالنا، وعرضها على القراء بالأساليب البيّنة والأقلام القوية المتمكنة، لتذكّرنا بهذا الإرث الضخم الذي لا يزال يجري في دمائنا، ولكنا نسيناه وأعرضنا عنه، وبأمجاد ماضينا ومفاخر
стр. 119
أجدادنا، فيكون لنا من ذلك دافع إلى العمل وحافز إلى الجِدّ، وأن لا نلتفت إلى الهدّامين المنافقين من صنائع الأجانب الذين لا يفتؤون يَعيبون علينا فخرنا بماضينا، ليجرّدونا من هذا السلاح الثاني من أسلحتنا ويُرضوا بذلك أعداءنا الطامعين في بلادنا.
وأن يكون مقصدها الثالث دراسة هذه المذاهب الجديدة المخالفة لديننا، التي لا يزال يُفتَن بها شبابنا ويقبلون عليها، كالاشتراكية والشيوعية والعنصرية والقومية، والبدع الجديدة الكافرة كالبهائية والقاديانية، دراستها دراسة فهم وتثبّت والرد عليها بلسان أهلها، كما صنع الغزالي حين ألّف «مقاصد الفلاسفة» أولاً، وأثبت أنه فهم مذاهبهم حتى عُدَّ بذلك من أئمتهم، ثم ألف «تهافت الفلاسفة» فضربهم ضربة لم يستطيعوا أن يقوموا بعدها.
هذا، وأنا سأحاول إن شاء الله أن أشارككم في تحقيق هذه المقاصد على مقدار ضعفي وعجزي، والله المستعان، والسلام على من قبلكم من الإخوان.
* * *
стр. 120
خدمة الإسلام
نشرت سنة ١٩٩٠ (١)
لما عدت إلى الدار وخبرني أهلي أن الجريدة هتفت بي تهنّئني بالجائزة لم أفهم المقصود منها ولم أدرِ أي جائزة هي، لأنني ما مُنحت في عمري جائزة ولا اجتمع قوم لتكريمي. وأنا أكتب وأخطب من سنة ١٣٤٥هـ وأنا دون العشرين، وقد دخلت الآن عشر التسعين، وبلغ ما كتبته ونشرته أكثر من خمسة عشر ألف صفحة، ولم آخذ جائزة ولم أجد من أحد تكريماً. ولعل ذلك كان خيراً لي لأنني أنتظر الثواب من الله وحده.
لما كانت الوحدة بين سوريا ومصر أنشئت لجان للأدباء ولجان للفقهاء، فعُرض اسمي على اللجنتين، فقال أهل الفقه إنه لا مكان لي عندهم لأنني رجل أديب، وقال الأدباء أنْ لا محل لي معهم لأنني شيخ فقيه، فضعت بين الفقه الذي أنكرني والأدب الذي تخلى عني، ورجعت صفر اليدين وحافي القدمين، ما
стр. 121
أدركت ولا خُفَّي حُنين!
وقد تعودنا ألاّ يُذكر في هذا المقام، مقام التكريم وتوزيع الجوائز، إلا من كان يلقى الناس دائماً ومن عقد بينه وبين كبارهم صداقات وصِلات، أما أن يُعمَد إلى رجل مثلي، معتزل من سنين طويلة قد اشتمل عليه بيته، لا يلقى الناس إلا من كُوّة الإذاعة أو من لوحة الرائي (التلفزيون) أو من بين سطور الجريدة، ثم يكرّموه، فهذا شيء عجيب ... وهذا ما كان.
إن من أكبر الشرف أن يسجَّل أحدنا في فرقة خدم الإسلام. أليس عند الفرنسيين «جوقة الشرف» ووسامها عندهم أعلى وسام؟ إن خدمتي للإسلام كانت بتوفيق من الله لي وكانت نعمة أنعمها الله عليّ، لم تكن بعملي أنا. وهل اخترت أنا قبل أن أولد الشيخ مصطفى الطنطاوي العالم الفقيه أمين الفتوى ليكون أبي؟ وهل شاركته في اختيار شقيقة محب الدين الخطيب لتكون أمي؟ إن الله أنعم عليّ بذلك بغير عمل مني وأثابني عليه (١).
إن أكبر حادث في حياتي لم أره ولم أعرفه إلا سماعاً من الناس، وهو يوم مولدي؛ لا أذكر منه إلا ما ذكروه لي، وقالوا (وهو خبر من الأخبار) إني وُلدت بلا أسنان، وإني لم أكن أتكلم، وإني لم أكن أفهم الكلام، ولا أستطيع أن أنقلب من جنب إلى جنب، مع أن الحيوان تلده أمه فيقف على رجليه ثم يمشي معها، ولم تولّده طبيبة ولا قابلة! وكنت إن حطَّت على
стр. 122
أنفي ذبابة لم أملك أن أطرد الذبابة عن أنفي، فكان الذي يحفظني ويوجهني هو الله.
خلقني من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيباً. ثم كتب الله لي أن طال بي العمر وأني رأيت حلواً ورأيت مراً، فلا الحلو دام ولا المر استمر. وكذلك الدنيا، ليل بعده نهار ونهار يعقبه ليل، لا الليل يبقى ولا النهار، الآلام يأتي عليها حينٌ تصير ذكرى في النفس وحديثاً على اللسان، ولا يبقى للإنسان إلا ما يحمله معه إلى الدار الآخرة.
وأنا أسأل الله أن تكون خدمتي للإسلام مما ينفعني في آخرتي.
* * *
وهل يحتاج الإسلام إلى من يخدمه ويدعمه؟ إن خدمته شرفٌ للخادم لا سدُّ حاجة في المخدوم.
لقد قلت في الكلمة التي ألقاها عني في حفل الجائزة حفيدي المهندس مجاهد ديرانيّة: افتحوا مصوَّر العالم الإسلامي وانظروا إلى البلاد التي دخلها الإسلام أيام الفتوح، والبلاد التي دخل إليها بعدما طُويت رايات الفتح ووقفت جيوشه ولم يبقَ للمسلمين فتح جديد، مَن الذي أدخل الإسلام في الجزر النائية من أندونيسيا وماليزيا والفلبين؟ من أوصل الإسلام إلى المراكز الإسلامية في أوربا كلها وفي أميركا؟ من حمل الإسلام إلى كوريا وإلى اليابان؟ إن الذي حمله تجّار لم يكونوا منقطعين للدعوة ولا مستعدين لها، ولم يأت من يمدّهم بالمال الجزيل وبالوسائل
стр. 123
الموصلة كما يُمَدّ المنصِّرون.
لقد زرت أكثر بلاد الإسلام في آسيا وزرت كثيراً من المدن التي فيها مسلمون في وسط أوربا، فرأيت أنه ليس بين أهلها (وبين شبّانهم على الأخص) وبين أن يدخلوا في الإسلام إلا أن يعرفوه على حقيقته، لأنه قوة في ذاته.
وقد كذب الذين يدّعون أن الإسلام إنما انتشر بالسيف. لقد مرّ وقت كان المسلمون فيه بعدد أصابع اليدين، كانت أمة الإسلام مؤلَّفة من أبي بكر وعليّ وخديجة وسلمان وبلال؛ أبو بكر يمثل الرجال، وعليّ يمثل الصبيان، وخديجة تمثل النساء، وبلال يمثل الحبشة، وسلمان يمثل الفرس، فهل كان معهم سيف؟
هل كان مع المسلمين الأولين الذين كانوا قلة في مكة وكانوا يستترون في دار الأرقم في أصل الصّفا، هل كان مع هؤلاء الذين نشروا الإسلام وأسسوا له الأسس وعرّفوا به الناس، هل كان معهم جيش له قوة وسلاح؟
بعث الله محمداً بالتوحيد ليواجه به الأرض الكافرة كلها، قال له: قاتل في سبيل الله لا تُكلَّف إلا نفسك. رجل واحد يقاتل في سبيل الله، لينصر شرع الله ولينقذ عباد الله من الضلالة والكفر.
إن الذين يحسبون الجهاد عدواناً مسلحاً لا يدرون ما الجهاد. الجهاد ليس حرباً هجومية نعتدي فيها على الناس، والإسلام إنما جاء لإقرار العدل وتحريم العدوان، وليس الجهاد حرباً دفاعية
стр. 124
بالمعنى العسكري، فما احتل الكفار مكة ولا المدينة؛ ولكن مَثَل الجهاد كقطر كبير أصابه القحط، فشحَّت الأقوات وعمّ الجوع وفشت الأمراض وقلّ الدواء، فجاء من يحمل المدد إلى الجائعين والدواء إلى المرضى لينقذهم مما هم فيه، فوقف في الطريق ناس يمنعونهم، يحولون بينهم وبين هذا الخير وهذا العمل الإنساني، فقالوا لهم: تعالوا شاركونا فيما نعمل تكونوا منا ولكم ما لنا وعليكم ما علينا، فأبوا عليهم. قالوا لهم: دعونا نمرّ ونحن ندافع عنكم، لا نكلفكم قتال عدو ولا بذل روح، على أن تمدونا بشيء من المال قليل. قالوا: لا. فلم يبق إلا أن يقاتلوهم، أن يقاتلوا هذه الفئة القليلة التي تمنع الخير عن الناس ... يقاتلون أفراداً لينقذوا أمماً، وكان ذلك هو الجهاد.
وكان الخير الذي نحمله للدنيا هو الذي نزل علينا من السماء في حراء.
* * *
الإسلام قوي بذاته مؤيَّد بتأييد الله له. انظروا كم حاقت به من شدائد، وكم اجتمع عليه من خصوم، وكم وضعوا لحربه من خطط، فكان النصر أخيراً للإسلام.
لمّا قُبض رسول الله ﷺ ارتدّ أكثر العرب عن دين الحق، منهم من كفر وخرج من الإسلام، وأكثرهم منعوا الزكاة، فعدّهم خليفة رسول الله بهذا من المرتدّين. وحسب أقوام أنها نهاية الإسلام، فما هي إلا أن ثبت هذا الشيخ الجليل، أبو بكر، وثبت معه خيار المسلمين، فماتت الردة وعاش الإسلام.
стр. 125
ولما اجتمعت دول أوربا كلها على حرب المسلمين، وساقت إليهم جيوشاً أولها في القسطنطينية وآخرها في أعماق أوربا، وتوالت الحملات، وملك الصليبيون السواحل من سوريا وحكموا القدس، لا سنة ولا سنتين بل أكثر من تسعين سنة، فظن ضعاف النفوس أن القدس ضاعت منا إلى الأبد، فما هي إلا أن قام مسلم تركي وقام مسلم كردي، فنشرا راية القرآن وضربا بسيف محمد، حتى انتصر نور الدين ومن بعده صلاح الدين على أوربا كلها، لأن راية القرآن إذا رُفعت لا تُخذَل أبداً، وسيف محمد إذا ضربنا به لا ينبو أبداً.
ثم جاء السيل الجارف من أقصى الشرق، سيل المغول والتتار، فدمر العواصم وجرف صروح الحضارة، وسقطت أمامه بغداد التي كانت أعظم حواضر الأرض، ولم يبق إلا مصر. وكانت مصر يومئذ ضعيفة، يحكمها مماليك صيّرهم الدهر ملوكاً، فما هي إلا أن قام فيهم شيخ صالح من دمشق هو الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وشيوخ صالحون من مصر، فأيقظوا الإيمان في قلوبهم فقاتلوا لله لا للدنيا، فنصرهم الله في عين جالوت نصراً لا يزال كُتّاب التاريخ مدهوشين منه إلى اليوم.
وما ذهبت قوة الإسلام ولا فقد أهله عزتهم، وهاكم الأمثلة ظاهرة أمامكم: المجاهدون الأفغان والدولة القوية التي أعلنت عجزها عنهم. بل هاكم المثل القائم اليوم: هؤلاء الأولاد الصغار الذين يقفون في مواجهة جنود مدرَّبين، ما معهم في أيديهم الصغيرة إلا حجارة أرضهم يلقونها بسواعدهم، فعجزت عنهم هذه الدولة الباغية التي وضعوا في يدها أعتى الأسلحة ووأفتكها.
стр. 126
ولقد حضرت في عمري مؤتمراً واحداً، هو مؤتمر القدس سنة ١٩٥٣ الذي انعقد لتأييد قضية فلسطين، وقد شرّفوني بأن ألقي كلمة الافتتاح فيه، فألقيتها وقلت فيها: إن كان لدى اليهود وعد من بلفور، يعدهم فيه بما لا حكم له عليه ولا نفاذ لأمره فيه، فإن لدينا وعداً من رب بلفور ورب قوم بلفور، رب العالمين، بأن النصر للمؤمنين، للمؤمنين بكتب الله كلها وبرسل الله كلهم، العاقبة لهم؛ فإن كنا منهم بقلوبنا وجوارحنا وأقوالنا وأفعالنا، حقق الله هذا النصر على أيدينا وكان لنا به المجد في الدنيا والجنة في الآخرة، وإن انحرفنا وضللنا وابتعدنا عن ديننا استبدل الله بنا قوماً غيرنا، فأسلم الشعب الألماني مثلاً أو الشعب الياباني، فحملوا لواء الإسلام الذي لا يسقط أبداً، وبقينا نحن -لا سمح الله ولا قدّر- كفقراء اليهود، لا دنيا ولا دين.
* * *
الإنسان يحبّ أن يكون مخدوماً لا خادماً وأن يكون حراً لا عبداً، إلا إذا كانت العبودية لله وكانت الخدمة لدين الله. المسلمون الأوَّلون لمّا وضعوا جباههم (وهي أكرم أعضائهم) على الأرض عند موطئ النعال ذلاً لله، أعزهم الله، فجعل جباه الجبابرة توضع عند أقدامهم، وملّكهم مفاتيح الأرض، وجعلهم سادة الأرض وأساتذتها.
وبعد، فإن العاقبة للإسلام، فمن كان مع الإسلام كان النصر معه.
* * *
стр. 127
الطريقة الصحيحة للإصلاح
نشرت سنة ١٩٨٨
لمّا قعدت لأكتب هذه المقالة خطرت لي خاطرة كثيراً ما تعاودني كلما أردت أن أهيّئ محاضرة أو أكتب مقالة، هي: ماذا أكتب، وماذا أقول؟
حينما أكتب في الأدب وللأدب يكون الجواب حاضراً، وهو أني أكتب لإمتاع الناس، ولأبقي لي أثراً لعلي أمشي به يوماً في ذيل قافلة الأدباء. ولكنني لا أكتب الآن للأدب، فلماذا أكتب؟
لأعلّم الناس؟ الناس لا ينقصهم العلم بل العمل، لا أعني العلم بتفاصيل العلوم ودقائق الأحكام، فهذا مما يحتاج أكثر الناس إلى تعلمه، ولكن أعني الحقائق الخُلُقية الكبرى: الصدق والكذب مثلاً، هل يجهل أحد أن الصدق خير وأن الكذب شر؟ هل يقول أحد إن القتل أو الزنا أو الربا أمر حسن مشروع؟ ألا يعلم الناس جميعاً أن هذا كله شر؟ شارب الخمر، هل يعوّد عليها ولده؟ بل هل يعوّد المدخِّنُ ابنَه على التدخين، يقول له: خذ يا بابا اسحب سحبة، تعلّمْ كيف تدخن؟ بل إنه إذا رأى الدَّخينة (السيكارة) في يده أخذها منه ونهاه عنها.
стр. 128
إن التدخين (وإن لم يكن في منزلة ما سردنا من المحرَّمات) يُقرّ كل مَن تَلْقاه من الناس، حتى الذين يدخنون، بأنه أمر يضر ولا ينفع. والذي يكذب لا يحتاج إلى محاضرة لإقناعه بشر الكذب، بل يحتاج إلى إرادة تحمله على ترك الكذب. ومثله شارب الخمر، ومن يتعدى على الناس بلسانه أو بيده، لو سألته: هل هذا الذي تفعله حق وعدل؟ لوجدته يقر بقلبه (وإن أنكر أحياناً بلسانه) أنه ليس عدلاً ولا حقاً ... فلا فائدة إذن من أن أكتفي بالقول إن هذا العمل خير وهذا شر، فهو يعرف الشرّ ويعرف الخير.
فماذا نصنع إذن؟ وكيف نصرف الناس عن هذه الأمور التي يحكم الشرع بحرمتها ويحكم العقل بقبحها؟ أريد أن تفكروا معي حتى نصل إلى الطريقة الصحيحة للإصلاح، وأنا أعرض عليكم ما عندي:
الناس قسمان؛ منهم الصغار الذين لا يزالون على الفطرة النقية والذين لم يتعودوا بعدُ ارتكاب هذه المحرمات، ومنهم الكبار الذين تعودوها واستمرؤوا لذتها العاجلة وانغمسوا فيها. وسأبيّن بكلمة موجزة لا يتسع المجال لأكثر منها ما أقترحه لإصلاح الفريقين.
* * *
إنه لا يكفي أن أقول للكبير الذي تعوّد شرب الخمر، أو العكوف على القمار، أو إدمان المخدرات، أو الانغماس في الفواحش ... لا يكفي أن أقول له ابتعد عنها واتركها؛ لأن الشرع
стр. 129
قد قال له ذلك، نهاه الله عنها وعن أمثالها في كتابه وعلى لسان نبيه. فإذا لم يسمع كلام الله فهل يسمع كلامي؟ وربما كان في هؤلاء العصاة من هو مؤمن بالله وبالجنة والنار ويريد أن يترك ما هو فيه وأن يتوب منه وينصرف عنه، ولكنْ تغلبه نفسٌ تربَّتْ على المعصية وقلبٌ تعوّد القسوة، وبيئةٌ تغلّب عليها الفسادُ وأصحابٌ من طبيعتهم الانصراف إلى الشر، فعليّ -إذن- أن أنبّه في نفسه خوف الله، وأن أليّن قلبه حتى يسمع كلام الله، وأن أدعوه إلى أن يبدل بيئته إلى بيئة مؤمنة صالحة.
وربما صارت المعصية مرضاً. فأنت حين تقول لمدمن المخدرات: "اتركها وانصرف عنها" كمَن يقول للمريض: "دع المرض وارجع إلى صحتك ثم حافظ عليها"! إن الأمر قد خرج من يده، وهو اليوم أحوج إلى العلاج.
ولا يفهَمْ أحدٌ عني أني أريد إعفاءه من العقوبة التي أوجبها الشرع، فالعقوبة هي جزء من الإصلاح، ولولاها لانتشر المرض وعم وصار البلد كله مستشفى واحداً (١) وصار أهل البلد كلهم مرضى. ولقد أحسن العلماء هنا وأصابوا ووُفِّقوا حين أفتوا بقتل من يعمل على نشر هذا السم الذي اسمه «المخدرات» وعلى ترويجه بين الناس وعلى ترغيبهم فيه. ومن توفيق الله للمملكة أنها تعجّل بعقوبة الجاني، ولو أن حكومة الكويت نفّذت حكم القتل على هؤلاء المجرمين وما أجّلته ولا أبقتهم تطعمهم وتسقيهم، لما طمع هؤلاء المجرمون الآثمون في إنقاذهم، فخطفوا الطيارة
стр. 130
وصنعوا بمن فيها هذا الذي صنعوا (١).
* * *
لقد سألتكم: ماذا نصنع إذن؟ نصنع ما نصنعه للمريض الذي يعاني من آلام النوبة التي تنتابه ويصرخ من أوجاعها: نعطيه أولاً ما يسكّن الألم، ثم نبحث عن أسباب الداء لنقطعها، ثم عن منشأ العدوى لنُبعده عنها، ثم نعطيه من المقوّيات ما يعينه على دفع المرض إذا عاوده.
فالدواء العاجل (وهو المسكّن) بيد حُماة الأمن، الذين يمنعون وقوع الجريمة أو استمرارها كما يمنع الدواء المسكِّن
стр. 131
استمرارَ النَّوبة الموجعة.
أما البحث عن أسباب الداء وعن منشأ العدوى فمن عمل علماء الاجتماع وأرباب الأقلام، يدرسون أحوال هؤلاء المنحرفين ويبحثون عن العوامل التي عملت على انحرافهم، والعوامل التي تعيدهم إلى الجادة وتبعدهم عن هذا الانحراف.
ولنا من تجارب الأمم الأخرى صور تنير لنا الطريق، لا يمنع الشرع من أخذها بل يحثّنا على الاستفادة منها، لأن الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيثما وجدها. فقد أُسِّست عندهم معاهد لمعالجة الانحراف وأقيمت مؤسسات، ورُصدت لذلك أموال طائلة وعَملت له عقول مفكرة، واستُخدم لذلك العلاجُ المادي: أدوية ومستحضرات للخلاص من إدمان المخدرات والخمور وأمثالها، والعلاج النفسي لتقويم الميول المنحرفة وحل العقد النفسية.
أما الأدوية المقوّية التي يكون بها الجسم المتين الذي يقاوم المرض، فمن عمل الوُعّاظ والخطباء والمدرّسين، والكُتّاب في الصحف والمُحدّثين في الإذاعات.
إن هذا الوعظ لا بد منه، ولكن بشرطين. الأول: أن يكون بأسلوب العصر الذي يفهمه أهل العصر، فإنّ لكل عصر أسلوباً يفهم به أهله. ولست أدعو إلى تبديل حقائق الدين، فحقائق الدين لا تبدَّل، وتبديلها كفر بها ومُجانَبة لها، ولكن أدعو إلى تبديل أسلوب عرض هذه الحقائق. فقد يكون أسلوب منها صالحاً من مئة سنة ولكنه لم يعد يصلح الآن، ولو بعثت مبشراً بالإسلام
стр. 132
إلى أميركا -مثلاً- فكلمهم بالعربية لما فهموا عنه، فلا بد إذن أن تكلمهم بلسانهم، وأن تنقل لهم حقائق الدين كما هي بذلك اللسان ... هذا الذي أردته من الدعوة إلى استعمال لغة العصر وأسلوبه.
الثاني: أن نتأسّى برسول الله ﷺ ، فنجعل الوعظ باللين واللطف لا بالشدة والعنف، وأن نسوق كلاماً عاماً يكون فيه تلميح وتلويح، لا أن نسوقه صريحاً واضحاً يتألم منه السامع فيثير في نفسه الرغبة في المقاومة والإعراض عن الموعظة. وخير المواعظ ما جاء عَرَضاً، ولقد كنت أشاهد في المحكمة في قضايا الجرائم أن الطعنة التي تصيب الرجل على حين غفلة منه تدخل فيها السكين معشارين أو ثلاثة أو أكثر (١)، فإذا كان متنبهاً لها مترقباً وقوعها لم تدخل نصف معشار.
والله أمرنا أن ندعو بالحكمة والموعظة الحسنة؛ ذلك لأن الموعظة قد تكون سيئة، سيئة في أسلوبها لا في أصلها. والموعظة الحسنة هي التي يكون معها الدليل، فلا نأمر بما لم يأمر به الله ولا رسوله، ولا نزيد عليه ما ليس منه. والتي تكون خالصة لله تخرج من قلب قائلها فتقع في قلب سامعها. ومن سنّة الرسول ﵊ أنه كان يقول: ما بال أقوام يفعلون؟ لا يقول للمخاطَبين: ما بالكم تفعلون؟ أي أنه يذكر الفعل ولا يصرّح بذكر الفاعل.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الإسلام،
стр. 133
ولكنه صعب لا يستطيعه كل من أراده، لأن عليه أن يجمع بين بيان حكم الله الذي لا يجوز كتمانه، وبين حفظ كرامة المخاطَبين، وأن لا نتعدى على ما منحهم الشارع من حرية في تصرفاتهم.
* * *
هذا كله يصلح للكبار، أما الصغار فأمرهم مختلف.
إن من أكبر أسباب الانحراف التي وجدتها خلال اشتغالي بالقضاء واطلاعي على الآلاف المؤلفة من القضايا، ومما رأيت وما سمعت من أحوال الناس، من أكبر هذه الأسباب غياب الأب عن أولاده أكثر النهار؛ ينهض صباحاً فيجدهم قد ذهبوا إلى مدارسهم، ويعود في الليل بعدما ناموا، فلا يكاد يراهم أو يرونه إلا يوم الجمعة. ومن الناس من يضطره عمله إلى هذا الغياب، ومنهم من يُؤْثر مجالسة أصحابه في المقهى أو في النادي على الإشراف على بيته.
وأنا لا أقول إن على الأب أن يبقى دائماً في الدار، لا يصاحب أحداً ولا يزور صديقاً، لأن من حقه أن يأنس بأصحابه، ومن حق الأم أن يكون لها صاحبات تأنس بهن ويزُرْنَها وتزورهن. ولكن يخرج الأب إلى أصحابه ساعتين أو ثلاثاً في اليومين أو الثلاثة، وتخرج الأم ساعتين في الأسبوع أو الأسبوعين، ثم يبقى كلاهما بعد ذلك مشرفاً على الأولاد: يَعلمان أين يذهبون، ومَن يصاحبون، وإن تأخر الولد في المدرسة ساعة سأل أبوه عنه، وإن صاحَبَ أحداً توثّق من خُلُقه ودينه قبل أن يأذن له بمصاحبته، ثم لا يدعه يذهب معه أو ينفرد وحده بزيارته إلا إن غدا شاباً.
стр. 134
بقي أن نسأل: ماذا يصنع الأولاد في الدار؟ وماذا يصنع الأب وهو معهم؟ هل يُلزمهم أن يقعدوا طول السهرة جالسين على ركبهم وأعينهم إلى الأرض كأنهم في مأتم، هَيبةً لأبيهم واحتراماً له؟ أو يجبرهم على أن يقرؤوا ويكتبوا ويراجعوا دروسهم ولا يَدَعوا الكتاب والقلم ساعة من ليل أو نهار؟ والمرأة ماذا تصنع؟ تطبخ وتكنس وتخيط فقط؟
لا؛ إن من حق المرأة أن تتسلى، ومن حق الأولاد أن يلعبوا. ومَن أراد أن يحفظ أولاده من الانحراف وأن يبقيهم معه في البيت، فليجعل البيت مستوفياً وسائلَ التسلية الجائزة شرعاً، ولتكن هذه الوسائل بإشرافه، على أن يكون إشرافه من بعيد لا يُشعر به زوجته ولا أولاده. وينبغي أن ينزل أحياناً إلى مستوى أولاده فيشاركهم أفكارهم وألعابهم ولهوهم، كما يعاونهم على دروسهم. وإذا كان في البيت الرادّ والرائي (أي الراديو والتلفزيون) فينبغي أن يتعوّد أهل البيت أن لا يسمعوا إلا ما لا ضرر من سماعه في الرادّ، ولا يروا إلا ما لا ضرر من رؤيته في الرائي، وأن يتركوا ما وراء ذلك راضين مقتنعين لا مكرَهين ولا مجبرين.
وإذا كان لدى الأولاد عمل مدرسي أو كان عندهم امتحان يعوّدهم أبوهم تقديم الجِدّ على التسلية والواجب على اللذة، ويربّيهم على ذلك حتى يصير كأنه طبع لهم. وإذا كان في البلد متنزّهات أو مشاهد غير محرَّمة فليأخذ أهله إليها في أيام العطلات، لأن تبديل لون الحياة لا بد منه، والتزام لون واحد يبعث على الملل؛ ولو كان الأولاد يعيشون في قصر فيه أفخم الفرش ويقدَّم فيه أطيب الطعام وفيه أنواع اللعب ولهم على بابه
стр. 135
أغلى السيارات، لو أنهم لبثوا في هذا القصر شهراً لا يخرجون منه لملّوا منه واشتهوا أن يذهبوا يوماً إلى سفح الجبل أو ساحل البحر، يمشون على أرجلهم ويقعدون على التراب ويشعلون الفحم ويشوون عليه اللحم ويأكلونه بأيديهم.
وإن من أكبر العوامل في فتور العواطف الزوجية وركود أذهان الأولاد وضعف أجسامهم هذه الحياة الرتيبة المتشابهة؛ ولذلك أقترح -جادّاً- أن تترك الأسرة دارها وتذهب مرة في الشهر أو الشهرين فتتغدى في المطعم، أو تذهب في الصيف فتقضي ليالي تحت الخيام، أو تبدل ترتيب الدار فتجعل غرفة الاستقبال للقعود وغرفة القعود للاستقبال، وتغيّر وضع الأثاث، لا كل أسبوعين أو ثلاثة بل مرة في السنة والسنتين.
والقصد من هذا كله أن يجد الرجل في الدار ما يغنيه عن ارتياد المقاهي وإغفال الأسرة، وأن تجد المرأة ما يغنيها عن الخروج في كل يوم لزيارة الصديقات وحضور الاستقبالات وإضاعة الأولاد، وأن يجد الأولاد في الدار ما يسلّيهم ويمتعهم ويمنعهم من اللعب في الطرقات ومصاحبة الأشرار ... على أن هذا كله لا قيمة له إن لم يكن بين الزوجين حب وتفاهم وتعاون حقيقي، فإن كان هذا الحب موجوداً وهذا التفاهم قائماً كان البيت جنة، ولو أنه كان غرفتين مهدَّمتين ليس فيهما ماء ولا كهرباء. إن هذا الحب يجعل الغرفتين المهدَّمتين قصراً عظيماً، وفَقد الحب والتفاهم بين الزوجين والشِّقاق الدائم بينهما يجعل القصر العظيم جحيماً مُستَعِراً وسجناً مطبقاً.
على أن لا يكون في ذلك كله ما يغضب الله ولا ما يحرّمه
стр. 136
الدين، وإن في المباحات لَمَنجى من الوقوع في الحرام، والله ما حرّمَ شيئاً إلا أحلَّ شيئاً يقوم مقامه ويسد مسده ويغني عنه.
* * *
стр. 137
حصاد ربع قرن
في حقل الدعوة الإسلامية في الشام
نشرت سنة ١٩٥٣
هذا بحث وُلد قبل استكمال مدة الحمل، ولست أدري أيموت من يومه أم يَمُنّ الله عليه فيكتب له الحياة؛ ذلك أني كنت أدوِّن عناصره وأجمع أجزاءه ليجيء تاريخاً كاملاً للدعوة الإسلامية في بلاد الشام خلال ربع القرن الماضي، فجاءتني برقية الأخ الأستاذ سعيد رمضان تستعجلني (١)، فكتبته في مجلس واحد وأنا موقن أني نسيت كثيراً من الحقائق التي يجب أن تقال في هذا المجال، وإن كنت موقناً أيضاً بأني لم أقل إلا حقاً.
وأنا أتردد من ربع قرن على مصر والعراق ولبنان، وأقيم في كل منها الشهور الطوال أو السنة كلها أحياناً. والشام بلدي، وأعرف في كل من البلاد الأربعة، وفي الحجاز أيضاً، الصفوةَ من علمائه والدّعاة إلى الله فيه وأعمالهم وجهودهم، وكنت أعزم على
стр. 138
أن أحاول كتابة فصول في تاريخ الدعوة فيها جميعاً، ثم رأيت أن أقتصر على الشام وأدع لغيري (ممّن هم أعلم مني) كتابة الباقي.
* * *
لمّا قدمت مصر أول مرة كانت الدعوة الإسلامية فيها منحصرة في الأزهر المعمور، والرجال الذين تخرجوا فيه أو على أسلوبه، وفي المدارس التي كانت تنحو منحى الأزهر (وإن كان جلّ عنايتها بالعلوم اللسانية) كدار العلوم، وفي أفراد معدودين من غير الأزهريين، أخصّ بالذكر منهم:
أحمد تيمور باشا ﵀، الذي كان أمة وحده في دينه وعلمه وخلقه وتحقيقه وحيائه وتواضعه. ومن هو أقرب الناس شبهاً به في سَمته وصمته وأدبه وعلمه، أستاذنا السيد الخضر حسين مدّ الله في عمره. وخالي وأستاذي محب الدين الخطيب، الذي كان أول عامل على تنظيم الدعوة الإسلامية في مصر، كما كان أول عامل على إحياء الفكرة العربية في الشام من قبل. والطائفة المختارة من إخواننا، كالدكتور الدرديري، والأساتذة محمود شاكر وعبد السلام هارون وعبد المنعم خلاف، وآخرين لا تحضرني الآن -من العجلة- أسماؤهم. وكان مقرهم المطبعة السلفية في شارع الاستئناف عند الأستاذ محب الدين الخطيب، وهنالك عرفت بعضاً منهم، وعرفت بعضاً في دار العلوم العليا (وقد دخلتها حوالي سنة ١٩٢٩ ولم أتمَّها) وفي مجلة «المنار».
والأزهر -وإن ظل دهراً طويلاً المعقلَ الإسلامي من هجمات الإلحاد والمصباحَ الهادي في ظلمات الجهل- قد اقتصر
стр. 139
عمله على التعليم دون التوجيه الاجتماعي، واقتصر التعليم فيه على قراءة كتب معينة من كتب المتأخرين، وصرف الجهد كله في حل العُقَد من ألفاظها وكشف الغامض من معانيها ... أي أن المقصد من التعليم كان الكتاب لا العلم (كما قال الشيخ محمد عبده). وكانت كتب الأئمة الأوّلين في الفقه والعربية وغيرهما منسية متروكة لا يكاد أحد يرجع إليها، وكان من هذه العلوم ما هو عبث لا طائل تحته ولا يكاد ينفع في دنيا ولا دين، كعلم الكلام (النّسَفية والسنوسية والمواقف وأشباهها) وعلم المنطق، ولقد كاد يسبقني القلم فأُلحق بها الكتب الأزهرية في البلاغة، وهي أقوى العوامل في إبعاد الطلاب عن البلاغة!
وكان عمل «المنار» وتلك الطائفة من العلماء الأخيار منحصراً في بقعة ضيقة وأفراد قلائل، لا يتعداهم أثره ولا يصل إلى جماهير الشعب ولا إلى طلاب المدارس، ولم يكن للدعوة من الصحف إلا المجلة الأسبوعية الجديدة يومئذ، مجلة «الفتح» التي أنشأها الأستاذ محب الدين. ولم أعدّ «المنار» من الصحف لأنها أولاً مجلة شهرية، ولأنها علمية ترتفع ثانياً عن أفهام الشباب ومدارك الأوساط من الناس، ولأنها لا تكاد تُباع في الأسواق ولا يقرؤها إلا المشتركون فيها. لذلك كله لم تتصل بالناس اتصالاً مباشراً، وإن كان لها أثر غير مباشر، أثر ظاهر في توجيه الفكر الإسلامي الحديث، وأن قرّاءها -على قلتهم- كانوا منبَثّين في جميع بلاد الإسلام، وكان لهم في بلدانهم منزلة عالية ومكان مرموق.
فكان الناس قسمين: مشايخ وأفندية، وكان الشعب بينهما
стр. 140
متديّناً على جهل بحقائق الدين، متمسكاً بالإسلام على مزج لكثير من البدع والخرافات بالإسلام؛ كان يجمع بين شهادة أن «لا إله إلا الله» وبين العكوف على القبور وسؤال أصحابها ما لا يقدر عليه إلا الله، ومن أنكر عليهم شيئاً من ذلك وصموه بالوهابية. وقد لا يبالي القارئ الشاب اليوم بهذه الوصمة ولا يرى فيها شيئاً، ولكنها كانت يومئذ من الوصمات الكبار، وأذكر أني علقت مرة في «علقة» الأستاذ في المدرسة ونالت قدمَيّ عصاه، لأني ضُبطت بالجرم المشهود حين أُمسكت واقفاً على درس الشيخ عبد القادر بدران في جامع بني أمية في دمشق!
* * *
هذه الصورة التي صوّرت بها مصر قبل ربع قرن هي «مصغَّرة» صورة الشام في تلك الأيام.
كان في الشام مشايخ أجلاء من أوعية العلم وصدور العلماء، ولكنهم كانوا -على الغالب- جاهلين بأحوال الناس، ينفرون من كل جديد ويطمئنون إلى كل قديم، عجزوا عن الدعوة إلى الله بالأساليب العصرية الجديدة وعن إدراك عقلية الشباب، فانسحبوا من المعركة وأخلوا الميدان، وانطووا على نفوسهم واعتكفوا في مدارسهم ومساجدهم.
و «أفندية» يقودهم من كانوا يُسمَّون في الشام رجال الرعيل الأول من الوطنيين، وكانوا -على الغالب- جاهلين بالإسلام ليس في نفوسهم منه إلا صور مشوَّهة، وكانوا حرباً على أهله والداعين إليه، وإن كان لهم فضل العمل على دفع الاستعمار
стр. 141
وتحقيق الاستقلال. وأستطيع أن أمثّل عليهم وعلى موقفهم من الإسلام باثنين: الأستاذ الكبير ساطع الحصري، شيخ المربّين من العرب، الذي حارب الدعوة الإسلامية عمرَه كله بقلمه ولسانه وسلطان وظيفته (كلما ولي وظيفة) حرباً علمية منظَّمة، وكان أسلوبه في محاربتها هو العمل على إحلال «العربية» محل «الإسلامية»، وهي بذاتها دعوة الجاهلية التي نهى رسول الله ﷺ عنها وبيّن أن صاحبها ليس منا، وإقامة برامج المدارس على هذا الأساس الواهي.
والثاني هو الوطني المعروف فخري البارودي. وهو زعيم شعبي محبوب كان له في كل حركة وطنية عمل، ولكنه -مع الأسف- حرب على الدعوة الإسلامية، وأسلوبه فيها أسلوب المستهزئين من كفار قريش، وهو سَوْق النكات العامية والسخرية بالمشايخ وتركيب النوادر عليهم، على نحو ما يركّبها بعض الملحدين من النصارى على قسوسهم ورهبانهم.
وهنالك أسلوب ثالث، هو نفث هذا الحقد الدفين على المشايخ (الذين يمثلون الفكرة الإسلامية) بضربهم بسيف الحكومة، وقد طُبِّق هذا الأسلوب على أفظع شكل حينما ولي الحكم في الشام سعد الله الجابري الحلبي (وهو أيضاً من رجال الرعيل الأول)، وبطش بالمشايخ، وأودع كثيراً منهم السجون وهاج بهم الجرائد، لسبب تافه ليس هذا موضع بيانه (١).
стр. 142
وسبب هذا كله المشايخ، أعني بعضهم، فهم الذين طبعوا في نفوس هؤلاء الناس تلك الصورة المشوَّهة للإسلام. المشايخ الذين طالما لقينا مِن تكفيرهم مَن يقول بكرويّة الأرض وحركتها وتكفير من يدرس الجغرافيا والكيمياء والطبيعة! وقد صرّح لي بذلك الأستاذ ساطع الحصري في القاهرة سنة ١٩٤٧، فقلت له: إن هذا العذر من مثلك غير مقبول، لأنك تستطيع -في قوة عقلك وسعة علمك- أن تعرف حقيقة الإسلام من مصادره وتُخلي ذهنك مما تقول إن أولئك المشايخ قد وضعوه فيه، وأن تدرسه من جديد، فترى أن الإسلام ليس ديناً جامداً ولا منافياً للحضارة ولا معارضاً للمنطق، وأنه هو الطريق إلى ما نسعى إليه جميعاً من استعادة أمجادنا واسترداد مكاننا بين الأمم.
ولو فعل ذلك لصار من أقوى دعاة الفكرة الإسلامية. أما
стр. 143
السيد فخري البارودي وأمثاله من رجال الرعيل الأول (وصحفيّي الرعيل الأول ...) فلا تنفع معهم مناظرة ولا يفيد جدال، وهل يُناظَر الهازل ويجادَل الساخر، ويناقَش المناقشةَ العلمية من يتكلم عمّا لا يعلم ويهرف فيما لا يعرف؟ وهل تجادل في فائدة الهندسة من يسخر من الهندسة وأهلها ويهجوهم بالنكات والنوادر والمضحكات، وهو بعدُ لم يدرس الهندسة في عمره، وليس يدري: أتبحث في السطوح والأجسام أو في قواعد طبخ الباذنجان وسيرة كسرى أنوشروان؟
وكانت الجرائد معهم، وكان لهم من الشعب المناضل مكان القيادة فمكّن ذلك لهم، حتى استطاع فخري البارودي أن يجمع مرة -في خطبة واحدة في الجامع الأموي- بين التعريض بذم شيخ الإسلام في ديار الشام الشيخ بدر الدين أخذاً له بجريرة ابنه الذي كان رئيس الوزراء، والتصريح بمدح البطريرك الماروني في لبنان، وقال إنه يحج إلى بكركي (مقر البطريرك)، نعم، بهذا اللفظ وفي جامع بني أمية!
* * *
وبقي المشايخ في عزلتهم حتى أخذت الحماسة الدينية مأخذها من اثنين منهم، هما الواعظان الشعبيان العالمان، الشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب. وكان الأول أكثر شعبية وصوفية والثاني أعلم، فقاما بحركة هزّت دمشق وضواحيها هزّاً عنيفاً، وجدّدا الدعوة إلى الدين بعزيمة صادقة وهمّة وحماسة وعنف شديد، فأقبل عليهما الناس إقبالاً منقطع النظير، ولكنهما
стр. 144
-مع الأسف- قد جعلا همَّهما الأكبر اتخاذ العمائم وإسبال اللحى، وإلباس النساء الأُزُر البيض بدل الملاءات السود!
ثم إنهما دعوا إلى مقاطعة مدارس الحكومة قبل أن يعدّوا مدارس غيرَها، وإلى ترك العلوم الطبيعية ونبذ الأدب والاقتصار على النحو والفقه والحديث والتفسير والتصوف! فكان ذلك سبباً في فشل هذه الدعوة، وكان فشلها سريعاً كما كان نجاحها سريعاً، فكانت كأنها حريق في تل من القش (١).
على أن هذه الوثبة قد أبقت أثرين: أولهما أن العلماء لمّا رأوا هذا النجاح تبدد ما كانوا فيه من اليأس، وعلموا أنهم يستطيعون -إذا شاؤوا- اقتحام الميدان الشعبي، وأن العاطفة الدينية لا تزال أقوى العواطف في صدور العامة من أهل الشام.
والثاني: أن الجماعة التي كوّنتها هذه الوثبة قد اتبعت من بعدُ سبيل الحكمة، وسايرت الزمن من حيث يسير، فاستطاعت أن تنشئ مدارس عدة ثانوية ودينية، وأن يكون تلاميذها في مقدمة الناجحين في البكالوريا في كل دورة.
* * *
لبثت الحال على ذلك إلى أن أُلِّفت في مصر «جمعية الشبان المسلمين»، فكان تأليفها بداية مرحلة جديدة في طريق
стр. 145
الدعوة هي مرحلة العمل المنظَّم (ومن الوفاء للحقيقة أن أقرر أنها وُلدت في دار المطبعة السلفية في شارع الاستئناف في القاهرة)، ولمّا عدت إلى مصر المرة الثانية كان رئيسها الأستاذ الكبير في جسده ورجولته وقلبه وإيمانه عبد الحميد سعيد، خَلَف في الرياسة الأستاذَ الشيخ عبد العزيز شاويش، وكان أمين سرّها خالي الأستاذ المحب. ثم أُلِّفت جمعية الهداية الإسلامية، وكان رئيسها من يوم تأسيسها -فيما أعلم- الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر، وأُلِّف مثلهما في دمشق وفي بغداد، ثم أُلِّفت في دمشق «جمعية التمدن الإسلامي»، وكان تلاميذ الأستاذ الشيخ علي الدقر قد ألّفوا جمعية سمّوها «الجمعية الغَرّاء» لتعليم أولاد الفقراء.
وسأصف لكم هذه المرحلة في المقالة الآتية إن شاء الله (١).
* * *